Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:167–169
3:167Page 72
وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْۚ وَقِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ قَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدۡفَعُواْۖ قَالُواْ لَوۡ نَعۡلَمُ قِتَالٗا لَّٱتَّبَعۡنَٰكُمۡۗ هُمۡ لِلۡكُفۡرِ يَوۡمَئِذٍ أَقۡرَبُ مِنۡهُمۡ لِلۡإِيمَٰنِۚ يَقُولُونَ بِأَفۡوَٰهِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يَكۡتُمُونَ ١٦٧
And that He might make evident those who are hypocrites. For it was said to them, "Come, fight in the way of Allāh or [at least] defend." They said, "If we had known [there would be] battle, we would have followed you." They were nearer to disbelief that day than to faith, saying with their mouths what was not in their hearts. And Allāh is most knowing of what they conceal -
صفحة 118
﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ، وهَذا عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِن مِثْلِهِ، وإعادَةُ الفِعْلِ إمّا لِلِاعْتِناءِ بِهَذِهِ العِلَّةِ، أوْ لِتَشْرِيفِ المُؤْمِنِينَ وتَنْزِيهِهِمْ عَنِ الِانْتِظامِ في قَرْنِ المُنافِقِينَ، ولِلْإيذانِ بِاخْتِلافِ حالِ العِلْمِ بِحَسَبِ التَّعَلُّقِ بِالفَرِيقَيْنِ، فَإنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالمُؤْمِنِينَ عَلى نَهْجِ تَعَلُّقِهِ السّابِقِ، وبِالمُنافِقِينَ عَلى نَهْجٍ جَدِيدٍ وهو السِّرُّ - كَما قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ - في إيرادِ الأوَّلِينَ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ المُنْبِئَةِ عَنِ الِاسْتِمْرارِ، والآخِرِينَ بِمَوْصُولٍ صِلَتُهُ فِعْلٌ دالٌّ عَلى الحُدُوثِ، ﴿وقِيلَ لَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى نافَقُوا مُؤْذِنٌ بِأنَّ ذَلِكَ كانَ نِفاقًا خاصًّا أظْهَرُوهُ في ذَلِكَ المَقامِ.
وقِيلَ: ابْتِداءُ كَلامٍ مَعْطُوفٍ عَلى مَجْمُوعِ ما قَبْلَهُ عَطْفَ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ، ووَجْهُهُ أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ لَمّا ذَكَرَ أحْوالَ المُؤْمِنِينَ وما جَرى لَهم وعَلَيْهِمْ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ وبَيَّنَ أنَّ الدّائِرَةَ إنَّما كانَتْ لِلِابْتِلاءِ ولِيَتَمَيَّزَ المُؤْمِنُونَ عَنِ المُنافِقِينَ، ولِيَعْلَمَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ أنَّ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن إصابَةِ المُؤْمِنِينَ كائِنٌ لا مَحالَةَ أوْرَدَ قِصَّةً مِن قَصَصِهِمْ مُناسِبَةً لِهَذا المَقامِ مُسْتَطْرَدَةً، وجِيءَ بِالواوِ لِأنَّها مُلائِمَةٌ لِأصْلِ الكَلامِ، والنِّفاقُ عَلى هَذا مُطْلَقٌ مُتَعارَفٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُبْتَدَأً عَلى سَبِيلِ الِاعْتِراضِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى كَيْفِيَّةِ ظُهُورِ نِفاقِهِمْ أوْ عَدَمِ ثَباتِهِمْ عَلى الإيمانِ.
وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ، القائِلُ إمّا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإلَيْهِ ذَهَبُ الأصَمُّ، وإمّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرامٍ مِن بَنِي سَلِمَةَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الأكْثَرُ، ومَقُولُ القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا﴾ قالَ السُّدِّيُّ وابْنُ جُرَيْجٍ: ﴿أوِ ادْفَعُوا﴾ عَنّا العَدُوَّ بِتَكْثِيرِ السَّوادِ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: إنَّهم خُيِّرُوا بَيْنَ أنْ يُقاتِلُوا لِلْآخِرَةِ أوْ لِدَفْعِ الكُفّارِ عَنْ أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ أوْ بَيْنَ الأوَّلِ وبَيْنَ دَفْعِ المُؤْمِنِينَ عَنْ ذَلِكَ، كَأنَّهُ قِيلَ: قاتِلُوا لِلَّهِ تَعالى أوْ لِلنِّفاقِ الدّافِعِ عَنْ أنْفُسِكم وأمْوالِكم، وتُرِكَ العاطِفُ الفاءُ أوِ الواوُ بَيْنَ (تَعالَوْا)، و(قاتِلُوا) لِما أنَّ المَقْصُودَ بِهِما واحِدٌ وهو الثّانِي، وذُكِرَ الأوَّلُ تَوْطِئَةً لَهُ وتَرْغِيبًا فِيهِ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّظاهُرِ والتَّعاوُنِ، وقِيلَ: تُرِكَ العاطِفُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ مَقْصُودٌ بِنَفْسِهِ، وقِيلَ: الأمْرُ الثّانِي حالٌ ولا يَخْفى بُعْدُهُ.
﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ فَما صَنَعُوا حِينَ قِيلَ لَهم ذَلِكَ ؟ فَقِيلَ قالُوا: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتالا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ أيْ لَوْ كُنّا نَعْلَمُ أنَّكم تُقاتِلُونَ ما أسْلَمْناكم، ولَكِنْ لا نَرى أنْ يَكُونَ قِتالٌ. أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ شِهابٍ، وقِيلَ: أرادُوا إنّا لا نُحْسِنُ القِتالَ ولا نَقْدِرُ عَلَيْهِ لِأنَّ العِلْمَ بِالفِعْلِ الِاخْتِيارِيِّ مِن لَوازِمِ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَعَبَّرَ بِنَفْيِهِ عَنْ نَفْيِها، ويُحْتَمَلُ أنَّهم جَعَلُوا نَفْيَ عِلْمِ القِتالِ كِنايَةً عَنْ أنَّ ما هم فِيهِ لَيْسَ قِتالًا بِناءً عَلى نَفْيِ العِلْمِ بِنَفْيِ المَعْلُومِ؛ لِأنَّ القِتالَ يَسْتَدْعِي التَّكافُؤَ مِنَ الجانِبَيْنِ مَعَ رَجاءِ مُدافَعَةٍ أوْ مُغالَبَةٍ، ومَتى لَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ كانَ إلْقاءُ الأنْفُسِ إلى التَّهْلُكَةِ، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتالا﴾ في سَبِيلِ اللَّهِ لاتَّبَعْناكم، أوْ لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا مَعَنا لاتَّبَعْناكم، لَكِنْ لَيْسَ لِلْمُخالِفِ مَعَنا مُضادَّةٌ ولا قَصْدٌ لَهُ إلّا مَعَكم، ولا يَخْفى أنَّ هَذا الكَلامَ عَلى جَمِيعِ تَقادِيرِهِ يَصْلُحُ وُقُوعُهُ جَوابًا لِما قِيلَ لَهم عَلى جَمِيعِ تَقادِيرِهِ ما عَدا الأوَّلِ، وعَلى الأوَّلِ يَصْلُحُ هَذا جَوابًا لَهُ عَلى جَمِيعِ تَقادِيرِهِ ما عَدا الثّانِي، إذْ عَدَمُ المَعْرِفَةِ بِالقِتالِ لا يَكُونُ عُذْرًا في عَدَمِ تَكْثِيرِ السَّوادِ إلّا عَلى بُعْدٍ، ومِن كَلامِهِمْ:
إنْ لَمْ تُقاتِلْ يا جَبانُ فَشَجِّعْ.
والمُرادُ بِالِاتِّباعِ إمّا الذَّهابُ لِلْقِتالِ ولَمْ يُعَبِّرُوا بِهِ لِأنَّ ألْسِنَتَهم لِكَمالِ تَثَبُّطِ قُلُوبِهِمْ عَنْهُ لا تُساعِدُهم عَلى الإفْصاحِ بِهِ، وأمّا الذَّهابُ مَعَ المُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا سَواءٌ كانَ لِلْقِتالِ أوْ لِلدَّفْعِ وتَكْثِيرِ السَّوادِ وحَمْلُهُ عَلى امْتِثالِ الأمْرِ أيْ لَوْ كُنّا نَعْلَمُ قِتالًا لامْتَثَلْنا أمْرَكم لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ.
صفحة 119
﴿هم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهم لِلإيمانِ﴾ أيْ هم يَوْمَ إذْ قالُوا ﴿لَوْ نَعْلَمُ﴾ إلَخْ أقْرَبُ لِلْكُفْرِ مِنهم قَبْلَ ذَلِكَ لِظُهُورِ أمارَتِهِ عَلَيْهِمْ بِانْخِذالِهِمْ عَنْ نُصْرَةِ المُؤْمِنِينَ واعْتِذارِهِمْ لَهم عَلى وجْهِ الدَّغَلِ والِاسْتِهْزاءِ.
والظُّرُوفُ كُلُّها في المَشْهُورِ عِنْدَ المُعَرِّبِينَ مُتَعَلِّقَةٌ بِأقْرَبَ، ومِن قَواعِدِهِمْ أنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ حَرْفا جَرٍّ أوْ ظَرْفانِ بِمَعْنًى بِمُتَعَلِّقٍ واحِدٍ إلّا في ثَلاثِ صُوَرٍ: إحْداها أنْ يَتَعَلَّقَ أحَدُهُما بِهِ مُطْلَقًا ثُمَّ يَتَعَلَّقُ بِهِ الآخَرُ بَعْدَ تَقْيِيدِهِ بِالأوَّلِ، وثانِيَتُها أنْ يَكُونَ الثّانِي تابِعًا لِلْأوَّلِ بِبَدَلِيَّةٍ ونَحْوِها، وثالِثَتُها أنْ يَكُونَ المُتَعَلِّقُ أفْعَلَ تَفْضِيلٍ لِتَضَمُّنِهِ الفاضِلَ والمَفْضُولَ الَّذِي يَجْعَلُهُ بِمَنزِلَةِ تَعَدُّدِ المُتَعَلِّقِ كَما في المُقَيَّدِ والمُطْلَقِ، وما نَحْنُ فِيهِ مِن هَذا القَبِيلِ، كَأنَّهُ قِيلَ قُرْبُهم مِنَ الكُفْرِ يَزِيدُ عَلى قُرْبِهِمْ مِنَ الإيمانِ، واللّامُ الجارَّةُ في المَوْضِعَيْنِ بِمَعْنى إلى بِناءً عَلى ما قِيلَ: إنَّ صِلَةَ القُرْبِ تَكُونُ مِن وإلى لا غَيْرَ، تَقُولُ: قَرُبَ مِنهُ وإلَيْهِ، ولا تَقُولُ لَهُ، أوْ عَلى حالِها بِناءً عَلى ما في الدُّرِّ المَصُونِ أنَّ القُرْبَ الَّذِي هو ضِدُّ البُعْدِ يَتَعَدّى بِثَلاثَةِ أحْرُفٍ: اللّامُ وإلى ومِن، وقِيلَ: إنَّ (أقْرَبَ) هُنا مِنَ القَرْبِ بِفَتْحِ الرّاءِ وهو طَلَبُ الماءِ ومِنهُ القارِبُ لِسَفِينَتِهِ، ولَيْلَةُ القَرْبِ أيِ الوُرُودِ، والمَعْنى هم أطْلُبُ لِلْكُفْرِ، وحِينَئِذٍ يُتَعَدّى بِاللّامِ اتِّفاقًا.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ اللّامَ هُنا لِلتَّعْلِيلِ، والتَّقْدِيرُ هم لِأجْلِ كُفْرِهِمْ يَوْمَئِذٍ (أقْرَبُ) مِنَ الكافِرِينَ مِنهم مِنَ المُؤْمِنِينَ لِأجْلِ إيمانِهِمْ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُخَرَّجَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ لِمَزِيدِ بُعْدِهِ ورَكاكَةِ نَظْمِهِ لَوْ صَرَّحَ بِما حُذِفَ فِيهِ.
وجُوِّزَ أنْ يُقَدَّرَ في الكَلامِ مُضافٌ وهو أهْلٌ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِتَمْيِيزٍ مَحْذُوفٍ وهو نُصْرَةٌ، والمَعْنى هم لِأهْلِ الكُفْرِ (أقْرَبُ) نُصْرَةً مِنهم لِأهْلِ الإيمانِ، إذْ كانَ انْخِذالُهم ومَقالُهم تَقْوِيَةً لِلْمُشْرِكِينَ وتَخْذِيلًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وهَذا كَما تَقُولُ: أنا لِزَيْدٍ أشَدُّ ضَرْبًا مِنِّي لِعَمْرٍو، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ يُمْكِنُ تَعَلُّقُ اللّامِ بِالتَّمْيِيزِ عِنْدَ عَدَمِ اعْتِبارِ حَذْفِ المُضافِ أيْضًا، وادَّعى الواحِدِيُّ أنَّ في الآيَةِ دَلِيلًا عَلى أنَّ الآتِيَ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ لا يُكَفَّرُ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يُظْهِرِ القَوْلَ بِتَكْفِيرِهِمْ.
وقالَ الحَسَنُ: إذا قالَ اللَّهُ تَعالى: (أقْرَبُ) فَهو لِلْيَقِينِ بِأنَّهم مُشْرِكُونَ، ولا يَخْفى أنَّ الآيَةَ كالصَّرِيحِ في كُفْرِهِمْ، لَكِنَّهم مَعَ هَذا لا يَسْتَحِقُّونَ أنْ يُعامَلُوا بِذَلِكَ مُعامَلَةَ الكُفّارِ ولَعَلَّهُ لِأمْرٍ آخَرَ.
﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِحالِهِمْ مُطْلَقًا لا في ذَلِكَ اليَوْمِ فَقَطْ ولِذا فُصِّلَتْ، وقِيلَ: حالٌ مِن ضَمِيرِ (أقْرَبُ) وتَقْيِيدُ القَوْلِ بِالأفْواهِ إمّا بَيانٌ لِأنَّهُ كَلامٌ لَفْظِيٌّ لا نَفْسِيٌّ، وإمّا تَأْكِيدٌ عَلى حَدِّ ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ والمُرادُ أنَّهم يُظْهِرُونَ خِلافَ ما يُضْمِرُونَ، وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: إنَّ ذِكْرَ الأفْواهِ والقُلُوبِ تَصْوِيرٌ لِنِفاقِهِمْ وتَوْضِيحٌ لِمُخالَفَةِ ظاهِرِهِمْ لِباطِنِهِمْ، وإنَّ (ما) عِبارَةٌ عَنِ القَوْلِ، والمُرادُ بِهِ إمّا نَفْسُ الكَلامِ الظّاهِرِ في اللِّسانِ تارَةً، وفي القَلْبِ أُخْرى، فالمُثْبَتُ والمَنفِيُّ مُتَّحِدانِ ذاتًا وصِفَةً، وإنِ اخْتَلَفا مَظْهَرًا، وإمّا القَوْلُ المَلْفُوظُ فَقَطْ فالمَنفِيُّ حِينَئِذٍ مَنشَؤُهُ الَّذِي لا يَنْفَكُّ عَنْهُ القَوْلُ أصْلًا، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِهِ إبانَةً لِما بَيْنَهُما مِن شَدَّةِ الِاتِّصالِ، والمَعْنى يَتَفَوَّهُونَ بِقَوْلٍ لا وُجُودَ لَهُ أوْ لِمَنشَئِهِ في قُلُوبِهِمْ أصْلًا مِنَ الأباطِيلِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما حَكى عَنْهم آنِفًا، فَإنَّهم أظْهَرُوا فِيهِ أمْرَيْنِ لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ شَيْءٌ مِنهُما، أحَدُهُما عَدَمُ العِلْمِ بِالقِتالِ، والآخَرُ الِاتِّباعُ عَلى تَقْدِيرِ العِلْمِ بِهِ، وقَدْ كَذَبُوا فِيهِما كَذِبًا بَيِّنًا، حَيْثُ كانُوا عالِمِينَ بِهِ مُصِرِّينَ مَعَ ذَلِكَ عَلى الِانْخِذالِ عازِمِينَ عَلى الِارْتِدادِ، واخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَ (ما) عِبارَةً عَنِ القَوْلِ المَلْفُوظِ، ومَعْنى كَوْنِهِ لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ أنَّهُ غَيْرُ مُعْتَقَدٍ لَهم ولا مُتَصَوَّرٍ عِنْدَهم إلّا كَتَصَوُّرِ زَوْجِيَّةِ الثَّلاثَةِ مَثَلًا، والحُكْمُ عامٌّ، ويَدْخُلُ فِيهِ حُكْمُ ما تَفَوَّهُوا بِهِ مِن مَجْمُوعِ القَضِيَّةِ الشَّرْطِيَّةِ لا خُصُوصَ المُقَدَّمِ فَقَطْ، ولا خُصُوصَ
صفحة 120
التّالِي فَقَطْ، ولا الأمْرانِ مَعًا دُونَ الهَيْئَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ المُعْتَبَرَةِ في القَضِيَّةِ، ولَعَلَّ ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أوْلى.
﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾ زِيادَةُ تَحْقِيقٍ لِكُفْرِهِمْ ونِفاقِهِمْ بِبَيانِ اشْتِغالِ قُلُوبِهِمْ بِما يُخالِفُ أقْوالَهم مِن فُنُونِ الشَّرِّ والفَسادِ إثْرَ بَيانِ خُلُّوِهِمْ عَمّا يُوافِقُها، والمُرادُ أعْلَمُ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُ تَعالى يَعْلَمُهُ مُفَصَّلًا بِعِلْمٍ واجِبٍ، والمُؤْمِنُونَ يَعْلَمُونَهُ مُجْمَلًا بِأماراتٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ الحالِيَّةُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم لا يَنْفَعُهُمُ النِّفاقُ، وأنَّ المُرادَ أعْلَمُ مِنهم لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُ نَتِيجَةَ أسْرارِهِمْ وآمالِهِمْ.
3:168Page 72
ٱلَّذِينَ قَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ وَقَعَدُواْ لَوۡ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْۗ قُلۡ فَٱدۡرَءُواْ عَنۡ أَنفُسِكُمُ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٦٨
Those who said about their brothers while sitting [at home], "If they had obeyed us, they would not have been killed." Say, "Then prevent death from yourselves, if you should be truthful."
﴿الَّذِينَ قالُوا﴾ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن واوِ يَكْتُمُونَ كَأنَّهُ قِيلَ: واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَكْتُمُ الَّذِينَ قالُوا، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هُمُ الَّذِينَ، وقِيلَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قُلْ فادْرَءُوا بِحَذْفِ العائِدِ أيْ قُلْ لَهم إلَخْ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى الذَّمِّ، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلَّذِينَ نافَقُوا، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ أفْواهِهِمْ أوْ قُلُوبِهِمْ، وجاءَ إبْدالُ المُظْهَرِ مِن ضَمِيرِ الغَيْبَةِ في كَلامِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:
عَلى حالَةٍ لَوْ أنَّ في القَوْمِ حاتِمًا عَلى جُودِهِ لَضَنَّ بِالماءِ حاتِمُ
بِجَرِّ حاتِمٍ بَدَلًا مِن ضَمِيرِ جُودِهِ لِأنَّ القَوافِيَ مَجْرُورَةٌ، والمَعْنى يَقُولُونَ بِأفْواهِ الَّذِينَ قالُوا، أوْ يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِ الَّذِينَ قالُوا، والكَلامُ عَلى الوَجْهَيْنِ مِن بابِ التَّجْرِيدِ كَقَوْلِهِ:
يا خَيْرَ مَن يَرْكَبُ المَطِيَّ ولا ∗∗∗ يَشْرَبُ كَأْسًا مِن كَفِّ مَن بَخِلا
والقائِلُ كَما قالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وقَدْ قالُوا ذَلِكَ في يَوْمِ أُحُدٍ ﴿لإخْوانِهِمْ﴾ أيْ لِأجْلِ إخْوانِهِمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقُتِلُوا في ذَلِكَ اليَوْمِ، والمُرادُ لِذَوِي قَرابَتِهِمْ أوْ لِمَن هو مِن جِنْسِهِمْ ﴿وقَعَدُوا﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( قالُوا ) وقَدْ مُرادُهُ أيْ قالُوا وقَدْ قَعَدُوا عَنِ القِتالِ بِالِانْخِذالِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الصِّلَةِ فَيَكُونَ مُعْتَرِضًا بَيْنَ قالُوا ومَعْمُولِها وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ أطاعُونا﴾ أيْ في تَرْكِ القِتالِ ﴿ما قُتِلُوا﴾ كَما لَمْ نُقْتَلْ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّهم أمَرُوهم بِالِانْخِذالِ حِينَ انْخَذَلُوا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في ألْفِ رَجُلٍ وقَدْ وعَدَهُمُ الفَتْحَ إنْ صَبَرُوا، فَلَّما خَرَجُوا رَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ في ثَلَثِمِائَةٍ، فَتَبِعَهم أبُو جابِرٍ السَّلَمِيُّ يَدْعُوهم، فَلَمّا غَلَبُوهُ وقالُوا لَهُ: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتالا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ قالُوا لَهُ: ولَئِنْ أطَعْتَنا لَتَرْجِعَنَّ مَعَنا»، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى نَعْيَ قَوْلِهِمْ لَئِنْ أطَعْتَنا لَتَرْجِعَنَّ مَعَنا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( الَّذِينَ قالُوا ) إلَخْ، وبَعْضُهم حَمَلَ القُعُودَ عَلى ما اسْتَصْوَبَهُ ابْنُ أُبَيٍّ عِنْدَ المُشاوَرَةِ مِنَ المُقامَةِ بِالمَدِينَةِ ابْتِداءً، وجَعَلَ الإطاعَةَ عِبارَةً عَنْ قَبُولِ رَأْيِهِ والعَمَلِ بِهِ - ولا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ - بَلْ قالَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ: يَرُدُّهُ كَوْنُ الجُمْلَةِ حالِيَّةً فَإنَّها لِتَعْيِينِ ما فِيهِ العِصْيانُ والمُخالَفَةُ مَعَ أنَّ ابْنَ أُبَيٍّ لَيْسَ مِنَ القاعِدِينَ فِيها بِذَلِكَ المَعْنى عَلى أنَّ تَخْصِيصَ عَدَمِ الطّاعَةِ بِإخْوانِهِمْ يُنادِي بِاخْتِصاصِ الأمْرِ أيْضًا بِهِمْ، فَيَسْتَحِيلُ أنْ يُحْمَلَ عَلى ما خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عِنْدَ المُشاوَرَةِ.
﴿قُلْ﴾ يا مُحَمَّدُ تَبْكِيتًا لَهم وإظْهارًا لِكَذِبِهِمْ ﴿فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ﴾ أيْ فادْفَعُوا عَنْها ذَلِكَ وهو جَوابٌ لِشَرْطٍ قَدْ حُذِفَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (168) عَلَيْهِ، كَما أنَّهُ شَرْطُ حَذْفِ جَوابِهِ لِدَلالَةِ ﴿فادْرَءُوا﴾ عَلَيْهِ، ومَن جَوَّزَ تَقَدُّمَ الجَوابِ لَمْ يَحْتَجْ لِما ذُكِرَ، ومُتَعَلِّقُ الصِّدْقِ هو ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهم مِن أنَّ سَبَبَ نَجاتِهِمُ القُعُودُ عَنِ القِتالِ، والمُرادُ أنَّ ما ادَّعَيْتُمُوهُ سَبَبَ النَّجاةِ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ، ولَوْ فُرِضَ اسْتِقامَتُهُ فَلَيْسَ بِمُفِيدٍ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ أسْبابَ النَّجاةِ كَثِيرَةٌ غايَتُهُ أنَّ القُعُودَ
صفحة 121
والنَّجاةَ وُجِدا مَعًا وهو لا يَدُلُّ عَلى السَّبَبِيَّةِ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ المَهْرُوبَ عَنْهُ بِالذّاتِ هو المَوْتُ الَّذِي القَتْلُ أحَدُ أسْبابِهِ، فَإنْ صَحَّ ما ذَكَرْتُمْ فادْفَعُوا سائِرَ أسْبابِهِ، فَإنَّ أسْبابَ المَوْتِ في إمْكانِ المُدافِعَةِ بِالحِيَلِ وامْتِناعِها سَواءٌ، وأنْفُسَكم أعَزُّ عَلَيْكم، وأمْرَها أهَمُّ لَدَيْكم، وقِيلَ: مُتَعَلِّقُ الصِّدْقِ ما صُرِّحَ بِهِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ والمَعْنى أنَّهم لَوْ أطاعُوكم وقَعَدُوا لَقُتِلُوا قاعِدِينَ كَما قُتِلُوا مُقاتِلِينَ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ ﴿فادْرَءُوا﴾ إلَخِ اسْتِهْزاءً بِهِمْ أيْ إنْ كُنْتُمْ رِجالًا دَفّاعِينَ لِأسْبابِ المَوْتِ ﴿فادْرَءُوا﴾ جَمِيعَ أسْبابِهِ حَتّى لا تَمُوتُوا كَما دَرَأْتُمْ بِزَعْمِكم هَذا السَّبَبَ الخاصَّ، وفي الكَشّافِ: رُوِيَ أنَّهُ ماتَ يَوْمَ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ مِنهم سَبْعُونَ مُنافِقًا بِعَدَدِ مَن قُتِلَ بِأُحُدٍ.
3:169Page 72
وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَۢاۚ بَلۡ أَحۡيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ يُرۡزَقُونَ ١٦٩
And never think of those who have been killed in the cause of Allāh as dead. Rather, they are alive with their Lord, receiving provision,
﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لَمّا أُصِيبَ إخْوانُكم بِأُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى أرْواحَهم في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أنْهارَ الجَنَّةِ وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها، وتَأْوِي إلى قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ في ظِلِّ العَرْشِ، فَلَمّا وجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ ومَشْرَبِهِمْ وحُسْنَ مَقِيلِهِمْ قالُوا: يا لَيْتَ إخْوانَنا يَعْلَمُونَ ما صَنَعَ اللَّهُ تَعالى لَنا» وفي لَفْظٍ: «قالُوا: مَن يُبَلِّغُ إخْوانَنا أنَّنا أحْياءٌ في الجَنَّةِ نُرْزَقُ لِئَلّا يَزْهَدُوا في الجِهادِ، ولا يُنَكِّلُوا عَنِ الحَرْبِ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: أنا أُبَلِّغُهم عَنْكم، فَأنْزَلَ هَؤُلاءِ الآياتِ» .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وغَيْرُهُما عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ يا جابِرُ ما لِي أراكَ مُنْكَسِرًا ؟ فَقُلْتَ: يا رَسُولَ اللَّهِ اسْتُشْهِدَ أبِي وتَرَكَ عِيالًا ودَيْنًا، فَقالَ: ألا أُبَشِّرُكَ بِما لَقِيَ اللَّهُ تَعالى بِهِ أباكَ ؟ قُلْتُ: بَلى. قالَ: ما كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى أحَدًا قَطُّ إلّا مِن وراءِ حِجابٍ، وأحْيا أباكَ فَكَلَّمَهُ كِفاحًا وقالَ: يا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ، قالَ: يا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ فِيكَ ثانِيَةً، قالَ الرَّبُّ تَعالى: قَدْ سَبَقَ مِنِّي أنَّهم لا يَرْجِعُونَ. قالَ: أيْ رَبِّي فَأبْلِغْ مَن ورائِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ "» .
ولا تَنافِيَ بَيْنَ الرِّوايَتَيْنِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ كِلا الأمْرَيْنِ قَدْ وقَعَ، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ لَهُما، والأخْبارُ مُتَضافِرَةٌ عَلى نُزُولِها في شُهَداءِ أُحُدٍ، وفي رِوايَةِ ابْنِ المُنْذِرِ عَنْ إسْحاقَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ قالَ: «حَدَّثَنِي أنَسٌ في أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الَّذِينَ أرْسَلَهُمُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى بِئْرِ مَعُونَةَ وساقَ الحَدِيثَ بِطُولِهِ - إلى أنْ قالَ - وحَدَّثَنِي أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ فِيهِمْ قُرْآنًا: بَلِّغُوا عَنّا قَوْمَنا أنّا قَدْ لَقِينا رَبَّنا فَرَضِيَ عَنّا ورَضِينا عَنْهُ، ثُمَّ نُسِخَتْ فَرُفِعَتْ بَعْدَما قَرَأْناهُ زَمانًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ﴾ إلَخْ» .
ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الخَبَرَ لَيْسَ نَصًّا في ذَلِكَ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها نَزَلَتْ في شُهَداءِ بَدْرٍ، وادَّعى العَلّامَةُ السُّيُوطِيُّ أنَّ ذَلِكَ غَلَطٌ، وأنَّ آيَةَ البَقَرَةِ هي النّازِلَةُ فِيهِمْ، وهي كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ إثْرَ بَيانِ أنَّ الحَذَرَ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي لِبَيانِ أنَّ القَتْلَ الَّذِي يَحْذَرُونَهُ ويُحَذِّرُونَ مِنهُ لَيْسَ مِمّا يُحْذَرُ، بَلْ هو مِن أجَلِّ المَطالِبِ الَّتِي يَتَنافَسُ فِيها المُتَنافِسُونَ، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ لِكُلِّ مَن يَقِفُ عَلى الخِطابِ مُطْلَقًا.
وقِيلَ: مِنَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ قالُوا: ( لَوْ أطاعُونا وقَعَدُوا ) وإنَّما عَبَّرَ عَنِ اعْتِقادِهِمْ بِالظَّنِّ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِهِ، وقُرِئَ ( يَحْسَبَنَّ ) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ عَلى الإسْنادِ إلى ضَمِيرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ ضَمِيرِ مَن يُحْسَبُ عَلى طَرَزِ ما ذُكِرَ في الخِطابِ، وقِيلَ: إلى الَّذِينَ قُتِلُوا والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ لِأنَّهُ في الأصْلِ مُبْتَدَأٌ جائِزُ الحَذْفِ عِنْدَ القَرِينَةِ أيْ: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا أنْفُسُهم أمْواتًا.
واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ إنَّما يَتَمَشّى عَلى رَأْيِ الجُمْهُورِ فَإنَّهم يُجَوِّزُونَ هَذا الحَذْفَ لَكِنَّهُ عِنْدَهم عَزِيزٌ جِدًّا، ومَنَعَهُ إبْراهِيمُ بْنُ مَلَكُونَ الإشْبِيلِيُّ البَتَّةَ، وما كانَ مَمْنُوعًا عِنْدَ بَعْضِهِمْ عَزِيزًا عِنْدَ الجُمْهُورِ يَنْبَغِي أنْ لا يُحْمَلَ عَلَيْهِ كَلامُ اللَّهِ تَعالى، وفِيهِ أنَّ هَذا مِن بابِ التَّعَصُّبِ لِأنَّ حَذْفَ أحَدِ المَفْعُولَيْنِ في بابِ الحُسْبانِ لا يَمْنَعُ اخْتِصارًا
صفحة 122
عَلى الصَّحِيحِ بَلِ اقْتِصارًا، و(ما) هُنا مِنَ الأوَّلِ فَيَجُوزُ مَعَ أنَّهُ جَوَّزَ الِاقْتِصارَ بَعْضُهم ويَكْفِي لِلتَّخْرِيجِ مِثْلُهُ.
وذَكَرَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ أنَّ حَذْفَ أحَدِ المَفْعُولَيْنِ في هَذا البابِ مَذْهَبُ الأخْفَشِ، وظاهِرُ صَنِيعِ البَعْضِ يُفْهَمُ مِنهُ تَقْدِيرُهُ مُضْمَرًا، أيْ ولا يَحْسَبَنَّهُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا، والمُرادُ لا يَحْسَبَنَّ أنْفُسَهم، واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِشَيْءٍ آخَرَ أيْضًا، وهو أنَّ فِيهِ تَقْدِيمَ المُضْمَرِ عَلى مُفَسِّرِهِ، وهو مَحْصُورٌ في أماكِنَ لَيْسَ هَذا مِنها، ورَدَّهُ السَّفاقُسِيُّ بِأنَّهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ هَذا مِنها، لَكِنَّ عَوْدَ الضَّمِيرِ عَلى الفاعِلِ لَفْظًا جائِزٌ، لِأنَّهُ مُقَدَّمٌ مَعْنًى، وتَعَدِّي أفْعالِ القُلُوبِ إلى ضَمِيرِ الفاعِلِ جائِزٌ، وقَدْ ظَنَّ السِّيرافِيُّ وغَيْرُهُ عَلى جَوازِ ظَنِّهِ زَيْدٌ مُنْطَلِقًا وظَنَّهُما الزَّيْدانِ مُنْطَلِقَيْنِ، وهَذا نَظِيرُهُ ما ذَكَرَهُ هَذا البَعْضُ، فالِاعْتِراضُ عَلَيْهِ في غايَةِ الغَرابَةِ، ثُمَّ المُرادُ مِن تَوْجِيهِ النَّهْيِ إلى المَقْتُولِينَ تَنْبِيهُ السّامِعِينَ عَلى أنَّهم أحِقّاءُ بِأنْ يَتَسَلَّوْا بِذَلِكَ، ويُبَشَّرُوا بِالحَياةِ الأبَدِيَّةِ والنَّعِيمِ المُقِيمِ، لَكِنْ لا في جَمِيعِ أوْقاتِهِمْ، بَلْ عِنْدَ ابْتِداءِ القَتْلِ، إذْ بَعُدَ تَبَيُّنِ حالِهِمْ لَهم لا تَبْقى لِاعْتِبارِ تَسْلِيَتِهِمْ وتَبْشِيرِهِمْ فائِدَةٌ، ولا لِتَنْبِيهِ السّامِعِينَ وتَذْكِيرِهِمْ وجْهٌ، قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ.
وقِيلَ: هو نَهْيٌ في مَعْنى النَّفْيِ وقَدْ ورَدَ ذَلِكَ، وإنْ قَلَّ، أوْ هو نَهْيٌ عَنْ حُسْبانِهِمْ أنْفُسَهم أمْواتًا في وقْتٍ ما، وإنْ كانُوا وقْتَ الخِطابِ عالِمِينَ بِحَياتِهِمْ، وقُرِئَ (ولا تَحْسِبَنَّ) بِكَسْرِ السِّينِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (قُتِّلُوا) بِالتَّشْدِيدِ لِكَثْرَةِ المَقْتُولِينَ.
﴿بَلْ أحْياءٌ﴾ أيْ بَلْ هم أحْياءٌ مُسْتَمِرُّونَ عَلى ذَلِكَ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ، وخَرَّجَهُ الزَّجّاجُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ بَلِ احْسَبْهم أحْياءً، ورَدَّهُ الفارِسِيُّ بِأنَّ الأمْرَ يَقِينٌ فَلا يُؤْمَرُ فِيهِ بِحُسْبانٍ، وإضْمارُ غَيْرِ فِعْلِ الحُسْبانِ كاعْتَقِدْهم أوِ اجْعَلْهم ضَعِيفٌ إذْ لا دَلالَةَ عَلَيْهِ، عَلى أنَّ تَقْدِيرَ اجْعَلْهم قالَ فِيهِ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ لا يَصِحُّ البَتَّةَ سَواءٌ جَعَلْتَهُ بِمَعْنى أخْلَقَهم أوْ صَيَّرَهم أوْ سَمَّهم أوْ ألَّفَهم، نَعَمْ قالَ السَّفاقُسِيُّ: يَصِحُّ إذا كانَ بِمَعْنى اعْتَقِدْهم، لَكِنْ يَبْقى حَدِيثُ عَدَمِ الدَّلالَةِ عَلى حالِهِ، وأجابَ الجَلَبِيُّ بِأنَّ عَدَمَ الدَّلالَةِ اللَّفْظِيَّةِ مُسَلَّمٌ، لَكِنْ إذا أرْشَدَ المَعْنى إلى شَيْءٍ قُدِّرَ مِن غَيْرِ ضَعْفٍ، وإنْ كانَتْ دَلالَةُ اللَّفْظِ أحْسَنَ، وقالَ العَلّامَةُ الثّانِي: لا مَنعَ مِنَ الأمْرِ بِالحُسْبانِ لِأنَّهُ ظَنٌّ لا شَكٌّ، والتَّكْلِيفُ بِالظَّنِّ واقِعٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ﴾ أمْرًا بِالقِياسِ وتَحْصِيلِ الظَّنِّ، وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ اليَقِينُ، ويُقَدَّرُ أحْسَبُهم لِلْمُشاكَلَةِ، ولا يَخْفى أنَّهُ تَعَسُّفٌ؛ لِأنَّ الحَذْفَ في المُشاكَلَةِ لَمْ يُعْهَدْ.
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ، أوْ صِفَةٌ لِأحْياءٍ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (أحْياءٌ) . وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ ظَرْفًا لَهُ أوْ لِلْفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، و(عِنْدَ) هُنا لَيْسَتْ لِلْقُرْبِ المَكانِيِّ لِاسْتِحالَتِهِ ولا بِمَعْنى في عِلْمِهِ وحُكْمِهِ كَما تَقُولُ: هَذا عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كَذا لِعَدَمِ مُناسَبَتِهِ لِلْمَقامِ، بَلْ بِمَعْنى القُرْبِ والشَّرَفِ أيْ ذَوُو زُلْفى ورُتْبَةٍ سامِيَةٍ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ مَعْنى في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى مُناسِبٌ لِلْمَقامِ لِدَلالَتِهِ عَلى التَّحَقُّقِ، أيْ أنَّ حَياتَهم مُتَحَقِّقَةٌ لا شُبْهَةَ فِيها، ولا يَخْفى أنَّ المَقامَ مَقامُ مَدْحٍ، فَتَفْسِيرُ العِنْدِيَّةِ بِالقُرْبِ أنْسَبُ بِهِ.
وفِي الكَلامِ دَلالَةٌ عَلى التَّحَقُّقِ مِن وُجُوهٍ أُخَرَ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ مَزِيدُ تَكْرِمَةٍ لَهم.
﴿يُرْزَقُونَ﴾ صِفَةٌ لِأحْياءٍ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ أوْ في الظَّرْفِ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِكَوْنِهِمْ أحْياءً، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في حَياتِهِمْ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، والقَوْلُ بِأنَّ أرْواحَهم تَتَعَلَّقُ بِالأفْلاكِ والكَواكِبِ فَتَلْتَذُّ بِذَلِكَ وتَكْتَسِبُ زِيادَةَ كَمالٍ قَوْلٌ هابِطٌ إلى الثَّرى، ولا أظُنُّ القائِلَ بِهِ قَرَعَ سَمْعَهُ الرِّواياتُ الصَّحِيحَةُ والأخْبارُ الصَّرِيحَةُ، بَلْ لَمْ يَذُقْ طَعْمَ الشَّرِيعَةِ الغَرّاءِ، ولا تَراءى لَهُ مَنهَجُ المَحَجَّةِ البَيْضاءِ، وخَبَرُ القَنادِيلِ لا يُنَوِّرُ كَلامَهُ، ولا يُزِيلُ ظَلامَهُ.
صفحة 123
فَلَعَمْرِي إنَّ حالَ الشُّهَداءِ وحَياتَهم وراءَ ذَلِكَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences