Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:19–25
3:19Page 52
إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ وَمَا ٱخۡتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ١٩
Indeed, the religion in the sight of Allāh is Islām. And those who were given the Scripture did not differ except after knowledge had come to them - out of jealous animosity between themselves. And whoever disbelieves in the verses of Allāh, then indeed, Allāh is swift in [taking] account.
﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ وقَعَتْ تَأْكِيدًا لِلْأُولى، وتَعْرِيفُ الجُزْأيْنِ لِلْحَصْرِ أيْ لا دِينَ مَرْضِيَّ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى سِوى الإسْلامِ وهو عَلى ما أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ «شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ تَعالى والإقْرارُ بِما جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وهو دِينُ اللَّهِ تَعالى الَّذِي شَرَعَ لِنَفْسِهِ وبَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ ودَلَّ عَلَيْهِ أوْلِياؤُهُ لا يُقْبَلُ غَيْرُهُ ولا يُجْزى إلّا بِهِ».
ورَوى عَلِيُّ بْنُ إبْراهِيمَ عَنْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ في خُطْبَةٍ لَهُ لَأنْسُبَنَّ الإسْلامَ نِسْبَةً لَمْ يَنْسُبْها أحَدٌ قَبْلِي، الإسْلامُ هو التَّسْلِيمُ، والتَّسْلِيمُ هو اليَقِينُ، واليَقِينُ هو التَّصْدِيقُ، والتَّصْدِيقُ هو الإقْرارُ، والإقْرارُ هو الأداءُ، والأداءُ هو العَمَلُ، ثُمَّ قالَ: إنَّ المُؤْمِنَ أخَذَ دِينَهُ عَنْ رَبِّهِ ولَمْ يَأْخُذْهُ عَنْ رَأْيِهِ إنَّ المُؤْمِنَ مَن يُعْرَفُ إيمانُهُ في عَمَلِهِ وإنَّ الكافِرَ يُعْرَفُ كُفْرُهُ بِإنْكارِهِ أيُّها النّاسُ دِينَكم دِينَكم فَإنَّ السَّيِّئَةَ فِيهِ خَيْرٌ مِنَ الحَسَنَةِ في غَيْرِهِ إنَّ السَّيِّئَةَ فِيهِ تُغْفَرُ وإنَّ الحَسَنَةَ في غَيْرِهِ لا تُقْبَلُ.
وقَرَأ أُبَيٌّ (إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ لَلْإسْلامُ)، والكِسائِيُّ (أنَّ الدِّينَ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ بَدَلُ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ إنْ فُسِّرَ الإسْلامُ بِالإيمانِ وأُرِيدَ بِهِ الإقْرارُ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى والتَّصْدِيقُ بِها الَّذِي هو الجُزْءُ الأعْظَمُ وكَذا إنْ فُسِّرَ بِالتَّصْدِيقِ بِما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِمّا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ لِأنَّ ذَلِكَ عَيْنُ الشَّهادَةِ بِما ذُكِرَ بِاعْتِبارِ ما يَلْزَمُها فَهي عَيْنُهُ مَآلًا، وأمّا إذا فُسِّرَ بِالشَّرِيعَةِ فالبَدَلُ بَدَلُ اِشْتِمالٍ لِأنَّ الشَّرِيعَةَ شامِلَةٌ لِلْإيمانِ والإقْرارِ بِالوَحْدانِيَّةِ، وفَسَّرَها بَعْضُهم بِعِلْمِ الأحْكامِ وادَّعى أوْلَوِيَّةَ هَذا الشَّقِّ نَظَرًا لِسِياقِ الكَلامِ مُسْتَدِلًّا بِأنَّهُ لَمْ يُقَيَّدْ عِلْمُ الأُصُولِ بِالعِنْدِيَّةِ لِأنَّها أُمُورٌ بِحَسَبِ نَفْسِ الأمْرِ لا تَدُورُ عَلى الِاعْتِبارِ ولِهَذا تَتَّحِدُ فِيها الأدْيانُ الحَقَّةُ كُلُّها، وقُيِّدَ كَوْنُ الدِّينِ الإسْلامَ بِالعِنْدِيَّةِ لِأنَّ الشَّرائِعَ دائِرَةٌ عَلى اِعْتِبارِ الشّارِعِ ولِهَذا تُغَيَّرُ وتُبَدَّلُ بِحَسَبَ المَصالِحِ والأوْقاتِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، أوْ عَلى أنْ (شَهِدَ) واقِعٌ عَلَيْهِ عَلى تَقْدِيرِ قِراءَةِ (إنَّهُ) بِالكَسْرِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، و(عِنْدَ) عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ ظَرْفٌ العامِلُ فِيهِ الثُّبُوتُ الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ الجُمْلَةُ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِكَوْنٍ خاصٍّ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ يُقَدَّرُ مَعْرِفَةً وقَعَ صِفَةً لِلدِّينِ أيْ إنَّ الدِّينَ المَرْضِيَّ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا في الدِّينِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا عَنْ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ، أيْ هَذا الحُكْمُ ثابِتٌ عِنْدَ اللَّهِ، وأرى الكُلَّ لَيْسَ بِشَيْءٍ أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّ خِلافَ القاعِدَةِ المَعْرُوفَةِ في الظُّرُوفِ إذا وقَعَتْ بَعْدَ النَّكِراتِ، وأمّا الثّانِي:
صفحة 107
فَلِأنَّ المَشْهُورَ أنْ (إنَّ) لا تَعْمَلُ في الحالِ، وأمّا الثّالِثُ: فَلِأنَّهُ لا وجْهَ لِلتَّعَلُّقِ بِلَفْظِ (اَلدِّينِ) إلّا أنْ يُكْتَفى بِأنَّهُ في الأصْلِ بِمَعْنى الجَزاءِ، وأمّا الرّابِعُ: فَلِأنَّ التَّكَلُّفَ فِيهِ المُسْتَغْنى عَنْهُ أظْهَرُ مِن أنْ يَخْفى، هَذا وقَدِ اُخْتُلِفَ في إطْلاقِ الإسْلامِ عَلى غَيْرِ ما جاءَ بِهِ نَبِيُّنا ﷺ، والأكْثَرُونَ عَلى الإطْلاقِ وأظُنُّ أنَّهُ بَعْدَ تَحْرِيرِ النِّزاعِ لا يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ اِخْتِلافٌ.
﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ واخْتَلَفُوا فِيما عَهِدَ إلَيْهِمْ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ، قالَ: «إنَّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما حَضَرَهُ المَوْتُ دَعا سَبْعِينَ حَبْرًا مِن أحْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ فاسْتَوْدَعَهُمُ التَّوْراةَ وجَعَلَهم أُمَناءَ عَلَيْها واسْتَخْلَفَ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ فَلَمّا مَضى القَرْنُ الأوَّلُ والثّانِي والثّالِثُ وقَعَتِ الفُرْقَةُ بَيْنَهم وهُمُ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن أبْناءِ السَّبْعِينَ حَتّى أهَراقُوا بَيْنَهُمُ الدِّماءَ ووَقَعَ الشَّرُّ طَلَبًا لِسُلْطانِ الدُّنْيا ومُلْكِها وخَزائِنِها وزُخْرُفِها فَسَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ جَبابِرَتَهُمْ»، وقِيلَ: النَّصارى واخْتَلَفُوا في التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَوْصُولِ اليَهُودُ والنَّصارى، وبِالكِتابِ الجِنْسُ، واخْتَلَفُوا في التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: في نُبُوَّتِهِ ﷺ، وقِيلَ: في الإيمانِ بِالأنْبِياءِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ المَوْصُولِ ما يَعُمُّ الفَرِيقَيْنِ، واَلَّذِي اِخْتَلَفُوا فِيهِ الإسْلامُ كَما يُشْعِرُ بِهِ السِّياقُ والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِهَذا العُنْوانِ زِيادَةُ تَقْبِيحٍ لَهم فَإنَّ الِاخْتِلافَ بَعْدَ إتْيانِ الكِتابِ أقْبَحُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ زِيادَةٌ أُخْرى فَإنَّ الِاخْتِلافَ بَعْدَ مَجِيءِ العِلْمِ أزِيدُ في القَباحَةِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أوْ أعَمِّ الأوْقاتِ، والمُرادُ مِن مَجِيءِ العِلْمِ التَّمَكُّنُ مِنهُ لِسُطُوعِ بَراهِينِهِ، أوِ المُرادُ مِنهُ حُصُولُ العِلْمِ بِحَقِيقَةِ الأمْرِ لَهم بِالفِعْلِ ولَمْ يَقُلْ عَلِمُوا مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ إشارَةً إلى أنَّهُ عِلْمٌ بِسَبَبِ الوَحْيِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ زِيادَةُ تَشْنِيعٍ، والِاسْمُ المَنصُوبُ مَفْعُولٌ لَهُ لِما دَلَّ عَلَيْهِ (ما) و(إلّا) مِن ثُبُوتِ الِاخْتِلافِ بَعْدَ مَجِيءِ العِلْمِ كَما تَقُولُ ما ضَرَبْتُ إلّا اِبْنِي تَأْدِيبًا، فَلا دَلالَةَ لِلْكَلامِ عَلى حَصْرِ الباعِثِ، وادَّعاهُ بَعْضُهم أيْ إنَّ الباعِثَ لَهم عَلى الِاخْتِلافِ هو البَغْيُ والحَسَدُ لا الشُّبْهَةُ وخَفاءُ الأمْرِ، ولَعَلَّ اِنْفِهامُ ذَلِكَ مِنَ المَقامِ أوْ مِنَ الكَلامِ بِناءً عَلى جَوازِ تَعَدُّدِ الِاسْتِثْناءِ المُفَرَّغِ أيْ ما اِخْتَلَفُوا في وقْتٍ لِغَرَضٍ إلّا بَعْدَ العِلْمِ لِغَرَضِ البَغِيِّ، كَما تَقُولُ: ما ضَرَبَ إلّا زَيْدٌ عَمْرًا أيْ ما ضَرَبَ أحَدٌ أحَدًا إلّا زِيدٌ عَمْرًا.
﴿ومَن يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِها حُجَجَهُ، وقِيلَ: التَّوْراةُ، وقِيلَ: هي والإنْجِيلُ، وقِيلَ: القُرْآنُ، وقِيلَ: آياتُهُ النّاطِقَةُ بِأنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ، والظّاهِرُ العُمُومُ أيْ أيَّةُ آيَةٍ كانَتْ، والمُرادُ بِمَن أيْضًا أعَمُّ مِنَ المُخْتَلِفِينَ المَذْكُورِينَ وغَيْرِهِمْ، ولَكَ أنْ تَخُصَّهُ بِهِمْ ﴿فَإنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [ 19 ] قائِمٌ مَقامَ جَوابِ الشَّرْطِ عِلَّةً لَهُ، أيْ: ومَن يَكْفُرْ يُعاقِبْهُ اللَّهُ تَعالى ويُجازِهِ عَنْ قَرِيبٍ، فَإنَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ أيْ يَأْتِي حِسابُهُ عَنْ قَرِيبٍ أوْ يَتِمُّ ذَلِكَ بِسُرْعَةٍ، وقِيلَ: إنَّ سُرْعَةَ الحِسابِ تَقْتَضِي إحاطَةَ العِلْمِ والقُدْرَةِ فَتُفِيدُ الجُمْلَةُ الوَعِيدَ، وبِاعْتِبارِهِ يَنْتَظِمُ الشَّرْطُ والجَزاءُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى تَقْدِيرٍ، ولَعَلَّهُ أوْلى وأدَقُّ نَظَرًا. وفي إظْهارِ الِاسْمِ الجَلِيلِ تَرْبِيَةٌ لِلْمَهابَةِ وإدْخالُ الرَّوْعَةِ، وفي تَرْتِيبِ العِقابِ عَلى مُطْلَقِ الكُفْرِ إثْرَ بَيانِ حالِ أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ إيذانٌ بِشِدَّةِ عِقابِهِمْ.
3:20Page 52
فَإِنۡ حَآجُّوكَ فَقُلۡ أَسۡلَمۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡأُمِّيِّـۧنَ ءَأَسۡلَمۡتُمۡۚ فَإِنۡ أَسۡلَمُواْ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٢٠
So if they argue with you, say, "I have submitted myself to Allāh [in Islām], and [so have] those who follow me." And say to those who were given the Scripture and [to] the unlearned,1 "Have you submitted yourselves?" And if they submit [in Islām], they are rightly guided; but if they turn away - then upon you is only the [duty of] notification. And Allāh is Seeing of [His] servants.
﴿فَإنْ حاجُّوكَ﴾ أيْ جادَلُوكَ في الدِّينِ بَعْدَ أنْ أقَمْتَ الحُجَجَ، والضَّمِيرَ لِلَّذِينِ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، قالَهُ الحَسَنُ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: لِجَمِيعِ النّاسِ، وقِيلَ: وفْدُ نَصارى نَجْرانَ؛ وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ أيْ أخْلَصْتُ
صفحة 108
وخَضَعْتُ بِقَلْبِي وقالَبِي لِلَّهِ لا أُشْرِكُ بِهِ غَيْرَهُ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الجِدالَ مَعَهم لَيْسَ في مَوْقِعِهِ لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ في أمْرٍ خَفِيٍّ واَلَّذِي جادَلُوا بِهِ أمْرٌ مَكْشُوفٌ، وحُكْمُ حالِهِ مَعْرُوفٌ وهو الدِّينُ القَوِيمُ فَلا تَكُونُ المُحاجَّةُ والمُجادَلَةُ إلّا مُكابَرَةً، وحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذا القَوْلُ إعْراضًا عَنْ مُجادَلَتِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ مُحاجَّةٌ وبَيانُهُ أنَّ القَوْمَ كانُوا مُقِرِّينَ بِوُجُودِ الصّانِعِ وكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: هَذا القَوْلُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الكُلِّ فَأنا مُسْتَمْسِكٌ بِهَذا القَدْرِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وداعِي الخَلْقِ إلَيْهِ، وإنَّما الخِلافُ في أُمُورٍ وراءَ ذَلِكَ فاليَهُودُ يَدْعُونَ التَّشْبِيهَ والجِسْمِيَّةَ، والنَّصارى يَدْعُونَ إلَهِيَّةَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ والمُشْرِكُونَ يَدْعُونَ وُجُوبَ عِبادَةِ الأوْثانِ فَهَؤُلاءِ هُمُ المُدَّعُونَ فَعَلَيْهِمُ الإثْباتَ، ونَظِيرُ ذَلِكَ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم ألا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾، وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ الآيَةَ في هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ نازَعُوكَ يا مُحَمَّدُ في هَذِهِ التَّفاصِيلِ فَقُلْ: أنا مُتَمَسِّكٌ بِطَرِيقِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنْتُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ كانَ مُحِقًّا في قَوْلِهِ صادِقًا في دِينِهِ فَيَكُونُ مِن بابِ التَّمَسُّكِ بِالإلْزاماتِ وداخِلًا تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ ولَعَلَّ القَوْلَ بِالإعْراضِ أوْلى لِما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى سُوءِ حالِهِمْ وحَطِّ مِقْدارِهِمْ، وعَبَّرَ عَنِ الجُمْلَةِ -بِالوَجْهِ- لِأنَّهُ أشْرَفُ الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ ومَظْهَرُ القُوى والمَشاعِرِ ومَجْمَعُ مُعْظَمِ ما يَقَعُ بِهِ العِبادَةُ وبِهِ يَحْصُلُ التَّوَجُّهُ إلى كُلِّ شَيْءٍ، وفَتَحَ الياءَ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ وسَكَّنَها الباقُونَ.
﴿ومَنِ اتَّبَعَنِ﴾ عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ في ﴿أسْلَمْتُ﴾ وحَسُنَ لِلْفَصْلِ، أوْ مَفْعُولٌ مَعَهُ، وأُورِدُ عَلَيْهِما أنَّهُما يَقْتَضِيانِ اِشْتِراكَهم مَعَهُ ﷺ في إسْلامِ وجْهِهِ ولَيْسَ المَعْنى: أسْلَمْتُ وجْهِي وهم أسْلَمُوا وُجُوهَهم إذْ لا يَصِحُّ -أكَلْتُ رَغِيفًا وزَيْدًا، وقَدْ أكَلَ كُلٌّ مِنهُما رَغِيفًا، فالواجِبُ أنْ يَكُونَ (مَن) مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ومَنِ اِتَّبَعَنِ كَذَلِكَ، أوْ يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى الجَلالَةِ وإسْلامِهِ ﷺ لِمَنِ اِتَّبَعَهُ بِالحِفْظِ والنَّصِيحَةِ، وأُجِيبَ بِأنَّ فَهْمَ المَعْنى وعَدَمَ الإلْباسِ يُسَوِّغُ كِلا الأمْرَيْنِ ويَسْتَغْنِي بِذَلِكَ عَنْ مَئُونَةِ الحَذْفِ وتَكَلُّفِ خِلافِ الظّاهِرِ جِدًّا، وأثْبَتَ الياءَ في (اِتَّبَعَنِي) عَلى الأصْلِ أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ، وحَذَفَها الباقُونَ، وحَذْفُها أحْسَنُ لِمُوافَقَةِ خَطِّ المُصْحَفِ، وقَدْ جاءَ الحَذْفُ في مِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرًا كَقَوْلِ الأعْشى:
فَهَلْ يَمْنَعُنِي اِرْتِيادِي البِلا دَ مِن حَذَرَ المَوْتِ أنْ (يَأْتِينِ)
﴿وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ، والمَعْنى فَإنْ حاجَّكَ أهْلُ الكِتابِ فَقابِلْهم بِذَلِكَ فَإنْ أجْدى فَعَمِّمِ الدَّعْوَةَ وقُلْ لِلْأسْوَدِ والأحْمَرِ ﴿أأسْلَمْتُمْ﴾ مُتَّبِعِينَ لِي كَما فَعَلَ المُؤْمِنُونَ فَإنَّهُ قَدْ جاءَكم مِنَ الآياتِ ما يُوجِبُهُ ويَقْتَضِيهِ أمْ أنْتُمْ عَلى كُفْرِكم بِآياتِ اللَّهِ تَعالى وإصْرارِكم عَلى العِنادِ، وهَذا كَما تَقُولُ -إذا لَخَّصْتَ لِسائِلٍ مَسْألَةً ولَمْ تَدَعْ مِن طُرُقِ البَيانِ مَسْلَكًا إلّا سَلَكْتَهُ -فَهَلْ فَهِمْتَها؟ عَلى طُرُزِ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ إثْرَ تَفْصِيلِ الصَّوارِفِ عَنْ تَعاطِي ما حُرِّمَ تَعاطِيهِ، وفي ذَلِكَ تَعْيِيرٌ لَهم بِالمُعانِدَةِ وقِلَّةِ الإنْصافِ وتَوْبِيخٌ بِالبَلادَةِ وجُمُودِ القَرِيحَةِ، والكَثِيرُونَ عَلى أنَّ الِاسْتِفْهامَ لِلتَّقْرِيرِ وفي ضِمْنِهِ الأمْرُ، ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِرِعايَةِ التَّقابُلِ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ، والمُرادُ مِنَ الأُمِّيِّينَ الَّذِينَ لا يَكْتُبُونَ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ، قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ.
﴿فَإنْ أسْلَمُوا﴾ أيِ اِتَّصَفُوا بِالإسْلامِ والدِّينِ الحَقِّ ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ عَلى تَضْمِينِ مَعْنى الخُرُوجِ أيِ اِهْتَدَوْا خارِجِينَ مِنَ الضَّلالِ كَذا قِيلَ، وبَعْضٌ يُفَسِّرُ الِاهْتِداءَ بِاللّازِمِ وهو النَّفْعُ أيْ فَقَدْ نَفَعُوا أنْفُسَهم قالُوا: وسَبَبُ
صفحة 109
إخْراجِهِ عَنْ ظاهِرِهِ أنَّ الإسْلامَ عَيْنُ الِاهْتِداءِ فَإنْ فُسِّرَ عَلى الأصْلِ اِتَّحَدَ الشَّرْطُ والجَزاءُ، وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ.
﴿وإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ أعْرَضُوا عَنِ الإسْلامِ ولَمْ يَقْبَلُوا ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ قائِمٌ مَقامَ الجَوابِ، أيْ لا يَضُرُّكَ شَيْئًا إذْ ما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ وقَدْ أدَّيْتَهُ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ وأبْلَغِهِ، وهَذا قَبْلَ الأمْرِ بِالقِتالِ فَهو مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ [ 20 ] تَذْيِيلٌ فِيهِ وعْدٌ عَلى الإسْلامِ ووَعِيدٌ عَلى التَّوَلِّي عَنْهُ.
3:21Page 52
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَيَقۡتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡقِسۡطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٢١
Those who disbelieve in the signs of Allāh and kill the prophets without right and kill those who order justice from among the people - give them tidings of a painful punishment.
﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيَّةِ آيَةٍ كانَتْ، ويَدْخُلُ فِيهِمُ الكافِرُونَ بِالآياتِ النّاطِقَةِ بِحَقِّيَّةِ الإسْلامِ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ هم أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ كانُوا في عَصْرِهِ ﷺ إذْ لا مَعْنى لِإنْذارِ الماضِينَ، قالَ القُطْبُ: وإسْنادُ القَتْلِ إلَيْهِمْ ولَمْ يَصْدُرْ مِنهم قَتْلٌ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ لَمّا كانَتْ طَرِيقَةَ أسْلافِهِمْ صَحَّتْ إضافَتُها إلَيْهِمْ إذْ صُنْعُ الأبِ قَدْ يُضافُ إلى الِابْنِ لا سِيَّما إذا كانَ راضِيًا بِهِ، الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن شَأْنِهِمُ القَتْلُ إنْ لَمْ يُوجَدْ مانِعٌ، والتَّقْيِيدُ بِغَيْرِ حَقٍّ لِما تَقَدَّمَ، وتُرِكَتْ ألْ هُنا دُونَ ما سَبَقَ لِتَفاوُتِ مَخْرَجِ الجُمْلَتَيْنِ وقَدْ مَرَّ ما يَنْفَعُكَ في هَذِهِ الآيَةِ، فَتَذَكَّرْ، وقَرَأ الحَسَنُ (يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ).
﴿ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ﴾ أيْ بِالعَدْلِ، ولَعَلَّ تَكْرِيرَ الفِعْلِ لِلْإشْعارِ بِما بَيْنَ القَتْلَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ أوْ بِاخْتِلافِهِما في الوَقْتِ، أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ قالَ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ: ”أيُّ النّاسِ أشَدُّ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ؟ قالَ: رَجُلٌ قَتَلَ نَبِيًّا أوْ رَجُلًا أمَرَ بِالمَعْرُوفِ ونَهى عَنِ المُنْكَرِ، ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ، ثُمَّ قالَ ﷺ: يا أبا عُبَيْدَةَ قَتَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ثَلاثَةً وأرْبَعِينَ نَبِيًّا أوَّلَ النَّهارِ في ساعَةٍ واحِدَةٍ فَقامَ مِائَةُ رَجُلٍ وسَبْعُونَ رَجُلًا مِن عِبادِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأمَرُوا مَن قَتَلَهم بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْهم عَنِ المُنْكَرِ فَقُتِلُوا جَمِيعًا مِن آخِرِ النَّهارِ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ فَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى“،» وقَرَأ حَمْزَةُ (ويُقاتِلُونَ الَّذِينَ) وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (وقاتَلُوا) وقَرَأ أُبَيٌّ (ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ والَّذِينَ يَأْمُرُونَ) .
﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ خَبَرُ (إنَّ) [ 21 ] ودَخَلَتِ الفاءُ فِيهِ لِتَضَمُّنِ الِاسْمِ مَعْنى الشَّرْطِ ولا يَمْنَعُ النّاسِخُ الَّذِي لَمْ يُغَيِّرْ مَعْنى الِابْتِداءِ مِنَ الدُّخُولِ ومَتى غَيَّرَ كَ لِيتَ ولَعَلَّ اِمْتَنَعَ ذَلِكَ إجْماعًا، وسِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ يَمْنَعانِهِ عِنْدَ النُّسَخِ مُطْلَقًا فالخَبَرُ عِنْدَهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ .
3:22Page 52
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٢٢
They are the ones whose deeds have become worthless in this world and the Hereafter, and for them there will be no helpers.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ وجُمْلَةُ ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بِالفاءِ كَما في قَوْلِكَ: زِيدٌ فافْهَمْ رَجُلٌ صالِحٌ، وقَدْ صَرَّحَ بِهِ النُّحاةُ في قَوْلِهِ:
فاعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعُهُ أنْ سَوْفَ يَأْتِي كُلَّ ما قُدِرا
ومَن لَمْ يَفْهَمْ هَذا قالَ: إنَّ الفاءَ جَزائِيَّةٌ وجَوابُها مُقَدَّمٌ مِن تَأْخِيرٍ، والتَّقْدِيرُ زَيْدٌ رَجُلٌ صالِحٌ؛ وإذا قُلْنا لَكَ ذَلِكَ فافْهَمْ وعَلى الأوَّلِ هو اِسْتِئْنافٌ، و﴿أُولَئِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ، وما فِيهِ مِنَ البُعْدِ عَلى المَشْهُورِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في فَظاعَةِ الحالِ، والمَوْصُولُ خَبَرُهُ أيْ أُولَئِكَ المُتَّصِفُونَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ الشَّنِيعَةِ الَّذِينَ بَطَلَتْ أعْمالُهم وسَقَطَتْ عَنْ حَيِّزِ الِاعْتِبارِ وخَلَتْ عَنِ الثَّمَرَةِ في الدُّنْيا حَيْثُ لَمْ تُحْقَنُ دِماؤُهم وأمْوالُهم ولَمْ يَسْتَحِقُّوا بِها مَدْحًا وثَناءً وفي الآخِرَةِ حَيْثُ لَمْ تَدْفَعْ عَنْهُمُ العَذابَ ولَمْ يَنالُوا بِسَبَبِها الثَّوابَ، وهَذا شامِلٌ لِلْأعْمالِ المُتَوَقِّفَةِ عَلى النِّيَّةِ ولِغَيْرِها. ومِنَ النّاسِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ العَمَلَ الغَيْرَ المُتَوَقِّفِ عَلى النِّيَّةِ كالصَّدَقَةِ وصِلَةِ الرَّحِمِ يَنْتَفِعُ بِهِ الكافِرُ في الآخِرَةِ ولا يَحْبِطُ بِالكُفْرِ، فالمُرادُ بِالأعْمالِ هُنا ما كانَ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ، وإنْ أُرِيدَ ما يَشْمَلُ القِسْمَيْنِ اُلْتُزِمَ كَوْنُ هَذا
صفحة 110
الحُكْمِ مَخْصُوصًا بِطائِفَةٍ مِنَ الكُفّارِ وهُمُ المَوْصُوفُونَ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الصِّفاتِ وفِيهِ تَأمُّلٌ.
﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ [ 22 ] يَنْصُرُونَهم مِن بَأْسِ اللَّهِ تَعالى وعَذابِهِ في أحَدِ الدّارَيْنِ، وجُمِعَ النّاصِرُ لِرِعايَةِ ما وقَعَ في مُقابَلَتِهِ لا لِنَفْيِ تَعَدُّدِ الأنْصارِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم وقَدْ يُدَّعى أنَّ مَجِيءَ الجَمْعِ هُنا أحْسَنُ مِن مَجِيءِ المُفْرَدِ لِأنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، والمُرادُ مِنَ اِنْتِفاءِ النّاصِرِينَ اِنْتِفاءُ ما يَتَرَتَّبُ عَلى النَّصْرِ مِنَ المَنافِعِ والفَوائِدِ وإذا اِنْتَفَتْ مِن جَمْعٍ فانْتِفاؤُها مِن واحِدٍ أوْلى، ثُمَّ إنَّ هَذا الحُكْمَ وإنْ كانَ عامًّا لِسائِرِ الكُفّارِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ إلّا أنَّ لَهُ هُنا مَوْقِعًا حَيْثُ إنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ وُصِفُوا بِأنَّهم يَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ وهم ناصِرُو الحَقِّ، عَلى ما أشارَ إلَيْهِ الحَدِيثُ، ولا يُوجَدُ فِيهِمْ ناصِرٌ يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ قَتْلِ أُولَئِكَ الكِرامِ فَقُوبِلُوا لِذَلِكَ بِعَذابٍ لا ناصِرَ لَهم مِنهُ ولا مُعْيِنَ لَهم فِيهِ. ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ في الآيَةِ مُقابَلَةَ ثَلاثَةِ أشْياءَ بِثَلاثَةِ أشْياءَ؛ الكُفْرِ بِالعَذابِ، وقَتْلِ الأنْبِياءِ بِحَبْطِ الأعْمالِ، وقَتْلِ الآمِرِينَ [بِالقِسْطِ] بِانْتِفاءِ النّاصِرِ وهو كَما تَرى.
3:23Page 53
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُدۡعَوۡنَ إِلَىٰ كِتَٰبِ ٱللَّهِ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ وَهُم مُّعۡرِضُونَ ٢٣
Do you not consider, [O Muḥammad], those who were given a portion of the Scripture? They are invited to the Scripture of Allāh that it should arbitrate between them;1 then a party of them turns away, and they are refusing.
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ تَعْجِيبٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ أوْ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ مِن حالِ أهْلِ الكِتابِ وأنَّهم إذا عَضَّتْهُمُ الحُجَّةُ فَرُّوا إلى الضَّجَّةِ وأعْرَضُوا عَنِ المَحَجَّةِ، وفِيهِ تَقْرِيرٌ لِما سَبَقَ مِن أنَّ الِاخْتِلافَ إنَّما كانَ بَعْدَ مَجِيءِ العِلْمِ، وقِيلَ: إنَّهُ تَنْوِيرٌ لِنَفِيَ النّاصِرِ لَهم حَيْثُ يَصِيرُونَ مَغْلُوبِينَ عِنْدَ تَحْكِيمِ كِتابِهِمْ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ اليَهُودُ، وبِالنَّصِيبِ الحَظُّ، و(مِن) إمّا لِلتَّبْعِيضِ وإمّا لِلْبَيانِ عَلى مَعْنى (نَصِيبًا) هو الكِتابُ، أوْ نَصِيبًا مِنهُ لِأنَّ الوُصُولَ إلى كُنْهِ كَلامِهِ تَعالى مُتَعَذِّرٌ فَإنْ جُعِلَ بَيانًا كانَ المُرادُ إنْزالَ الكِتابِ عَلَيْهِمْ وإنْ جُعِلَ تَبْعِيضًا كانَ المُرادُ هِدايَتَهم إلى فَهْمِ ما فِيهِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ اللّامُ في (اَلْكِتابِ) لِلْعَهْدِ، والمُرادُ بِهِ التَّوْراةُ - وهو المَرْوِيُّ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ - والتَّنْوِينُ لِلتَّكْثِيرِ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اللّامُ في (اَلْكِتابِ) لِلْعَهْدِ والمُرادُ بِهِ اللَّوْحُ، وأنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ؛ وعَلَيْهِ -اَلنَّصِيبُ- التَّوْراةُ، و(مِن) لِلِابْتِداءِ في الأوَّلِ ويَحْتَمِلُها، والتَّبْعِيضُ في الثّانِي، والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ عَلى الوَجْهِ السّابِقِ أيْضًا كَذَلِكَ، وجُوِّزَ عَلى تَقْدِيرٍ أنْ يُرادَ -بِالنَّصِيبِ- ما حَصَلَ لَهم مِنَ العِلْمِ أنْ يَكُونَ التَّنْوِينُ لِلتَّحْقِيرِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يُساعِدُهُ مَقامُ المُبالِغَةِ في تَقْبِيحِ حالِهِمْ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ تَعْيِيرَهم بِتَمَرُّدِهِمْ واسْتِكْبارِهِمْ بِالنَّصِيبِ الحَقِيرِ عَنْ مُتابَعَةِ مَن لَهُ عِلْمٌ لا يُوازِنُهُ عُلُومُ المُرْسَلِينَ كُلِّهِمْ، والتَّعْبِيرُ عَمّا أُوتُوهُ بِالنَّصِيبِ لِلْإشْعارِ بِكَمالِ اِخْتِصاصِهِ بِهِمْ وكَوْنِهِ حَقًّا مِن حُقُوقِهِمُ الَّتِي يَجِبُ مُراعاتُها والعَمَلُ بِمُوجِبِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ﴾ إمّا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِمَحَلِّ التَّعْجِيبِ، وإمّا حالٌ مِنَ المَوْصُولِ، والمُرادُ بِكِتابِ اللَّهِ التَّوْراةُ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِإيجابِ الإجابَةِ، والإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ وتَأْكِيدِ وُجُوبِ المُراجَعَةِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وغَيْرُهُ.
وقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ إسْحَقَ وجَماعَةٌ عَنْهُ قالَ: «”دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ المِدْراسِ عَلى جَماعَةٍ مِن يَهُودَ فَدَعاهم إلى اللَّهِ تَعالى فَقالَ النُّعْمانُ بْنُ عَمْرٍو والحَرَثُ بْنُ زَيْدٍ: عَلى أيِّ دِينٍ أنْتَ يا مُحَمَّدُ؟ قالَ: عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ ودِينِهِ، قالا: فَإنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًّا، فَقالَ لَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَهَلُمّا إلى التَّوْراةِ فَهي بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ، فَأبَيا عَلَيْهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ“». وفي «اَلْبَحْرِ»: «”زَنى رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ بِاِمْرَأةٍ ولَمْ يَكُنْ بَعْدُ في دِينِنا الرَّجْمُ فَتَحاكَمُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَخْفِيفًا عَلى الزّانِيَيْنِ لِشَرَفِهِما، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّما
صفحة 111
أحْكَمُ بِكِتابِكم فَأنْكَرُوا الرَّجْمَ فَجِيءَ بِالتَّوْراةِ فَوَضَعَ حَبْرَهُمُ اِبْنُ صُورِيّا يَدَهُ عَلى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: جاوَزَها يا رَسُولَ اللَّهِ فَأظْهَرَها فَرُجِما فَغَضِبَتِ اليَهُودُ فَنَزَلَتْ“».
وهُوَ المَرْوِيُّ عَنِ اِبْنِ جُرَيْجٍ - وحُكِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أيْضًا - وذَهَبَ الحَسَنُ وقَتادَةُ إلى أنَّ المُرادَ بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى القُرْآنُ دَعَوْا إلَيْهِ لِأنَّ ما فِيهِ مُوافِقٌ لِما في التَّوْراةِ مِن أُصُولِ الدِّيانَةِ وأرْكانِ الشَّرِيعَةِ والصِّفَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتِ البِشارَةُ بِها أوْ لِأنَّهم لا يَشُكُّونَ في أنَّهُ كِتابُ اللَّهِ تَعالى المُنَزَّلُ عَلى خاتَمِ رُسُلِهِ.
﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ قِيلَ: أيْ لِيَفْصِلَ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ بَيْنَ الَّذِينَ أُوتُوا -وهُمُ اليَهُودُ - وبَيْنَ الدّاعِي لَهم - وهو النَّبِيُّ ﷺ في أمْرِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ في حُكْمِ الرَّجْمِ، أوْ في شَأْنِ الإسْلامِ، أوْ بَيْنَ مَن أسْلَمَ مِنهم ومَن لَمْ يُسْلِمْ حَيْثُ وقَعَ بَيْنَهُمُ اِخْتِلافٌ في الدِّينِ الحَقِّ، وعَلى هَذا -وهُوَ المَرْضِيُّ عِنْدَ البَعْضِ وإنْ لَمْ يُوافِقْ سَبَبَ النُّزُولِ- ورُبَّما أُحْوِجَ إلى اِرْتِكابِ مَجازٍ في مَرْجِعِ الضَّمِيرِ لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ الدّاعِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وقُرِئَ (لِيُحْكَمَ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ونُسِبَ ذَلِكَ إلى أبِي حَنِيفَةَ.
﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى (يُدْعَوْنَ)، و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ، وفِيهِ اِسْتِبْعادُ تَوَلِّيهِمْ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِوُجُوبِ الرُّجُوعِ إلَيْهِ، و﴿مِنهُمْ﴾ صِفَةٌ لِفَرِيقٍ، ولَعَلَّ المُرادَ بِهَذا الفَرِيقِ أكْثَرُهم عِلْمًا لِيُعْلَمَ تَوَلِّي سائِرِهِمْ مِن بابِ الأوْلى، قِيلَ: وهَذا سَبَبُ العُدُولِ عَنْ -ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ- وقِيلَ: الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا، ووَجْهُ العُدُولِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ، فَتَدَبَّرْ.
﴿وهم مُعْرِضُونَ﴾ [ 23 ] جُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً مَعْطُوفَةً عَلى الصِّفَةِ قَبْلَها فالواوُ لِلْعَطْفِ، وأنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في (مِنهُمْ) أوْ مِن (فَرِيقٌ) لِتَخْصِيصِهِ بِالصِّفَةِ، فالواوُ حِينَئِذٍ لِلْحالِ وهي إمّا مُؤَكِّدَةٌ لِأنَّ التَّوَلِّيَ والإعْراضَ بِمَعْنًى، وإمّا مُبَيِّنَةٌ لِاخْتِلافِ مُتَعَلِّقَيْهِما بِناءً عَلى ما قِيلَ: إنَّ التَّوَلِّيَ عَنِ الدّاعِي والإعْراضَ عَنِ المَدْعُوِّ إلَيْهِ أوِ التَّوَلِّيَ بِالبَدَنِ والإعْراضَ بِالقَلْبِ، أوِ الأوَّلُ كانَ مِنَ العُلَماءِ، والثّانِي مِن أتْباعِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ لا يَكُونَ لَها مَحَلٍّ مِنَ الإعْرابِ بِأنْ تَكُونَ تَذْيِيلًا أوْ مُعْتَرِضَةً، والمُرادُ وهم قَوْمٌ دَيْدَنُهُمِ الإعْراضُ، وبَعْضُهم فَسَّرَ الجُمْلَةَ بِهَذا مَعَ اِعْتِبارِ الحالِيَّةِ ولَعَلَّهُ رَأى أنَّهُ لا يُمْنَعُ عَنْها.
3:24Page 53
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۖ وَغَرَّهُمۡ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢٤
That is because they say, "Never will the Fire touch us except for [a few] numbered days," and [because] they were deluded in their religion by what they were inventing.
﴿ذَلِكَ﴾ أيِ المَذْكُورُ مِنَ التَّوَلِّي والإعْراضِ وهو مُبْتَدَأُ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ أيْ حاصِلٌ لَهم بِسَبَبِ هَذا القَوْلِ الَّذِي رَسَخَ اِعْتِقادُهم لَهُ وهَوَّنُوا بِهِ الخُطُوبَ ولَمْ يُبالُوا مَعَهُ بِارْتِكابِ المَعاصِي والذُّنُوبِ، والمُرادُ بِالأيّامِ المَعْدُوداتِ أيّامُ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ، وجاءَ هُنا ﴿مَعْدُوداتٍ﴾ بِصِيغَةِ الجَمْعِ دُونَ ما في البَقَرَةِ [80] فَإنَّهُ ﴿مَعْدُودَةً﴾ بِصِيغَةِ المُفْرَدِ تَفَنُّنًا في التَّعْبِيرِ، وذَلِكَ لِأنَّ جَمْعَ التَّكْسِيرِ لِغَيْرِ العاقِلِ يَجُوزُ أنْ يُعامَلَ مُعامَلَةَ الواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ تارَةً ومُعامَلَةَ جَمْعِ الإناثِ أُخْرى، فَيُقالُ: هَذِهِ جِبالٌ راسِيَةٌ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: راسِياتٌ، وجِمالٌ ماشِيَةٌ وإنْ شِئْتَ: ماشِياتٌ، وخُصَّ الجَمْعُ هُنا لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى القِلَّةِ كَمَوْصُوفِهِ وذَلِكَ ألْيَقُ بِمَقامِ التَّعْجِيبِ والتَّشْنِيعِ.
﴿وغَرَّهم في دِينِهِمْ﴾ أيْ أطْمَعَهم في غَيْرِ مَطْمَعٍ وخَدَعَهم ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [ 24 ] أيِ اِفْتِراؤُهم وكَذِبُهم أوِ الَّذِي كانُوا يَفْتَرُونَهُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ﴾ الخ، قالَهُ مُجاهِدٌ أوْ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ قالَهُ قَتادَةُ، أوْ مِمّا يَشْمَلُ ذَلِكَ ونَحْوَهُ مِن قَوْلِهِمْ: «إنَّ آباءَنا الأنْبِياءَ يَشْفَعُونَ لَنا وإنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ يَعْقُوبَ أنْ لا يُعَذِّبَ أبْناءَهُ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ» والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ أوْ بِ (يَفْتَرُونَ) واعْتَرَضَهُ الخَطِيبُ بِأنَّ ما بَعْدَ المَوْصُولِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ؛ وأُجِيبَ بِالتَّوَسُّعِ.
3:25Page 53
فَكَيۡفَ إِذَا جَمَعۡنَٰهُمۡ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِ وَوُفِّيَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٢٥
So how will it be when We assemble them for a Day about which there is no doubt? And each soul will be compensated [in full for] what it earned, and they will not be wronged.
﴿فَكَيْفَ﴾ اِسْتِعْظامٌ وتَهْوِيلٌ وهَدْمٌ لِما اِسْتَنَدُوا إلَيْهِ، وكَلِمَةُ الِاسْتِفْهامِ
صفحة 112
فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ مَحْذُوفٌ أيْ كَيْفَ تَكُونُ حالُهم أوْ كَيْفَ يَصْنَعُونَ أوْ كَيْفَ يَكُونُونَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ كَيْفَ حالُهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا جَمَعْناهُمْ﴾ ظَرْفٌ مَحْضٌ مِن غَيْرِ تَضْمِينِ شَرْطٍ والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في (كَيْفَ) إنْ قُدِّرَ أنَّها مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وإنْ قُلْنا: إنَّها خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ كانَ العامِلُ في (إذا) ذَلِكَ المُقَدَّرَ، أيْ كَيْفَ حالُهم في وقْتِ جَمْعِهِمْ ﴿لِيَوْمٍ﴾ أيْ في يَوْمٍ أوْ لِجَزاءِ يَوْمٍ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ في وُقُوعِهِ ووُقُوعِ ما فِيهِ، رُوِيَ أنَّهُ أوَّلُ رايَةٍ تُرْفَعُ لِأهْلِ المَوْقِفِ مِن راياتِ الكُفّارِ رايَةُ اليَهُودِ فَيَفْضَحُهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ ثُمَّ يَأْمُرُ بِهِمْ إلى النّارِ.
﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ أيْ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، والمُرادُ جَزاءُ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ أُقِيمَ المَكْسُوبُ مَقامَ جَزائِهِ إيذانًا بِكَمالِ الِاتِّصالِ والتَّلازُمِ بَيْنَهُما حَتّى كَأنَّهُما شَيْءٌ واحِدٌ ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [ 25 ] شَيْئًا فَلا يُنْقَصُونَ مِن ثَوابِهِمْ ولا يُزادُونَ في عَذابِهِمْ بَلْ يُعْطِي كُلٌّ مِنهم مِقْدارَ ما كَسَبَهُ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى كُلِّ إنْسانٍ المُشْعِرِ بِهِ كُلُّ نَفْسٍ، وكُلٌّ يَجُوزُ مُراعاةُ مَعْناهُ فَيُجْمَعُ ضَمِيرُهُ ووَجْهُ التَّذْكِيرِ ظاهِرٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences