Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:47–48
3:47Page 56
قَالَتۡ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٤٧
She said, "My Lord, how will I have a child when no man has touched me?" [The angel] said, "Such is Allāh; He creates what He wills. When He decrees a matter, He only says to it, 'Be,' and it is.
﴿قالَتْ﴾ اِسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا كانَ مِنها حِينَ قالَتْ لَها المَلائِكَةُ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ مَجازِيًّا والمُرادُ التَّعَجُّبُ مِن ذَلِكَ والِاسْتِبْعادُ العادِيُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقِيًّا عَلى مَعْنى أنَّهُ يَكُونُ بِتَزَوُّجٍ أوْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اِسْتِفْهامًا عَنْ أنَّهُ مِن أيِّ شَخْصٍ يَكُونُ، وإعْرابُ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى نَحْوِ إعْرابِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ في قِصَّةِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُحَقِّقَةٌ لِما مَرَّ ومُقَوِّيَةٌ لَهُ، والمَسِيسُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الوَطْءِ وهَذا نَفْيٌ عامٌّ لِلتَّزَوُّجِ وغَيْرِهِ، والبَشَرُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ، والتَّنْكِيرُ لِلْعُمُومِ، والمُرادُ عُمُومُ النَّفْيِ لا نَفْيُ العُمُومِ، وسُمِّيَ بَشَرًا لِظُهُورِ بَشَرَتِهِ أوْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى باشَرَ أباهُ وخَلَقَهُ بِيَدَيْهِ.
(قالَ) اِسْتِئْنافٌ كَسابِقِهِ، والفاعِلُ ضَمِيرُ الرَّبِّ والمَلَكُ حَكى لَها المَقُولَ وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ إمّا بِلا تَغْيِيرٍ فَيَكُونُ فِيهِ اِلْتِفاتٌ، وإمّا بِتَغْيِيرٍ، وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لَها ذَلِكَ بِلا واسِطَةِ مَلَكٍ، والأوَّلُ: مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يُكَلِّمْ غَيْرَ الأنْبِياءِ بَلْ غَيْرَ خاصَّتِهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: القائِلُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَيْسَ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ، والقَرِينَةُ عَلَيْهِ ذِكْرُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَبْلَهُ، وحَمْلُ ﴿قالَتْ رَبِّ﴾ فِيما تَقَدَّمَ عَلى ذَلِكَ أبْعَدُ بِعِيدٍ، وقَدْ مَرَّ عَلَيْكَ الكَلامُ في مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ خَلا أنَّ التَّعْبِيرَ هُنا بِ يَخْلُقُ وهُناكَ بِ يَفْعَلُ لِاخْتِلافِ القِصَّتَيْنِ في الغَرابَةِ فَإنَّ الثّانِيَةَ أغْرَبُ، فالخَلْقُ المُنْبِئُ عَنِ الِاخْتِراعِ أنْسَبُ بِها ولِهَذا عَقَّبَهُ بِبَيانِ كَيْفِيَّتِهِ، فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿إذا قَضى أمْرًا﴾ أيْ أرادَ شَيْئًا، فالأمْرُ واحِدُ الأُمُورِ، والقَضاءُ في الأصْلِ الأحْكامُ، وأُطْلِقَ عَلى الإرادَةِ الإلَهِيَّةِ القَطْعِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِإيجادِ المَعْدُومِ وإعْدامِ المَوْجُودِ وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإيجابِها ما تَعَلَّقَتْ بِهِ البَتَّةَ ويُطْلَقُ عَلى الأمْرِ، ومِنهُ ﴿وقَضى رَبُّكَ﴾ .
﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [ 47 ] أيْ فَهو يَكُونُ أيْ يَحْدُثُ، وهَذا عِنْدَ الأكْثَرِينَ تَمْثِيلٌ لِتَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ في مُرادِهِ بِأمْرِ المُطاعِ لِلْمُطِيعِ في حُصُولِ المَأْمُورِ مِن غَيْرِ اِمْتِناعٍ وتَوَقُّفٍ وافْتِقارٍ إلى مُزاوَلَةِ عَمَلٍ واسْتِعْمالِ آلَةٍ، فالمُمَثِّلُ الشَّيْءُ المُكَوِّنُ بِسُرْعَةٍ مِن غَيْرِ عَمَلٍ وآلَةٍ، والمُمَثَّلُ بِهِ أمْرُ الآمِرِ
صفحة 165
المُطاعِ لِمَأْمُورٍ بِهِ مُطِيعٍ عَلى الفَوْرِ، وهَذا اللَّفْظُ مُسْتَعارٌ لِذَلِكَ مِنهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً بِأنْ يُرادَ تَعَلُّقَ الكَلامِ النَّفْسِيِّ بِالشَّيْءِ الحادِثِ عَلى أنَّ كَيْفِيَّةَ الخَلْقِ عَلى هَذا الوَجْهِ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ المُرادُ مِن هَذا الجَوابِ بَيانُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُعْجِزُهُ أنْ يَخْلُقَ ولَدًا بِلا أبٍ لِأنَّهُ أمْرٌ مُمْكِنٌ في نَفْسِهِ فَيَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ الإرادَةِ والقُدْرَةِ كَيْفَ لا وكَثِيرًا ما نُشاهِدُ حُدُوثَ كَثِيرٍ مِنَ الحَيَواناتِ عَلى سَبِيلِ التَّوَلُّدِ كَحُدُوثِ الفَأْرِ عَنِ المَدَرِ والحَيّاتِ عَنِ الشَّعْرِ المُتَعَفِّنِ والعَقارِبِ عَنِ البادُورَجِ والذُّبابِ عَنِ الباقِلاءِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ غايَتُهُ الِاسْتِبْعادُ، وهو لا يُوجِبُ ظَنًّا فَضْلًا عَنْ عِلْمٍ، وبَعْدَ إخْبارِ الصّادِقِ عَنْ وُجُودِ ذَلِكَ المُمْكِنِ يَجِبُ القَطْعُ بِصِحَّتِهِ، والقَوْلُ بِأنَّ المادَّةَ فِيما عُدَّ ونَحْوُهُ مَوْجُودَةٌ وبَعْدَ وُجُودِها لا رَيْبَ في الإمْكانِ دُونَ ما نَحْنُ فِيهِ لِأنَّ مادَّةَ الآدَمِيِّ مَنِيّانِ ولَيْسَ هُناكَ إلّا مَنِيٌّ واحِدٌ أوْ لا مَنِيٌّ أصْلًا فَكَيْفَ يُمْكِنُ الخَلْقُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، أمّا عَلى مَذْهَبِنا فَلِأنَّ الإيجادَ لا يَتَوَقَّفُ عَلى سَبْقِ المادَّةِ وإلّا لِتَسَلْسُلِ الأمْرِ، وأمّا عَلى مَذْهَبِ المُنْكِرِينَ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنِيُّ الأُنْثى بِنَفْسِهِ أوْ بِما يَنْضَمُّ إلَيْهِ مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى بِحالَةٍ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مادَّةً، وقُصارى ما يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ الِاسْتِبْعادُ وهو لا يُجْدِي نَفْعًا في أمْثالِ هَذِهِ المَقاماتِ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُقِيمَ اللَّهُ تَعالى غَيْرَ المَنِيِّ مَقامَ المَنِيِّ، وأيُّ مُحالٍ يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ، ألّا تَرى كَيْفَ أُقِيمَ التُّرابُ مَقامَ المَنِيِّ في أصْلِ النَّوْعِ ودَعْوى أنَّ الإقامَةَ مَشْرُوطَةٌ بِكَوْنِ ذَلِكَ الغَيْرِ خارِجَ الرَّحِمِ، وأمّا الإقامَةُ في الرَّحِمِ فَمِمّا لا إمْكانَ لَها غَيْرَ بَيِّنَةٍ ولا مُبَيِّنَةٍ بَلِ العَقْلُ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ في الإمْكانِ وإنَّما يُفَرِّقُ بَيْنَهُما في مُوافَقَةِ العادَةِ وعَدَمِها وهو أمْرٌ وراءَ ما نَحْنُ فِيهِ.
ومِنَ النّاسِ مَن بَيَّنَ هَذا المَطْلَبَ بِأنَّ التَّخَيُّلاتِ الذِّهْنِيَّةَ كَثِيرًا ما تَكُونُ أسْبابًا لِحُدُوثِ الحَوادِثِ كَتَصَوُّرِ حُضُورِ المُنافِي لِلْغَضَبِ وكَتَصَوُّرِ السُّقُوطِ بِحُصُولِ السُّقُوطِ لِلْماشِي عَلى جِذْعٍ مَمْدُودٍ فَوْقَ فَضاءٍ بِخِلافِهِ لَوْ كانَ عَلى قَرارٍ مِنَ الأرْضِ، وقَدْ جَعَلَتِ الفَلاسِفَةُ هَذا كالأصْلِ في بَيانِ جَوازِ المُعْجِزاتِ والكَراماتِ، فَما المانِعُ أنْ يُقالَ: إنَّها لَمّا تَخَيَّلَتْ صُورَةَ جِبْرِيلَ كَفى ذَلِكَ في عُلُوقِ الوَلَدِ في رَحِمِها لِأنَّ مَنِيَّ الرَّجُلِ لَيْسَ إلّا لِأجْلِ العَقْدِ فَإذا حَصَلَ الِانْعِقادُ لِمَنِيِّ المَرْأةِ بِوَجْهٍ آخَرَ أمْكَنَ عُلُوقُ الوَلَدِ، اِنْتَهى.
ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ يَعُودُ بِالنَّقْصِ لِحَضْرَةِ البَتُولِ وأنَّها لَتُنَزِّهُ ساحَتَها عَنْ مَثَلِ هَذا التَّخَيُّلِ كَما لا يَخْفى، وفي جَوابِ هَذِهِ الطّاهِرَةِ لِيُوسُفَ النَّجّارِ ما يُؤَيِّدُ ما قُلْناهُ، فَقَدْ أخْرَجَ إسْحَقُ بْنُ بِشْرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ وهْبٍ أنَّهُ قالَ: لَمّا اِسْتَقَرَّ حَمْلُ مَرْيَمَ وبَشَّرَها جِبْرِيلُ وثِقَتْ بِكَرامَةِ اللَّهِ تَعالى واطْمَأنَّتْ وطابَتْ نَفْسًا، وأوَّلُ مَنِ اِطَّلَعَ عَلى حَمْلِها اِبْنُ خالٍ لَها يُقالُ لَهُ يُوسُفُ، واهْتَمَّ لِذَلِكَ وأحْزَنَهُ وخَشِيَ البَلِيَّةَ مِنهُ لِأنَّهُ كانَ يَخْدِمُها فَلَمّا رَأى تَغَيُّرَ لَوْنِها وكَبِرَ بَطْنِها عَظُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَقالَ مُعَرِّضًا لَها: هَلْ يَكُونُ زَرْعٌ مِن غَيْرِ بَذْرٍ؟! قالَتْ: نَعَمْ، قالَ: وكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ قالَتْ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ البَذْرَ الأوَّلَ مِن غَيْرِ نَباتٍ وأنْبَتَ الزَّرْعَ الأوَّلَ مِن غَيْرِ بَذْرٍ، ولَعَلَّكَ تَقُولُ: لِمَ يَقْدِرُ أنْ يَخْلُقَ الزَّرْعَ الأوَّلَ إلّا بِالبَذْرِ؟ ولَعَلَّكَ تَقُولُ: لَوْلا أنِ اِسْتَعانَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ بِالبَذْرِ لَغَلَّبَهُ حَتّى لا يَقْدِرَ عَلى أنْ يَخْلُقَهُ ولا يُنْبِتَهُ؟ قالَ يُوسُفُ: أعُوذُ بِاَللَّهِ أنْ أقُولَ ذَلِكَ قَدْ صَدَّقْتُ وقُلْتُ بِالنُّورِ والحُكْمِ، وكَما قَدَرَ أنْ يَخْلُقَ الزَّرْعَ الأوَّلَ ويُنْبِتَهُ مِن غَيْرِ بَذْرٍ يَقْدِرُ أنْ يَجْعَلَ زَرْعًا مِن غَيْرِ بَذْرٍ فَأخْبِرِينِي هَلْ يَنْبُتُ الشَّجَرُ مِن غَيْرِ ماءٍ ولا مَطَرٍ؟ قالَتْ: ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ لِلْبِذْرِ والماءِ والمَطَرِ والشَّجَرِ خالِقًا واحِدًا فَلَعَلَّكَ تَقُولُ: لَوْلا الماءُ والمَطَرُ لَمْ يَقْدِرْ عَلى أنْ يُنْبِتَ الشَّجَرَ؟ قالَ أعُوذُ بِاَللَّهِ تَعالى أنْ أقُولَ ذَلِكَ قَدْ صَدَقْتِ، فَأخْبِرِينِي خَبَرَكِ، قالَتْ: بَشَّرَنِي اللَّهُ تَعالى بِكَلِمَةٍ مِنهُ اِسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى اِبْنُ مَرْيَمَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنَ الصّالِحِينَ﴾ فَعَلِمَ يُوسُفُ أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِسَبَبِ خَيْرٍ أرادَهُ بِمَرْيَمَ فَسَكَتَ عَنْها فَلَمْ تَزَلْ عَلى ذَلِكَ حَتّى ضَرَبَها الطَّلْقُ فَنُودِيَتْ أنِ اُخْرُجِي مِن
صفحة 166
المِحْرابِ فَخَرَجَتْ.
3:48Page 56
وَيُعَلِّمُهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ ٤٨
And He will teach him writing and wisdom1 and the Torah and the Gospel
﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿يُبَشِّرُكِ﴾ أيْ: إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ ويُعَلِّمُ ذَلِكَ المَوْلُودَ المُعَبَّرَ عَنْهُ بِالكَلِمَةِ الكِتابَ ولا يَرُدُّ عَلَيْهِ طُولُ الفَصْلِ، لِأنَّهُ اِعْتِراضٌ لا يَضُرُّ مِثْلُهُ، أوْ عَلى ﴿يَخْلُقُ﴾ أيْ كَذَلِكَ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويُعَلِّمُهُ أوْ عَلى ”يُكَلِّمُ“ فَتَكُونُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ والتَّقْدِيرُ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مُكَلِّمًا النّاسَ ومُعَلِّمًا الكِتابَ أوْ عَلى ﴿وجِيهًا﴾، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً لَيْسَتْ داخِلَةً في حَيِّزِ قَوْلِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والواوُ تَكُونُ لِلِاسْتِئْنافِ وتَقَعُ في اِبْتِداءِ الكَلامِ كَما صَرَّحَ بِهِ النُّحاةُ فَلا حاجَةَ كَما قالَ الشِّهابُ إلى التَّأْوِيلِ بِأنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ سابِقَةٍ وهي ﴿وإذْ قالَتِ﴾ الخ ولا إلى مُقَدَّرَةٍ، ولا إشْكالَ في العَطْفِ كَما قالَ النِّحْرِيرُ، وكَذا لا يُدَّعى أنَّ الواوَ زائِدَةٌ كَما قالَ أبُو حَيّانَ، فَهَذِهِ أوْجَهٌ مِنَ الإعْرابِ مُخْتَلِفَةٌ بِالأوْلَوِيَّةِ، وأغْرَبُ ما رَأيْتُهُ ما نَقَلَهُ الطَّبَرْسِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ العَطْفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ بَلْ لا يَكادُ يَسْتَطِيبُهُ مَن سَلِمَ لَهُ ذَوْقُهُ.
و﴿الكِتابَ﴾ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الكِتابَةِ أيْ يُعَلِّمُهُ الخَطَّ بِاليَدِ قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ وإلَيْهِ ذَهَبَ اِبْنُ جُرَيْجٍ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أعْطى اللَّهُ تَعالى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ تِسْعَةَ أجْزاءٍ مِنَ الخَطِّ وأعْطى سائِرَ النّاسِ جُزْءًا واحِدًا، وذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ إلى أنَّ المُرادَ بَعْضُ الكُتُبِ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ تَعالى عَلى أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ سِوى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِثْلَ الزَّبُورِ وغَيْرِهِ، وذَهَبَ كَثِيرُونَ إلى أنَّ ألْ فِيهِ لِلْجِنْسِ والمُرادُ جِنْسُ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ إلّا أنَّ المَأْثُورَ هو الأوَّلُ، والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ بِالكِتابِ الجِنْسُ لَكِنْ في ضِمْنِ فَرْدَيْنِ هُما التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، وتُجْعَلُ الواوُ فِيما بَعْدُ زائِدَةً مُقْحَمَةً، وما بَعْدَها بَدَلًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ مِنَ الهَذَيانِ بِمَكانٍ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وعاصِمٌ ويَعْقُوبٌ وسَهْلٌ (ويُعَلِّمُهُ) بِالياءِ، والباقُونَ بِالنُّونِ، قِيلَ: وعَلى ذَلِكَ لا يَحْسُنُ بَعْضُ تِلْكَ الوُجُوهِ إلّا بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِعِيسى ويَقُولُ: نُعَلِّمُهُ، أوْ وجِيهًا ومَقُولًا فِيهِ نُعَلِّمُهُ الكِتابَ.
﴿والحِكْمَةَ﴾ أيِ الفِقْهَ وعِلْمَ الحَلالِ والحَرامِ، قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: جَمِيعُ ما عَلَّمَهُ مِن أُمُورِ الدِّينِ، وقِيلَ: سُنَنُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: الصَّوابُ في القَوْلِ والعَمَلِ، وقِيلَ: إتْقانُ العُلُومِ العَقْلِيَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ.
﴿والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [ 48 ] أُفْرِدا بِالذِّكْرِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالكِتابِ ما يَشْمَلُهُما لِوُفُورِ فَضْلِهِما وسُمُوِّ شَأْوِهِما عَلى غَيْرِهِما، وتَعْلِيمُهُ ذَلِكَ قِيلَ: بِالإلْهامِ، وقِيلَ: بِالوَحْيِ، وقِيلَ: بِالتَّوْفِيقِ والهِدايَةِ لِلتَّعَلُّمِ، وقَدْ صَحَّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا تَرَعْرَعَ، وفي رِوايَةِ الضَّحّاكِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ لَمّا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ أسْلَمَتْهُ أُمُّهُ إلى المُعَلِّمِ، لَكِنِ الرِّواياتُ مُتَضافِرَةً أنَّهُ جَعَلَ يَسْألُ المُعَلِّمَ كُلَّما ذَكَرَ لَهُ شَيْئًا عَمّا هو بِمَعْزِلٍ عَنْ أنْ يَنْبِضَ فِيهِ بِبِنْتِ شَفَةٍ، وذَلِكَ يُؤَيِّدُ أنَّ عِلْمَهُ مَحْضُ مَوْهِبَةٍ إلَهِيَّةٍ وعَطِيَّةٍ رَبّانِيَّةٍ، وذِكْرُ الإنْجِيلِ لِكَوْنِهِ كانَ مَعْلُومًا عِنْدَ الأنْبِياءِ والعُلَماءِ مُتَحَقِّقًا لَدَيْهِمْ أنَّهُ سَيَنْزِلُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences