Al-AlusiAli 'Imran · 3:15–18

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:15–18

3:15Page 51

۞ قُلۡ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيۡرٖ مِّن ذَٰلِكُمۡۖ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَأَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ ١٥

Say, "Shall I inform you of [something] better than that? For those who fear Allāh will be gardens in the presence of their Lord beneath which rivers flow, wherein they abide eternally, and purified spouses and approval from Allāh. And Allāh is Seeing [i.e., aware] of [His] servants -

﴿قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ تَقْرِيرٌ وتَثْبِيتٌ لِما فُهِمَ مِمّا قَبْلُ مِن أنَّ ثَوابَ اللَّهِ تَعالى خَيْرٌ مِن مُسْتَلِذّاتِ الدُّنْيا، والمُرادُ مِنَ الإنْباءِ الإخْبارُ و﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِ مِنَ النِّساءِ وما مَعَهُ، والقُرّاءُ فِيما إذا اِجْتَمَعَ هَمْزَتانِ أُولاهُما مَفْتُوحَةٌ والثّانِيَةُ مَضْمُومَةٌ كَما هُنا وكَما في سُورَةِ ص [8] ﴿أأُنْزِلَ﴾ وسُورَةِ القَمَرِ [25] ﴿أأُلْقِيَ﴾ عَلى خَمْسِ مَراتِبَ: إحْداها: مَرْتَبَةُ قالُونَ وهي تَسْهِيلُ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ وإدْخالُ ألِفٍ بَيْنِ الهَمْزَتَيْنِ. الثّانِيَةُ: مَرْتَبَةُ ورْشٍ وابْنِ كَثِيرٍ وهي تَسْهِيلُ الثّانِيَةِ أيْضًا بَيْنَ بَيْنَ مِن غَيْرِ إدْخالٍ ألِفٍ بَيْنَهُما. الثّالِثَةُ: مَرْتَبَةُ الكُوفِيِّينَ وابْنِ ذَكْوانَ عَنِ اِبْنِ عامِرٍ وهي تَحْقِيقُ الثّانِيَةِ مِن غَيْرِ إدْخالِ ألِفٍ. الرّابِعَةُ: مَرْتَبَةُ هِشامٍ وهي أنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: التَّحْقِيقُ وعَدَمُ إدْخالِ ألِفٍ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ، الوَجْهُ الثّانِي: التَّحْقِيقُ وإدْخالُ ألِفٍ بَيْنَهُما في السُّوَرِ الثَّلاثِ، الوَجْهُ الثّالِثُ:

صفحة 101

التَّفْرِقَةُ بَيْنَ السُّوَرِ فَيُحِقِّقُ ويُقَصِّرُ هُنا ويَمُدُّ في الأخِيرَتَيْنِ. الخامِسَةُ: مَرْتَبَةُ أبِي عَمْرٍو وهي تَسْهِيلُ الثّانِيَةِ مَعَ إدْخالِ الألِفِ وعَدَمِهِ، والظَّرْفُ الأوَّلُ: مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ قَبْلَهُ، والثّانِي: مُتَعَلِّقٌ بِأفْعَلِ التَّفْضِيلِ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً كَما قالَ أبُو البَقاءِ لِأنَّهُ يُوجِبُ أنْ تَكُونَ الجَنَّةُ وما فِيها مِمّا رَغِبُوا فِيهِ بَعْضًا لَمّا زَهِدُوا عَنْهُ مِنَ الأمْوالِ ونَحْوِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ﴾ اِسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِذَلِكَ الخَيْرِ المُبْهَمِ عَلى أنَّ ﴿لِلَّذِينَ﴾ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و﴿جَنّاتٌ﴾ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، و﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ كَوْنُهُ ظَرْفًا لِلِاسْتِقْرارِ وكَوْنُهُ صِفَةً لِلْجَنّاتِ في الأصْلِ قُدِّمَ فانْتَصَبَ حالًا مِنها، وفي ذِكْرِ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى عُلُوِّ رُتْبَةِ الجَنّاتِ ورِفْعَةِ شَأْنِها، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُتَّقِينَ إيذانٌ بِمَزِيدِ اللُّطْفِ بِهِمْ، والمُرادُ مِنهُمُ المُتَبَتِّلُونَ إلَيْهِ تَعالى المُعْرِضُونَ عَمَّنْ سِواهُ كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ الأوْصافُ الآتِيَةُ وتَعْلِيقُ حُصُولِ الجَنّاتِ وما يَأْتِي بَعْدُ بِهَذا العُنْوانِ لِلتَّرْغِيبِ في تَحْصِيلِهِ والثَّباتِ عَلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اللّامُ مُتَعَلِّقَةً بِخَيْرٍ أيْضًا أوْ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٍ لَهُ، و(جَنّاتٌ) حِينَئِذٍ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ هي جَنّاتٌ والجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ لِ (خَيْرٍ) و(عِنْدَ رَبِّهِمْ) حِينَئِذٍ إمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِالفِعْلِ عَلى مَعْنى ثَبُتَ تَقْواهم عِنْدَهُ شَهادَةً لَهم بِالإخْلاصِ، وجازَ أنْ يُجْعَلَ خَبَرًا مُقَدَّمًا فَلا يَحْتاجُ إلى حَذْفِ المُبْتَدَأِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يُقالُ: عِنْدَ اللَّهِ تَعالى الثَّوابُ ولا يُقالُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى الجَنَّةُ، وبِذَلِكَ يُصَرِّحُ كَلامُ السَّعْدِ وغَيْرِهِ وفي النَّفْسِ مِنهُ شَيْءٌ، وقُرِئَ (جَنّاتٍ) بِكَسْرِ التّاءِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَجْرُورٌ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن لَفْظِ خَيْرٍ، وثانِيهُما: أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ (أعْنِي مَثَلًا) أوِ البَدَلِيَّةِ مِن مَحَلِّ بِخَيْرٍ.

﴿تَجْرِي﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ أوِ النَّصْبِ أوِ الجَرِّ صِفَةٌ لِجَنّاتٍ عَلى القِراءَتَيْنِ ﴿مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ تَقَدَّمَ ما فِيهِ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في (لِلَّذِينَ) والعامِلُ ما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ حالًا مِنَ الهاءِ في تَحْتِها أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في اِتَّقَوْا ولا يَخْفى ما فِيهِ.

﴿وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ أيْ مُنَزَّهَةٌ مِمّا يُسْتَقْذَرُ مِنَ النِّساءِ خَلْقًا وخُلُقًا، والعَطْفُ عَلى جَنّاتٍ عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ وأمّا عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ لَهم في الكَلامِ ﴿ورِضْوانٌ﴾ أيْ رِضًا عَظِيمٌ عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ التَّنْوِينُ، وقَرَأهُ عاصِمٌ بِضَمِّ الرّاءِ وهُما لُغَتانِ وقِراءَتانِ سَبْعِيَّتانِ في جَمِيعِ القُرْآنِ إلّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ فَإنَّهُ بِالكَسْرِ بِالِاتِّفاقِ، وقِيلَ: المَكْسُورُ اِسْمٌ والمَضْمُومُ مَصْدَرٌ، وهو قَوْلٌ لا ثَبْتَ لَهُ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ لِرِضْوانٍ مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ.

﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ [ 15 ] أيْ خَبِيرٌ بِهِمْ وبِأحْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ فَيُثِيبُ المُحْسِنَ فَضْلًا ويُعاقِبُ المُسِيءَ عَدْلًا، أوْ خَبِيرٌ بِأحْوالِ الَّذِينَ اِتَّقَوْا فَلِذَلِكَ أعَدَّ لَهم ما أعَدَّ، فالعِبادُ عَلى الأوَّلِ: عامَّ؛ وعَلى الثّانِي: خاصٌّ.

وقَدْ بَدَأ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ أوَّلًا بِذِكْرِ المَقَرِّ وهو الجَنّاتُ، ثُمَّ ثَنّى بِذِكْرِ ما يَحْصُلُ بِهِ الأُنْسُ التّامُّ وهو الأزْواجُ المُطَهَّرَةُ، ثُمَّ ثَلَّثَ بِذِكْرِ ما هو الإكْسِيرُ الأعْظَمُ والرُّوحُ لِفُؤادِ الوالِهِ المُغْرَمِ وهو رِضا اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وفي الحَدِيثِ: «أنَّهُ سُبْحانَهُ ”يَسْألُ أهْلَ الجَنَّةِ هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ ما لَنا لا نَرْضى يا رَبُّ وقَدْ أعْطَيْتَنا ما لَمْ تُعْطِ أحَدًا مِن خَلْقِكَ فَيَقُولُ جَلَّ شَأْنُهُ ألا أُعْطِيكم أفْضَلَ مِن ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ يا رَبُّ وأيُّ شَيْءٍ أفْضَلُ مِن ذَلِكَ قالَ: أُحِلُّ عَلَيْكم رِضْوانِي فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم أبَدًا“».

3:16Page 52

ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٦

Those who say, 'Our Lord, indeed we have believed, so forgive us our sins and protect us from the punishment of the Fire,' "

﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ مَن

صفحة 102

أُولَئِكَ المُتَّقُونَ؟ فَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ الخ، وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَدْحِ، وأنْ يَكُونَ في حَيِّزِ الجَرِّ عَلى أنَّهُ تابِعٌ ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ نَعْتًا أوْ بَدَلًا، أوِ العِبادُ كَذَلِكَ، واعْتُرِضَ كَوْنُهُ نَعْتًا لِلْعِبادِ بِأنَّ فِيهِ تَخْصِيصَ الإبْصارِ بِبَعْضِ العِبادِ، وفِيهِ أنَّ ذَلِكَ التَّخْصِيصَ لا يُوهِمُ الِاخْتِصاصَ لِظُهُورِ الأمْرِ بَلْ يُفِيدُ الِاهْتِمامَ بِشَأْنِهِمْ ورِفْعَةِ مَكانِهِمْ، واعْتُرِضَ أيْضًا كَوْنُهُ تابِعًا لِلْمُتَّقِينَ بِأنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا لا سِيَّما إذا جُعِلَتِ اللّامُ مُتَعَلِّقَةً بِخَيْرٍ لِكَثْرَةِ الفَواصِلِ بَيْنَ التّابِعِ والمَتْبُوعِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا بَأْسَ بِهَذا الفَصْلِ كَما لا بَأْسَ بِالفَصْلِ بَيْنَ المَمْدُوحِ والمَدْحِ إذِ الصِّفَةُ المادِحَةُ المَقْطُوعَةُ تابِعَةٌ في المَعْنى ولِهَذا يَلْزَمُ حَذْفُ النّاصِبِ أوِ المُبْتَدَأِ لِئَلّا يَخْرُجُ الكَلامُ عَنْ صُورَةِ التَّبَعِيَّةِ فالفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وسائِرِ التَّوابِعِ في قُبْحِ الفَصْلِ وعَدَمِهِ خَفِيٌّ لا بُدَّ لَهُ مِن دَلِيلٍ نَبِيلٍ، وفِيهِ أنَّ قِياسَ التَّبَعِيَّةِ لَفْظًا ومَعْنًى عَلى التَّبَعِيَّةِ مَعْنًى فَقَطْ مِمّا لا يَنْبَغِي مِن جاهِلٍ فَضْلًا عَنْ عالِمٍ فاضِلٍ، والتِزامُ حَذْفِ النّاصِبِ أوِ المُبْتَدَأِ في صُورَةِ القَطْعِ لِلْمَدْحِ أوْ لِلذَّمِّ قَدْ يُقالُ: إنَّهُ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ الإخْبارِ، والمَقْصُودُ الإنْشاءُ لا لِئَلّا يَخْرُجُ الكَلامُ عَنْ صُورَةِ التَّبَعِيَّةِ، وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ لِإظْهارِ أنَّ إيمانَهم ناشِئٌ مِن وُفُورِ الرَّغْبَةِ وكَمالِ النَّشاطِ، وفي تَرْتِيبِ طَلَبِ المَغْفِرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [ 16 ] عَلى مُجَرَّدِ الإيمانِ دَلِيلٌ عَلى كِفايَتِهِ في اِسْتِحْقاقِ المَغْفِرَةِ والوِقايَةِ مِنَ النّارِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى الطّاعاتِ، والمُرادُ مِنَ الذُّنُوبِ الكَبائِرُ والصَّغائِرُ.

3:17Page 52

ٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡمُنفِقِينَ وَٱلۡمُسۡتَغۡفِرِينَ بِٱلۡأَسۡحَارِ ١٧

The patient, the true, the obedient, those who spend [in the way of Allāh], and those who seek forgiveness before dawn.

﴿الصّابِرِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا صِفَةً لِلَّذِينِ إنْ جَعَلْتَهُ في مَوْضِعِ جَرٍّ أوْ نَصْبٍ وإذا جَعَلْتَهُ في مَحَلِّ رَفْعٍ كانَ هَذا مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ، والمُرادُ بِالصَّبْرِ الصَّبْرُ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، والصَّبْرُ عَنْ مَحارِمِهِ قالَهُ قَتادَةُ، وحَذْفُ المُتَعَلِّقِ يُشْعِرُ بِالعُمُومِ فَيَشْمَلُ الصَّبْرَ عَلى البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ، ﴿والصّادِقِينَ﴾ في نِيّاتِهِمْ وأقْوالِهِمْ سِرًّا وعَلانِيَةً وهو المَرْوِيُّ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا ﴿والقانِتِينَ﴾ أيِ المُطِيعِينَ قالَهُ اِبْنُ جُبَيْرٍ، أوِ المُداوِمِينَ عَلى الطّاعَةِ والعِبادَةِ قالَهُ الزَّجّاجُ، أوِ القائِمَيْنِ بِالواجِباتِ قالَهُ القاضِي، ﴿والمُنْفِقِينَ﴾ مِن أمْوالِهِمْ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى قالَهُ اِبْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا، ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ [ 17 ] قالَ مُجاهِدٌ والكَلْبِيُّ وغَيْرُهُما: أيِ المُصَلِّينَ بِالأسْحارِ، وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: هُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ صَلاةَ الصُّبْحِ، وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يُحْيِي اللَّيْلَ صَلاةً ثُمَّ يَقُولُ: يا نافِعُ أسَحَرَنا؟ فَيَقُولُ: لا، فَيُعاوِدُ الصَّلاةَ فَإذا قالَ: نَعَمْ، قَعَدَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعالى ويَدْعُو حَتّى يُصْبِحَ، وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «”أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نَسْتَغْفِرَ بِالأسْحارِ سَبْعِينَ اِسْتِغْفارَةً“،» ورَوى الرِّضا عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ: «أنَّ مَنِ اِسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعالى في وقْتِ السَّحَرِ سَبْعِينَ مَرَّةً فَهو مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ» والباءُ في بِالأسْحارِ بِمَعْنى فِي، وهي جَمْعُ سَحَرٍ بِفَتْحِ الحاءِ المُهْمَلَةِ وسُكُونِها سُمِّيَتْ أواخِرَ اللَّيالِي بِذَلِكَ لِما فِيها مِنَ الخَفاءِ كالسَّحَرِ لِلشَّيْءِ الخَفِيِّ، وقالَ بَعْضُهُمِ: السَّحَرُ مِن ثُلْثِ اللَّيْلِ الأخِيرِ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ.

وتَخْصِيصُ الأسْحارِ بِالِاسْتِغْفارِ لِأنَّ الدُّعاءَ فِيها أقْرَبُ إلى الإجابَةِ إذِ العِبادَةُ حِينَئِذٍ أشَقُّ والنَّفْسُ أصْفى والرُّوعُ أجْمَعُ، وفي «اَلصَّحِيحِ»: «”أنَّهُ تَعالى وتَنَزَّهَ عَنْ سِماتِ الحُدُوثِ يَنْزِلُ إلى سَماءِ الدُّنْيا في ثُلْثِ اللَّيْلِ الأخِيرِ فَيَقُولُ: مَن يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبُ لَهُ، مَن يَسْألُنِي فَأُعْطِيهِ، مَن يَسْتَغْفِرُنِي فَأغْفِرُ لَهُ، فَلا يَزالُ كَذَلِكَ حَتّى يَطْلُعَ الفَجْرُ“،» وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وأحْمَدُ عَنْ سَعِيدٍ الجَرِيرِيِّ قالَ: «بَلَغَنا أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَألَ جِبْرِيلَ

صفحة 103

عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: يا جِبْرِيلُ أيُّ اللَّيْلِ أفْضَلُ قالَ: يا داوُدُ ما أدْرِي سِوى أنَّ العَرْشَ يَهْتَزُّ في السَّحَرِ».

وتَوْسِيطُ الواوِ بَيْنَ هَذِهِ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ إمّا لِأنَّ المَوْصُوفَ بِها مُتَعَدِّدٌ وإمّا لِلدَّلالَةِ عَلى اِسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنها وكَمالِهِمْ فِيها، وقَوْلُ أبِي حَيّانَ: لا نَعْلَمُ أنَّ العَطْفَ في الصِّفَةِ بِالواوِ يَدُلُّ عَلى الكَمالِ رَدَّهُ الحَلَبِيُّ بِأنَّ عُلَماءَ البَيانِ عَلِمُوهُ وهم هم.

* * *

هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿قَدْ كانَ لَكُمْ﴾ يا مَعْشَرَ السّالِكِينَ إلى مَقْصِدِ الكُلِّ (آيَةٌ) دالَّةٌ عَلى كَمالِكم وبُلُوغِكم إلى ذُرْوَةِ التَّوْحِيدِ ﴿فِي فِئَتَيْنِ التَقَتا﴾ لِلْحَرْبِ (فِئَةٌ) مِنهُما وهي فِئَةُ القُوى الرُّوحانِيَّةِ الَّتِي هي جُنْدُ اللَّهِ تَعالى ﴿تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وطَرِيقِ الوُصُولِ إلَيْهِ ﴿وأُخْرى﴾ مِنهُما وهي جُنُودُ النَّفْسِ وأعْوانُ الشَّيْطانِ ﴿كافِرَةٌ﴾ ساتِرَةٌ لِلْحَقِّ مَحْجُوبَةٌ عَنْ حَظائِرِ الصِّدْقِ، تَرى الفِئَةُ الأخِيرَةُ الفِئَةَ الأُولى لِحَوَلِ عَيْنِ بَصِيرَتِها ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ عِنْدَ الِالتِقاءِ في مَعْرَكَةِ البَدَنِ رُؤْيَةً مَكْشُوفَةً ظاهِرَةً لا خَفاءَ فِيها مِثْلَ رُؤْيَةِ العَيْنِ، وذَلِكَ لِتَأْيِيدِ الفِئَةِ المُؤْمِنَةِ بِالأنْوارِ الإلَهِيَّةِ والإشْراقاتِ الجَبَرُوتِيَّةِ، وخِذْلانِ الفِئَةِ الكافِرَةِ بِما اِسْتَوْلى عَلَيْها مِن تَراكُمِ ظُلُماتِ الطَّبِيعَةِ وذُلِّ البُعْدِ عَنِ الحَضْرَةِ ﴿واللَّهُ﴾ تَعالى ﴿يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ﴾ تَأْيِيدَهُ لِقَبُولِ اِسْتِعْدادِهِ لِذَلِكَ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ التَّأْيِيدِ ﴿لَعِبْرَةً﴾ أيِ اِعْتِبارًا أوْ أمْرًا يُعْتَبَرُ بِهِ في الوُصُولِ إلى حَيْثُ المَأْمُولُ لِلْمُسْتَبْصِرِينَ الفاتِحِينَ أعْيُنَ بَصائِرِهِمْ لِمُشاهَدَةِ الأنْوارِ الأزَلِيَّةِ في آفاقِ المَظاهِرِ الإلَهِيَّةِ.

﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ بِسَبَبِ ما فِيهِمْ مِنَ العالَمِ السُّفْلِيِّ والغِشاوَةِ الطَّبِيعِيَّةِ والغَواشِي البَدَنِيَّةِ ﴿مِنَ النِّساءِ﴾ وهي النُّفُوسُ ﴿والبَنِينَ﴾ وهي الخَيالاتُ المُتَوَلِّدَةُ مِنها النّاشِئَةُ عَنْها ﴿والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ﴾ وهي العُلُومُ المُتَداوَلَةُ وغَيْرُ المُتَداوَلَةِ، أوِ الأُصُولُ والفُرُوعُ ﴿والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ﴾ وهي مَراكِبُ الهَوى وأفْراسُ اللَّهْوِ ﴿والأنْعامِ﴾ وهي رَواحِلُ جَمْعِ الحُطامِ وأسْبابُ جَلْبِ المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ ﴿والحَرْثِ﴾ وهو زَرْعُ الحِرْصِ وطُولُ الأمَلِ ﴿ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ الزّائِلُ عَمّا قَلِيلٍ بِالرُّجُوعِ إلى المَبْدَأِ الأصْلِيِّ والمَوْطِنِ القَدِيمِ.

ولَكَ أنْ تُبْقِيَ هَذِهِ المَذْكُوراتِ عَلى ظَواهِرِها فَإنَّ النُّفُوسَ المُنْغَمِسَةَ في أوْحالِ الطَّبِيعَةِ لَها مَيْلٌ كُلِّيٌّ إلى ذَلِكَ أيْضًا ﴿قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ المَذْكُورِ ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ النَّظَرَ إلى الأغْيارِ ﴿جَنّاتٌ﴾ جَنَّةُ يَقِينٍ وجَنَّةُ مُكاشَفَةٍ وجَنَّةُ مُشاهَدَةٍ وجَنَّةُ رِضًا وجَنَّةٌ لا أقُولُها وهي الَّتِي فِيها ما لا عَيْنَ رَأتْ ولا أُذُنَ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، ولَيْسَ في تِلْكَ الجَنَّةِ عِنْدَ العارِفِينَ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.

﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها﴾ أنْهارُ التَّجَلِّياتِ المُتْرَعَةِ بِماءِ الغُيُوبِ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ بِبَقائِهِمْ بَعْدَ فَنائِهِمْ ﴿وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ وهي الأرْواحُ المُقَدَّسَةُ عَنْ أدْناسِ الطَّبِيعَةِ المَقْصُورَةِ في خِيامِ الصِّفاتِ الإلَهِيَّةِ ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ لا يُقَدَّرُ قَدْرُهُ ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ في تَقَلُّبِ أرْواحِهِمْ في عالَمِ المَلَكُوتِ، مُحْتَرِقاتٍ مِن سَطَواتِ أنْوارِ الجَبَرُوتِ حُبًّا لِجِوارِهِ وشَوْقًا إلى لِقائِهِ يُجازِيها بِقَدْرِ هُمُومِها في طَلَبِ وجْهِهِ الأزَلِيِّ وجَمالِهِ الأبَدِيِّ ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا﴾ بِأنْوارِ أفْعالِكَ وصِفاتِكَ ﴿فاغْفِرْ لَنا﴾ ذُنُوبَ وُجُوداتِنا بِذاتِكَ ﴿وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ نارِ الحِرْمانِ ووُجُودِ البَقِيَّةِ ﴿الصّابِرِينَ﴾ عَلى مَضَضِ المُجاهَدَةِ والرِّياضَةِ ﴿والصّادِقِينَ﴾ في المَحَبَّةِ والإرادَةِ ﴿والقانِتِينَ﴾ في السُّلُوكِ إلَيْهِ ﴿والمُنْفِقِينَ﴾ ما عَداهُ فِيهِ ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ﴾ مِن ذُنُوبِ تَلَوُّناتِهِمْ وتَعَيُّناتِهِمْ في أسْحارِ التَّجَلِّياتِ، ويُقالُ: (اَلصّابِرِينَ) الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى الطَّلَبِ ولَمْ يَحْتَشِمُوا مِنَ التَّعَبِ وهَجَرُوا كُلَّ راحَةٍ وطَرَبٍ فَصَبَرُوا عَلى البَلْوى ورَفَضُوا الشَّكْوى حَتّى وصَلُوا إلى المَوْلى ولَمْ يَقْطَعْهم شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيا والعُقْبى، (والصّادِقِينَ) الَّذِينَ صَدَقُوا في الطَّلَبِ فَوَرَدُوا ثُمَّ صَدَقُوا فَشَهِدُوا ثُمَّ صَدَقُوا فَوَجَدُوا ثُمَّ صَدَقُوا فَفُقِدُوا، فَحالُهم قَصْدٌ ثُمَّ وُرُودٌ ثُمَّ شُهُودٌ ثُمَّ وُجُودٌ ثُمَّ خُمُودٌ، (والقانِتِينَ) الَّذِينَ لازَمُوا البابَ

صفحة 104

وداوَمُوا عَلى تَجَرُّعِ الِاكْتِئابِ وتَرْكِ المَحابِّ إلى أنْ تَحَقَّقُوا بِالِاقْتِرابِ، (والمُنْفِقِينَ) الَّذِينَ جادُوا بِنُفُوسِهِمْ مِن حَيْثُ الأعْمالُ ثُمَّ جادُوا بِمَيْسُورِهِمْ مِنَ الأمْوالِ ثُمَّ جادُوا بِقُلُوبِهِمْ لِصِدْقِ الأحْوالِ ثُمَّ جادُوا بِكُلِّ حَظٍّ لَهم في العاجِلِ والآجِلِ اِسْتِهْلاكًا في أنْوارِ الوِصالِ (والمُسْتَغْفِرِينَ) هُمُ الَّذِينَ يَسْتَغْفِرُونَ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ إذا رَجَعُوا إلى الصَّحْوِ وقْتَ نُزُولِ الرَّبِّ إلى السَّماءِ الدُّنْيا وإشْراقِ أنْوارِ جَمالِهِ عَلى آفاقِ النَّفْسِ ونِدائِهِ «هَلْ مِن سائِلٍ هَلْ مِن مُسْتَغْفِرٍ هَلْ مِن كَذا هَلْ مِن كَذا» ثُمَّ لَمّا مَدَحَ سُبْحانَهُ أحْبابَهُ أرْبابَ الدِّينِ وذَمَّ أعْداءَهُ الكافِرِينَ عَقَّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ الدِّينِ الحَقِّ والعُرْوَةِ الوُثْقى عَلى أتَمِّ وجْهٍ وآكِدِهِ فَقالَ سُبْحانَهُ:

3:18Page 52

شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١٨

Allāh witnesses that there is no deity except Him, and [so do] the angels and those of knowledge - [that He is] maintaining [creation] in justice. There is no deity except Him, the Exalted in Might, the Wise.

﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: «لَمّا ظَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ قَدِمَ عَلَيْهِ حَبْرانِ مِن أحْبارِ أهْلِ الشّامِ فَلَمّا أبْصَرا المَدِينَةَ قالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: ما أشْبَهَ هَذِهِ المَدِينَةُ بِصِفَةِ مَدِينَةِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي يَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ، فَلَمّا دَخَلا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَرَفاهُ بِالصِّفَةِ والنَّعْتِ فَقالا لَهُ: أنْتَ مُحَمَّدٌ؟ قالَ: نَعَمْ، قالا. أنْتَ أحْمَدُ؟ قالَ: نَعَمْ، قالا: إنّا نَسْألُكَ عَنْ شَهادَةٍ فَإنْ أنْتَ أخْبَرْتَنا بِها آمَنّا بِكَ وصَدَّقْناكَ، فَقالَ لَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَلانِي، فَقالا لَهُ: أخْبِرْنا عَنْ أعْظَمِ شَهادَةٍ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ وأسْلَما»، وقِيلَ: نَزَلَتْ في نَصارى نَجْرانَ لَمّا حاجُّوا في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو الَّذِي يُشْعِرُ بِهِ ما أشَرْنا إلَيْهِ قَبْلُ مِنَ الآثارِ، ويَمِيلُ إلَيْهِ كَلامُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى لَمّا تَرَكُوا اِسْمَ الإسْلامِ وتَسَمَّوْا بِاليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، وقِيلَ: إنَّهم قالُوا: دِينُنا أفْضَلُ مِن دِينِكَ فَنَزَلَتْ.

والجُمْهُورُ عَلى قِراءَةِ (شَهِدَ) بِلَفْظِ الماضِي وفَتْحِ هَمْزَةِ ”أنَّهُ“ عَلى مَعْنى بِأنَّهُ أوْ عَلى أنَّهُ، وقُرِئَ إنَّهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ إمّا بِإجْراءِ (شَهِدَ) مَجْرى قالَ، وإمّا بِجَعْلِ الجُمْلَةِ اِعْتِراضًا وإيقاعِ الفِعْلِ عَلى ﴿إنَّ الدِّينَ﴾ الخ عَلى قِراءَةِ مَن يَفْتَحُ الهَمْزَةَ كَما سَتَراهُ والضَّمِيرُ راجِعٌ إلَيْهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ، وقُرِئَ (شُهَداءَ لِلَّهِ) بِالنَّصْبِ والرَّفْعِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ شَهِيدٍ كَظُرَفاءَ في جَمْعِ ظَرِيفٍ، أوْ جَمْعُ شاهِدٍ كَشُعَراءَ في جَمْعِ شاعِرٍ، والنَّصْبُ إمّا عَلى الحالِيَّةِ مِنَ المَذْكُورَيْنِ وإمّا عَلى المَدْحِ، والرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ومَآلُهُ المَدْحُ أيْ هم شُهَداءُ، والِاسْمُ الجَلِيلُ في الوَجْهَيْنِ مَجْرُورٌ بِاللّامِ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، وقُرِئَ (شُهَداءُ اللَّهِ) بِالرَّفْعِ والإضافَةِ. وفي (شَهِدَ) مُسْنَدًا إلى اللَّهِ تَعالى اِسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ لِأنَّ المُرادَ أنَّهُ سُبْحانَهُ دَلَّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ بَلْ وسائِرِ كِمالاتِهِ بِأفْعالِهِ الخاصَّةِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ وما نَصَّبَهُ مِنَ الدَّلائِلِ التَّكْوِينِيَّةِ في الآفاقِ والأنْفُسِ وبِما أوْحى مِن آياتِهِ النّاطِقَةِ بِذَلِكَ كَسُورَةِ الإخْلاصِ وآيَةِ الكُرْسِيِّ وغَيْرِهِما، فَشَبَّهَ سُبْحانِهِ تِلْكَ الدَّلالَةَ الواضِحَةَ بِشَهادَةِ الشّاهِدِ في البَيانِ والكَشْفِ ثُمَّ اُسْتُعِيرَ لَفْظُ المُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبِّهِ ثُمَّ سَرَتِ الِاسْتِعارَةُ مِنَ المَصْدَرِ إلى الفِعْلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ مَجازٌ مُرْسَلٌ تَبَعِيٌّ لِما أنَّ البَيانَ لازِمٌ لِلشَّهادَةِ، وقَدْ ذُكِرَ اللَّفْظُ الدّالُّ عَنِ المَلْزُومِ وأُرِيدَ بِهِ اللّازِمُ، وهَذا الحَمْلُ ضَرُورِيٌّ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ دُونَ القِراءَةِ الشّاذَّةِ.

﴿والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ﴾ عَطْفٌ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ ولا بُدَّ حِينَئِذٍ مِن حَمْلِ الشَّهادَةِ عَلى مَعْنًى مَجازِيٍّ شامِلٍ لِما يُسْنَدُ إلى هَذَيْنَ الجَمْعَيْنِ بِطَرِيقِ عُمُومِ المَجازِ أيْ أقَرَّ المَلائِكَةُ بِذَلِكَ وآمَنَ العُلَماءُ بِهِ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ، وبَعْضُهم قَدَّرَ في كُلٍّ مِنَ المَعْطُوفَيْنِ لَفْظَ (شَهِدَ) مُرادًا مِنهُ ما يَصِحُّ نِسْبَتُهُ إلى ما أُسْنِدَ إلَيْهِ، ولَعَلَّ القَوْلَ بِعُمُومِ المَجازِ أوْلى مِنهُ، قِيلَ: والمُرادُ بِأُولُو العِلْمِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: المُهاجِرُونَ والأنْصارُ،

صفحة 105

وقِيلَ: عُلَماءُ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: جَمِيعُ عُلَماءِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ عَرَفُوا وحْدانِيَّتَهُ تَعالى بِالدَّلائِلِ القاطِعَةِ والحُجَجِ الباهِرَةِ، وقَدَّمَ المَلائِكَةَ لِأنَّ فِيهِمْ مَن هو واسِطَةٌ لِإفادَةِ العِلْمِ لِذَوِيهِ، وقِيلَ: لِأنَّ عِلْمَهم كُلَّهُ ضَرُورِيٌّ بِخِلافِ البَشَرِ فَإنَّ عِلْمَهم ضَرُورِيٌّ واكْتِسابِيٌّ، ثُمَّ إنَّ اِرْتِفاعَ هَذَيْنِ المَرْفُوعَيْنِ عَلى ما شَذَّ مِنَ القِراءَةِ عَلى الِابْتِدائِيَّةِ والخَبَرِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، أيْ: والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ شُهَداءُ بِذَلِكَ، وقِيلَ: بِالعَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ في شُهَداءَ وصَحَّ ذَلِكَ لِلْفَصْلِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ ذَلِكَ عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ يُؤَدِّي إلى تَقْيِيدِ حالِ المَذْكُورِينَ بِشَهادَةِ المَلائِكَةِ وأُولُو العِلْمَ ولَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ فائِدَةٍ كَما لا يَخْفى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ بَيانٌ لِكَمالِهِ تَعالى في أفْعالِهِ إثْرَ بَيانِ كَمالِهِ في ذاتِهِ، واَلْقِسْطُ العَدْلُ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ أيْ مُقِيمًا بِالعَدْلِ، وفي اِنْتِصابِ ﴿قائِمًا﴾ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ حالًا لازِمَةً مِن فاعِلِ (شَهِدَ) ويَجُوزُ إفْرادُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِالحالِ دُونَ المَعْطُوفِ إذا قامَتْ قَرِينَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ أوْ لَفْظِيَّةٌ، ومِنهُ ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ وأُخِّرَتِ الحالُ عَنِ المَعْطُوفَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى عُلُوِّ مَرْتَبَتِهِما وقُرْبِ مَنزِلَتِهِما، والمُسارَعَةُ إلى إقامَةِ شُهُودِ التَّوْحِيدِ اِعْتِناءً بِشَأْنِهِ ولَعَلَّهُ السِّرُّ في تَقْدِيمِهِ عَلى المَعْطُوفَيْنِ مَعَ الإيذانِ بِأصالَتِهِ تَعالى في الشَّهادَةِ بِهِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ وهو وإنْ كانَ مَعْرُوفًا في المَعْرِفَةِ لَكِنَّهُ ثابِتٌ في غَيْرِها أيْضًا.

والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ وصْفًا لِاسْمِ لا المَبْنِيِّ، واسْتُبْعِدَ بِأنَّهم إنَّما يَتَّسِعُونَ بِالفَصْلِ بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ بِفاصِلٍ لَيْسَ أجْنَبِيًّا مِن كُلِّ وجْهٍ، والمَعْطُوفُ عَلى فاعِلِ (شَهِدَ) أجْنَبِيٌّ مِمّا هو في صِلَةِ أنَّ لَفْظًا ومَعْنًى، وبِأنَّهُ مُتَلَبِّسٌ بِالحالِ فَيَنْبَغِي عَلى هَذا أنْ يُرْفَعَ حَمْلًا عَلى مَحَلِّ اِسْمِ لا رَفْعًا لِلِالتِباسِ.

والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ مَفْعُولَ العِلْمِ، أيْ: وأُولُو المَعْرِفَةِ قائِمًا بِالقِسْطِ ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

الخامِسُ: ولَعَلَّهُ الأوْجَهُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ، والعامِلُ فِيها مَعْنى الجُمْلَةِ أيْ تَفَرَّدَ أوْ أحَقَّهُ لِأنَّها حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، ولا يَضُرُّ تَخَلُّلُ المَعْطُوفَيْنِ هُنا بِخِلافِهِ في الصِّفَةِ لِأنَّ الحالَ المُؤَكِّدَةَ في هَذا القِسْمِ جارِيَةٌ مَجْرى جُمْلَةٍ مُفَسِّرَةٍ نَوْعَ تَفْسِيرٍ فَناسَبَ أنْ يُقَدَّمَ المَعْطُوفانِ لِأنَّ المَشْهُودَ بِهِ واحِدٌ فَهو نَوْعٌ مِن تَأْكِيدِهِ تُمِّمَ بِالحالِ المُفَسِّرَةِ وعَلى تَقْدِيرِ الحالِيَّةِ مِنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِيَّةِ لِلْعِلْمِ لا يَنْدَرِجُ في المَشْهُودِ بِهِ وعَلى تَقْدِيرِ النَّصْبِ عَلى المَدْحِ يَحْتَمِلُ الِانْدِراجَ وعَدَمَهُ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ الأخِيرَيْنِ يَنْدَرِجُ لا مَحالَةَ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (اَلْقائِمُ بِالقِسْطِ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وكَوْنُهُ بَدَلًا مِن (هُوَ) لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ، وقَرَأ أبُو حَنِيفَةَ ( قَيِّمًا بِالقِسْطِ) .

﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْمَشْهُودِ بِهِ لِلتَّأْكِيدِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِمَعْرِفَةِ أدِلَّتِهِ لِأنَّ تَثْبِيتَ المُدَّعى إنَّما يَكُونُ بِالدَّلِيلِ، والِاعْتِناءُ بِهِ يَقْتَضِي الِاعْتِناءَ بِأدِلَّتِهِ ولِيَنْبَنِيَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [ 18 ] فَيُعْلَمُ أنَّهُ المَنعُوتُ بِهِما، وقِيلَ: لا تَكْرارَ لِأنَّ الأوَّلَ شَهادَةُ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ، والثّانِي شَهادَةُ المَلائِكَةِ وأُولِي العِلْمِ، وهو ظاهِرٌ عِنْدَ مَن يَرْفَعُ المَلائِكَةَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، ووَجْهُ التَّرْتِيبِ تَقَدَّمَ العِلْمُ بِقُدْرَتِهِ الَّتِي يُفْهِمُها (اَلْعَزِيزُ) عَلى العِلْمِ بِحِكْمَتِهِ تَعالى الَّتِي يُؤْذِنُ بِها (اَلْحَكِيمُ) وجَعَلَ بَعْضُهُمُ (اَلْعَزِيزُ) ناظِرًا إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ و(اَلْحَكِيمُ) ناظِرًا إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ ورَفْعُهُما عَلى الخَبَرِيَّةِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوِ البَدَلِيَّةِ مِن (هُوَ) أوِ الوَصْفِيَّةِ لَهُ بِناءً عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ السَّكّاكِيُّ مِن جَوازِ وصْفِ ضَمِيرِ الغائِبِ، وجَعْلُهُما نَعْتًا لِفاعِلِ (شَهِدَ) بَعِيدٌ.

وقَدْ رُوِيَ في فَضْلِ الآيَةِ أخْبارٌ؛ أخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ مَرْفُوعًا: «”لَمّا نَزَلَتْ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾، وآيَةُ الكُرْسِيِّ، و﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾،

صفحة 106

و﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ إلى ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ تَعَلَّقْنَ بِالعَرْشِ وقُلْنَ: أتُنْزِلُنا عَلى قَوْمٍ يَعْمَلُونَ بِمَعاصِيكَ؟ فَقالَ: وعِزَّتِي وجَلالِي وارْتِفاعِ مَكانِي لا يَتْلُوكُنَّ عَبْدٌ عِنْدَ دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ إلّا غَفَرْتُ لَهُ ما كانَ فِيهِ وأسْكَنْتُهُ جَنَّةَ الفِرْدَوْسِ ونَظَرْتُ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً وقَضَيْتُ لَهُ سَبْعِينَ حاجَةً أدْناها المَغْفِرَةُ“».

وأخْرَجَ اِبْنُ عَدِيٍّ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ وضَعَّفَهُ والخَطِيبُ وابْنُ النَّجّارِ عَنْ غالِبٍ القَطّانِ قالَ: ««أتَيْتُ الكُوفَةَ فَنَزَلْتُ قَرِيبًا مِنَ الأعْمَشِ فَلَمّا كانَ لَيْلَةً أرَدْتُ أنْ أنْحَدِرَ قامَ فَتَهَجَّدَ مِنَ اللَّيْلِ فَمَرَّ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ الخ، فَقالَ: وأنا أشْهَدُ بِما شَهِدَ اللَّهُ تَعالى بِهِ وأسْتَوْدِعُ اللَّهَ تَعالى هَذِهِ الشَّهادَةَ وهي لِي ودِيعَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى قالَها مِرارًا، فَقُلْتُ: لَقَدْ سَمِعَ فِيها شَيْئًا فَسَألْتُهُ، فَقالَ: حَدَّثَنِي أبُو وائِلِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”يُجاءُ بِصاحِبِها يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى عَبْدِي عَهِدَ إلَيَّ عَهْدًا وأنا أحَقُّ مَن وفى بِالعَهْدِ أدْخِلُوا عَبْدِي الجَنَّةَ“،» ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: «أنَّهُ كانَ حَوْلَ المَدِينَةِ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ خَرَرْنَ سُجَّدًا لِلْكَعْبَةِ».

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском