Al-AlusiAli 'Imran · 3:187–188

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:187–188

3:187Page 75

وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ ١٨٧

And [mention, O Muḥammad], when Allāh took a covenant from those who were given the Scripture, [saying], "You must make it clear [i.e., explain it] to the people and not conceal it." But they threw it away behind their backs and exchanged it for a small price. And wretched is that which they purchased.

ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ بَعْضَ أذِيّاتِ أهْلِ الكِتابِ بِقَوْلِهِ عَزَّ قائِلًا: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ والمُرادُ بِهِمْ إمّا أحْبارُ اليَهُودِ خاصَّةً - وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ جُبَيْرٍ - وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، وإمّا ما يَشْمَلُهم وأحْبارَ النَّصارى - وهو المَرْوِيُّ عَنْهُ مِن طَرِيقِ عَلْقَمَةَ - وإنَّما ذُكِرُوا بِعُنْوانِ إيتاءِ الكِتابِ مُبالَغَةً في تَقْبِيحِ حالِهِمْ، وقِيلَ: رَمْزًا إلى أنْ أخْذَ المِيثاقِ كانَ في كِتابِهِمُ الَّذِي أُوتُوهُ.

ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أنَّ أصْحابَ عَبْدِ اللَّهِ يَقْرَءُونَ: وإذْ أخَذَ رَبَّكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِيثاقَهم.

﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ﴾ جَوابُ مِيثاقٍ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى القَسَمِ، والضَّمِيرُ لِلْكِتابِ أيْ بِاللَّهِ لَتُظْهِرُنَّ جَمِيعَ ما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ والأخْبارِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أمْرُ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهو المَقْصُودُ بِالحِكايَةِ، وظاهِرُ كَلامِ السُّدِّيِّ وابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ الضَّمِيرَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ وإنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِاسْمِهِ الشَّرِيفِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ: لَيُبَيِّنُنَّهُ بِياءِ الغَيْبَةِ، وقَدْ قَرَّرَ عُلَماءُ العَرَبِيَّةِ أنَّكَ إذا أخْبَرْتَ عَنْ يَمِينِ حُلِفَ بِها فَلَكَ في ذَلِكَ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحُدُها: أنْ يَكُونَ بِلَفْظِ الغائِبِ كَأنَّكَ تُخْبِرُ عَنْ شَيْءٍ كَأنْ تَقُولَ: اسْتَحْلَفْتُهُ لَيَقُومَنَّ. الثّانِي: أنْ تَأْتِيَ بِلَفْظِ الحاضِرِ تُرِيدُ اللَّفْظَ الَّذِي قِيلَ لَهُ فَتَقُولُ: اسْتَحْلَفْتُهُ لَتَقُومَنَّ كَأنَّكَ قُلْتَ: قُلْتُ لَهُ: لَتَقُومَنَّ. الثّالِثُ: أنْ تَأْتِيَ بِلَفْظِ المُتَكَلِّمِ فَتَقُولَ: اسْتَحْلَفْتُهُ لَأقُومَنَّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ بِالنُّونِ والياءِ والتّاءِ، ولَوْ كانَ تَقاسَمُوا أمْرًا لَمْ يَجِئْ فِيهِ الياءُ التَّحْتِيَّةُ لِأنَّهُ لَيْسَ بِغائِبٍ قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ.

﴿ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ عَطْفٌ عَلى الجَوابِ، وإنَّما لَمْ يُؤَكَّدْ بِالنُّونِ لِكَوْنِهِ مَنفِيًّا، وقالَ أبُو البَقاءِ: اكْتِفاءً بِالتَّوْكِيدِ في الفِعْلِ الأوَّلِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ إمّا عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ بَعْدَ الواوِ، أيْ وأنْتُمْ لا تَكْتُمُونَهُ، وإمّا عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ دُخُولَ الواوِ عَلى المُضارِعِ المَنفِيِّ عِنْدَ وُقُوعِهِ حالًا أيْ لَتُظْهِرُنَّهُ غَيْرَ كاتِمِينَ، والنَّهْيُ عَنِ الكِتْمانِ بَعْدَ الأمْرِ بِالبَيانِ لِلْمُبالَغَةِ في إيجابِ المَأْمُورِ بِهِ - كَما ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ - أوْ لِأنَّ المُرادَ بِالبَيانِ المَأْمُورِ بِهِ ذِكْرُ الآياتِ النّاطِقَةِ بِنُبُوَّتِهِ ﷺ، وبِالكِتْمانِ المَنهِيِّ عَنْهُ إلْغاءُ التَّأْوِيلاتِ الزّائِغَةِ والشُّبَهاتِ الباطِلَةِ كَما قِيلَ

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ كانَ يُفَسِّرُ ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ بِقَوْلِهِ لَتَتَكَلَّمَنَّ بِالحَقِّ ولَتَصْدُقَنَّهُ بِالعَمَلِ، وأمْرُ النَّهْيِ بَعْدَ الأمْرِ عَلى هَذا ظاهِرٌ أيْضًا، ولَعَلَّ الكَلامَ عَلَيْهِ أفْيَدُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ومَن مَعَهُ ولا يَكْتُمُونَهُ بِالياءِ كَما في سابِقِهِ ﴿فَنَبَذُوهُ﴾ أيْ طَرَحُوا ما أُخِذَ مِنهم مِنَ المِيثاقِ ﴿وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ ولَمْ يُراعُوهُ ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ أصْلًا، فَإنَّ النَّبْذَ وراءَ الظَّهْرِ تَمْثِيلٌ واسْتِعارَةٌ لِتَرْكِ الِاعْتِدادِ وعَدَمِ

صفحة 150

الِالتِفاتِ وعَكْسُهُ جَعْلُ الشَّيْءِ نُصْبَ العَيْنِ ومُقابِلَها.

﴿واشْتَرَوْا بِهِ﴾ أيْ بِالكِتابِ الَّذِي أُمِرُوا بِبَيانِهِ ونُهُوا عَنْ كِتْمانِهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْعَهْدِ والأوَّلُ أوْلى، والمَعْنى أخَذُوا بَدَلَهُ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ مِن حُطامِ الدُّنْيا الفانِيَةِ وأغْراضِها الفاسِدَةِ ﴿فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾ (187) أيْ بِئْسَ شَيْئًا يَشْتَرُونَهُ ذَلِكَ الثَّمَنُ، فَما نَكِرَةٌ مَنصُوبَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِفاعِلِ بِئْسَ، وجُمْلَةُ يَشْتَرُونَهُ صِفَتُهُ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، وقِيلَ: (ما) مَصْدَرِيَّةٌ فاعِلُ بِئْسَ، والمَخْصُوصُ مَحْذُوفٌ أيْ بِئْسَ شِراؤُهم هَذا الشِّراءَ لِاسْتِحْقاقِهِمْ بِهِ العَذابَ الألِيمَ.

واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى وُجُوبِ إظْهارِ العِلْمِ وحُرْمَةِ كِتْمانِ شَيْءٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ لِغَرَضٍ فاسِدٍ مِن تَسْهِيلٍ عَلى الظَّلَمَةِ وتَطْيِيبٍ لِنُفُوسِهِمْ واسْتِجْلابٍ لِمَسارِهِمْ واسْتِجْذابٍ لِمَبارِّهِمْ ونَحْوِ ذَلِكَ، وفي الخَبَرِ: ”«مَن سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ بِلِجامٍ مِن نارٍ“».

ورَوى الثَّعْلَبِيُّ بِإسْنادِهِ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عُمارَةَ قالَ: أتَيْتُ الزُّهْرِيَّ بَعْدَ أنْ تَرَكَ الحَدِيثَ فَألْفَيْتُهُ عَلى بابِهِ فَقُلْتُ: إنْ رَأيْتَ أنْ تُحَدِّثَنِي ؟ فَقالَ: أما عَلِمْتَ أنِّي تَرَكْتُ الحَدِيثَ ؟ فَقُلْتُ: إمّا إنْ تُحَدِّثَنِي، وإمّا أنْ أُحَدِّثَكَ، فَقالَ: حَدِّثْنِي، فَقُلْتُ: حَدَّثَنِي الحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ نَجْمٍ الخَرّازِ قالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ يَقُولُ: ما أخَذَ اللَّهُ تَعالى عَلى أهْلِ الجَهْلِ أنْ يَتَعَلَّمُوا حَتّى أخَذَ عَلى أهْلِ العِلْمِ أنْ يَعْلَمُوا، قالَ: فَحَدَّثَنِي أرْبَعِينَ حَدِيثًا.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: لَوْلا ما أخَذَ اللَّهُ تَعالى عَلى أهْلِ الكِتابِ ما حَدَّثْتُكم، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ.

وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ الحَسَنِ: لَوْلا المِيثاقُ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى أهْلِ العِلْمِ ما حَدَّثْتُكم بِكَثِيرٍ مِمّا تَسْألُونَ عَنْهُ.

ويُؤَيِّدُ الِاسْتِدْلالَ بِالآيَةِ عَلى ما ذُكِرَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى قَوْمٍ في المَسْجِدِ وفِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَقالَ: إنَّ كَعْبًا يُقْرِئُكُمُ السَّلامَ ويُبَشِّرُكم أنَّ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ إلَخْ. لَيْسَتْ فِيكم، فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: وأنْتَ فَأقْرِئْهُ السَّلامَ أنَّها نَزَلَتْ - وهو يَهُودِيٌّ - وأرادَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ كَعْبًا لَمْ يَعْرِفْ ما أشارَتْ إلَيْهِ وإنْ نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ.

3:188Page 75

لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحۡمَدُواْ بِمَا لَمۡ يَفۡعَلُواْ فَلَا تَحۡسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٖ مِّنَ ٱلۡعَذَابِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٨٨

And never think that those who rejoice in what they have perpetrated and like to be praised for what they did not do - never think them [to be] in safety from the punishment, and for them is a painful punishment.

﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾ خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْخِطابِ أيْ لا تَظُنَّنَّ.

﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا﴾ أيْ بِما فَعَلُوا، وبِهِ قَرَأ أُبَيٌّ، وقُرِئَ: (بِما آتَوْا) و(بِما أُوتُوا) ورُوِيَ الثّانِي عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.

﴿ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا﴾ أيْ أنْ يَحْمَدُهُمُ النّاسُ، وقِيلَ: المُسْلِمُونَ، وقِيلَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ: هم أهْلُ الكِتابِ أُنْزِلَ عَلَيْهِمُ الكِتابُ فَحَكَمُوا بِغَيْرِ الحَقِّ وحَرَّفُوا الكَلامَ عَنْ مَواضِعِهِ وفَرِحُوا بِذَلِكَ وأحَبُّوا ﴿أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ مِنَ الصَّلاةِ والصِّيامِ، وفي رِوايَةِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ عَنْهُ ”«أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سَألَهم عَنْ شَيْءٍ فَكَتَمُوهُ إيّاهُ وأخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ فَخَرَجُوا وقَدْ أرَوْهُ أنْ قَدْ أخْبَرُوهُ بِما سَألَهم عَنْهُ، واسْتَحْمَدُوا بِذَلِكَ إلَيْهِ وفَرِحُوا بِما أتَوْا مِن كِتْمانِ ما سَألَهم عَنْهُ“».

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهم (يَفْرَحُونَ) بِكِتْمانِهِمْ صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الَّتِي نَطَقَ بِها كُتّابُهم ﴿ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا﴾ بِأنَّهم مُتَّبِعُونَ دِينَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ المَوْصُولُ عِبارَةً عَنِ المَذْكُورِينَ سابِقًا الَّذِينَ أخَذَ مِيثاقَكم، وقَدْ وُضِعَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ، وسِيقَتِ الجُمْلَةُ لِبَيانِ ما يَسْتَتْبِعُ أعْمالَهُمُ المَحْكِيَّةَ مِنَ العَذابِ

صفحة 151

إثْرَ بَيانِ قَباحَتِها، وفي ذَلِكَ مِنَ التَّسْلِيَةِ أيْضًا ما لا يَخْفى، وقَدْ أُدْمِجَ فِيها بَيانُ بَعْضٍ آخَرَ مِن شَنائِعِهِمْ وفَضائِحِهِمْ وهو إصْرارُهم عَلى القَبِيحِ وفَرَحُهم بِذَلِكَ ومَحَبَّتُهم لِأنْ يُوصَفُوا بِما لَيْسَ فِيهِمْ مِنَ الأوْصافِ الجَمِيلَةِ، وأخْرَجَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ مَخْرَجَ المَعْلُومِ إيذانًا بِشُهْرَةِ اتِّصافِهِمْ بِهِ، وقِيلَ: إنَّ المَوْصُولَ عِبارَةٌ عَنْ أُناسٍ مُنافِقِينَ وهم طائِفَةٌ مَعْهُودُونَ مِنَ المَذْكُورِينَ وغَيْرِهِمْ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّ رِجالًا مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا إذا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى الغَزْوِ تَخَلَّفُوا عَنْهُ وفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَإذا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الغَزْوِ اعْتَذَرُوا إلَيْهِ وحَلَفُوا وأحَبُّوا ﴿أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، ورُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وغَيْرِهِما، وقِيلَ: المُرادُ بِهَؤُلاءِ المُنافِقُونَ كافَّةً، وقَدْ كانَ أكْثَرُهم مِنَ اليَهُودِ.

وادَّعى بَعْضُهم أنَّهُ الأنْسَبُ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِشُهْرَةِ أنَّهم كانُوا يَفْرَحُونَ بِما فَعَلُوا مِن إظْهارِ الإيمانِ وقُلُوبُهم مُطْمَئِنَّةٌ بِالكُفْرِ، ويَسْتَحْمِدُونَ إلى المُسْلِمِينَ بِالإيمانِ وهم عَنْ فِعْلِهِ بِألْفِ مَنزِلٍ، وكانُوا يُظْهِرُونَ مَحَبَّةَ المُؤْمِنِينَ وهم في الغايَةِ القاصِيَةِ مِنَ العَداوَةِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّهُ وإنْ سُلِّمَ كَوْنُهُ أنْسَبَ إلّا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِيما نَعْلَمُ مِنَ الآثارِ الصَّحِيحَةِ ما يُؤَيِّدُهُ، ومِن هُنا يُعْلَمُ بَعْدَ القَوْلِ بِأنَّ الأوْلى إجْراءُ المَوْصُولِ عَلى عُمُومِهِ شامِلًا لِكُلِّ مَن يَأْتِي بِشَيْءٍ مِنَ الحَسَناتِ فَيَفْرَحُ بِهِ فَرَحَ إعْجابٍ، ويَوَدُّ أنْ يَمْدَحَهُ النّاسُ بِما هو عارٍ مِنهُ مِنَ الفَضائِلِ مُنْتَظِمًا لِلْمَعْهُودِينَ انْتِظامًا أوَّلِيًّا عَلى أنَّهُ قَدِ اعْتُرِضَ بِأنَّ انْتِظامَ المَعْهُودِينَ مُطْلَقًا فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ أوَّلِيًّا غَيْرُ مُسَلَّمٍ إلّا إذا عُمِّمَ ما في ﴿بِما أتَوْا﴾ بِحَيْثُ يَشْمَلُ الحَسَناتِ الحَقِيقِيَّةَ وغَيْرَها، أمّا إذا خُصَّ بِالحَسَناتِ كَما يُوهِمُهُ ظاهِرُ هَذا القَوْلِ فَلا يُسَلَّمُ الِانْتِظامُ لِأنَّ أُولَئِكَ الفَرِحِينَ لَمْ يَأْتُوا بِحَسَنَةٍ في نَفْسِ الأمْرِ لِيَفْرَحُوا بِها فَرَحَ إعْجابٍ كَما لا يَخْفى، ولَعَلَّ الأمْرَ في هَذا سَهْلٌ، نَعَمْ يَزِيدُهُ بُعْدًا ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّ مَرْوانَ قالَ لِبَوّابِهِ: اذْهَبْ يا رافِعُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقُلْ: لَئِنْ كانَ كُلُّ امْرِئٍ مِنّا فَرِحَ بِما أُوتِيَ وأحَبَّ أنْ يُحْمَدَ بِما لَمْ يَفْعَلْ مُعَذَّبًا لَنُعَذَّبَنَّ أجْمَعُونَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما لَكم ولِهَذِهِ الآيَةِ إنَّما أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أهْلِ الكِتابِ، ثُمَّ تَلا: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ الأوْلى إجْراءَ المَوْصُولِ عَلى عُمُومِهِ لَأجْراهُ حَبْرُ الأُمَّةِ وتَرْجُمانُ القُرْآنِ، وأزالَ الإشْكالَ بِتَقْيِيدِ الفَرَحِ بِفَرَحِ الإعْجابِ كَما فَعَلَ صاحِبُ هَذا القَوْلِ، ولا يَلْزَمُ مِن كَلامِ الحَبْرِ عَلى هَذا عَدَمُ حُرْمَةِ الفَرَحِ فَرَحَ إعْجابٍ، وحُبُّ الحَمْدِ بِما لَمْ يَفْعَلْ بِالمَرَّةِ، بَلْ قُصارى ما يَلْزَمُ مِنهُ عَدَمُ كَوْنِ ذَلِكَ مَفادَ الآيَةِ - كَما قِيلَ - وهو لا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ كَوْنِهِ مَفادَ شَيْءٍ أصْلًا لِيَكُونَ ذَلِكَ قَوْلًا بِعَدَمِ الحُرْمَةِ، كَيْفَ وكَثِيرٌ مِنَ النُّصُوصِ ناطِقٌ بِحُرْمَةِ ذَلِكَ حَتّى عَدَّهُ البَعْضُ مِنَ الكَبائِرِ ؟! فَلْيُفْهَمْ، وأيًّا ما كانَ فالمَوْصُولُ مَفْعُولٌ أوَّلُ – لِتَحْسَبَنَّ - وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لَهُ، والعَرِبُ - كَما قالَ الزَّجّاجُ - إذا أطالَتِ القِصَّةَ تُعِيدُ حَسِبْتَ وما أشْبَهَها إعْلامًا بِأنَّ الَّذِي جَرى مُتَّصِلٌ بِالأوَّلِ وتَوْكِيدٌ لَهُ فَتَقُولُ: لا تَظُنَّنَّ زَيْدًا إذا جاءَكَ وكَلَّمَكَ بِكَذا وكَذا فَلا تَظُنَّهُ صادِقًا فَيُفِيدُ لا تَظُنَّنَّ تَوْكِيدًا وتَوْضِيحًا، والفاءُ زائِدَةٌ كَما في قَوْلِهِ:

فَإذا هَلَكْتُ (فَعِنْدَ) ذَلِكَ فاجْزَعِي

والمَفْعُولُ الثّانِي في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ﴾ أيْ مُتَلَبِّسِينَ بِنَجاةٍ مِنهُ عَلى أنَّ المَفازَةَ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى الفَوْزِ، والتّاءُ لَيْسَتْ لِلْوَحْدَةِ لِبِناءِ المَصْدَرِ عَلَيْهِ، و(مِنَ العَذابِ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ المَفازَةُ اسْمَ مَكانٍ أيِّ مَحَلَّ فَوْزٍ ونَجاةٍ،

صفحة 152

وأنْ يُسْتَعارَ مِنَ المَفازَةِ لِلْقَفْرِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ مِنَ العَذابِ صِفَةً لَهُ؛ لِأنَّ اسْمَ المَكانِ لا يَعْمَلُ ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ المُتَعَلِّقِ خاصًّا أيْ مُنْجِيَةٍ ﴿مِنَ العَذابِ﴾ وتَقْدِيرُهُ عامًّا - أيْ بِمَفازَةٍ كائِنَةٍ مِنَ العَذابِ - غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ المَفازَةَ لَيْسَتْ مِنَ العَذابِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ تَقْدِيرَهُ خاصًّا مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ الأصْلِ تَعَسُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، وقُرِئَ بِضَمِّ الباءِ المُوَحَّدَةِ في الفِعْلَيْنِ عَلى أنَّ الخِطابَ شامِلٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْضًا، وبِياءِ الغَيْبَةِ وفَتْحِ الباءِ فِيهِما عَلى أنَّ الفِعْلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الحُسْبانُ ومَفْعُولاهُ في القِراءَتَيْنِ كَما ذُكِرَ مِن قَبْلُ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ بِالياءِ وفَتْحِ الباءِ في الفِعْلِ الأوَّلِ، وبِالياءَ وضَمِّ الباءِ في الفِعْلِ الثّانِي عَلى أنَّ فاعِلَ (لا يَحْسَبُنَّ الَّذِينَ) بَعْدَهُ ومَفْعُولاهُ مَحْذُوفانِ يَدُلُّ عَلَيْهِما مَفْعُولا مُؤَكِّدِهِ، وفاعِلَ مُؤَكِّدِهِ ضَمِيرُ المَوْصُولِ ومَفْعُولاهُ ضَمِيرُهم، و(بِمَفازَةٍ) أيْ (لا يَحْسَبُنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا) فَلا (يَحْسَبُنَّ) أنْفُسَهم بِمَفازَةٍ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الأوَّلُ – لِلا يَحْسَبَنَّ - مَحْذُوفًا، والمَفْعُولُ الثّانِي مَذْكُورًا أيْ أعْنِي (بِمَفازَةٍ) أنَّ (لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ) أنْفُسَهم فائِزِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: (فَلا يَحْسَبَنَّهُمْ) مُؤَكِّدٌ والفاءُ زائِدَةٌ كَما مَرَّ، وأنْ يَكُونَ كِلا مَفْعُولَيْ (لا يَحْسَبَنَّ) مَذْكُورًا، الأوَّلُ ضَمِيرَهُمُ المُتَّصِلُ بِالفِعْلِ الثّانِي، والثّانِي ﴿بِمَفازَةٍ﴾ وهو مَبْنِيٌّ عَلى جَعْلِ التَّأْكِيدِ هو الفِعْلُ والفاعِلُ فَقَطْ عَلى ما هو الأنْسَبُ، إذْ لَيْسَ المَذْكُورُ سابِقًا سِواهُما، ورُدَّ بِأنَّ فِيهِ اتِّصالَ ضَمِيرِ المَفْعُولِ بِغَيْرِ عامِلِهِ أوْ فاعِلِهِ المُتَّصِلِ بِعامِلِهِ ولَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِنَ النُّحاةِ، وإنْ كانَ فِيهِ تَحاشٍ عَنِ الحَذْفِ في هَذا البابِ، وفِيهِ نَظَرٌ إذْ قَدْ صَرَّحَ كَثِيرٌ بِجَوازٍ ذَلِكَ، وقَدْ أفْرَدْتُ هَذِهِ المَسْألَةَ بِالتَّدْوِينِ، وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ الفِعْلُ الأوَّلُ مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أوْ كُلِّ حاسِبٍ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ المَوْصُولَ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ مَفْعُولِ الفِعْلِ الثّانِي عَلَيْهِ، والفِعْلُ الثّانِي مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِ المَوْصُولِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ لِظُهُورِ تَفَرُّعِ عَدَمِ حُسْبانِهِمْ عَلى عَدَمِ حُسْبانِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ عَدَمِ حُسْبانِ كُلِّ حاسِبٍ، ومَفْعُولاهُ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ و﴿بِمَفازَةٍ﴾ .

وتَصْدِيرُ الوَعِيدِ بِنَهْيِهِمْ عَنِ الحُسْبانِ المَذْكُورِ - عَلى ما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ - لِلتَّنْبِيهِ عَلى بُطْلانِ آرائِهِمُ الرَّكِيكَةِ وقَطْعِ أطْماعِهِمُ الفارِغَةِ حَيْثُ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم يَنْجُونَ بِما صَنَعُوا مِن عَذابِ الآخِرَةِ كَما نَجَوْا بِهِ مِنَ المُؤاخَذَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وعَلَيْهِ كانَ مَبْنى فَرَحِهِمْ، وأمّا نَهْيُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّم َفَلِلتَّعْرِيضِ بِحُسْبانِهِمُ المَذْكُورِ لا لِاحْتِمالِ وُقُوعِ الحُسْبانِ مِن جِهَتِهِ ﷺ .

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ تَعْلِيلَ التَّصْدِيرِ بِما ذُكِرَ عَلى تَقْدِيرِ إجْراءِ المَوْصُولِ عَلى عُمُومِهِ عَلى ما مَرَّ غَيْرُ ظاهِرٍ إلّا أنْ يُقالَ بِالتَّغْلِيبِ.

﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ (188) بَيانٌ لِثُبُوتِ فَرْدٍ مِنَ العَذابِ لا غايَةً لَهُ في المُدَّةِ والشَّدَّةِ إثْرَ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن عَدَمِ نَجاتِهِمْ مِن مُطْلَقِ العَذابِ، ويُلَوِّحُ بِذَلِكَ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ، والتَّنْكِيرُ التَّفْخِيمِيُّ، والوَصْفُ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا إشارَةً إلى العَذابِ الأُخْرَوِيِّ، ويُحْمَلُ نَفْيُ النَّجاةِ مِنَ العَذابِ فِيما تَقَدَّمَ عَلى نَفْيِ العَذابِ العاجِلِ، وهو كَوْنُهم مَذْمُومِينَ مَرْدُودِينَ فِيما بَيْنَ النّاسِ؛ لِأنَّ لِباسَ الزُّورِ لا يَبْقى ويَنْكَشِفُ حالُ صاحِبِهِ ويَفْتَضِحُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском