Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:193–194
3:193Page 75
رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ أَنۡ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمۡ فَـَٔامَنَّاۚ رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرۡ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ ١٩٣
Our Lord, indeed we have heard a caller [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] calling to faith, [saying], 'Believe in your Lord,' and we have believed. Our Lord, so forgive us our sins and remove from us our misdeeds and cause us to die among the righteous.
﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلإيمانِ﴾ عَلى مَعْنى القَوْلِ أيْضًا وهو كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: حِكايَةٌ لِدُعاءٍ آخَرَ مَبْنِيٍّ عَلى تَأمُّلِهِمْ في الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ بَعْدَ حِكايَةِ دُعائِهِمُ السّابِقِ المَبْنِيِّ عَلى تَفَكُّرِهِمْ في الأدِلَّةِ القَطْعِيَّةِ، ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ التَّفَكُّرَ مُسْتَدْعٍ في الجُمْلَةِ لِهَذا القَوْلِ، وفي تَصْدِيرِ مُقَدِّمَةِ الدُّعاءِ بِالنِّداءِ إشارَةٌ إلى كَمالِ تَوَجُّهِهِمْ إلى مَوْلاهم وعَدَمِ غَفْلَتِهِمْ عَنْهُ مَعَ إظْهارِ كَمالِ الضَّراعَةِ والِابْتِهالِ إلى مُعَوِّدِ الإحْسانِ والإفْضالِ، وفي التَّأْكِيدِ إيذانٌ بِصُدُورٍ ذَلِكَ عَنْهم بِوُفُورِ الرَّغْبَةِ ومَزِيدِ العِنايَةِ وكَمالِ النَّشاطِ، والمُرادُ بِالمُنادِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وهو المُرْوِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُرَيْجٍ واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ وغَيْرُهُ.
وقِيلَ: المُرادُ بِهِ القُرْآنُ وهو المَحْكِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ وقَتادَةَ واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ مُعَلِّلًا ذَلِكَ بِأنَّهُ لَيْسَ يَسْمَعُ كُلُّ واحِدٍ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ولا يَراهُ، والقُرْآنُ ظاهِرٌ باقٍ عَلى مَمَرِّ الأيّامِ والدُّهُورِ يَسْمَعُهُ مَن أدْرَكَ عَصْرَ نُزُولِهِ ومَن لَمْ يُدْرِكْ، ولِأهْلِ القَوْلِ الأوَّلِ أنْ يَقُولُوا: مَن بَلَغَهُ بِعْثَةُ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ودَعْوَتُهُ جازَ لَهُ أنْ يَقُولَ: سَمِعْنا مُنادِيًا وإنْ كانَ فِيهِ ضَرْبٌ مِنَ التَّجَوُّزِ، وأيْضًا المُرادُ بِالنِّداءِ الدُّعاءُ، ونِسْبَتُهُ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أشْهَرُ وأظْهَرُ فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾، ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ﴾، ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ﴾ وهي إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَقِيقَةٌ وإلى القُرْآنِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:
تُنادِيكَ أجْداثٌ وهُنَّ صُمُوتٌ وسُكّانُها تَحْتَ التُّرابِ سُكُوتُ
والتَّنْوِينُ في المُنادى لِلتَّفْخِيمِ، وإيثارُهُ عَلى الدّاعِي لِلْإشارَةِ إلى كَمالِ اعْتِنائِهِ بِشَأْنِ الدَّعْوَةِ وتَبْلِيغِها إلى القَرِيبِ والبَعِيدِ لِما فِيهِ مِنَ الإيذانِ بِرَفْعِ الصَّوْتِ، وقَدْ كانَ شَأْنُهُ الرَّفِيعُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الخُطَبِ ذَلِكَ الرَّفْعَ حَقِيقَةً، فَفي الخَبَرِ «كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْناهُ وعَلا صَوْتُهُ واشْتَدَّ غَضَبُهُ كَأنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: صَبَّحَكم ومَسّاكم».
ولَمّا كانَ النِّداءُ مَخْصُوصًا بِما يُؤَدِّي لَهُ ومُنْتَهِيًا إلَيْهِ تَعَدّى بِاللّامِ وإلى تارَةً، وتارَةً فاللّامُ في لِلْإيمانِ عَلى ظاهِرِها ولا حاجَةَ إلى جَعْلِها بِمَعْنى إلى أوِ الباءِ، ولا إلى جَعْلِها بِمَعْنى العِلَّةِ - كَما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ - وجُمْلَةُ (يُنادِي) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِسَمِعَ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الأخْفَشُ وكَثِيرٌ مِنَ النُّحاةِ مِن تَعَدِّي سَمِعَ هَذِهِ إلى مَفْعُولَيْنِ ولا حَذْفَ في الكَلامِ، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّها لا تَتَعَدّى إلّا إلى واحِدٍ واخْتارَهُ ابْنُ الحاجِبِ قالَ
صفحة 164
فِي أمالِيهِ: وقَدْ يُتَوَهَّمُ أنَّ السَّماعَ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ مِن جِهَةِ المَعْنى والاسْتِعْمالِ، أمّا المَعْنى فَلِتَوَقُّفِهِ عَلى مَسْمُوعٍ، وأمّا الِاسْتِعْمالُ فَلِقَوْلِهِمْ: سَمِعْتُ زَيْدًا يَقُولُ ذَلِكَ وسَمِعْتُهُ قائِلًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ولا وجْهَ لَهُ لِأنَّهُ يَكْفِي في تَعَلُّقِهِ المَسْمُوعُ دُونَ المَسْمُوعِ مِنهُ، وإنَّما المَسْمُوعُ مِنهُ كالمَشْمُومِ مِنهُ، فَكَما أنَّ الشَّمَّ لا يَتَعَدّى إلّا إلى واحِدٍ فَكَذَلِكَ السَّماعُ فَهو مِمّا حُذِفَ فِيهِ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ لِلْعِلْمِ بِهِ، ويُذْكَرُ بَعْدَهُ حالٌ تُبَيِّنُهُ ويُقَدَّرُ في ﴿يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ يَسْمَعُونَ أصْواتَكُمُ انْتَهى.
والزَّمَخْشَرِيُّ جَعَلَ المَسْمُوعَ صِفَةً بَعْدَ النَّكِرَةِ وحالًا بَعْدَ المَعْرِفَةِ وهو الظّاهِرُ، وادْعى بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الأوْفَقَ بِالمَعْنى فِيما جَعَلَهُ حالًا أوْ وصْفًا أنْ يُجْعَلَ بَدَلًا بِتَأْوِيلِ الفِعْلِ بِالمَصْدَرِ عَلى ما يَراهُ بَعْضُ النُّحاةِ لَكِنَّهُ قَلِيلٌ في الِاسْتِعْمالِ فَلِذا أُوثِرَتِ الوَصْفِيَّةُ أوِ الحالِيَّةُ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ السَّماعَ إذا وقَعَ عَلى غَيْرِ الصَّوْتِ فَلا بُدَّ أنْ يُذْكَرَ بَعْدَهُ فِعْلٌ مُضارِعٌ يَدُلُّ عَلى الصَّوْتِ ولا يَجُوزُ غَيْرُهُ - وهو غَيْرُ صَحِيحٍ لِوُقُوعِ الظَّرْفِ واسْمِ الفاعِلِ كَما سَمِعْتَهُ، وفي تَعْلِيقِ السَّماعِ بِالذّاتِ مُبالَغَةٌ في تَحْقِيقِهِ، والإيذانِ بِوُقُوعِهِ بِلا واسِطَةٍ عِنْدَ صُدُورِ المَسْمُوعِ عَنِ المُتَكَلِّمِ، وفي إطْلاقِ المُنادِي أوَّلًا حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿مُنادِيًا﴾ ولَمْ يَذْكُرْ ما دُعِيَ لَهُ، ثُمَّ قَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ بَعْدَ: ﴿يُنادِي لِلإيمانِ﴾ ما لا يَخْفى مِنَ التَّعْظِيمِ لِشَأْنِ المُنادِي والمُنادى لَهُ، ولَوْ قِيلَ مِن أوَّلِ الأمْرِ (مُنادِيًا لِلْإيمانِ) لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ المَثابَةِ، وحَذْفُ المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِيُنادِي إيذانًا بِالعُمُومِ أيْ يُنادِي كُلَّ واحِدٍ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم أيْ أنْ آمِنُوا بِهِ عَلى أنَّ أنْ تَفْسِيرِيَّةٌ، أوْ بِأنْ آمِنُوا عَلى أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ، وعَلى الأوَّلِ فَآمِنُوا تَفْسِيرٌ لِيُنادِي لِأنَّ نِداءَهُ عَيَّنَ قَوْلَهُ: آمِنُوا والتَّقْدِيرُ يُنادِي لِلْإيمانِ أيْ يَقُولُ: آمِنُوا ولَيْسَ تَفْسِيرًا لِلْإيمانِ كَما تُوُهِّمَ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ بِأنْ آمِنُوا مُتَعَلِّقًا بِـ (يُنادِي) لِأنَّهُ المُنادى بِهِ ولَيْسَ بَدَلًا مِنَ الإيمانِ كَما زَعَمَهُ البَعْضُ، ومِنَ المُحَقِّقِينَ مَنِ اقْتَصَرَ عَلى احْتِمالِ المَصْدَرِيَّةِ لِما أنَّ كَثِيرًا مِنَ النُّحاةِ يَأْبى التَّفْسِيرِيَّةَ لِما فِيها مِنَ التَّكَلُّفِ، ومَنِ اخْتارَها قالَ: إنَّ المَصْدَرِيَّةَ تَسْتَدْعِي التَّأْوِيلَ بِالمَصْدَرِ وهو مُفَوِّتٌ لِمَعْنى الطَّلَبِ المَقْصُودِ مِنَ الكَلامِ.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُقَدَّرُ الطَّلَبُ في التَّأْوِيلِ إذا كانَتْ داخِلَةً عَلى الأمْرِ، وكَذا يُقَدَّرُ ما يُناسِبُ الماضِي والمُسْتَقْبَلَ إذا كانَتْ داخِلَةً عَلَيْهِما، ولا يَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ الحاصِلُ مِنَ الكُلِّ بِمُجَرَّدِ مَعْنى المَصْدَرِ لِئَلّا يَفُوتَ المَقْصُودُ مِنَ الأمْرِ وأخَوَيْهِ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ إشارَةٌ إلى بَعْضِ الأدِلَّةِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ورَمْزٌ إلى نِعْمَتِهِ جَلَّ وعَلا عَلى المُخاطَبِينَ لِيَذْكُرُوها فَيُسارِعُوا إلى امْتِثالِ الأمْرِ، وفي إطْلاقِ الإيمانِ ثُمَّ تَقْيِيدِهِ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِهِ ( فَآمَنّا ) عَطْفٌ عَلى ( سَمْعِنا )، والعَطْفُ بِالفاءِ مُؤْذِنٌ بِتَعْجِيلِ القَبُولِ وتَسَبُّبِ الإيمانِ عَنِ السَّماعِ مِن غَيْرِ مُهْلَةِ، والمَعْنى فَآمَنّا بِرَبِّنا لَمّا دُعِينا إلى ذَلِكَ قالَ أبُو مَنصُورٍ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ الِاسْتِثْناءِ في الإيمانِ ولا يَخْفى بُعْدُهُ ﴿رَبَّنا﴾ تَكْرِيرٌ كَما قِيلَ لِلتَّضَرُّعِ وإظْهارٍ لِكَمالِ الخُضُوعِ وعَرْضٍ لِلِاعْتِرافِ بِرُبُوبِيَّتِهِ تَعالى مَعَ الإيمانِ بِهِ.
﴿فاغْفِرْ لَنا﴾ مُرَتَّبٌ عَلى الإيمانِ بِهِ تَعالى والإقْرارِ بِرُبُوبِيَّتِهِ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ الفاءُ أيْ فاسْتُرْ لَنا ﴿ذُنُوبَنا﴾ أيْ كَبائِرِنا ﴿وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا﴾ أيْ صَغائِرِنا، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الذُّنُوبِ ما تَقَدَّمَ مِنَ المَعاصِي، ومِنَ السَّيِّئاتِ ما تَأخَّرَ مِنها، وقِيلَ: الأوَّلُ ما أتى بِهِ الإنْسانُ مَعَ العِلْمِ بِكَوْنِهِ مَعْصِيَةً، والثّانِي ما أتى بِهِ مِنَ الجَهْلِ بِذَلِكَ، والأوَّلُ هو التَّفْسِيرُ المَأْثُورُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأُيِّدَ بِأنَّهُ المُناسِبُ لِلُّغَةِ لِأنَّ الذَّنْبَ مَأْخُوذٌ مِنَ الذَّنَبِ بِمَعْنى الذَّيْلِ فاسْتَعْمِلَ فِيما تُسْتَوْخَمُ عاقِبَتُهُ وهو الكَبِيرَةُ لِما يُعْقِبُها مِنَ الإثْمِ العَظِيمِ، ولِذَلِكَ تُسَمّى تَبِعَةً اعْتِبارًا بِما يَتْبَعُها مِنَ العِقابِ كَما صَرَّحَ بِهِ الرّاغِبُ، وأمّا السَّيِّئَةُ فَمِنَ السُّوءِ وهو المُسْتَقْبَحُ، ولِذَلِكَ تُقابَلُ بِالحَسَنَةِ فَتَكُونُ أخَفَّ، وتَأْيِيدُهُ بِأنَّ الغُفْرانَ مُخْتَصٌّ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى
صفحة 165
والتَّكْفِيرُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في فِعْلِ العَبْدِ كَما يُقالُ: كَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ، وهو يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الثّانِي أخَفَّ مِنَ الأوَّلِ عَلى تَحَمُّلِ ما فِيهِ، إنَّما يَقْتَضِي مُجَرَّدَ الأخَفِّيَةِ، وأمّا كَوْنُ الأوَّلِ الكَبائِرَ والثّانِي الصَّغائِرَ بِالمَعْنى المُرادِ فَلا يَجُوزُ يُرادُ بِالأوَّلِ والثّانِي ما ذُكِرَ في القَوْلِ الثّالِثِ، فَإنَّ الأخَفِّيَةَ وعَدَمَها فِيهِ مِمّا لا سُتْرَةَ عَلَيْهِ كَما لا يَخْفى، ثُمَّ المَفْهُومُ مِن كَثِيرٍ مِن عِباراتِ اللُّغَوِيِّينَ عَدَمُ الفَرْقِ بَيْنَ الغُفْرانِ والتَّكْفِيرِ، بَلْ صَرَّحَ بَعْضُهم بِأنَّ مَعْناهُما واحِدٌ.
وقِيلَ: في التَّكْفِيرِ مَعْنًى زائِدٌ وهو التَّغْطِيَةُ لِلْأمْنِ مِنَ الفَضِيحَةِ وقِيلَ: إنَّهُ كَثِيرًا ما يُعْتَبَرُ فِيهِ مَعْنى الإذْهابِ والإزالَةِ ولِهَذا يُعَدّى بِعْنَ والغُفْرانُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وفي ذِكْرِ (لَنا) و(عَنّا) في الآيَةِ مَعَ أنَّهُ لَوْ قِيلَ: فاغْفِرْ ذُنُوبَنا وكَفِّرْ سَيِّئاتِنا لَأفادَ المَقْصُودَ إيماءً إلى وُفُورِ الرَّغْبَةِ في هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّ الدُّعاءَ الأوَّلَ مُتَضَمِّنٌ لِلدُّعاءِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى لِلتَّوْبَةِ لِأنَّهُ السَّبَبُ لِمَغْفِرَةِ الكَبائِرِ، وأنَّ الدُّعاءَ الثّانِيَ مُتَضَمِّنٌ لِطَلَبِ التَّوْفِيقِ مِنهُ سُبْحانَهُ لِلِاجْتِنابِ عَنِ الكَبائِرِ لِأنَّهُ السَّبَبُ لِتَفْكِيرِ الصَّغائِرِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَغْفِرَةَ غَيْرُ مَشْرُوطَةٍ بِالتَّوْبَةِ عِنْدَ الأشاعِرَةِ، وأنْ بَعْضَهُمُ احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ حَيْثُ إنَّهم طَلَبُوا المَغْفِرَةَ بِدُونِ ذِكْرِ التَّوْبَةِ بَلْ بِدُونِ التَّوْبَةِ بِدَلالَةِ فاءَ التَّعْقِيبِ كَذا قِيلَ وسَيَأْتِي تَحْقِيقُ ما فِيهِ، فَتَدَبَّرْ.
﴿وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ أيْ مَخْصُوصِينَ بِالِانْخِراطِ في سِلْكِهِمْ والعَدِّ مِن زُمْرَتِهِمْ، ولا مَجالَ لِكَوْنِ المَعِيَّةِ زَمانِيَّةً إذْ مِنهم مَن ماتَ قَبْلُ، ومَن يَمُوتُ بَعْدُ، وفي طَلَبِهِمُ التَّوَفِّيَ وإسْنادِهِمْ لَهُ إلى اللَّهِ تَعالى إشْعارٌ بِأنَّهم يُحِبُّونَ لِقاءَ اللَّهِ تَعالى، ومَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ تَعالى أحَبَّ اللَّهُ تَعالى لِقاءَهُ.
والأبْرارُ جَمْعُ بَرٍّ كَأرْبابٍ جَمْعُ رَبٍّ وقِيلَ: جَمْعُ بارٍّ كَأصْحابٍ جَمْعُ صاحِبٍ، وضُعِّفَ بِأنَّ فاعِلًا لا يُجْمَعُ عَلى أفْعالٍ، وأصْحابٌ جَمْعُ صَحْبٍ بِالسُّكُونِ، أوْ صَحِبٍ بِالكَسْرِ مُخَفَّفُ صاحِبٍ بِحَذْفِ الألِفِ.
وبَعْضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ أثْبَتَهُ وجَعَلَهُ نادِرًا، ونُكْتَةُ قَوْلِهِمْ مَعَ (الأبْرارِ) دُونَ أبْرارًا التَّذَلُّلُ، وأنَّ المُرادَ لَسْنا بِأبْرارٍ فَأسْلِكْنا مَعَهم واجْعَلْنا مِن أتْباعِهِمْ، وفي الكَشْفِ إنَّ في ذَلِكَ هَضْمًا لِلنَّفْسِ وحُسْنَ أدَبٍ مَعَ إدْماجِ مُبالَغَةٍ لِأنَّهُ مِن بابِ هو مِنَ العُلَماءِ بَدَلَ عالِمٍ.
3:194Page 75
رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخۡزِنَا يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ إِنَّكَ لَا تُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ١٩٤
Our Lord, and grant us what You promised us through Your messengers and do not disgrace us on the Day of Resurrection. Indeed, You do not fail in [Your] promise."
﴿رَبَّنا وآتِنا﴾ أيْ بَعْدِ التَّوَفِّي ﴿ما وعَدْتَنا﴾ أيْ بِهِ أوْ إيّاهُ، والمُرادُ بِذَلِكَ الثَّوابُ ﴿عَلى رُسُلِكَ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِالوَعْدِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ مَحْذُوفٍ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ في الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ، وعَدْتَنا عَلى تَصْدِيقٍ أوِ امْتِثالِ رُسُلِكَ وهو كَما يُقالُ - وعَدَ اللَّهُ تَعالى الجَنَّةَ عَلى الطّاعَةِ، وعَلى الثّانِي وعَدْتَنا وعْدًا كائِنًا عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ الجارُّ عَلى تَقْدِيرِ الألْسِنَةِ بِالوَعْدِ أيْضًا فَتَخِفَّ مُؤْنَةُ الحَذْفِ، وتَعَلُّقُهُ بِآتِنا كَما جَوَّزَهُ أبُو البَقاءِ خِلافُ الظّاهِرِ.
وبَعْضُ المُحَقِّقِينَ جَوَّزَ التَّعَلُّقَ بِكَوْنٍ مُقَيَّدٍ هو حالٌ مِن (ما) أيْ مُنْزَلًا أوْ مَحْمُولًا ﴿عَلى رُسُلِكَ﴾ .
واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ القاعِدَةَ أنَّ مُتَعَلِّقَ الظَّرْفِ إذا كانَ كَوْنًا مُقَيَّدًا لا يَجُوزُ حَذْفُهُ، وإنَّما يُحْذَفُ إذا كانَ كَوْنًا مُطْلَقًا، وأيْضًا الظَّرْفُ هُنا حالٌ وهو إذا وقَعَ حالًا أوْ خَبَرًا أوْ صِفَةً يَتَعَلَّقُ بِكَوْنٍ مُطْلَقٍ لا مُقَيَّدٍ، وأُجِيبَ بِمَنعِ انْحِصارِ التَّعَلُّقِ في كَوْنٍ مُطْلَقٍ بَلْ يَجُوزُ التَّعَلُّقُ بِهِ أوْ بِمُقَيَّدٍ، ويَجُوزُ حَذْفُهُ إذا كانَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، ولا يَخْفى مَتانَةُ الجَوابِ، وأنَّ إنْكارَ أبِي حَيّانَ لَيْسَ بِشَيْءٍ إلّا أنَّ تَقْدِيرَ كَوْنٍ مُقَيَّدٍ فِيما نَحْنُ فِيهِ تَعَسُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ.
وزَعَمَ بَعْضُهم جَوازَ كَوْنِ عَلى بِمَعْنى مَعَ، وأنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِآتِنا، ولا حَذْفَ لِشَيْءٍ أصْلًا، والمُرادُ آتِنا مَعَ رُسُلِكَ وشارِكْهم مَعَنا في أجْرِنا، فَإنَّ الدّالَّ عَلى الخَيْرِ كَفاعِلِهِ، وفائِدَةُ طَلَبِ تَشْرِيكِهِمْ مَعَهم أداءُ حَقِّهِمْ وتَكْثِيرُ فَضِيلِهِمْ بِبَرَكَةِ مُشارَكَتِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا مِمّا لا يَنْبَغِي تَخْرِيجُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى الجَلِيلِ عَلَيْهِ، بَلْ ولا كَلامُ أحَدٍ مِن
صفحة 166
فُصَحاءِ العَرَبِ، وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، وجَمَعَ الرُّسُلَ مَعَ أنَّ المُنادِيَ هو واحِدُ الآحادِ ﷺ وحْدَهُ لِما أنَّ دَعْوَتَهُ لا سِيَّما عَلى مِنبَرِ التَّوْحِيدِ، وما أجْمَعَ عَلَيْهِ الكُلُّ مِنَ الشَّرائِعِ مُنْطَوِيَةٌ عَلى دَعْوَةِ الكُلِّ فَتَصْدِيقُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَصْدِيقٌ لَهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكَذا المَوْعُودُ عَلى لِسانِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الثَّوابِ مَوْعُودٌ عَلى لِسانِهِمْ، وإيثارُ الجَمْعِ عَلى الأوَّلِ لِإظْهارِ الرَّغْبَةِ في تَيّارِ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الثَّوابَ عَلى تَصْدِيقِ رُسُلٍ أعْظَمُ مِنَ الثَّوابِ عَلى تَصْدِيقِ رَسُولٍ واحِدٍ، وعَلى الثّانِي لِإظْهارِ كَمالِ الثِّقَةِ بِإنْجازِ المَوْعُودِ بِناءً عَلى كَثْرَةِ الشُّهُودِ، وتَأْخِيرُ هَذا الدُّعاءِ بِناءً عَلى ما ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ المَوْصُولِ، ويَكادُ يَكُونُ مَقْطُوعًا بِهِ ظاهِرًا لِأنَّ الأمْرَ أُخْرَوِيٌّ.
وأمّا إذا فُسِّرَ بِالنَّصْرِ عَلى الأعْداءِ كَما قِيلَ، فَتَأْخِيرُهُ عَمّا قَبْلَهُ إمّا لِأنَّهُ مِن بابِ التَّحْلِيَةِ والآخَرَ مِن بابِ التَّخْلِيَةِ، والتَّحْلِيَةُ مُتَأخِّرَةٌ عَنِ التَّخْلِيَةِ، وإمّا لِأنَّ الأوَّلَ مِمّا يَتَرَتَّبُ عَلى تَحَقُّقِهِ النَّجاةَ في العُقْبى، وعَلى عَدَمِهِ الهَلاكَ فِيها، والثّانِي لَيْسَ كَذَلِكَ كَما لا يَخْفى فَيَكُونُ دُونَهُ، فَلِهَذا أُخِّرَ عَنْهُ، وأيَّدَ كَوْنَ المُرادِ النَّصْرَ لا الثَّوابَ الأُخْرَوِيَّ تَعْقِيبُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ لِأنَّ طَلَبَ الثَّوابِ يُغْنِي عَنْ هَذا الدُّعاءِ لِأنَّ الثَّوابَ مَتى حَصَلَ كانَ الخِزْيُ عَنْهم بِمَراحِلَ، وهَذا بِخِلافٍ ما إذا كانَ المُرادُ مِنَ الأوَّلِ الدُّعاءَ بِالنَّصْرِ في الدُّنْيا فَإنَّ عَدَمَ الإغْناءِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ بَلْ في الجَمْعِ بَيْنَ الدُّعاءَيْنِ حِينَئِذٍ لَطافَةٌ إذْ مَآلُ الأوَّلِ (لا تُخْزِنا) في الدُّنْيا بِغَلَبَةِ العَدُوِّ عَلَيْنا فَكَأنَّهم قالُوا: لا تُخْزِنا في الدُّنْيا ولا تُخْزِنا في الآخِرَةِ، وغايَرُوا في التَّعْبِيرِ فَعَبَّرُوا في طَلَبِ كُلٍّ مِنَ الأمْرَيْنِ بِعِبارَةٍ لِلِاخْتِلافِ بَيْنَ المَطْلُوبَيْنِ أنْفُسِهِما، وأُجِيبَ بِأنَّ فائِدَةَ التَّعْقِيبِ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ الإشارَةُ إلى أنَّهم طَلَبُوا ثَوابًا كامِلًا لَمْ يَتَقَدَّمْهُ خِزْيٌ ووُقُوعٌ في بَلاءٍ، وكَأنَّهم لَمّا طَلَبُوا ما هو المُتَمَنّى الأعْظَمُ وغايَةُ ما يَرْجُوهُ الرّاجُونَ في ذَلِكَ اليَوْمِ الأيْوَمِ وهو الثَّوابُ التَفَتُوا إلى طَلَبِ ما يَعْظُمُ بِهِ أمْرُهُ ويَرْتَفِعُ بِهِ في ذَلِكَ المَوْقِفِ قَدْرُهُ وهو تَرْكُ العَذابِ بِالمَرَّةِ، وفي الجَمْعِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ عَلى هَذا مِنَ اللُّطْفِ ما لا يَخْفى، وأيْضًا يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهم طَلَبُوا الثَّوابَ أوَّلًا بِاعْتِبارِ أنَّهُ يَنْدَفِعُ بِهِ العَذابَ الجُسْمانِيَّ ثُمَّ طَلَبُوا دَفْعَ العَذابِ الرُّوحانِيِّ بِناءً عَلى أنَّ الخِزْيَ الإهانَةُ والتَّخْجِيلُ، فَيَكُونُ في الكَلامِ تَرَقٍّ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى كَأنَّهم قالُوا: رَبَّنا ادْفَعْ عَنّا العَذابَ الجُسْمانِيَّ وادْفَعْ عَنّا ما هو أشَدُّ مِنهُ وهو العَذابُ الرُّوحانِيُّ، وإنْ أنْتَ أبَيْتَ هَذا وذاكَ وادَّعَيْتَ التَّلازُمَ بَيْنَ الثَّوابِ وتَرْكِ الخِزْيِ فَلَنا أنْ نَقُولَ: إنَّ القَوْمَ لِمَزِيدِ حِرْصِهِمْ وفَرْطِ رَغْبَتِهِمْ في النَّجاةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي تَظْهَرُ فِيهِ الأهْوالُ وتَشِيبُ فِيهِ الأطْفالُ لَمْ يَكْتَفُوا بِأحَدِ الدُّعاءَيْنِ وإنِ اسْتَلْزَمَ الآخَرَ بَلْ جَمَعُوا بَيْنَهُما لِيَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الإلْحاحِ - واللَّهُ تَعالى يُحِبُّ المُلِحِّينَ في الدُّعاءِ – فَهو أقْرَبُ إلى الإجابَةِ، وقَدَّمُوا الأوَّلَ لِأنَّهُ أوْفَقُ بِما قَبْلَهُ صِيغَةً، ومِنَ النّاسِ مَن يُؤَوِّلُ هَذا الدُّعاءَ بِأنَّهُ طَلَبُ العِصْمَةِ عَمّا يَقْتَضِي الإخْزاءَ، وجُعِلَ خَتْمَ الأدْعِيَةِ لِيَكُونَ خِتامُها مِسْكًا لِأنَّ المَطْلُوبَ فِيهِ أمْرٌ عَظِيمٌ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ مَعْنًى ولَفْظًا، ويَجِبُ ذَلِكَ قَطْعًا إنْ كانَ الكَلامُ مُؤَوَّلًا، أوْ كانَ المَوْصُولُ عِبارَةً عَنِ النَّصْرِ، ويَتَرَجَّحُ بَلْ يَكادُ يَجِبُ أيْضًا إذا كانَ المَوْصُولُ عِبارَةً عَنِ الثَّوابِ واحْتِمالِ أنَّهُ مِمّا تَنازَعَ فِيهِ (آتِنا ﴿ولا تُخْزِنا﴾ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ هو كَما تَرى.
﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ (194) تَذْيِيلٌ لِتَحْقِيقِ ما نَظَمُوا في سِلْكِ الدُّعاءِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِما قَبِلَ الأخِيرِ اللّازِمِ لَهُ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ الأجْهُورِيُّ، و(المِيعادَ) مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى الوَعْدِ، وقَيَّدَهُ الكَثِيرُ هُنا بِالإثابَةِ والإجابَةِ وهو الظّاهِرُ، وأمّا تَفْسِيرُهُ بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ - كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - فَصَحِيحٌ لِأنَّهُ مِيعادُ النّاسِ لِلْجَزاءِ، وقَدْ يَرْجِعُ إلى الأوَّلِ، وتَرْكُ العَطْفِ
صفحة 167
فِي هَذِهِ الأدْعِيَةِ المُفْتَتَحَةِ بِالنِّداءِ بِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِ المَطالِبِ وعُلُوِّ شَأْنِها، وقَدْ أشَرْنا إلى سِرِّ تَكْرارِ النِّداءِ بِذَلِكَ الِاسْمِ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ مَرَّةً: يا رَبِّ، فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى: لَبَّيْكَ يا مُوسى، فَعَجِبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن ذَلِكَ فَقالَ: يا رَبِّ أهَذا لِي خاصَّةً ؟ فَقالَ: لا ولَكِنْ لِكُلِّ مَن يَدْعُونِي بِالرُّبُوبِيَّةِ، وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: مَن أحْزَنَهُ أمْرٌ فَقالَ: رَبَّنا رَبَّنا خَمْسَ مَرّاتٍ نَجّاهُ اللَّهُ تَعالى مِمّا يَخافُ وأعْطاهُ ما أرادَ، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: ما مِن عَبْدٍ يَقُولُ يا رَبِّ ثَلاثَ مَرّاتٍ إلّا نَظَرَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ، فَذُكِرَ لِلْحَسَنِ فَقالَ: أما تَقْرَأِ القُرْآنَ ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا﴾ إلَخْ.
فَإنْ قُلْتَ: إنَّ وعْدَ اللَّهِ تَعالى واجِبُ الوُقُوعِ لِاسْتِحالَةِ الخُلْفِ في وعْدِهِ سُبْحانَهُ إجْماعًا فَكَيْفَ طَلَبَ القَوْمُ ما هو واقِعٌ لا مَحالَةَ ؟ قُلْتُ: أُجِيبَ بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ تَعالى لَهم لَيْسَ بِحَسَبِ ذَواتِهِمْ بَلْ بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ، فالمَقْصُودُ مِنَ الدُّعاءِ التَّوْفِيقُ لِلْأعْمالِ الَّتِي يَصِيرُونَ بِها أهْلًا لِحُصُولِ المَوْعُودِ، أوِ المَقْصُودُ مُجَرَّدَ الِاسْتِكانَةِ والتَّذَلُّلِ لِلَّهِ تَعالى بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ وبِهَذا يَلْتَئِمُ التَّذْيِيلُ أتَمَّ التِئامٍ، واخْتارَ هَذا الجُبّائِيُّ وعَلِيُّ بْنُ عِيسى، أوِ الدُّعاءُ تَعَبُّدِيٌّ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ادْعُونِي﴾ فَلا يَضُرُّ كَوْنُهُ مُتَعَلِّقًا بِواجِبِ الوُقُوعِ، وما يَسْتَحِيلُ خِلافُهُ، ومِن ذَلِكَ ﴿رَبِّ احْكم بِالحَقِّ﴾ وقِيلَ: إنَّ المَوْعُودَ بِهِ هو النَّصْرُ لا غَيْرُ، والقَوْمُ قَدْ عَلِمُوا ذَلِكَ لَكِنَّهم لَمْ يُوَقَّتْ لَهم في الوَعْدِ لِيَعْلَمُوهُ فَرَغِبُوا إلى اللَّهِ تَعالى في تَعْجِيلِ ذَلِكَ لِما فِيهِ مِنَ السُّرُورِ بِالظَّفَرِ، فالمَوْعُودُ غَيْرُ مَسْؤُولٍ والمَسْؤُولُ غَيْرُ مَوْعُودٍ، فَلا إشْكالَ، وإلى هَذا ذَهَبَ الطَّبَرِيُّ وقالَ: إنَّ الآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِمَن هاجَرَ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ واسْتَبْطَأُوا النَّصْرَ عَلى أعْدائِهِمْ بَعْدَ أنْ وُعِدُوا بِهِ وقالُوا: لا صَبْرَ لَنا عَلى أناتِكَ وحِلْمِكَ، وقَوِيَ بِما بَعْدُ مِنَ الآياتِ، وكَلامُ أبِي القاسِمِ البَلْخِيِّ يُشِيرُ إلى هَذا أيْضًا وفِيهِ كَلامٌ يُعْلَمُ مِمّا قَدَّمْنا، وقِيلَ: لَيْسَ هُناكَ دُعاءٌ حَقِيقَةً بَلِ الكَلامُ مُخْرَجٌ مُخْرَجَ المَسْألَةِ، والمُرادُ مِنهُ الخَبَرُ، ولا يَخْفى أنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ التَّحْقِيقِ، ويَزِيدُهُ وهْنًا عَلى وهْنٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences