Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:40–41
3:40Page 55
قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَقَدۡ بَلَغَنِيَ ٱلۡكِبَرُ وَٱمۡرَأَتِي عَاقِرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ ٤٠
He said, "My Lord, how will I have a boy when I have reached old age and my wife is barren?" He [the angel] said, "Such is Allāh; He does what He wills."
﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ اِسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَئِذٍ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ رَبِّ﴾ الخ، وخاطَبَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ سُبْحانَهُ ولَمْ يُخاطِبِ المَلَكَ المُنادِيَ طَرْحًا لِلْوَسائِطِ مُبالَغَةً في التَّضَرُّعِ وجِدًّا في التَّبَتُّلِ، و(أنّى) بِمَعْنى كَيْفَ، أوْ مِن أيْنَ، وكانَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ تامَّةً وفاعِلُها ﴿غُلامٌ﴾ و(أنّى) واللّامُ مُتَعَلِّقانِ بِها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ناقِصَةً و(لِي) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٌ وقَعَ حالًا لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً، وفي الخَبَرِ حِينَئِذٍ وجْهانِ: أحَدُهُما: (أنّى) لِأنَّها بِمَعْنى كَيْفَ، أوْ مِن أيْنَ، والثّانِي: أنَّ الخَبَرَ الجارَّ، و(أنّى) مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وفي التَّنْصِيصِ عَلى ذِكْرِ الغُلامِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ قَدْ أُخْبِرَ بِهِ عِنْدَ التَّبْشِيرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ .
﴿وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ حالٌ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ، أيْ أدْرَكَنِي الكِبَرُ وأثَّرَ
صفحة 149
فِيَّ، وأُسْنِدَ البُلُوغُ إلى الكِبَرِ تَوَسُّعًا في الكَلامِ كَأنَّ الكِبَرَ طالِبٌ لَهُ وهو المَطْلُوبُ، رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ بُشِّرَ بِالوَلَدِ مِائَةٌ وعِشْرُونَ سَنَةً وكانَتِ اِمْرَأتُهُ بِنْتَ ثَمانٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: كانَ لَهُ مِنَ العُمْرِ تِسْعٌ وتِسْعُونَ سَنَةً، وقِيلَ: اِثْنَتانِ وتِسْعُونَ، وقِيلَ: خَمْسٌ وثَمانُونَ، وقِيلَ: خَمْسٌ وسَبْعُونَ، وقِيلَ: سَبْعُونَ، وقِيلَ: سِتُّونَ.
﴿وامْرَأتِي عاقِرٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ أيْضًا إمّا مِن ياءِ (لِي) أوْ ياءِ ﴿بَلَغَنِيَ﴾ والعاقِرُ العَقِيمُ الَّتِي لا تَلِدُ مِنَ العُقْرِ وهو القَطْعُ لِأنَّها ذاتُ عُقْرٍ مِنَ الأوْلادِ، وصِيغَةُ فاعِلٍ فِيهِ لِلنَّسَبِ وهو في المَعْنى مَفْعُولٌ أيْ مَعْقُورَةٌ، ولِذَلِكَ لَمْ تَلْحَقُ تاءُ التَّأْنِيثِ، قالَهُ أبُو البَقاءِ، وكانَتِ الجُمْلَةُ الأُولى فِعْلِيَّةً لِأنَّ الكِبَرَ يَتَجَدَّدُ شَيْئًا فَشَيْئًا ولَمْ يَكُنْ وصْفًا لازِمًا، وكانَتْ الثّانِيَةُ اِسْمِيَّةً لِأنَّ كَوْنَها عاقِرًا وصْفٌ لازِمٌ لَها ولَيْسَ أمْرًا طارِئًا عَلَيْها، وإنَّما قالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ سَبْقِ دُعائِهِ بِذَلِكَ وقُوَّةِ يَقِينِهِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ لاسِيَّما بَعْدَ مُشاهَدَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ الشَّواهِدَ السّالِفَةَ اِسْتِفْسارًا عَنْ كَيْفِيَّةِ حُصُولِ الوَلَدِ أيُعْطاهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الشَّيْبِ ونِكاحِ اِمْرَأةٍ عاقِرٍ أمْ يَتَغَيَّرُ الحالُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقِيلَ: اِشْتَبَهَ عَلَيْهِ الأمْرُ؛ أيُعْطى الوَلَدَ مِنَ اِمْرَأتِهِ العَجُوزِ أمْ مِنَ اِمْرَأةٍ أُخْرى شابَّةٍ فَقالَ ما قالَ، وقِيلَ: قالَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعْظامِ لِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى والتَّعَجُّبِ الَّذِي يَحْصُلُ لِلْإنْسانِ عِنْدَ ظُهُورِ آيَةٍ عَظِيمَةٍ كَمَن يَقُولُ لِغَيْرِهِ: كَيْفَ سَمَحَتْ نَفْسُكَ بِإخْراجِ ذَلِكَ المُلْكِ النَّفِيسِ مِن يَدِكَ؟! تَعَجُّبًا مِن جُودِهِ، وقِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ لَمّا بَشَّرَتْهُ بِيَحْيى لَمْ يَعْلَمْ أنَّهُ يُرْزَقُ الوَلَدَ مِن جِهَةِ التَّبَنِّي؛ أوْ مِن صُلْبِهِ فَذَكَرَ ذَلِكَ الكَلامَ لِيَزُولَ هَذا الِاحْتِمالُ، وقِيلَ: إنَّ العَبْدَ إذا كانَ في غايَةِ الِاشْتِياقِ إلى شَيْءٍ وطَلَبَهُ مِنَ السَّيِّدِ ووَعَدَهُ السَّيِّدُ بِإعْطائِهِ رُبَّما تَكَلَّمَ بِما يَسْتَدْعِي إعادَةَ الجَوابِ لِيَلْتَذَّ بِالإعادَةِ وتَسْكُنَ نَفْسُهُ بِسَماعِ تِلْكَ الإجابَةِ مَرَّةً أُخْرى، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَلامُ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا مِن هَذا البابِ، وقِيلَ: قالَ ذَلِكَ اِسْتِبْعادًا مِن حَيْثُ العادَةُ لِأنَّهُ لَمّا دَعا كانَ شابًّا ولَمّا أُجِيبَ كانَ شَيْخًا بِناءً عَلى ما قِيلَ: إنَّ بَيْنَ الدُّعاءِ والإجابَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً أوْ سِتِّينَ سَنَةً، كَما حُكِيَ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وكانَ قَدْ نَسِيَ دُعاءَهُ ولا يَخْفى ما في أكْثَرِ هَذِهِ الأقْوالِ مِنَ البُعْدِ.
وأبْعَدُ مِنها ما نُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ جاءَهُ الشَّيْطانُ عِنْدَ سَماعِ البِشارَةِ، فَقالَ: إنَّ هَذا الصَّوْتَ مِنَ الشَّيْطانِ وقَدْ سَخِرَ مِنكَ فاشْتَبَهَ الأمْرُ عَلَيْهِ، فَقالَ: رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ وكانَ مَقْصُودُهُ مِن ذَلِكَ أنْ يُرِيَهُ اللَّهُ تَعالى آيَةً تَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الكَلامَ مِنَ الوَحْيِ لا مِنَ الشَّيْطانِ، ومِثْلُهُ ما رَوى اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: ”أتاهُ الشَّيْطانُ فَأرادَ أنْ يُكَدِّرَ عَلَيْهِ نِعْمَةَ رَبِّهِ، فَقالَ: هَلْ تَدْرِي مَن ناداكَ؟ قالَ: نَعَمْ، نادانِي مَلائِكَةُ رَبِّي، قالَ: بَلْ ذَلِكَ الشَّيْطانُ، ولَوْ كانَ هَذا مِن رَبِّكَ لَأخْفاهُ إلَيْكَ كَما أخْفَيْتَ نِداءَكَ، فَقالَ: رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي الخ“.
واعْتَرَضَهُ القاضِي وغَيْرُهُ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَشْتَبِهَ كَلامُ المَلائِكَةِ بِكَلامِ الشَّيْطانِ عِنْدَ الوَحْيِ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، إذْ لَوْ جَوَّزْنا ذَلِكَ لارْتَفَعَ الوُثُوقُ عَنْ كُلِّ الشَّرائِعِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَمّا قامَتِ المُعْجِزاتُ عَلى صِدْقِ الوَحْيِ في كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ فَلا جَرَمَ يَحْصُلُ الوُثُوقُ هُناكَ بِأنَّ الوَحْيَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِواسِطَةِ المَلَكِ ولا يَدْخُلُ الشَّيْطانُ فِيهِ، وأمّا فِيما يَتَعَلَّقُ بِمَصالِحِ الدُّنْيا والوَلَدِ أشْبَهُ شَيْءٍ بِها فَرُبَّما لَمْ يَتَأكَّدُ ذَلِكَ بِالمُعْجِزِ، فَلا جَرَمَ بَقِيَ اِحْتِمالِ كَوْنِ ذَلِكَ الكَلامِ مِنَ الشَّيْطانِ ولِهَذا رَجَعَ إلى اللَّهِ تَعالى في أنْ يُزِيلَ عَنْ خاطِرِهِ ذَلِكَ الِاحْتِمالَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الِاعْتِراضَ ذَكَرٌ والجَوابُ أُنْثى، ولَعَلَّ هَذا المَبْحَثَ يَأْتِيكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مُسْتَوْفًى عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ الآيَةَ.
وبِالجُمْلَةِ القَوْلُ بِاشْتِباهِ الأمْرِ عَلى زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ في غايَةِ البُعْدِ لا سِيَّما وقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ
صفحة 150
عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: ”إنَّ المَلائِكَةَ شافَهَتْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ مُشافَهَةً فَبَشَّرَتْهُ بِيَحْيى“.
(قالَ) أيِ الرَّبُّ، والجُمْلَةُ اِسْتِئْنافٌ عَلى طُرُزِ ما مَرَّ ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ [ 40 ] أيْ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ أنْ يَفْعَلَهُ مِنَ الأفْعالِ العَجِيبَةِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ فِعْلًا مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ العَجِيبِ والصُّنْعِ البَدِيعِ الَّذِي هو خَلْقُ الوَلَدِ مَعَ الحالَةِ الَّتِي يُسْتَبْعَدُ مَعَها الخَلْقُ بِحَسَبِ العادَةِ، فالكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والإشارَةُ لِذَلِكَ المَصْدَرِ، وقَدَّمَ الجارَّ لِإفادَةِ القَصْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما هو أدْنى مِنَ المُشارِ إلَيْهِ واعْتُبِرَتِ الكافُ مُقْحَمَةً لِتَأْكِيدِ الفَخامَةِ المُشْعِرِ بِها اِسْمُ الإشارَةِ عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن قَبْلُ في نَظِيرِهِ، ويَحْتَمِلُ الكَلامُ أوْجُهًا أُخَرُ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ الكافُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المَصْدَرِ المُقَدَّرِ مَعْرِفَةً أيْ يَفْعَلُ الفِعْلَ كائِنًا مِثْلَ ذَلِكَ، الثّانِي: أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و”اللَّهُ“ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، أيْ كَهَذا الشَّأْنِ العَجِيبِ شَأْنِ اللَّهِ تَعالى، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ بَيانًا لِذَلِكَ الشَّأْنِ المُبْهَمِ، الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ ﴿كَذَلِكَ﴾ في مَوْضِعِ الخَبَرِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ بَيانًا أيْضًا، الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى المَذْكُورِ مِن حالِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ، كَأنَّهُ قالَ: رَبِّ عَلى أيِّ حالٍ يَكُونُ لِي الغُلامُ؟ فَقِيلَ لَهُ: كَما أنْتَ يَكُونُ الغُلامُ لَكَ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ حِينَئِذٍ تَعْلِيلًا لِما قَبْلَها كَذا قالُوا، ولا يَخْفى ما في بَعْضِ الأوْجُهِ مِنَ البُعْدِ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ التَّعْبِيرُ بِالِاسْمِ الجَلِيلِ رَوْمًا لِلتَّعْظِيمِ.
3:41Page 55
قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّيٓ ءَايَةٗۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمۡزٗاۗ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ كَثِيرٗا وَسَبِّحۡ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِبۡكَٰرِ ٤١
He said, "My Lord, make for me a sign." He said, "Your sign is that you will not [be able to] speak to the people for three days except by gesture. And remember your Lord much and exalt [Him with praise] in the evening and the morning."
﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أيْ عَلامَةً تَدُلُّنِي عَلى العُلُوقِ وإنَّما سَألَها اِسْتِعْجالًا لِلسُّرُورِ قالَهُ الحَسَنُ، وقِيلَ لِيَتَلَقّى تِلْكَ النِّعْمَةَ بِالشُّكْرِ حِينَ حُصُولِها ولا يُؤَخِّرُ حَتّى تَظْهَرَ ظُهُورًا مُعْتادًا، ولَعَلَّ هَذا هو الأنْسَبُ بِحالِ أمْثالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُ السُّدِّيِّ: إنَّهُ سَألَ الآيَةَ لِيَتَحَقَّقَ أنَّ تِلْكَ البِشارَةَ مِنهُ تَعالى لا مِنَ الشَّيْطانِ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا، والجَعْلُ إمّا بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَيَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ أوَّلُهُما: (آيَةً)، وثانِيهُما: (لِي)، والتَّقْدِيمُ لِأنَّهُ المُسَوِّغُ لِكَوْنِ (آيَةً) مُبْتَدَأً عِنْدَ الِانْحِلالِ، وإمّا بِمَعْنى الخَلْقِ والإيجادِ فَيَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وهو (آيَةً) و(لِي) حِينَئِذٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن (آيَةً) لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ عَنْها كانَ صِفَةً لَها، وصِفَةُ النَّكِرَةِ إذا تَقَدَّمَتْ عَلَيْها أُعْرِبَتْ حالًا مِنها كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ غَيْرَ مَرَّةٍ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما عِنْدَهُ، وتَقْدِيمُهُ لِلِاعْتِناءِ بِهِ والتَّشْوِيقِ لِما بَعْدَهُ.
﴿قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ﴾ أيْ أنْ لا تَقْدِرَ عَلى تَكْلِيمِهِمْ مِن غَيْرِ آفَةٍ وهو الأنْسَبُ بِكَوْنِهِ آيَةً والأوْفَقُ لِما في سُورَةِ مَرْيَمَ، وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُعْتَمِرٍ قالَ: ”رَبا لِسانُهُ في فِيهِ حَتّى مَلَأهُ فَمَنَعَهُ الكَلامُ“، والآيَةُ فِيهِ عَدَمُ مَنعِهِ مِنَ الذِّكْرِ والتَّسْبِيحِ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ عَدَمُ التَّكْلِيمِ اِضْطِرارِيٌّ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّهُ اِخْتِيارِيٌّ، والمَعْنى آيَتُكَ أنْ تَصِيرَ مَأْمُورًا بِعَدَمِ التَّكَلُّمِ إلّا بِالذِّكْرِ والتَّسْبِيحِ ولا يَخْفى بُعْدُهُ هُنا، وعَلَيْهِ وعَلى القَوْلَيْنِ قَبْلَهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ مِن عَدَمِ التَّكْلِيمِ ظاهِرُهُ فَقَطْ وهو الظّاهِرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ الصِّيامِ لِأنَّهم كانُوا إذْ ذاكَ إذا صامُوا لَمْ يُكَلِّمُوا أحَدًا وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ عَطاءٌ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، ومَعَ هَذا يَتَوَقَّفُ قَبُولُهُ عَلى تَوْقِيفٍ، وإنَّما خَصَّ تَكْلِيمَ النّاسِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنَ التَّكَلُّمِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى.
﴿ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ أيْ مُتَوالِيَةٍ، وقالَ بَعْضُهُمُ المُرادُ ثَلاثَةُ أيّامٍ ولَيالِيها، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ لَيالِي ثَلاثَةِ أيّامٍ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ في سُورَةِ مَرْيَمَ: ﴿ثَلاثَ لَيالٍ﴾ والحَقُّ أنَّ الآيَةَ كانَتْ عَدَمَ التَّكْلِيمِ سِتَّةَ أفْرادٍ إلّا أنَّهُ اِقْتَصَرَ تارَةً عَلى ذِكْرِ ثَلاثَةِ أيّامٍ مِنها وأُخْرى عَلى ثَلاثِ لَيالٍ، وجَعَلَ ما لَمْ يَذْكُرْ في كُلٍّ تَبَعًا لِما ذَكَرَ، قِيلَ: وإنَّما قَدَّمَ التَّعْبِيرَ بِالأيّامِ لِأنَّ يَوْمَ كُلِّ لَيْلَةٍ
صفحة 151
قَبْلَها في حِسابِ النّاسِ يَوْمَئِذٍ، وكَوْنَهُ بَعْدَها إنَّما هو عِنْدَ العَرَبِ خاصَّةً كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ.
واعْتُرِضَ بِأنَّ آيَةَ اللَّيالِي مُتَقَدِّمَةٌ نُزُولًا لِأنَّ السُّورَةَ الَّتِي هي فِيها مَكِّيَّةٌ والسُّورَةَ الَّتِي فِيها آيَةُ الأيّامِ مَدَنِيَّةٌ، وعَلَيْهِ يَكُونُ أوَّلُ ظُهُورِ هَذِهِ الآيَةِ لَيْلًا ويَكُونُ اليَوْمُ تَبَعًا لِلَّيْلَةِ الَّتِي قَبْلَها عَلى ما يَقْتَضِيهِ حِسابُ العَرَبِ، فَتَدَبَّرْ.
فالبَحْثُ مُحْتاجٌ إلى تَحْرِيرٍ بَعْدُ، وإنَّما جُعِلَ عَقْلُ اللِّسانِ آيَةَ العُلُوقِ لِتَخْلُصَ المُدَّةُ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وشُكِرِهِ قَضاءً لِحَقِّ النِّعْمَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: آيَةُ حُصُولِ النِّعْمَةِ أنْ تُمْنَعَ عَنِ الكَلامِ إلّا بِشُكْرِها، وأحْسَنُ الجَوابِ عَلى ما قِيلَ ما أُخِذَ مِنَ السُّؤالِ كَما قِيلَ لِأبِي تَمّامٍ لِمَ تَقُولُ ما لا نَفْهَمُ؟ فَقالَ: لِمَ لا نَفْهَمُ ما يُقالُ؟ وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ سُؤالَ الآيَةِ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما كانَ لِتَلَقِّي النِّعْمَةِ بِالشُّكْرِ، ولَعَلَّ دَلالَةَ كَلامِهِ عَلى ذَلِكَ بِواسِطَةِ المَقامِ وإلّا فَفي ذَلِكَ خَفاءٌ كَما لا يَخْفى.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّ حَبْسَ لِسانِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِن بابِ العُقُوبَةِ حَيْثُ طَلَبَ الآيَةَ بَعْدَ مُشافَهَةِ المَلائِكَةِ لَهُ بِالبِشارَةِ ولَعَلَّ الجِنايَةَ حِينَئِذٍ مِن بابِ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتِ المُقَرَّبِينَ ومَعَ هَذا حُسْنُ الظَّنِّ يَمِيلُ إلى الأوَّلِ، ومَذْهَبُ قَتادَةَ لا آمَنُ عَلى الأقْدامِ الضَّعِيفَةِ.
﴿إلا رَمْزًا﴾ أيْ إيماءً، وأصْلُهُ التَّحَرُّكُ، يُقالُ: اِرْتَمَزَ أيْ تَحَرَّكَ، ومِنهُ قِيلَ لِلْبَحْرِ الرّامُوزُ، وأخْرَجَ الطِّيبِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنِ الرَّمْزِ فَقالَ: الإشارَةُ بِاليَدِ والوَحْيُ بِالرَّأْسِ، فَقالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ أما، سَمِعْتَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
ما في السَّماءِ مِنَ الرَّحْمَنِ (مُرْتَمَزُ) إلّا إلَيْهِ وما في الأرْضِ مِن وزَرُ
وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الرَّمْزَ هُنا كانَ تَحْرِيكَ الشَّفَتَيْنِ، وقِيلَ: الكِتابَةُ عَلى الأرْضِ، وقِيلَ: الإشارَةُ بِالمِسْبَحَةِ، وقِيلَ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ، وقِيلَ: كُلُّ ما أوْجَبَ اِضْطِرابًا في الفَهْمِ كانَ رَمْزًا، وهو اِسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ بِناءً عَلى أنَّ الرَّمْزَ الإشارَةُ والإفْهامُ مِن دُونِ كَلامٍ وهو حِينَئِذٍ لَيْسَ مِن قَبِيلِ المُسْتَثْنى مِنهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالكَلامِ ما فُهِمَ مِنهُ المُرادُ، ولا رَيْبَ في كَوْنِ الرَّمْزِ مِن ذاكَ القَبِيلِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ خِلافُ الظّاهِرِ ويَلْزَمُ مِنهُ أنْ لا يَكُونَ اِسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا في الدُّنْيا أصْلًا إذْ ما مِنَ اِسْتِثْناءٍ إلّا ويُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِمّا يَجْعَلُهُ مُتَّصِلًا ولا قائِلَ بِهِ، وتَعَقَّبَ اِبْنُ الشَّجَرِيِّ النَّصْبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ هُنا مُطْلَقًا، وادَّعى أنَّ ﴿رَمْزًا﴾ مَفْعُولٌ بِهِ مُنْتَصِبٌ بِتَقْدِيرِ حَذْفِ الخافِضِ، والأصْلُ أنْ لا تُكَلِّمَ النّاسَ إلّا بِرَمْزٍ، فالعامِلُ الَّذِي قَبْلَ (إلّا) مُفَرَّغٌ في هَذا النَّحْوِ لِلْعَمَلِ فِيما بَعْدَها بِدَلِيلِ أنَّكَ لَوْ حَذَفْتَ (إلّا) وحَرْفَ النَّفْيِ اِسْتَقامَ الكَلامُ، تَقُولُ في نَحْوِ ما لَقِيتُ إلّا زَيْدًا لَقِيتُ زَيْدًا، وفي ما خَرَجَ إلّا زَيْدٌ خَرَجَ زَيْدٌ، وكَذا لَوْ قُلْتَ: آيَتُكُ أنْ تُكَلِّمَ النّاسِ رَمْزًا، اِسْتَقامَ، ولَيْسَ كَذَلِكَ الِاسْتِثْناءُ، فَلَوْ قُلْتَ: لَيْسَ القَوْمُ في الدّارِ إلّا زَيْدًا أوْ إلّا زِيدٌ ثُمَّ حَذَفْتَ النَّفْيَ، وإلّا فَقُلْتَ: القَوْمُ في الدّارِ زَيْدًا أوْ زَيْدٌ، لَمْ يَسْتَقِمْ، فَكَذا المُنْقَطِعُ نَحْوُ: ما خَرَجَ القَوْمُ إلّا حِمارًا، لَوْ قُلْتَ: خَرَجَ القَوْمُ حِمارًا لَمْ يَسْتَقِمْ، قالَهُ السَّفاقِسِيُّ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ (إلّا رُمُزًا) بِضَمَّتَيْنِ، جَمْعُ رُمُوزٍ كَرَسُولٍ ورُسُلٍ، وقُرِئَ (رَمَزًا) بِفُتْحَتَيْنِ جَمْعُ رامِزٍ كَخادِمٍ وخَدَمٍ وهو مِن نادِرِ الجَمْعِ وعَلى القِراءَتَيْنِ يَكُونُ حالًا مِنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ مَعًا أيْ مُتَرامِزَيْنِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
مَتى ما تَلْقَنِي (فَرْدَيْنِ) تَرْجُفُ ∗∗∗ رَوانِفُ ألْيَتَيْكَ وتُسْتَطارا
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (إلّا رُمُزًا) عَلى قِراءَةِ الضَّمِّ مَصْدَرًا، وجَعَلَهُ مُسَكَّنَ المِيمِ في الأصْلِ والضَّمُّ عارِضٌ لِلِاتِّباعِ كاليُسْرِ واليُسُرِ، وعَلَيْهِ لا يَخْتَلِفُ إعْرابُهُ، فافْهَمْ.
﴿واذْكُرْ رَبَّكَ﴾ أيْ في أيّامِ الحَبْسَةِ شُكْرًا لِتِلْكَ النِّعْمَةِ
صفحة 152
كَما يُشْعِرُ بِهِ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالذِّكْرِ شُكْرًا لِلنِّعْمَةِ مُطْلَقًا لا في خُصُوصِ تِلْكَ الأيّامِ، وأنْ يَكُونَ في جَمِيعِ أيّامِ الحَمْلِ لِتَعُودَ بَرَكاتُهُ إلَيْهِ، والمُنْساقُ إلى الذِّهْنِ هو الأوَّلُ، والجُمْلَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها مُبَيِّنَةٌ لِلْغَرَضِ مِنها، واسْتُشْكِلَ العَطْفُ مِن وجْهَيْنِ؛ الأوَّلُ: عَطْفُ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ، والثّانِي: عَطْفُ المُؤَكِّدِ عَلى المُؤَكَّدِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ، أيِ اُشْكُرْ واذْكُرْ، وقِيلَ: لا يَبْعُدُ أنْ يُجْعَلَ الأمْرُ بِمَعْنى الخَبَرِ عَطْفًا عَلى (لا تُكَلِّمَ) فَيَكُونُ في تَقْدِيرِ: أنْ لا تُكَلِّمَ وتَذْكُرَ رَبَّكَ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، ﴿كَثِيرًا﴾ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أوْ زَمانٍ كَذَلِكَ أيْ ذِكْرًا كَثِيرًا وزَمانًا كَثِيرًا.
﴿وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ﴾ وهو مِنَ الزَّوالِ إلى الغُرُوبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: مِنَ العَصْرِ إلى ذَهابِ صَدْرِ اللَّيْلِ، ﴿والإبْكارِ﴾ [ 41 ] أيْ وقْتِهِ وهو مِنَ الفَجْرِ إلى الضُّحى، وإنَّما قُدِّرَ المُضافُ لِأنَّ الإبْكارَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ مَصْدَرٌ لا وقْتٌ فَلا تَحْسُنُ المُقابَلَةُ كَذا قِيلَ؛ وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ العَشِيَّ جَمْعُ عَشِيَّةٍ الوَقْتِ المَخْصُوصِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو البَقاءِ، واَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ المُعْظَمُ أنَّهُ مَصْدَرٌ أيْضًا عَلى فَعِيلٍ لا جَمْعٌ‘ وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ الجَوْهَرِيِّ فافْهَمْ؛ وقُرِئَ (والأبْكارِ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، فَهو حِينَئِذٍ جَمْعُ بَكَرٍ كَسَحَرٍ لَفْظًا ومَعْنًى وهو نادِرُ الِاسْتِعْمالِ، قِيلَ: والمُرادُ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةُ بِدَلِيلِ تَقْيِيدِهِ بِالوَقْتِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ وقِيلَ: الذِّكْرُ اللِّسانِيُّ كَما أنَّ المُرادَ بِالذِّكْرِ الذِّكْرُ القَلْبِيُّ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ لا تَكْرارَ في ذِكْرِ التَّسْبِيحِ مَعَ الذِّكْرِ، وألْ في الوَقْتَيْنِ لِلْعُمُومِ، وأبْعَدُ مِن جَعْلِها لِلْعَهْدِ أيْ عَشِيِّ تِلْكَ الأيّامِ الثَّلاثَةِ وأبْكارِها، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، ولَيْسَ مِن بابِ التَّنازُعِ في المَشْهُورِ، وجَوَّزَهُ بَعْضُهم فَيَكُونُ الأمْرُ بِالذِّكْرِ مُقَيَّدًا بِهَذَيْنَ الوَقْتَيْنِ أيْضًا، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ تَقْيِيدَهُ بِالكَثْرَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُفِيدُ التَّكْرارَ، وفِيهِ بُعْدٌ تَسْلِيمُ أنَّهُ مُقَيَّدٌ بِهِ فَقَطْ أنَّ الكَثْرَةَ أخَصُّ مِنَ التَّكْرارِ.
هَذا ومِن بابِ البُطُونِ في الآياتِ أنَّ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ شَيْخًا مُرْشِدًا لِلنّاسِ فَلَمّا رَأى ما رَأى أيْ تَحَرَّكَتْ غَيْرَةُ النُّبُوَّةِ فَطَلَبَ مِن رَبِّهِ ولَدًا حَقِيقِيًّا يَقُومُ مَقامَهُ في تَرْبِيَةِ النّاسِ وهِدايَتِهِمْ فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ أيْ مُطَهَّرَةً مِن لَوَثِ الِاشْتِغالِ بِالسِّوى مُنْفَرِدَةً عَنْ إراداتِها مُقَدَّسَةً مِن شَهَواتِها ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ﴾ عَلى ساقِ الخِدْمَةِ ﴿يُصَلِّي في المِحْرابِ﴾ وهو مَحِلُّ المُراقَبَةِ ومُحارِبَةِ النَّفْسِ ﴿أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى﴾ وسُمِّيَ بِهِ لِأنَّ مَن شاهَدَ الحَقَّ في جَمالِ نُبُوَّتِهِ يَحْيا قَلْبُهُ مِن مَوْتِ الفَتْرَةِ، أوْ لِأنَّهُ هو يَحْيا بِالنُّبُوَّةِ والشَّهادَةِ ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ وهو ما يَنْزِلُ بِهِ المَلَكُ عَلى القُلُوبِ المُقَدَّسَةِ ﴿وسَيِّدًا﴾ وهو الَّذِي غَلَبَ عَلَيْهِ نُورُ هَيْبَةِ عِزَّةِ الحَقِّ، وقالَ الصّادِقُ: هو المُبايِنُ لِلْخَلْقِ وصْفًا وحالًا وخَلْقًا؛ وقالَ الجُنَيْدُ: هو الَّذِي جادَ بِالكَوْنَيْنِ طَلَبًا لِرَبِّهِ، وقالَ اِبْنُ عَطاءٍ: هو المُتَحَقِّقُ بِحَقِيقَةِ الحَقِّ، وقالَ اِبْنُ مَنصُورٍ: هو مَن خَلا عَنْ أوْصافِ البَشَرِيَّةِ وحَلى بِنُعُوتِ الرُّبُوبِيَّةِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: هو مَنِ اِسْتَوَتْ أحْوالُهُ عِنْدَ المَنعِ والإعْطاءِ والرَّدِّ والقَبُولِ ﴿وحَصُورًا﴾ وهو الَّذِي حُصِرَ ومُنِعَ عَنْ جَمِيعِ الشَّهَواتِ وعُصِمَ بِالعِصْمَةِ الأزَلِيَّةِ، وقالَ الإسْكَنْدَرانِيُّ: هو المُنَزَّهُ عَنِ الأكْوانِ وما فِيها ﴿ونَبِيًّا﴾ أيْ مُرْتَفَعُ القَدْرِ بِهُبُوطِ الوَحْيِ عَلَيْهِ ومَعْدُودًا ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وهم أهْلُ الصَّفِّ الأوَّلِ مِن صُفُوفِ الأرْواحِ المُجَنَّدَةِ المُشاهِدَةِ لِلْحَقِّ في مَرايا الخَلْقِ.
﴿قالَ﴾ اِسْتِعْظامًا لِلنِّعْمَةِ: ﴿رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ والحالُ ”قَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ“ وهو أحَدُ المَوانِعِ العادِيَّةِ ﴿وامْرَأتِي عاقِرٌ﴾ وهو مانِعٌ آخَرُ ﴿قالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ عَلى العُلُوقِ لِأشْكُرَكَ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ إذْ شُكْرُ المُنْعِمِ واجِبٌ وبِهِ تَدُومُ المَواهِبُ الإلَهِيَّةُ.
صفحة 153
﴿قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ﴾ بِأنْ يُحْصَرَ لِسانُكَ عَنْ مُحادَثَتِهِمْ لِيَتَجَرَّدَ سِرُّكَ لِرَبِّكَ ويَكُونُ ظاهِرُكَ وباطِنُكَ مَشْغُولًا بِهِ ﴿إلا رَمْزًا﴾ تَدْفَعُ بِهِ ضِيقَ القَلْبِ عِنْدَ الحاجَةِ، وحَقِيقَةُ الرَّمْزِ عِنْدَ العارِفِينَ تَعْرِيضُ السِّرِّ إلى السِّرِّ وإعْلامُ الخاطِرِ لِلْخاطِرِ بِنَعْتِ تَحَرِّيكِ سِلْسِلَةِ المُواصَلَةِ بَيْنَ المُخاطِبِ والمُخاطَبِ ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ بِتَخْلِيصِ النِّيَّةِ عَنِ الخَطِراتِ وجَمْعِ الهُمُومِ بِنَعْتِ تَصْفِيَةِ السِّرِّ في المُناجاةِ وتَحَيُّرِ الرُّوحِ في المُشاهَداتِ ﴿وسَبِّحْ﴾ أيْ نَزِّهْ رَبَّكَ عَنِ الشَّرِكَةِ في الوُجُودِ ﴿بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ بِالفَناءِ والبَقاءِ.
وإنْ أرَدْتَ تَطْبِيقَ ما في الآفاقِ عَلى ما في الأنْفُسِ، فَتَقُولُ: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا﴾ الِاسْتِعْدادَ ﴿رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ وهي النَّفْسُ الطّاهِرَةُ المُقَدَّسَةُ عَنِ النَّقائِصِ ﴿إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ مِمَّنْ صَدَقَ في الطَّلَبِ ﴿فَنادَتْهُ﴾ مَلائِكَةُ القُوى الرُّوحانِيَّةِ ﴿وهُوَ قائِمٌ﴾ مُنْتَهِضٌ لِتَكْمِيلِ النَّشْأةِ ﴿يُصَلِّي﴾ ويَدْعُو في مِحْرابِ التَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ تَعالى المُفِيضِ عَلى القَوابِلِ بِحَسَبِ القابِلِيّاتِ ﴿أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى﴾ وهو الرُّوحُ الحَيُّ بِرُوحِ الحَقِّ والصِّفاتِ الإلَهِيَّةِ ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ وهي ما تُلْقِيها مَلائِكَةُ الإلْهامِ مِن قِبَلِ الفَيّاضِ المُطْلَقِ ﴿وسَيِّدًا﴾ لَمْ تَمْلِكْهُ الشَّهَواتُ النَّفْسانِيَّةُ ﴿وحَصُورًا﴾ أيْ مُبالِغًا في الِامْتِناعِ عَنِ اللَّذائِذِ الدُّنْيَوِيَّةِ ﴿ونَبِيًّا﴾ بِما يَتَلَقّاهُ مِن عالَمِ المَلَكُوتِ ومَعْدُودًا ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ لَهاتِيكَ الحَضْرَةِ القائِمِينَ بِحُقُوقِ الحَقِّ والخَلْقِ لِاتِّصافِهِ بِالبَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ.
﴿قالَ رَبِّ أنّى﴾ أيْ كَيْفَ ﴿يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ وضَعْفُ القُوى الطَّبِيعِيَّةِ ﴿وامْرَأتِي﴾ وهي النَّفْسُ الحَيَوانِيَّةُ ﴿عاقِرٌ﴾ عَقِيمٌ عَنْ وِلادَةِ مِثْلِ هَذا الغُلامِ إذْ لا تَلِدُ الحَيَّةُ إلّا حَيِيَّةً ﴿قالَ كَذَلِكَ اللَّهُ﴾ في غَرابَةِ الشَّأْنِ ﴿يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ مِنَ العَجائِبِ الَّتِي يَسْتَبْعِدُها مَن قَيَّدَهُ النَّظَرُ إلى المَأْلُوفاتِ، وبَقِيَ أسِيرًا في سَجْنِ العاداتِ ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ عَلى ذَلِكَ لِأشْكُرَكَ مُسْتَمْطِرًا زِيادَةَ نِعَمِكَ الَّتِي لا مُنْتَهى لَها ﴿قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ﴾ وهم ما يَأْنَسُ بِهِ مِنَ اللَّذائِذِ المُباحَةِ ﴿ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ وهي يَوْمُ الفَناءِ بِالأفْعالِ ويَوْمُ الفَناءِ بِالصِّفاتِ ويَوْمُ الفَناءِ بِالذّاتِ ﴿إلا رَمْزًا﴾ أيْ قَدْرًا يَسِيرًا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَيْهِ ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ﴾ الَّذِي رَبّاكَ حَتّى أوْصَلَكَ إلى هَذِهِ الغايَةِ ﴿كَثِيرًا﴾ حَيْثُ مَنَّ عَلَيْكَ بِخَيْرٍ كَثِيرٍ ﴿وسَبِّحْ﴾ أيْ نَزِّهْ رَبَّكَ عَنْ نَقائِصِ التَّقَيُّدِ بِالمَظاهِرِ ﴿بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ أيْ وقْتَيِ الصَّحْوِ والمَحْوِ.
وبَعْضُ المُلْتَزِمِينَ لِذِكْرِ البُطُونِ ذَكَرَ في تَطْبِيقِ ما في الآفاقِ عَلى ما في الأنْفُسِ أنَّ القُوى البَدَنِيَّةَ اِمْرَأةَ عِمْرانَ الرُّوحَ نَذَرَتْ ما في قُوَّتِها مِنَ النَّفْسِ المُطْمَئِنَّةِ فَوَضَعَتْ أُنْثى النَّفْسِ فَكَفَّلَها زَكَرِيّا الفِكْرُ فَدَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا مِحْرابَ الدِّماغِ فَوَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا مِنَ المَعانِي الحَدْسِيَّةِ الَّتِي اِنْكَشَفَتْ لَها بِصَفائِها فَهُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا الفِكْرُ بِتَرْكِيبِ تِلْكَ المَعانِي واسْتَوْهَبَ ولَدًا مُقَدَّسًا مِن لَوَثِ الطَّبِيعَةِ فَسَمِعَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَهُ فَنادَتْهُ مَلائِكَةُ القُوى الرُّوحانِيَّةِ وهو قائِمٌ في أمْرِهِ بِتَرْكِيبِ المَعْلُوماتِ يُناجِي رَبَّهُ بِاسْتِنْزالِ الأنْوارِ في مِحْرابِ الدِّماغِ ﴿أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى﴾ العَقْلِ مُصَدِّقًا بِعِيسى القَلْبِ الَّذِي هو كَلِمَةٌ مِنَ اللَّهِ لِتَقَدُّسِهِ عَنْ عالَمِ الأجْرامِ ﴿وسَيِّدًا﴾ لِجَمِيعِ أصْنافِ القُوى ﴿وحَصُورًا﴾ عَنْ مُباشَرَةِ الطَّبِيعَةِ ﴿ونَبِيًّا﴾ بِالإخْبارِ عَنِ المَعارِفِ والحَقائِقِ وتَعْلِيمِ الأخْلاقِ ومُنْتَظِمًا في سِلْكِ الصّالِحِينَ وهُمُ المُجَرَّداتُ ومُقَرَّبُو الحَضْرَةِ ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ﴾ ذَلِكَ ﴿وقَدْ بَلَغَنِيَ﴾ كِبَرُ مُنْتَهى الطَّوْرِ ﴿وامْرَأتِي﴾ وهي طَبِيعَةُ الرُّوحِ النَّفْسانِيَّةِ ﴿عاقِرٌ﴾ بِالنُّورِ المُجَرَّدِ فَطَلَبَ لِذَلِكَ عَلامَةً فَقِيلَ لَهُ: عَلامَةُ ذَلِكَ الإمْساكُ عَنْ مُكالَمَةِ القُوى البَدَنِيَّةِ في تَحْصِيلِ مَآرِبِهِمْ مَنِ اللَّذائِذِ ﴿ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ كُلَّ يَوْمٍ عَقْدٌ تامٌّ مِن أطْوارِ العُمْرِ وهو عَشْرُ سِنِينَ (إلّا) بِالإشارَةِ الخَفِيَّةِ، وأُمِرَ بِالذِّكْرِ في هَذِهِ الأيّامِ الَّتِي هي مَعَ العَشْرِ الأُوَلِ الَّتِي هي سِنُّ التَّمَيُّزِ أرْبَعُونَ سَنَةً
صفحة 154
اِنْتَهى، وهو قَرِيبٌ مِمّا ذَكَرْتُهُ، ولَعَلَّ ما ذَكَرْتُهُ عَلى ضَعْفِي أوْلى مِنهُ، وبابُ التَّأْوِيلِ واسِعٌ وبُطُونُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا تُحْصى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences