Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:195–198
3:195Page 76
فَٱسۡتَجَابَ لَهُمۡ رَبُّهُمۡ أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰۖ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ ثَوَابٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلثَّوَابِ ١٩٥
And their Lord responded to them, "Never will I allow to be lost the work of [any] worker among you, whether male or female; you are of one another. So those who emigrated or were evicted from their homes or were harmed in My cause or fought or were killed - I will surely remove from them their misdeeds, and I will surely admit them to gardens beneath which rivers flow as reward from Allāh, and Allāh has with Him the best reward."
قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ﴾ الِاسْتِجابَةُ الإجابَةُ، ونُقِلَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّ الإجابَةَ تُطْلَقُ عَلى الجَوابِ ولَوْ بِالرَّدِّ، والِاسْتِجابَةُ الجَوابُ بِحُصُولِ المُرادِ لِأنَّ زِيادَةَ السِّينِ تَدُلُّ عَلَيْهِ إذْ هو لِطَلَبِ الجَوابِ، والمَطْلُوبُ ما يُوافِقُ المُرادَ لا ما يُخالِفُهُ، وتَتَعَدّى بِاللّامِ وهو الشّائِعُ، وقَدْ تَتَعَدّى بِنَفْسِها كَما في قَوْلِهِ:
وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النِّدا فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ
وهَذا كَما قالَ الشِّهابُ وغَيْرُهُ: في التَّعْدِيَةِ إلى الدّاعِي، وأمّا إلى الدُّعاءِ فَشائِعٌ بِدُونِ اللّامِ مِثْلُ: اسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَهُ ولِهَذا قِيلَ: إنَّ هَذا البَيْتَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ لَمْ يَسْتَجِبْ دُعاءَهُ، والفاءَ لِلْعَطْفِ وما بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ إمّا عَلى الِاسْتِئْنافِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا﴾ ولا ضَيْرَ في اخْتِلافِهِما صِيغَةً لِما أنَّ صِيغَةَ المُسْتَقْبَلِ هُناكَ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ المُناسِبِ لِمَقامِ الدُّعاءِ، وصِيغَةُ الماضِي هُنا لِلْإيذانِ بِتَحْقِيقِ الِاسْتِجابَةِ وتَقَرُّرِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ أيْ دَعَوْا بِهَذِهِ الأدْعِيَةِ ﴿فاسْتَجابَ لَهُمْ﴾ إلَخْ.
وإنْ قُدِّرَ ذَلِكَ القَوْلُ المُقَدَّرُ حالًا فَهو عَطْفٌ عَلى (يَتَفَكَّرُونَ) بِاعْتِبارِ مُقارَنَتِهِ لِما وقَعَ حالًا مِن فاعِلِهِ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ( رَبَّنا ) إلَخْ، فَإنَّ الِاسْتِجابَةَ مُتَرَتِّبَةٌ عَلى دَعَواتِهِمْ لا عَلى مُجَرَّدِ تَفَكُّرِهِمْ، وحَيْثُ كانَتْ مِن أوْصافِهِمُ الجَمِيلَةِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى أعْمالِهِمْ بِالآخِرَةِ اسْتَحَقَّتِ الِانْتِظامَ في سِلْكِ مَحاسِنِهِمُ المَعْدُودَةِ في أثْناءِ مَدْحِهِمْ
صفحة 168
وأمّا عَلى كَوْنِ المَوْصُولِ نَعْتًا لِأُولِي الألْبابِ فَلا مَساغَ لِهَذا العَطْفِ لِما عَرَفْتَ سابِقًا، وقَدْ أوْضَحَ ذَلِكَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ، والمَشْهُورُ العَطْفُ عَلى المُنْساقِ إلى الذِّهْنِ وهو المُنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ، وفي ذِكْرِ الرَّبِّ هُنا مُضافًا ما لا يَخْفى مِنَ اللُّطْفِ، وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وخَلْقٌ كَثِيرٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لا أسْمَعُ اللَّهُ تَعالى ذَكَرَ النِّساءَ في الهِجْرَةِ بِشَيْءٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فاسْتَجابَ لَهُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ»، فَقالَتِ الأنْصارُ: هي أوَّلُ ظَعِينَةٍ قَدِمَتْ عَلَيْنا. ولَعَلَّ المُرادَ أنَّها نَزَلَتْ تَتِمَّةً لِما قَبْلَها.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْها أنَّها قالَتْ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ﴾ .
﴿أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾ أيْ بِأنِّي، وهَكَذا قَرَأ أُبَيٌّ، واخْتُلِفَ في تَخْرِيجِهِ فَخَرَّجَهُ العَلّامَةُ شَيْخُ الإسْلامِ عَلى أنَّ الباءَ لِلسَّبَبِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿فاسْتَجابَ لَهُمْ﴾ بِسَبَبِ أنَّهُ لا يَضِيعُ عَمَلٌ عامِلٌ مِنهم أيْ سُنَّتُهُ السُّنِّيَةُ مُسْتَمِرَّةٌ عَلى ذَلِكَ، وجُعِلَ التَّكَلُّمُ في ( أنِّي ) والخِطابُ في ( مِنكم ) مِن بابِ الِالتِفاتِ، والنُّكْتَةُ الخاصَّةُ فِيهِ إظْهارُ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الِاسْتِجابَةِ وتَشْرِيفُ الدّاعِينَ بِشَرَفِ الخِطابِ، والتَّعَرُّضُ لِبَيانِ السَّبَبِ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِجابَةِ، والإشْعارُ بِأنَّ مَدارَها أعْمالُهُمُ الَّتِي قَدَّمُوها عَلى الدُّعاءِ لا مُجَرَّدَ الدُّعاءِ.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّها صِلَةٌ لِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا إمّا مِن فاعِلِ (اسْتَجابَ) أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في (لَهُمْ) والتَّقْدِيرُ مُخاطِبًا لَهم بِأنِّي، أوْ مُخاطَبِينَ بِأنِّي إلَخْ، وقِيلَ: إنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِاسْتَجابَ لِأنَّ فِيها مَعْنى القَوْلِ، وهو مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، ويُؤَيِّدُ القَوْلَيْنِ أنَّهُ قُرِئَ (إنِّي) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وفِيها يَتَعَيَّنُ إرادَةُ القَوْلِ ومَوْقِعُهُ الحالُ أيْ قائِلًا إنِّي أوْ مَقُولًا لَهم (إنِّي) إلَخْ، وتَوافُقُ القِراءَتَيْنِ خَيْرٌ مِن تَخالُفِهِما، وهَذا التَّوافُقُ ظاهِرٌ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ وصاحِبُ القِيلِ وإنِ اخْتُلِفَ فِيهِما شِدَّةً وضَعْفًا، وأمّا عَلى ما ذَكَرَهُ العَلّامَةُ فالظُّهُورُ لا يَكادُ يَظْهَرُ عَلى أنَّهُ في نَفْسِهِ غَيْرُ ظاهِرٍ كَما لا يَخْفى، وقُرِئَ: (لا أُضَيِّعُ) بِالتَّشْدِيدِ، وفي التَّعَرُّضِ لِوَعْدِ العامِلِينَ عَلى العُمُومِ مَعَ الرَّمْزِ إلى وعِيدِ المُعْرِضِينَ غايَةُ اللُّطْفِ بِحالِ هَؤُلاءِ الدّاعِينَ لا سِيَّما وقَدْ عَبَّرَ هُناكَ عَنْ تَرْكِ الإثابَةِ بِالإضاعَةِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِإضاعَةِ حَقِيقَةٍ إذِ الأعْمالُ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلثَّوابِ حَتّى يَلْزَمَ مِن تَخَلُّفِهِ عَنْها إضاعَتُها، ولَكِنْ عَبَّرَ بِذَلِكَ تَأْكِيدًا لِأمْرِ الإثابَةِ حَتّى كَأنَّها واجِبَةٌ عَلَيْهِ تَعالى - كَذا قِيلَ - والمَشْهُورُ أنَّ الإضاعَةَ في الأصْلِ الإهْلاكُ ومِثْلُها التَّضْيِيعُ، ويُقالُ: ضاعَ يَضِيعُ ضَيْعَةً وضَياعًا بِالفَتْحِ إذا هَلَكَ، واسْتُعْمِلَتْ هُنا بِمَعْنى الإبْطالِ أيْ لا أُبْطِلُ عَمَلَ عامِلٍ كائِنٍ مِنكم ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ بَيانٌ لِعامِلٍ، وتَأْكِيدٌ لِعُمُومِهِ إمّا عَلى مَعْنى شَخْصٍ عامِلٍ أوْ عَلى التَّغْلِيبِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن مِنكم بَدَلَ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ إذْ هُما لِعَيْنٍ واحِدَةٍ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ فِيهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، و(مِن) إمّا ابْتِدائِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ مِن أصْلِ بَعْضٍ، أوْ بِدُونِهِ لِأنَّ الذَّكَرَ مِنَ الأُنْثى والأُنْثى مِنَ الذَّكَرِ، وإمّا اتِّصالِيَّةٌ والِاتِّصالُ إمّا بِحَسَبِ اتِّحادِ الأصْلِ، أوِ المُرادُ بِهِ الِاتِّصالُ في الِاخْتِلاطِ أوِ التَّعاوُنِ، أوِ الِاتِّحادُ في الدِّينِ حَتّى كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الآخَرِ لِما بَيْنَهُما مِن أُخُوَّةِ الإسْلامِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ مُعْتَرِضَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِسَبَبِ انْتِظامِ النِّساءِ في سِلْكِ الدُّخُولِ مَعَ الرِّجالِ في الوَعْدِ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا أوْ صِفَةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالَّذِينَ هاجَرُوا﴾ ضَرْبُ تَفْصِيلٍ لِما أُجْمِلَ في العَمَلِ، وتَعْدادٌ لِبَعْضِ أحاسِنِ أفْرادِهِ مَعَ المَدْحِ والتَّعْظِيمِ.
صفحة 169
وأصْلُ المُهاجِرَةِ مِنَ الهِجْرَةِ وهو التَّرْكُ، وأكْثَرُ ما تُسْتَعْمَلُ في المُهاجَرَةِ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ أيْ تَرْكُ الأُولى لِلثّانِيَةِ مُطْلَقًا، أوْ لِلدِّينِ عَلى ما هو الشّائِعُ في اسْتِعْمالِ الشَّرْعِ، والمُتَبادِرُ في الآيَةِ هو هَذا المَعْنى، وعَلَيْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ عَطْفُ تَفْسِيرٍ مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّ تِلْكَ المُهاجَرَةَ كانَتْ عَنْ قَسْرٍ واضْطِرارٍ لِأنَّ المُشْرِكِينَ آذَوْهم وظَلَمُوهم حَتّى اضْطُرُّوا إلى الخُرُوجِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هاجَرُوا الشِّرْكَ وتَرَكُوهُ وحِينَئِذٍ يَكُونُ ﴿وأُخْرِجُوا﴾ إلَخْ تَأْسِيسًا ﴿وأُوذُوا في سَبِيلِي﴾ أيْ بِسَبَبِ طاعَتِي وعِبادَتِي ودِينِي وذَلِكَ سَبِيلُ اللَّهِ تَعالى، والمُرادُ مِنَ الإيذاءِ ما هو أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ بِالإخْراجِ مِنَ الدِّيارِ، أوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا كانَ يُصِيبُ المُؤْمِنِينَ مِن قِبَلِ المُشْرِكِينَ ﴿وقاتَلُوا﴾ أيَّ الكُفّارَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ﴿وقُتِلُوا﴾ اسْتُشْهِدُوا في القِتالِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالعَكْسِ، ولا إشْكالَ فِيها لِأنَّ الواوَ لا تُوجِبُ تَرْتِيبًا، وقُدِّمَ القَتْلُ لِفَضْلِهِ بِالشَّهادَةِ هَذا إذا كانَ القَتْلُ والمُقاتَلَةُ مِن شَخْصٍ واحِدٍ، أمّا إذا كانَ المُرادُ قُتِلَ بَعْضٌ وقاتَلَ بَعْضٌ آخَرَ ولَمْ يَضْعُفُوا بِقَتْلِ إخْوانِهِمْ فاعْتِبارُ التَّرْتِيبِ فِيها أيْضًا لا يَضُرُّ، وصَحَّحَ هَذِهِ الإرادَةَ أنَّ المَعْنى لَيْسَ عَلى اتِّصافِ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المَوْصُولِ المَذْكُورِ بِكُلِّ واحِدٍ مِمّا ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ بَلْ عَلى اتِّصافِ الكُلِّ بِالكُلِّ في الجُمْلَةِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِاتِّصافِ كُلِّ فَرْدٍ مِنَ المَوْصُولِ بِواحِدٍ مِنَ الأوْصافِ المَذْكُورَةِ، أوْ بِاثْنَيْنِ مِنها، أوْ بِأكْثَرَ فَحِينَئِذٍ يَتَأتّى ما ذُكِرَ إمّا بِطْرِيقِ التَّوْزِيعِ أيْ مِنهُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا ومِنهُمُ الَّذِينَ قاتَلُوا، أوْ بِطْرِيقِ حَذْفِ بَعْضِ المَوْصُولاتِ مِنَ البَيْنِ - كَما هو رَأْيُ الكُوفِيِّينَ - أيْ والَّذِينَ قُتِلُوا والَّذِينَ قاتَلُوا، ويُؤَيِّدُ كَوْنُ المَعْنى عَلى اتِّصافِ الكُلِّ بِالكُلِّ في الجُمْلَةِ أنَّهُ لَوْ كانَ المَعْنى عَلى اتِّصافِ كُلِّ فَرْدٍ بِالكُلِّ لَكانَ قَدْ أُضِيعَ عَمَلُ مَنِ اتُّصِفَ بِالبَعْضِ مَعَ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ، والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ قُتِلُوا وقَدْ قاتَلُوا فَقَدْ مُضْمَرَةٌ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ - مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُخَرَّجَ عَلَيْهِ الكَلامُ الجَلِيلُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ (قُتِّلُوا) بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ واللَّهِ لَأُكَفِّرَنَّ، والجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو المَوْصُولُ، وزَعَمَ ثَعْلَبٌ أنَّ الجُمْلَةَ لا تَقَعُ خَبَرًا ووَجَّهَهُ أنَّ الخَبَرَ لَهُ مَحَلٌّ وجَوابَ القَسَمِ لا مَحَلَّ لَهُ - وهو الثّانِي - فَإمّا أنْ يُقالَ: إنَّ لَهُ مَحَلًّا مِن جِهَةِ الخَبَرِيَّةِ ولا مَحَلَّ لَهُ مِن جِهَةِ الجَوابِيَّةِ، أوِ الَّذِي لا مَحَلَّ لَهُ الجَوابُ والخَبَرُ مَجْمُوعُ القَسَمِ وجَوابِهِ، ولا يَضُرُّ كَوْنُ الجُمْلَةِ إنْشائِيَّةً لِتَأْوِيلِها بِالخَبَرِ أوْ بِتَقْدِيرِ قَوْلٍ كَما هو مَعْرُوفٌ في أمْثالِهِ، والتَّكْفِيرُ في الأصْلِ السِّتْرُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما مَرَّ ولِاقْتِضائِهِ بَقاءَ الشَّيْءِ المَسْتُورِ - وهو لَيْسَ بِمُرادٍ - فَسَّرَهُ هُنا بَعْضُ المُحَقِّقِينَ بِالمَحْوِ، والمُرادُ مِن مَحْوِ السَّيِّئاتِ مَحْوُ آثارِها مِنَ القَلْبِ، أوْ مِن دِيوانِ الحَفَظَةِ، وإثْباتُ الطّاعَةِ مَكانَها كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إلا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ والمُرادُ مِنَ السَّيِّئاتِ فِيما نَحْنُ فِيهِ الصَّغائِرُ لِأنَّها الَّتِي تُكَفَّرُ بِالقُرُباتِ كَما نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ عَنِ العُلَماءِ، لَكِنْ بِشَرْطِ اجْتِنابِ الكَبائِرِ كَما حَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ جُمْهُورِ أهْلِ السُّنَّةِ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِما في الصَّحِيحَيْنِ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «الصَّلَواتُ الخَمْسُ والجُمُعَةُ إلى الجُمُعَةِ ورَمَضانُ إلى رَمَضانَ مُكَفِّراتٌ لِما بَيْنَها ما اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ» .
وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّ الصَّغائِرَ تَقَعُ مُكَفَّرَةً بِمُجَرَّدِ اجْتِنابِ الكَبائِرِ ولا دَخْلَ لِلْقُرُباتِ في تَكْفِيرِها، واسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ وحَمَلَهُ الجُمْهُورُ عَلى مَعْنى نُكَفِّرُ عَنْكم سَيِّئاتِكم بِحَسَناتِكم وأوْرَدُوا عَلى المُعْتَزِلَةِ أنَّهُ قَدْ ورَدَ: «صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَفارَّةُ سَنَتَيْنِ»، «وصَوْمُ يَوْمِ عاشُوراءَ كَفارَّةُ سَنَةٍ» . ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ كَثِيرٌ، فَإذا كانَ
صفحة 170
مُجَرَّدُ اجْتِنابِ الكَبائِرِ مُكَفِّرًا فَما الحاجَةُ لِمَقاساتِ هَذا الصَّوْمِ مَثَلًا ؟ وإنَّما لَمْ تُحْمَلِ السَّيِّئاتُ عَلى ما يَعُمُّ الكَبائِرَ لِأنَّها لا بُدَّ لَها مِنَ التَّوْبَةِ ولا تُكَفِّرُها القُرُباتُ أصْلًا في المَشْهُورِ لِإجْماعِهِمْ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ فَرْضٌ عَلى الخاصَّةِ والعامَّةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أيُّهَ المُؤْمِنُونَ﴾ ويَلْزَمُ مِن تَكْفِيرِ الكَبائِرِ بِغَيْرِها بُطْلانُ فَرْضِيَّتِها وهو خِلافُ النَّصِّ.
وقالَ ابْنُ الصَّلاحِ في فَتاوِيهِ: قَدْ يُكَفِّرُ بَعْضُ القُرُباتِ كالصَّلاةِ مَثَلًا بَعْضَ الكَبائِرِ إذا لَمْ يَكُنْ صَغِيرَةٌ، وصَرَّحَ النَّوَوِيُّ بِأنَّ الطّاعاتِ لا تُكَفِّرُ الكَبائِرَ لَكِنْ قَدْ تُخَفِّفُها، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ القُرْبَةَ تَمْحُو الخَطِيئَةَ سَواءٌ كانَتْ كَبِيرَةً أوْ صَغِيرَةً، واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ وقَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أتْبِعِ السَّيِّئاتِ الحَسَنَةَ تَمْحُها» . وفِيهِ بَحْثٌ إذِ الحَسَنَةُ في الآيَةِ والحَدِيثِ بِمَعْنى التَّوْبَةِ إنْ أُخِذَتِ السَّيِّئَةُ عامَّةً.
ولا يُمْكِنُ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ حَمْلُها عَلى الظّاهِرِ لِما أنَّ السَّيِّئَةَ حِينَئِذٍ تَشْمَلُ حُقُوقَ العِبادِ والإجْماعِ عَلى أنَّ الحَسَناتِ لا تُذْهِبُها وإنَّما تُذْهِبُها التَّوْبَةُ بِشُرُوطِها المُعْتَبَرَةِ المَعْلُومَةِ، وأيْضًا لَوْ أُخِذَ بِعُمُومِ الحُكْمِ لَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الفَسادُ مِن عَدَمِ خَوْفٍ في المَعادِ عَلى أنَّ في سَبَبِ النُّزُولِ ما يُرْشِدُ إلى تَخْصِيصِ كُلٍّ مِنَ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ، فَقَدْ رَوى الشَّيْخانِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أنَّ رَجُلًا أصابَ مِنِ امْرَأةٍ قُبْلَةً ثُمَّ أتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، فَسَكَتَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى نَزَلَتِ الآيَةُ، فَدَعاهُ فَقَرَأها عَلَيْهِ، فَقالَ رَجُلٌ: هَذِهِ لَهُ خاصَّةً يا رَسُولِ اللَّهِ ؟ فَقالَ: بَلْ لِلنّاسِ عامَّةً».
ووَجْهُ الإرْشادِ إمّا إلى تَخْصِيصِ الحَسَنَةِ بِالتَّوْبَةِ فَهو أنَّهُ جاءَهُ تائِبًا ولَيْسَ في الحَدِيثِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ صَدَرَ مِنهُ حَسَنَةٌ أُخْرى، وإمّا عَلى تَخْصِيصِ السَّيِّئَةِ بِالصَّغِيرَةِ فَلِأنَّ ما وقَعَ مِنهُ كانَ كَذَلِكَ لِأنَّ تَقْبِيلَ الأجْنَبِيَّةِ مِنَ الصَّغائِرِ كَما صَرَّحُوا بِهِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ السُّنَّةِ: إنَّ الحَسَنَةَ تُكَفِّرُ الصَّغِيرَةَ ما لَمْ يُصِرَّ عَلَيْها سَواءٌ فَعَلَ الكَبِيرَةَ أمْ لا مَعَ القَوْلِ الأصَحِّ بِأنَّ التَّوْبَةَ مِنَ الصَّغِيرَةِ واجِبَةٌ أيْضًا، ولَوْ لَمْ يَأْتِ بِكَبِيرَةٍ لِجَوازِ تَعْذِيبِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِها خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وقِيلَ: الواجِبُ الإتْيانُ بِالتَّوْبَةِ أوْ بِمُكَفِّرِها مِنَ الحَسَنَةِ، وفي المَسْألَةِ كَلامٌ طَوِيلٌ.
ولَعَلَّ التَّوْبَةَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تُفْضِي إلى إتْمامِهِ، هَذا ورُبَّما يُقالُ: إنَّ حَمْلَ السَّيِّئاتِ هُنا عَلى ما يَعُمُّ الكَبائِرَ سائِغٌ بِناءً عَلى أنَّ المُهاجَرَةَ تَرْكُ الشِّرْكِ وهو إنَّما يَكُونُ بِالإسْلامِ، والإسْلامُ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، وحِينَئِذٍ يُعْتَبَرُ في السَّيِّئاتِ شَبَهُ التَّوْزِيعِ بِأنْ يُؤْخَذَ مِن أنْواعِ مَدْلُولِها مَعَ كُلِّ وصْفٍ ما يُناسِبُهُ، ويَكُونُ هَذا تَصْرِيحًا بِوَعْدِ ما سَألَهُ الدّاعُونَ مِن غُفْرانِ الذُّنُوبِ وتَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ بِالخُصُوصِ بَعْدَ ما وُعِدَ ذَلِكَ بِالعُمُومِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا عَلى ما فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الإسْلامَ يَجُبُ ما قَبْلَهُ مُطْلَقًا، وفِيهِ خِلافٌ، فَقَدْ قالَ الزَّرْكَشِيُّ: إنَّ الإسْلامَ المُقارِنَ لِلنَّدَمِ إنَّما يُكَفِّرُ وِزْرَ الكُفْرِ لا غَيْرَ، وأمّا غَيْرُهُ مِنَ المَعاصِي فَلا يُكَفَّرُ إلّا بِتَوْبَةٍ عَنْهُ بِخُصُوصِهِ كَما ذَكَرَهُ البَيْهَقِيُّ، واسْتَدِلُّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنْ أحْسَنَ في الإسْلامِ لَمْ يُؤاخَذْ بِالأوَّلِ ولا بِالآخِرِ، وإنْ أساءَ في الإسْلامِ أُخِذَ بِالأوَّلِ والآخِرِ».
ولَوْ كانَ الإسْلامُ يُكَفِّرُ سائِرَ المَعاصِي لَمْ يُؤاخَذْ بِها إذا أسْلَمَ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ مَعَ اعْتِبارِ ما ذُكِرَ مِن شَبَهِ التَّوْزِيعِ يُهَوَّنُ أمْرُ الخِلافِ كَما لا يَخْفى عَلى أرْبابِ الإنْصافِ فَتَدَبَّرْ.
﴿ولأُدْخِلَنَّهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ إشارَةٌ إلى ما عَبَّرَ عَنْهُ الدّاعُونَ فِيما قَبْلُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ، أوْ رَمْزٌ إلى ما سَألُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ عَلى القَوْلِ الآخَرِ ﴿ثَوابًا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ لِأنَّ مَعْنى الجُمْلَةِ لَأُثِيبَنَّهم بِذَلِكَ، فَوَضَعَ ثَوابًا مَوْضِعَ الإثابَةِ وإنْ كانَ في الأصْلِ اسْمًا لِما يُثابُ بِهِ كالعَطاءِ لِما يُعْطى، وقِيلَ: إنَّهُ تَمْيِيزٌ أوْ حالٌ مِن جَنّاتٍ لِوَصْفِها، أوْ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ أيْ مُثابًا بِها أوْ مُثابِينَ، وقِيلَ: إنَّهُ بَدَلٌ مِن جَنّاتٍ، وقالَ الكِسائِيُّ: إنَّهُ مَنصُوبٌ
صفحة 171
عَلى القَطْعِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ لِثَوابًا وهو وصْفٌ مُؤَكِّدٌ لِأنَّ الثَّوابَ لا يَكُونُ إلّا مِن عِنْدِهِ تَعالى لَكِنَّهُ صَرَّحَ بِهِ تَعْظِيمًا لِلثَّوابِ وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ، ولا يَرِدُ أنَّ المَصْدَرَ إذا وُصِفَ كَيْفَ يَكُونُ مُؤَكِّدًا، لِما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ أنَّ الوَصْفَ المُؤَكِّدَ لا يُنافِي كَوْنَ المَصْدَرِ مُؤَكِّدًا.
وقِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِثَوابًا بِاعْتِبارِ تَأْوِيلِهِ بِاسْمِ المَفْعُولِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ (195) تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، والِاسْمُ الجَلِيلُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ( عِنْدَهُ ) و(حُسْنُ الثَّوابِ) مُرْتَفِعٌ بِالظَّرْفِ عَلى الفاعِلِيَّةِ لِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَأِ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ ثانٍ، والظَّرْفُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ، والكَلامُ مُخْرَجٌ مُخْرَجَ قَوْلِ الرَّجُلِ: عِنْدِي ما تُرِيدُ يُرِيدُ اخْتِصاصَهُ بِهِ وتَمَلُّكَهُ لَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فَلَيْسَ مَعْنًى عِنْدَهُ ﴿حُسْنُ الثَّوابِ﴾ أنَّ الثَّوابَ بِحَضْرَتِهِ وبِالقُرْبِ مِنهُ عَلى ما هو حَقِيقَةُ لَفْظِ عِنْدَهُ، بَلْ مَثَّلَ هُناكَ كَوْنَهُ بِقُدْرَتِهِ وفَضْلِهِ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ بِحالِ الشَّيْءِ يَكُونُ بِحَضْرَةِ أحَدٍ لا يَدَّعِيهِ لِغَيْرِهِ، والِاخْتِصاصُ مُسْتَفادٌ مِن هَذا التَّمْثِيلِ حَتّى لَوْ لَمْ يُجْعَلْ ﴿حُسْنُ الثَّوابِ﴾ مُبْتَدَأً مُؤَخَّرًا كانَ الِاخْتِصاصُ بِحالِهِ، وقَدْ أفادَتِ الآيَةُ مَزِيدَ فَضْلِ المُهاجِرِينَ ورِفْعَةَ شَأْنِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «إنَّ أوَّلَ ثَلاثَةٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ لَفُقَراءُ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ تُتَّقى بِهِمُ المَكارِهُ إذا أُمِرُوا سَمِعُوا وأطاعُوا، وإنْ كانَتْ لِرَجُلٍ مِنهم حاجَةٌ إلى السُّلْطانِ لَمْ تُقْضَ حَتّى يَمُوتَ وهي في صَدْرِهِ، وإنَّ اللَّهَ تَعالى يَدْعُو يَوْمَ القِيامَةِ الجَنَّةَ فَتَأْتِي بِزَخْرَفَتِها وزِينَتِها فَيَقُولُ: أيْنَ عِبادِي الَّذِينَ قاتَلُوا في سَبِيلِي وأُوذُوا في سَبِيلِي وجاهَدُوا في سَبِيلِي، ادْخُلُوا الجَنَّةَ، فَيَدْخُلُونَها بِغَيْرِ عَذابٍ ولا حِسابٍ، وتَأْتِي المَلائِكَةُ فَيَسْجُدُونَ ويَقُولُونَ: رَبَّنا نَحْنُ نُسَبِّحُ لَكَ اللَّيْلَ والنَّهارَ ونُقَدِّسُ لَكَ ما هَؤُلاءِ الَّذِينَ آثَرْتَهم عَلَيْنا ؟ فَيَقُولُ: هَؤُلاءِ عِبادِي الَّذِينَ قاتَلُوا في سَبِيلِي وأُوذُوا في سَبِيلِي، فَتَدْخُلُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمْ مَن كُلِّ بابٍ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾» .
3:196Page 76
لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ ١٩٦
Be not deceived by the [uninhibited] movement of the disbelievers throughout the land.
﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والمُرادُ مِنهُ أُمَّتُهُ، وكَثِيرًا ما يُخاطَبُ سَيِّدُ القَوْمِ بِشَيْءٍ ويُرادُ أتْباعُهُ فَيَقُومُ خِطابُهُ مَقامَ خِطابِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عامًّا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وغَيْرِهِ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِ المُخاطَبِينَ، وقِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أنَّ المُرادَ تَثْبِيتُهُ ﷺ عَلى ما هو عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ وضُعِّفَ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَكُونُ مِنهُ تَزَلْزُلٌ حَتّى يُؤْمَرَ بِالثَّباتِ - وفِيهِ نَظَرٌ لا يَخْفى - والنَّهْيُ في المَعْنى لِلْمُخاطَبِ أيْ لا تَغْتَرَّ بِما عَلَيْهِ الكَفَرَةُ مِنَ التَّبَسُّطِ في المَكاسِبِ والمَتاجِرِ والمَزارِعِ ووُفُورِ الحَظِّ، وإنَّما جُعِلَ النَّهْيُ ظاهِرًا لِلتَّقَلُّبِ تَنْزِيلًا لِلسَّبَبِ مَنزِلَةَ المُسَبَّبِ، فَإنَّ تَغْرِيرَ التَّقَلُّبِ لِلْمُخاطَبِ سَبَبٌ واغْتِرارَهُ بِهِ مُسَبَّبٌ، فَمَنَعَ السَّبَبَ بِوُرُودِ النَّهْيِ عَلَيْهِ لِيَمْتَنِعَ المُسَبَّبَ الَّذِي هو اغْتِرارُ المُخاطَبِ بِذَلِكَ السَّبَبِ عَلى طَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ وهو أبْلَغُ مِن وُرُودِ النَّهْيِ عَلى المُسَبَّبِ مِن أوَّلِ الأمْرِ قالُوا: وهَذا عَلى عَكْسِ قَوْلِ القائِلِ: لا أرَيَنَّكَ هُنا فَإنَّ فِيهِ النَّهْيَ عَنِ المُسَبَّبِ وهو الرُّؤْيَةُ لِيَمْتَنِعَ السَّبَبُ وهو حُضُورُ المُخاطَبِ.
وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّ الغارِّيَّةَ والمَغْرُورِيَّةَ مُتَضايِفانِ، وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ القَطْعَ والِانْقِطاعَ ونَحْوَ ذَلِكَ مَثَلًا مُتَضايِفانِ، وحُقِّقَ أنَّ المُتَضايِفَيْنِ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ أحَدُهُما سَبَبًا لِلْآخَرِ بَلْ هُما مَعًا في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ، فالأوْلى أنْ يُقالَ: عُلِّقَ النَّهْيُ بِكَوْنِ التَّقَلُّبِ غارًّا لِيُفِيدَ نَهْيَ المُخاطَبِ عَنِ الِاغْتِرارِ لِأنَّ نَفْيَ أحَدِ المُتَضايِفَيْنِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الآخَرِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا مَبْنِيٌّ عَلى ما لَمْ يَقَعِ الإجْماعُ عَلَيْهِ، ولَعَلَّ النَّظَرَ الصّائِبَ يَقْضِي بِخِلافِهِ، وفُسِّرَ المَوْصُولُ بِالمُشْرِكِينَ
صفحة 172
مِن أهْلِ مَكَّةَ، فَقَدْ ذَكَرَ الواحِدِيُّ «أنَّهم كانُوا في رَخاءٍ ولِينٍ مِنَ العَيْشِ وكانُوا يَتَّجِرُونَ ويَتَنَعَّمُونَ فَقالَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ: إنَّ أعْداءَ اللَّهِ تَعالى فِيما نَرى مِنَ الخَيْرِ وقَدْ هَلَكْنا مِنَ الجُوعِ والجُهْدِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ»، وبَعْضٌ فَسَرَّهُ بِاليَهُودِ، وحَكى أنَّهم كانُوا يَضْرِبُونَ في الأرْضِ ويُصِيبُونَ الأمْوالَ والمُؤْمِنُونَ في عَناءٍ فَنَزَلَتْ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الفَرّاءُ، والقَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ، وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِتَسْلِيَةِ المُؤْمِنِينَ وتَصْبِيرِهِمْ بِبَيانِ قُبْحِ ما أُوتِيَ الكَفَرَةُ مِن حُظُوظِ الدُّنْيا إثْرَ بَيانِ حُسْنِ ما سَيَنالُونَهُ مِنَ الثَّوابِ الجَزِيلِ والنَّعِيمِ المُقِيمِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بِرِوايَةِ رُوَيْسٍ وزَيْدٍ (ولا يَغَرُنَّكَ) بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ.
3:197Page 76
مَتَٰعٞ قَلِيلٞ ثُمَّ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ١٩٧
[It is but] a small enjoyment; then their [final] refuge is Hell, and wretched is the resting place.
﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو يَعْنِي: تَقَلُّبُهم مَتاعٌ قَلِيلٌ، وقُلْتُهُ إمّا بِاعْتِبارِ قَصْرِ مُدَّتِهِ أوْ بِالقِياسِ إلى ما فاتَهم مِمّا أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الثَّوابِ، وفِيما رَواهُ مُسْلِمٌ مَرْفُوعًا: «ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مِثْلُ ما يَجْعَلُ أحَدُكم إصْبَعَهُ في اليَمِّ فَيَنْظُرُ بِمَ تَرْجِعُ» . وقِيلَ: إنَّ وصْفَ ذَلِكَ المَتاعِ بِالقِلَّةِ بِالقِياسِ إلى مُؤْنَةِ السَّعْيِ وتَحَمُّلِ المَشاقِّ فَضْلًا عَمّا يَلْحَقُهُ مِنَ الحِسابِ والعِقابِ في دارِ الثَّوابِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.
﴿ثُمَّ مَأْواهُمْ﴾ أيْ مَصِيرُهُمُ الَّذِي يَأْوُونَ إلَيْهِ ويَسْتَقِرُّونَ فِيهِ بَعْدَ انْتِقالِهِمْ مِنَ الأماكِنِ الَّتِي يَتَقَلَّبُونَ فِيها.
﴿جَهَنَّمُ﴾ الَّتِي لا يُوصَفُ عَذابُها ﴿وبِئْسَ المِهادُ﴾ (197) أيْ بِئْسَ ما مَهَّدُوا لِأنْفُسِهِمْ وفَرَشُوا جَهَنَّمُ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مَصِيرَهم إلى تِلْكَ الدّارِ مِمّا جَنَتْهُ أنْفُسُهم وكَسَبَتْهُ أيْدِيهِمْ.
3:198Page 76
لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۗ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لِّلۡأَبۡرَارِ ١٩٨
But those who feared their Lord will have gardens beneath which rivers flow, abiding eternally therein, as accommodation from Allāh. And that which is with Allāh is best for the righteous.
﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ (لَكِنْ) لِلِاسْتِدْراكِ عِنْدَ النُّحاةِ وهو رَفْعُ تَوَهُّمٍ ناشِئٍ مِنَ السّابِقِ، وعِنْدَ عُلَماءِ المَعانِي لِقَصْرِ القَلْبِ ورَدِّ اعْتِقادِ المُخاطَبِ، وتَوْجِيهُ الآيَةِ عَلى الأوَّلِ أنَّهُ لَمّا وصَفَ الكُفّارَ بِقِلَّةِ نَفْعِ تَقَلُّبِهِمْ في التِّجارَةِ وتَصَرُّفِهِمْ في البِلادِ لِأجْلِها جازَ أنْ يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ التِّجارَةَ مِن حَيْثُ هي مُقْتَضِيَةٌ لِذَلِكَ فاسْتُدْرِكَ أنَّ المُتَّقِينَ وإنْ أخَذُوا في التِّجارَةِ لا يَضُرُّهم ذَلِكَ وأنَّ لَهم ما وُعِدُوا بِهِ، أوْ يُقالُ إنَّهُ تَعالى لَمّا جَعَلَ تَمَتُّعَ المُتَقَلِّبِينَ قَلِيلًا مَعَ سِعَةِ حالِهِمْ أوْهَمَ ذَلِكَ أنَّ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لا يَزالُونَ في الجُهْدِ والجُوعِ في مَتاعٍ في كَمالِ القِلَّةِ فَدُفِعَ بِأنَّ تَمَتُّعَهم لِلِاتِّقاءِ ولِلِاجْتِنابِ عَنِ الدُّنْيا، ولا تَمَتُّعَ مِنَ الدُّنْيا فَوْقَهُ؛ لِأنَّهُ وسِيلَةٌ إلى نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ أبَدِيَّةٍ هي الخُلُودُ في الجَنّاتِ، وعَلى الثّانِي رَدٌّ لِاعْتِقادِ الكَفَرَةِ أنَّهم مُتَمَتِّعُونَ مِنَ الحَياةِ والمُؤْمِنُونَ في خُسْرانٍ عَظِيمٍ، وعَلَّلَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ جَعْلَ التَّقْوى في حَيِّزِ الصِّلَةِ بِالإشْعارِ بِكَوْنِ الخِصالِ المَذْكُورَةِ مِن بابِ التَّقْوى، والمُرادُ بِها الِاتِّقاءُ عَنِ الشِّرْكِ والمَعاصِي، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ والظَّرْفُ خَبَرُهُ، و(جَنّاتٌ) مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ لِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَأِ أوْ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، والظَّرْفُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، و(خالِدِينَ) حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في (لَهُمْ) أوْ مِن (جَنّاتٌ) لِتَخْصِيصِها بِجُمْلَةِ الصِّفَةِ، والعامِلُ ما في الظَّرْفِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ (لَكِنَّ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ.
﴿نُزُلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ النُّزُلُ بِضَمَّتَيْنِ وكَذا النُّزْلُ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ ما يُعَدُّ لِلضَّيْفِ أوَّلَ نُزُولِهِ مِن طَعامٍ وشَرابٍ وصِلَةٍ، قالَ الضَّبِّيُّ:
وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ ضافَنا جَعَلْنا القَنا والمُرْهَفاتِ لَهُ نُزْلا
ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الزّادِ مُطْلَقًا، ويَكُونُ جَمْعًا بِمَعْنى النّازِلِينَ كَما في قَوْلِ الأعْشى.
أوْ يَنْزِلُونَ فَإنّا مَعْشَرٌ نُزُلُ
وقَدْ جَوَّزَ ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ في الآيَةِ، وكَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، قِيلَ: وأصْلُ مَعْنى النُّزُلِ مُفْرَدًا الفَضْلُ والرَّيْعُ في الطَّعامِ، ويُسْتَعارُ لِلْحاصِلِ عَنِ الشَّيْءِ، ونَصْبُهُ هُنا إمّا عَلى الحالِيَّةِ مِن (جَنّاتٌ) لِتَخْصِيصِها بِالوَصْفِ، والعامِلُ فِيهِ ما في
صفحة 173
الظَّرْفِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ إنْ كانَ بِمَعْنى ما يُعَدُّ إلَخْ، وجَعْلُ الجَنَّةِ حِينَئِذٍ نَفْسَها (نُزُلًا) مِن بابِ التَّجَوُّزِ، أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذاتِ نُزُلٍ، وإمّا عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ في (خالِدِينَ) إنْ كانَ جَمْعًا، وإمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ إنْ كانَ مَصْدَرًا وهو حِينَئِذٍ بِمَعْنى النُّزُولِ أيْ نَزَلُوها نُزُلًا، وجُوِّزَ عَلى تَقْدِيرِ مَصْدَرِيَّتِهِ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَفْعُولِ فَيَكُونُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في (فِيها) أيْ مَنزُولَةً، والظَّرْفُ صِفَةُ (نُزُلًا) إنْ لَمْ تَجْعَلْهُ جَمْعًا، وإنْ جَعَلْتَهُ جَمْعًا فَفِيهِ - كَما قالَ أبُو البَقاءِ - وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّهُ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ لِأنَّ التَّقْدِيرَ (نُزُلًا) إيّاها، والثّانِي أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ أيْ بِفَضْلِهِ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ عَلى أنَّ النُّزُلَ بِالمَعْنى الأوَّلِ، وعَلَيْهِ تَمَسَّكَ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ لَمّا كانَتِ الجَنَّةُ بِكُلِّيَّتِها نُزُلًا فَلا بُدَّ مِن شَيْءٍ آخَرَ يَكُونُ أصْلًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْها ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ، وهو كَما تَرى، نَعَمْ فِيهِ حِينَئِذٍ إشارَةٌ إلى أنَّ القَوْمَ ضُيُوفُ اللَّهِ تَعالى وفي ذَلِكَ كَمالُ اللُّطْفِ بِهِمْ.
﴿وما عِنْدَ اللَّهِ﴾ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ الدّائِمَةِ لِكَثْرَتِهِ ودَوامِهِ ﴿خَيْرٌ لِلأبْرارِ﴾ (198) مِمّا يَتَقَلَّبُ فِيهِ الفُجّارُ مِنَ المَتاعِ القَلِيلِ الزّائِلِ لِقِلَّتِهِ وزَوالِهِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالأبْرارِ، ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ كَما قِيلَ: لِلْإشْعارِ بِأنَّ الصِّفاتِ المَعْدُودَةَ مِن أعْمالِ البِرِّ كَما أنَّها مِن قَبِيلِ التَّقْوى، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ هَذا مِمّا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى الرُّؤْيَةِ لِأنَّ فِيهِ إيذانًا بِمَقامِ العِنْدِيَّةِ والقُرْبِ الَّذِي لا يُوازِيهِ شَيْءٌ مِن نَعِيمِ الجَنَّةِ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، والظَّرْفُ صِلَتُهُ، و(خَيْرٌ) خَبَرُهُ، و﴿لِلأبْرارِ﴾ صِفَةُ (خَيْرٌ) .
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (لِلْأبْرارِ) خَبَرًا، والنِّيَّةُ بِهِ التَّقْدِيمُ أيْ والَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مُسْتَقِرٌّ لِلْأبْرارِ، و(خَيْرٌ) عَلى هَذا خَبَرٌ ثانٍ، وقِيلَ (لِلْأبْرارِ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ، و(خَيْرٌ) خَبَرُ المُبْتَدَأِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّهُ بَعِيدٌ لِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ بِحالٍ لِغَيْرِهِ، والفَصْلُ بَيْنَ الحالِ وصاحِبِ الحالِ غَيْرُ المُبْتَدَأِ وذَلِكَ لا يَجُوزُ في الِاخْتِيارِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences