Al-AlusiAli 'Imran · 3:180–182

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:180–182

3:180Page 73

وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ هُوَ خَيۡرٗا لَّهُمۖ بَلۡ هُوَ شَرّٞ لَّهُمۡۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِۦ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١٨٠

And let not those who [greedily] withhold what Allāh has given them of His bounty ever think that it is better for them. Rather, it is worse for them. Their necks will be encircled by what they withheld on the Day of Resurrection. And to Allāh belongs the heritage of the heavens and the earth. And Allāh, of what you do, is [fully] Aware.

﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهُمْ﴾ بَيانٌ لِحالِ البُخْلِ وسُوءِ عاقِبَتِهِ وتَخْطِئَةٌ لِأهْلِهِ في دَعْواهم خَيْرِيَّتَهُ حَسْبَ بَيانِ حالِ الإمْلاءِ، وبِهَذا تَرْتَبِطُ الآيَةُ بِما قَبْلَها

وقِيلَ: وجْهُ الِارْتِباطِ أنَّهُ تَعالى؛ لَمّا بالَغَ في التَّحْرِيضِ عَلى بَذْلِ الأرْواحِ في الجِهادِ وغَيْرِهِ شَرَعَ هَهُنا في التَّحْرِيضِ عَلى بَذْلِ المالِ، وبَيَّنَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ لِمَن يَبْخَلُ، وإيرادِ ما بَخِلُوا بِهِ بِعُنْوانِ إيتاءِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ مِن فَضْلِهِ؛ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ سُوءِ صَنِيعِهِمْ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن مُوجِباتِ بَذْلِهِ في سَبِيلِهِ سُبْحانَهُ، وفِعْلُ الحُسْبانِ مُسْنَدٌ إلى المَوْصُولِ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الصِّلَةِ عَلَيْهِ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ المَفْعُولَ في هَذا البابِ مَطْلُوبٌ مِن جِهَتَيْنِ: مِن جِهَةِ العامِلِ فِيهِ، ومِن جِهَةِ كَوْنِهِ أحَدَ جُزْأيِ الجُمْلَةِ، فَلَمّا تَكَرَّرَ طَلَبَهُ امْتُنِعَ حَذْفُهُ، ونَقْضُ ذَلِكَ بِخَبَرِ كانَ فَإنَّهُ مَطْلُوبٌ مِن جِهَتَيْنِ أيْضًا، ولا خِلافَ في جَوازِ حَذْفِهِ إذا دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ.

ونَقَلَ الطَّيِّبِيُّ عَنْ صاحِبِ الكَشّافِ أنَّ حَذْفَ أحَدِ مَفْعُولىْ حَسِبَ إنَّما يَجُوزُ إذا كانَ فاعِلُ حَسِبَ ومَفْعُولاهُ شَيْئًا واحِدًا في المَعْنى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ عَلى القِراءَةِ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، ثُمَّ قالَ: وهَذِهِ الآيَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَلا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ بِأنْ يُقالَ: ( إنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ) الفاعِلُ لَمّا اشْتَمَلَ عَلى البُخْلِ كانَ في حُكْمِ اتِّحادِ الفاعِلِ والمَفْعُولِ، ولِذَلِكَ حُذِفَ، وقِيلَ: إنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ كَنّى عَنْ قُوَّةِ القَرِينَةِ بِالِاتِّحادِ الَّذِي ذَكَرَهُ، وكِلا القَوْلَيْنِ لَيْسا بِشَيْءٍ، والصَّحِيحُ أنَّ مَدارَ صِحَّةِ الحَذْفِ القَرِينَةُ، فَمَتى وُجِدَتْ جازَ الحَذْفُ، ومَتى لَمْ تُوجَدْ لَمْ يَجُزْ.

والقَوْلُ بِأنَّ هو ضَمِيرُ رَفْعٍ اسْتُعِيرَ في مَكانِ المَنصُوبِ، وهو راجِعٌ إلى البُخْلِ أوِ الإيتاءِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ أوَّلًا تَعَسُّفٌ جِدًّا، لا يَلِيقُ بِالنَّظْمِ الكَرِيمِ، -وإنْ جَوَّزَهُ المَوْلى عِصامُ الدِّينِ تَبَعًا لِأبِي البَقاءِ- حَتّى قالَ في الدُّرِّ المَصُونِ: إنَّهُ غَلَطٌ، والصَّحِيحُ أنَّهُ ضَمِيرُ فَصْلٍ بَيْنَ مَفْعُولَيْ حَسِبَ، لا تَوْكِيدٌ لِلْمُظْهَرِ كَما تُوِهِّمَ، وقِيلَ: الفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى ضَمِيرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ ضَمِيرِ مَن يَحْسَبُ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ هو المَوْصُولُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: بُخْلَ الَّذِينَ، والثّانِي: خَيْرًا كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، نَعَمْ إنَّهُ مُتَعَيِّنٌ عَلى قِراءَةِ الخِطابِ.

وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ يُقَدَّرُ بَيْنَ الباءِ ومَجْرُورِها مُضافٌ، أيْ: لا يَحْسَبَنَّ، أوْ ( لا يحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ) بِإنْفاقِ أوْ زَكاةِ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو صِفَةٌ حَسَنَةٌ ( أوْ خَيْرًا ) لَهم مِنَ الإنْفاقِ ﴿بَلْ هو شَرٌّ﴾ عَظِيمٌ ﴿لَهُمْ﴾، والتَّنْصِيصُ عَلى ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ مِمّا تَقَدَّمَ لِلْمُبالَغَةِ ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ شَرْيَتِهِ لَهم، والسِّينُ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، والكَلامُ عِنْدَ الأكْثَرِينَ إمّا مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِهِ، فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَن آتاهُ اللَّهُ تَعالى مالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكاتَهُ مُثِّلَ لَهُ شُجاعٌ أقْرَعُ، لَهُ زَبِيبَتانِ يُطَوِّقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ، يَقُولُ: أنا مالُكَ أنا كَنْزُكَ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ» ”.

وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «ما مِن ذِي رَحِمٍ يَأْتِي ذا رَحِمَهُ، فَيَسْألُهُ مِن فَضْلِ ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى إيّاهُ فَيَبْخَلُ عَلَيْهِ إلّا خَرَجَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ مِن جَهَنَّمَ شُجاعٌ يَتَلَمَّظُ حَتّى يُطَوِّقَهُ»، ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ

صفحة 140

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وغَيْرُهُ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخْعِيِّ أنَّهُ قالَ: يُجْعَلُ ما بَخِلُوا بِهِ طَوْقًا مِن نارٍ في أعْناقِهِمْ.

وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ الظّاهِرَ غَيْرُ مُرادٍ، والمَعْنى كَما قالَ مُجاهِدٌ: سَيُكَلَّفُونَ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ ما بَخِلُوا بِهِ مِن أمْوالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ؛ عُقُوبَةً لَهم، فَلا يَأْتُونَ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: سَيُلْزَمُونَ وبالَ ما بَخِلُوا بِهِ إلْزامَ الطَّوْقِ عَلى أنَّهُ حُذِفَ المُضافُ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ لِلْإيذانِ بِكَمالِ المُناسَبَةِ بَيْنَهُما، ومِن أمْثالِهِمْ تُقَلِّدُها طَوْقَ الحَمامَةِ، وكَيْفَما كانَ فالآيَةُ نَزَلَتْ في مانِعِي الزَّكاةِ، كَما رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الصّادِقِ، وابْنِ مَسْعُودٍ، والشَّعْبِيِّ، والسُّدِّيِّ، وخَلْقٍ آخَرِينَ، وهو الظّاهِرُ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ كَتَمُوا صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ونُبُوَّتَهُ، الَّتِي نَطَقَتْ بِها التَّوْراةُ، فالمُرادُ بِالبُخْلِ: كِتْمانُ العِلْمِ، وبِالفَضْلِ: التَّوْراةُ الَّتِي أُوتُوها، ومَعْنى ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ ما قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ، أوِ المُرادُ أنَّهم يُطَوَّقُونَ طَوْقًا مِنَ النّارِ جَزاءَ هَذا الكِتْمانِ.

فالآيَةُ حِينَئِذٍ نَظِيرَ قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «“مَن سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ بِلِجامٍ مِن نارٍ»، وعَلَيْهِ يَكُونُ هَذا عَوْدًا إلى ما انْجَرَّ مِنهُ الكَلامُ إلى قِصَّةِ أُحُدٍ، وذَلِكَ هو شَرْحُ أحْوالِ أهْلِ الكِتابِ، قِيلَ: ويُعَضِّدُهُ أنَّ كَثِيرًا مِن آياتِ بَقِيَّةِ السُّورَةِ فِيهِمْ: ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: لِلَّهِ تَعالى وحْدَهُ لا لِأحَدٍ غَيْرِهِ -اسْتِقْلالًا أوِ اشْتِراكًا- ما في السَّمَواتِ والأرْضِ مِمّا يُتَوارَثُ مِن مالِ وغَيْرِهِ، كالأحْوالِ الَّتِي تَنْتَقِلُ مِن واحِدٍ إلى آخَرَ كالرِّسالاتِ الَّتِي يَتَوارَثُها أهْلُ السَّماءِ مَثَلًا فَما لِهَؤُلاءِ القَوْمِ يَبْخَلُونَ عَلَيْهِ بِمُلْكِهِ ولا يُنْفِقُونَهُ في سَبِيلِهِ وابْتِغاءِ مَرْضاتِهِ، فالمِيراثُ مَصْدَرٌ كالمِيعادِ، وأصْلُهُ مِوْراثٌ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءًا لِانْكِسارِ ما قَبِلَها، والمُرادُ بِهِ: ما يُتَوارَثُ، والكَلامُ جارٍ عَلى حَقِيقَتِهِ، ولا مَجازَ فِيهِ، ويَجُوزُ أنَّهُ تَعالى يَرِثُ مِن هَؤُلاءِ ما في أيْدِيهِمْ مِمّا بَخِلُوا بِهِ ويَنْتَقِلُ مِنهم إلَيْهِ حِينَ يُهْلِكُهم ويُفْنِيهِمْ وتَبْقى الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ عَلَيْهِمْ فَفي الكَلامِ عَلى هَذا مَجازٌ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ إنَّ اللَّهَ تَعالى يُفْنِي أهْلَهُما فَيَبْقَيانِ بِما فِيهِما لَيْسَ لِأحَدٍ فِيهِما مِلْكٌ، فَخُوطِبُوا بِما يَعْلَمُونَ؛ لِأنَّهم يَجْعَلُونَ ما يَرْجِعُ إلى الإنْسانِ مِيراثًا مِلْكًا لَهُ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ المَنعِ والبُخْلِ ﴿خَبِيرٌ﴾ فَيُجازِيكم عَلى ذَلِكَ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ؛ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ والِالتِفاتُ إلى الخِطابِ لِلْمُبالَغَةِ في الوَعِيدِ؛ لِأنَّ تَهْدِيدَ العَظِيمِ بِالمُواجَهَةِ أشَدُّ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ، وابْنِ عامِرٍ وعاصِمٍ وحَمْزَةِ والكِسائِيُّ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءُ عَلى الغِيبَةِ.

3:181Page 74

لَّقَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٞ وَنَحۡنُ أَغۡنِيَآءُۘ سَنَكۡتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتۡلَهُمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ١٨١

Allāh has certainly heard the statement of those [Jews] who said, "Indeed, Allāh is poor, while we are rich." We will record what they said and their killing of the prophets without right and will say, "Taste the punishment of the Burning Fire.

﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهُ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ”«دَخَلَ أبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - بَيْتَ المِدْراسِ فَوَجَدَ يَهُودَ قَدِ اجْتَمَعُوا إلى رَجُلٍ مِنهم، يُقالُ لَهُ فِنْحاصُ، وكانَ مِن عُلَمائِهِمْ وأحْبارِهِمْ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: ويَحُكُّ يا فِنْحاصُ، اتَّقِ اللَّهَ تَعالى، وأسْلِمْ، فَواللَّهِ، إنَّكَ لَتَعْلَمُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكم في التَّوْراةِ، فَقالَ فِنْحاصُ: واللَّهِ يا أبا بَكْرٍ، ما بِنا إلى اللَّهِ تَعالى مِن فَقْرٍ، وإنَّهُ إلَيْنا لَفَقِيرٌ، وما نَتَضَرَّعُ إلَيْهِ كَما تُضِرِّعَ إلَيْنا، وإنّا عَنْهُ لَأغْنِياءُ، ولَوْ كانَ غَنِيًّا عَنّا ما اسْتَقْرَضَ مِنّا، كَما يَزْعُمُ صاحِبُكم، وأنَّهُ يَنْهاكم عَنِ الرِّبا ويُعْطِينا، ولَوْ كانَ غَنِيًّا عَنّا ما أعْطانا الرِّبا، فَغَضِبَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَضَرَبَ وجْهْ فِنْحاصَ ضَرْبَةً شَدِيدَةً، وقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلا العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَكَ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ يا عَدُوَّ اللَّهِ تَعالى، فَذَهَبَ فِنْحاصُ إلى رَسُولِ اللَّهِ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، انْظُرْ ما صَنَعَ صاحِبُكَ بِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ:“ما حَمَلَكَ عَلى ما صَنَعْتَ ؟ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ قَوْلًا عَظِيمًا، يَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى شَأْنَهُ فَقِيرٌ، وهم عَنْهُ أغْنِياءُ، فَلَمّا قالَ ذَلِكَ غَضِبْتُ لِلَّهِ تَعالى

صفحة 141

مِمّا قالَ فَضَرَبْتُ وجْهَهُ، فَجَحَدَ فِنْحاصُ، فَقالَ: ما قَلْتُ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيما قالَ فِنْحاصُ تَصْدِيقًا لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ هَذِهِ الآيَةَ، وأنْزَلَ في أبِي بَكْرٍ، وما بَلَغَهُ في ذَلِكَ مِنَ الغَضَبِ ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ الآيَةَ» .

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّها نَزَلَتْ في حُيَيِ بْنِ أخْطَبَ لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ قالَ: يَسْتَقْرِضُنا رَبُّنا، إنَّما يَسْتَقْرِضُ الفَقِيرُ الغَنِيَّ.

وأخْرَجَ الضِّياءُ وغَيْرُهُ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أتَتِ اليَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ حِينَ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، فَقِيرٌ رَبُّكَ يَسْألُ عِبادَهُ القَرْضَ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ "، والجَمْعُ عَلى الرِّوايَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مَعَ كَوْنِ القائِلِ واحِدًا لِرِضا الباقِينَ بِذَلِكَ، وتَخْصِيصُ هَذا القَوْلِ بِالسَّماعِ مَعَ أنَّهُ تَعالى سَمِيعٌ لِجَمِيعِ المَسْمُوعاتِ كِنايَةً تَلْوِيحِيَّةً عَنِ الوَعِيدِ؛ لِأنَّ السَّماعَ لازِمُ العِلْمِ بِالمَسْمُوعِ، وهو لازِمُ الوَعِيدِ في هَذا المَقامِ؛ فَهو سَماعُ ظُهُورٍ وتَهْدِيدٍ لا سَماعَ قَبُولٍ ورِضًا -كَما في سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهْ- وإنَّما عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالسَّماعِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مِنَ الشَّناعَةِ والسَّماحَةِ بِحَيْثُ لا يَرْضى قائِلُهُ بِأنْ يَسْمَعَهُ سامِعٌ، ولِهَذا أنْكَرُوهُ، ولِكَوْنِ إنْكارِهِمُ القَوْلَ بِمَنزِلَةِ إنْكارِ السَّمْعِ أكَّدَهُ تَعالى بِالتَّأْكِيدِ القَسَمِيِّ، وفِيهِ أيْضًا مِنَ التَّشْدِيدِ في التَّهْدِيدِ، والمُبالَغَةِ في الوَعِيدِ ما لا يَخْفى، والعامِلُ في مَوْضِعٍ إنَّ وما عَمِلَتْ فِيهِ، قالُوا: فَهي المَحْكِيَّةُ بِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعْمُولًا لِقَوْلِ المُضافِ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، قالَ أبُو البَقاءِ: وهَذا يَخْرُجُ عَلى قَوْلِ الكُوفِيِّينَ في إعْمالِ الأوَّلِ، وهو أصْلٌ ضَعِيفٌ، ويَزْدادُ هُنا ضَعْفًا بِأنَّ الثّانِي فِعْلُ والأوَّلَ مَصْدَرٌ وإعْمالُ الفِعْلِ لِكَوْنِهِ أقْوى أوْلى.

﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا﴾ أيْ سَنَكْتُبُهُ في صَحائِفِ الكَتَبَةِ، فالإسْنادُ مَجازِيٌّ، والكِتابَةُ حَقِيقَةٌ، أوْ سَنَحْفَظُهُ في عِلْمِنا ولا نُهْمِلُهُ، فالإسْنادُ حَقِيقَةٌ، والكِتابَةُ مَجازٌ، والسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ: لَنْ يَفُوتَنا أبَدًا تَدْوِينُهُ وإثْباتُهُ؛ لِكَوْنِهِ في غايَةِ العِظَمِ والهَوْلِ، كَيْفَ لا وهو كُفْرٌ بِاللَّهِ تَعالى، سَواءٌ كانَ عَنِ اعْتِقادٍ، أوِ اسْتِهْزاءٍ بِالقُرْآنِ ! وهو الظّاهِرُ، ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾؛ إيذانًا بِأنَّهُما في العِظَمِ إخْوانٌ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِأوَّلِ جَرِيمَةٍ ارْتَكَبُوها ومَعْصِيَةٍ اسْتَباحُوها، وأنَّ مَنِ اجْتَرَأ عَلى قَتْلِ الأنْبِياءِ بِغَيْرِ حَقٍّ في اعْتِقادِهِ أيْضًا، كَما هو في نَفْسِ الأمْرِ لَمْ يُسْتَبْعَدْ مِنهُ أمْثالُ هَذا القَوْلِ، ونِسْبَةُ القَتْلِ إلى هَؤُلاءِ القائِلِينَ بِاعْتِبارِ الرِّضا بِفِعْلِ القاتِلِينَ مِن أسْلافِهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى سَنَجْمَعُ ما قالُوا ﴿وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ﴾ في مَقامِ العَذابِ ونَجْزِيهِما جَزاءً مُماثِلًا لِتَشارُكِهِما في أنَّ في كُلٍّ مِنهُما إبْطالًا لِما جاءَ بِهِ المُرْسَلُونَ، ولا يَخْفى أنَّهُ مِمّا لا يَنْبَغِي تَخْرِيجُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ.

﴿ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ أيْ: ونَنْتَقِمُ مِنهم بِواسِطَةِ هَذا القَوْلِ الَّذِي لا يُقالُ إلّا وقَدْ وُجِدَ العَذابُ.

والحَرِيقُ بِمَعْنى المُحْرَقِ، وإضافَةُ العَذابِ إلَيْهِ مِنَ الإضافَةِ البَيانِيَّةِ، أيِ العَذابُ الَّذِي هو المُحْرِقُ؛ لِأنَّ المُعَذِّبَ هو اللَّهُ تَعالى لا الحَرِيقُ أوِ الإفاضَةُ لِلسَّبَبِ لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةِ الفاعِلِ، كَما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، -والذَّوْقُ - كَما قالَ الرّاغِبُ، وجَوْدُ الطَّعْمِ في الفَمِ، وأصْلُهُ فِيما يَقِلُّ تَناوُلُهُ دُونَ ما يَكْثُرُ فَإنَّهُ يُقالُ لَهُ: أكْلٌ، ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهِ فاسْتُعْمِلَ؛ لِإدْراكِ سائِرِ المَحْسُوساتِ والحالاتِ، وذِكْرُهُ هُنا -كَما قالَ ناصِرُ الدِّينِ -لِأنَّ العَذابَ مُرَتَّبٌ عَلى قَوْلِهِمُ النّاشِئِ عَنِ البُخْلِ والتَّهالُكِ عَلى المالِ وغالِبِ حاجَةِ الإنْسانِ إلَيْهِ؛ لِتَحْصِيلِ المَطاعِمِ، ومُعْظَمُ بُخْلِهِ لِلْخَوْفِ مِن فُقْدانِهِ، ولِذَلِكَ كَثُرَ ذِكْرُ الأكْلِ مَعَ المالِ، ولَكَ أنْ تَقُولَ: إنَّ اليَهُودَ لَمّا قالُوا ما قالُوا، وقَتَلُوا مَن قَتَلُوا فَقَدْ أذاقُوا المُسْلِمِينَ وأتْباعَ الأنْبِياءِ غُصَصًا

صفحة 142

وشَبُّوا في أفْئِدَتِهِمْ نارَ الغَيْرَةِ والأسَفَ، وأحْرَقُوا قُلُوبَهم بِلَهَبِ الإيذاءِ والكَرْبِ فَعُوِّضُوا هَذا العَذابَ الشَّدِيدَ، وقِيلَ لَهم: ﴿ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ كَما أذَقْتُمْ أوْلِياءَ اللَّهِ تَعالى في الدُّنْيا ما يَكْرَهُونَ، والقائِلُ لَهم ذَلِكَ -كَما قالَ الضَّحّاكُ- خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، فالإسْنادُ حِينَئِذٍ مَجازِيٌّ وفي هَذِهِ الآيَةِ مُبالَغاتٌ في الوَعِيدِ حَيْثُ ذُكِرَ فِيها العَذابُ والحَرِيقُ والذَّوْقُ المُنْبِئُ عَنِ اليَأْسِ، فَقَدْ قالَ الزَّجّاجُ: ذُقْ كَلِمَةٌ تُقالُ لِمَن أيِسَ عَنِ العَفْوِ، أيْ: ذُقْ ما أنْتَ فِيهِ، فَلَسْتَ بِمُتَخَلِّصٍ مِنهُ، والمُؤْذِنُ بِأنَّ ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ والهَوانِ يَعْقُبُهُ ما هو أشَدُّ مِنهُ وأدْهى، والقَوْلُ لِلتَّشَفِّي المُنْبِئُ عَنْ كَمالِ الغَيْظِ والغَضَبِ، وفِيما قَبْلَها ما لا يَخْفى أيْضًا مِنَ المُبالَغاتِ، وقَرَأ حَمْزَةُ (سَيُكْتَبُ) بِالياءِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ (وقَتْلُهُمْ) بِالرَّفْعِ، ويَقُولُ بِصِيغَةِ الغَيْبَةِ.

3:182Page 74

ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّامٖ لِّلۡعَبِيدِ ١٨٢

That is for what your hands have put forth and because Allāh is not ever unjust to [His] servants."

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى العَذابِ المُحَقَّقِ المُنْزَلِ مَنزِلَةِ المَحْسُوسِ المُشاهَدِ، ولِلْإشارَةِ إلى عِظَمِ شَأْنِهِ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الهَوْلِ والفَظاعَةِ أتى بِاسْمِ الإشارَةِ مَقْرُونًا بِاللّامِ والكافِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ أعْمالِكُمُ الَّتِي قَدَّمْتُمُوها؛ كَقَتْلِ الأنْبِياءِ، وهَذا القَوْلُ الَّذِي تَكادُ السَّمَواتُ يَتَفَطَّرُنَّ مِنهُ، والمُرادُ مِنَ الأيْدِي الأنْفُسُ، والتَّعْبِيرُ بِها عَنْها مِن قَبِيلِ التَّعْبِيرِ عَنِ الكُلِّ بِالجُزْءِ الَّذِي مَدارُ جُلِّ العَمَلِ عَلَيْهِ، يَجُوزُ أنْ لا يُتَجَوَّزَ في الأيْدِي بَلْ يُجْعَلُ تَقْدِيمُها الَّذِي هو عَمَلُها عِبارَةً عَنْ جَمِيعِ الأعْمالِ الَّتِي أكْثَرُها أوِ الكَثِيرُ مِنها يُزاوَلُ بِاليَدِ عَلى طَرِيقِ التَّغْلِيبِ، ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَدَّمَتْ فَهو داخِلٌ تَحْتِ حُكْمِ باءِ السَّبَبِيَّةِ، وسَبَبِيَّتُهُ لِلْعَذابِ مِن حَيْثُ أنَّ نَفْيَ الظُّلْمِ يَسْتَلْزِمُ العَدْلَ المُقْتَضِي إثابَةَ المُحْسِنِ، ومُعاقَبَةَ المُسِيءِ، -وإلَيْهِ ذَهَبَ الفُحُولُ مِنَ المُفَسِّرِينَ- وتَعَقَّبَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ بِقَوْلِهِ: وفَسادُهُ ظاهِرٌ فَإنَّ تَرْكَ التَّعْذِيبِ مِن مُسْتَحَقِّهِ لَيْسَ بِظُلْمٍ شَرْعًا ولا عَقْلًا حَتّى يَنْتَهِضَ نَفْيُ الظُّلْمِ سَبَبًا لِلتَّعْذِيبِ.

وخُلاصَتُهُ المُعارَضَةُ بِطَرِيقِ القِياسِ الِاسْتِثْنائِيِّ بِأنَّهُ لَوْ كانَ تَرْكُ التَّعْذِيبِ ظُلْمًا لَكانَ نَفْيُ الظُّلْمِ سَبَبًا لِلتَّعْذِيبِ، لَكِنَّ تَرْكَ التَّعْذِيبِ لَيْسَ بِظُلْمٍ، فَنَفْيُ الظُّلْمِ لا يَكُونُ سَبَبًا لَهُ، وأُجِيبَ بِأنَّ مَنشَأ هَذا الِاعْتِراضِ عَدَمُ الفَرْقِ بَيْنَ السَّبَبِ والعِلَّةِ المُوجِبَةِ، والفَرْقُ مِثْلَ الصُّبْحِ ظاهِرٌ، فَإنَّ السَّبَبَ وسِيلَةٌ مَحْضَةٌ لا يُوجِبُ حُصُولَ المُسَبِّبِ كَما أنَّ القَلَمَ -سَبَبُ الكِتابَةِ- غَيْرُ مُوجِبٍ إيّاها، والعَدْلُ اللّازِمُ مِن نَفْيِ الظُّلْمِ سَبَبٌ لِعَذابِ المُسْتَحِقِّ وإنْ لَمْ يُوجِبْهُ.

فالِاسْتِدْلالُ بِعَدَمِ الإيجابِ عَلى عَدَمِ السَّبَبِيَّةِ فاسِدٌ جِدًّا، وأمّا قَوْلُهم في العَدْلِ المُقْتَضِي إلَخْ فَهو بَيانٌ لِمُقْتَضاهُ إذا خَلى وطَبْعَهُ، وتَقْرِيرٌ لِكَوْنِهِ وسِيلَةً، ولا يَلْزَمُ مِنهُ إيجابُ الإثابَةِ والمُعاقَبَةِ عَلى ما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: «سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» وخُلاصَةُ هَذا أنَّ المُلازِمَةَ بَيْنَ المُقَدَّمِ والتّالِي في القِياسِ الِاسْتِثْنائِيِّ مَمْنُوعَةٌ بِأنَّهُ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ لا يَكُونَ تَرْكُ التَّعْذِيبِ ظُلْمًا، ويَكُونَ نَفْيُ الظُّلْمِ سَبَبًا بِأنْ يَكُونَ السَّبَبُ سَبَبًا غَيْرَ مُوجِبٍ ولا مَحْذُورٍ حِينَئِذٍ.

لا يُقالُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَبْنى ذَلِكَ الِاعْتِراضِ عَلى المَفْهُومِ المُعْتَبَرِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ لا عَلى كَوْنِ السَّبَبِ مُوجِبًا لِأنّا نَقُولُ: إنْ أُرِيدَ بِالمَفْهُومِ مَفْهُومُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأنَّ اللَّهَ﴾ إلَخْ فَنَقُولُ: حاصِلُهُ أنَّ العَدْلَ سَبَبٌ لِعَذابِ المُسْتَحِقِّينَ، والمَفْهُومُ مِنهُ أنَّ العَدْلَ لا يَكُونُ سَبَبًا لِعَذابِ غَيْرِ المُسْتَحِقِّينَ، وهو مَعْنًى مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لا نِزاعَ فِيهِ، وإنْ أُرِيدَ أنَّ المَفْهُومَ مِن قَوْلِنا سَبَبُ تَعْذِيبِهِمْ كَوْنُهُ تَعالى غَيْرُ ظالِمٍ أنَّهُ تَعالى لَوْ لَمْ يُعَذِّبْهم لَكانَ ظالِمًا، فَنَقُولُ: هو مَعَ بُعْدِهِ عَنْ سِياقِ كَلامِ المُعْتَرِضِ مِن قُبَيْلِ الِاسْتِدْلالِ بِانْتِفاءِ السَّبَبِ عَلى انْتِفاءِ المُسَبِّبِ، فَيَكُونُ مَبْنِيًّا عَلى كَوْنِ المُرادِ بِالسَّبَبِ السَّبَبُ المُوجِبُ كَما قُلْنا ويُرَدُّ عَلَيْهِ ما أوْرَدْناهُ، ولا يَكُونُ مِن بابِ المَفْهُومِ في شَيْءٍ، وإنْ أُرِيدَ غَيْرُ هَذا وذاكَ فَلْيُبَيَّنْ حَتّى نَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ، ومِنَ النّاسِ مَن دَفَعَ الِاعْتِراضَ بِأنَّ حاصِلَ مَعْنى الآيَةِ وقْعُ العَذابِ

صفحة 143

عَلَيْكم ولَمْ يُتْرَكْ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ، وهو بِمَنطُوقِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ نَفْيَ الظُّلْمِ لا يَكُونُ سَبَبًا لِتَرْكِ التَّعْذِيبِ مِن مُسْتَحِقِّهِ، ولا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ الظُّلْمِ سَبَبًا لِتَرْكِ التَّعْذِيبِ، بَلْ لَهُ سَبَبٌ آخَرُ، وهو لُطْفُهُ تَعالى فَلا يُرَدُّ الِاعْتِراضُ، وأنْتَ تَعْلَمُ بِأنَّ هَذا ذُهُولٌ عَنْ مَقْصُودِ المُعْتَرِضِ أيْضًا، فَإنَّ دَلالَةَ الكَلامِ عَلى كَوْنِ الظُّلْمِ سَبَبًا لِتَرْكِ التَّعْذِيبِ، وعَدَمَها خارِجٌ عَنْ مَطْمَحِ نَظَرِهِ عَلى ما عَرَفْتَ مِن تَقْرِيرِ كَلامِهِ، عَلى أنَّهُ إذا كانَ المُرادُ بِالسَّبَبِ السَّبَبَ المُوجِبَ عَلى ما هو مَبْنى كَلامِ ذَلِكَ المَوْلى، فَدَلالَتُهُ عَلَيْهِ ظاهِرَةٌ؛ فَإنَّ وُجُودَ السَّبَبِ المُوجِبِ كَما يَكُونُ سَبَبًا لِوُجُودِ المُسَبِّبِ يَكُونُ عَدَمُهُ سَبَبًا لِعَدَمِهِ -كَما في طُلُوعِ الشَّمْسِ ووُجُودِ النَّهارِ، فالعَدْلُ أعْنِي نَفْيَ الظُّلْمِ إذا كانَ سَبَبًا لِتَعْذِيبِ المُسْتَحِقِّ يَكُونُ عَدَمُهُ أعْنِي الظُّلْمَ سَبَبًا لِعَدَمِ التَّعْذِيبِ، وقِيلَ: إنَّهُ عَطْفٌ عَلى ما قَدَّمْتُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ سَبَبِيَّةَ ذُنُوبِهِمْ لِعَذابِهِمْ مُقَيَّدَةٌ بِانْتِفاءِ ظُلْمِهِ تَعالى إذْ لَوْلاهُ لَأمْكَنَ أنْ يُعَذِّبَهم بِغَيْرِ ذُنُوبِهِمْ لا أنْ لا يُعَذِّبَهم بِذُنُوبِهِمْ.

وتَعَقَّبَهُ أيْضًا مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ بِقَوْلِهِ: وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ إمْكانَ تَعْذِيبِهِ تَعالى لِعَبِيدِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ، بَلْ وُقُوعُهُ لا يُنافِي كَوْنَ تَعْذِيبِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ حَتّى يَحْتاجَ إلى اعْتِبارِ عَدَمِهِ مَعَهُ، وإنَّما يَحْتاجُ إلى ذَلِكَ إنْ كانَ المُدَّعِي أنَّ جَمِيعَ تَعْذِيباتِهِ تَعالى بِسَبَبِ ذُنُوبِ المُعَذَّبِينَ انْتَهى، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ أنْ لا يُعَذِّبَهم بِذُنُوبِهِمْ في كَلامِ القِيلِ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: أنَّ يُعَذِّبَهم، والمَعْنى أنَّ ذِكْرَ هَذا القَيْدِ رَفْعُ احْتِمالِ أنْ يُعَذِّبَهم بِغَيْرِ ذُنُوبِهِمْ لِاحْتِمالِ أنْ لا يُعَذِّبَهم بِذُنُوبِهِمْ؛ فَإنَّهُ أمْرٌ حَسَنٌ شَرْعًا وعَقْلًا، وقَوْلُهُ: لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ سَبَبِيَّةَ ذُنُوبِهِمْ لِعَذابِهِمْ مُقَيَّدَةٌ إلَخْ، أرادَ بِهِ أنَّ تَعَيُّنَهُ لِلسَّبَبِيَّةِ إنَّما يَحْصُلُ بِهَذا القَيْدِ إذْ بِإمْكانِ تَعْذِيبِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ سَبَبُ التَّعْذِيبِ إرادَةَ العَذابِ بِلا ذَنْبٍ، فَيَكُونُ حاصِلُ مَعْنى الآيَةِ إنَّ عَذابَكم هَذا إنَّما نَشَأ مِن ذُنُوبِكم لا مِن شَيْءٍ آخَرَ، فَإذا عَلِمْتَ هَذا ظَهَرَ لَكَ أنَّ تَزْيِيفَ المَوْلى كَلامَ صاحِبِ القِيلِ بِأنَّ إمْكانَ تَعْذِيبِهِ تَعالى إلَخْ ناشِئٌ عَنِ الغَفْلَةِ عَنْ مُرادِهِ؛ فَإنَّ كَلامَهُ لَيْسَ في مُنافاةِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ بِحَسَبِ ذاتِهِما، بَلْ في مُنافاةِ احْتِمالِ التَّعْذِيبِ بِلا ذَنْبٍ لِتَعَيُّنِ سَبَبِيَّةِ الذُّنُوبِ لَهُ، وكَذا قَوْلُهُ عَقِيبَ ذَلِكَ، وإنَّما يُحْتاجُ إلى ذَلِكَ إنْ كانَ المُدَّعِي إلَخْ ناشِئٌ عَنِ الغَفْلَةِ أيْضًا؛ لِأنَّ الِاحْتِياجِ إلى ذَلِكَ القَيْدِ في كُلٍّ مِنَ الصُّورَتَيْنِ إنَّما هو لِتَقْرِيعِ المُخاطَبِينَ وتَبْكِيتِهِمْ في الِاعْتِرافِ بِتَقْصِيراتِهِمْ بِأنَّهُ لا سَبَبَ لِلْعَذابِ إلّا مِن قِبَلِهِمْ.

فالقَوْلُ بِالِاحْتِياجِ في صُورَةِ وعَدَمُهُ في صُورَةٍ رَكِيكٌ جِدًّا، ثُمَّ إنَّهُ لا تَدافُعَ بَيْنَ هَذا القِيلِ، وبَيْنَ ما نُقِلَ أوَّلًا عَنْ فُحُولِ المُفَسِّرِينَ حَيْثُ جُعِلَ المَعْطُوفُ هُناكَ سَبَبًا وهَهُنا قَيْدًا لِلسَّبَبِ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالسَّبَبِ الوَسِيلَةُ المَحْضَةُ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما سَبَقَ، فَهو وسِيلَةٌ سَواءٌ اعْتُبِرَ سَبَبًا مُسْتَقِلًّا، أوْ قَيْدًا لِلسَّبَبِ، نَعَمْ بَيْنَهُما عَلى ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَدافُعٌ يَتَراءى مِن وجْهٍ آخَرَ، لَكِنَّهُ أيْضًا غَيْرُ وارِدٍ كَما سَنُحَقِّقُهُ بِحَوْلِهِ تَعالى.

والحاصِلُ أنَّ العَطْفَ هُنا مِمّا لا بَأْسَ بِهِ وهو الظّاهِرُ -وإلَيْهِ ذَهَبَ مَن ذَهَبَ- ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ -وإلَيْهِ ذَهَبَ شَيْخُ الإسْلامِ - (أنْ) وما بَعْدَها في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تِذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، أيْ: والأمْرُ أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِمُعَذِّبٍ لِعَبِيدِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ مِن قِبَلِهِمْ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِنَفْيِ الظُّلْمِ مَعَ أنَّ تَعْذِيبَهم بِغَيْرِ ذَنْبٍ لَيْسَ بِظُلْمٍ عَلى ما تُقَرِّرُ مِن قاعِدَةِ أهْلِ السُّنَّةِ، فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ ظالِمًا بالِغًا لِبَيانِ كَمالِ نَزاهَتِهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما يَسْتَحِيلُ صُدُورُهُ عَنْهُ تَعالى مِنَ الظُّلْمِ، كَما يُعَبِّرُ عَنْ تَرْكِ الإثابَةِ عَلى الأعْمالِ بِإضاعَتِها مَعَ أنَّ الأعْمالَ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلثَّوابِ حَتّى يَلْزَمَ مِن تَخَلُّفِهِ عَنْها إضاعَتُها، وصِيغَةُ المُبالَغَةِ لِتَأْكِيدِ هَذا المَعْنى بِإبْرازِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْذِيبِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ في صُورَةِ المُبالَغَةِ في الظُّلْمِ، ومِن هُنا يُعْلَمُ الجَوابُ عَمّا قِيلَ: إنَّ نَفْيَ نَفْسِ الظُّلْمِ أبْلَغُ مِن نَفْيِ كَثْرَتِهِ، ونَفْيَ الكَثْرَةِ لا يَنْفِي أصْلَهُ، بَلْ رُبَّما يُشْعَرُ بِوُجُودِهِ، وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ أيْضًا بِأنَّهُ نَفْيٌ لِأصِلِ

صفحة 144

الظُّلْمِ وكَثْرَتِهِ بِاعْتِبارِ آحادِ مَن ظُلِمَ، فالمُبالَغَةُ في ( ظَلّامٍ ) بِاعْتِبارِ الكِمِّيَّةِ لا الكَيْفِيَّةِ، وبِأنَّهُ إذا انْتَفى الظُّلْمُ الكَثِيرُ انْتَفى القَلِيلُ؛ لِأنَّ مَن يَظْلِمْ يَظْلِمْ لِلِانْتِفاعِ بِالظُّلْمِ، فَإذا تُرِكَ كَثِيرُهُ مَعَ زِيادَتِهِ نَفَعَهُ في حَقِّ مَن يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّفْعُ والضُّرُّ كانَ لِقَلِيلِهِ مَعَ قِلَّةِ نَفْعِهِ أكْثَرُ تَرْكًا، وبِأنَّ ( ظَلّامٍ ) لِلنَّسَبِ كَعَطّارٍ، أيْ: لا يُنْسَبُ إلَيْهِ الظُّلْمُ أصْلًا، وبِأنَّ كُلَّ صِفَةٍ لَهُ تَعالى في أكْمَلِ المَراتِبِ، فَلَوْ كانَ تَعالى ظالِمًا سُبْحانَهُ لَكانَ ظَلّامًا، فَنَفْيُ اللّازِمِ لِنَفْيِ المَلْزُومِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ صِفاتِهِ تَعالى في أقْصى مَراتِبِ الكَمالِ كَوْنَ المَفْرُوضِ ثُبُوتَهُ كَذَلِكَ، بَلِ الأصْلُ في صِفاتِ النَّقْصِ عَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِها أنْ تَكُونَ ناقِصَةً، وأُجِيبَ بِأنَّهُ إذا فُرِضَ ثُبُوتُ صِفَةٍ لَهُ تَعالى تُفْرَضُ بِما يَلْزَمُها مِنَ الكَمالِ، والقَوْلُ بِأنَّ هَذا في صِفاتِ الكَمالِ دُونَ صِفاتِ النَّقْصِ إنَّما يُوجِبُ عَدَمَ ثُبُوتِها لا ثُبُوتُها ناقِصَةً، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَتِمَّةُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском