Al-AlusiAli 'Imran · 3:57–61

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:57–61

3:57Page 57

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمۡ أُجُورَهُمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٧

But as for those who believed and did righteous deeds, He will give them in full their rewards, and Allāh does not like the wrongdoers.

﴿وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ بَيانٌ لِحالِ القِسْمِ الثّانِي، وبَدَأ بِقِسْمِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لِأنَّ ذِكْرَ ما قَبْلَهُ مِن حُكْمِ اللَّهِ تَعالى بَيْنَهم أوَّلُ ما يَتَبادَرُ مِنهُ في بادِئِ النَّظَرِ التَّهْدِيدُ فَناسَبَ البُداءَةَ بِهِمْ، ولِأنَّهم أقْرَبُ في الذِّكْرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ولِكَوْنِ الكَلامِ مَعَ اليَهُودِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهَمُّوا بِقَتْلِهِ ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ أيْ فَيُوَفِّرُ عَلَيْهِمْ ويُتَمِّمُ جَزاءَ أعْمالِهِمِ القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ ويُعْطِيهِمْ ثَوابَ ذَلِكَ وافِيًا مِن غَيْرِ نَقْصٍ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ تَوْفِيَةَ الأُجُورِ هي قِسْمُ المَنازِلِ في الجَنَّةِ، والظّاهِرُ أنَّها أعَمُّ مِن ذَلِكَ، وعَلَّقَ التَّوْفِيَةَ عَلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ولَمْ يُعَلَّقِ العَذابَ بِسِوى الكُفْرِ تَنْبِيهًا عَلى دَرَجَةِ الكَمالِ في الإيمانِ ودُعاءً إلَيْها وإيذانًا بِعِظَمٍ قُبْحِ الكُفْرِ، وقَرَأ حَفْصٌ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ (فَيُوَفِّيهِمْ) بِياءِ الغَيْبَةِ، وزادَ رُوَيْسٌ ضَمَّ الهاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالنُّونِ جَرْيًا عَلى سُنَنِ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ، ولَعَلَّ وجْهَ الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ عَلى القِراءَةِ الأُولى الإيذانُ بِأنَّ تَوْفِيَةَ الأجْرِ مِمّا لا يَقْتَضِي لَها نَصْبُ نَفْسٍ لِأنَّها مِن آثارِ الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ ولا كَذَلِكَ العَذابُ، والمَوْصُولُ في الآيَتَيْنِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدُ الفاءِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ما ذُكِرَ، ومَوْضِعُ المَحْذُوفِ بَعْدَ الصِّلَةِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ قَبْلَ المَوْصُولِ لِأنَّ أمّا لا يَلِيها الفِعْلُ.

﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ [ 57 ] أيْ لا يُرِيدُ تَعْظِيمَهم ولا يَرْحَمُهم ولا يُثْنِي عَلَيْهِمْ، أوِ المُرادُ يُبْغِضُهم عَلى ما هو الشّائِعُ في مِثْلِ هَذِهِ العِبارَةِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلُ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِهِ.

3:58Page 57

ذَٰلِكَ نَتۡلُوهُ عَلَيۡكَ مِنَ ٱلۡأٓيَٰتِ وَٱلذِّكۡرِ ٱلۡحَكِيمِ ٥٨

This is what We recite to you, [O Muḥammad], of [Our] verses and the precise [and wise] message [i.e., the Qur’ān].

﴿ذَلِكَ﴾ أيِ المَذْكُورُ مِن أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ والإتْيانُ بِما يَدُلُّ عَلى البُعْدِ لِلْإشارَةِ إلى عِظَمِ شَأْنِ المُشارِ إلَيْهِ وبَعْدَ مَنزِلَتِهِ في الشَّرَفِ ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾ أيْ نَسْرُدُهُ ونَذْكُرُهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، والمُرادُ تَلَوْناهُ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ بِالمُضارِعِ اِسْتِحْضارًا لِلصُّورَةِ الحاصِلَةِ اِعْتِناءً بِها، وقِيلَ: يُمْكِنُ الحَمْلُ عَلى الظّاهِرِ لِأنَّ قِصَّةَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَفْرَغْ مِنها بَعْدُ ﴿مِنَ الآياتِ﴾ أيِ الحُجَجِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ نُبُوَّتِكَ إذْ أعْلَمَتْهم بِما لا يُعْلِمُهُ إلّا قارِئُ كِتابٍ، أوْ مُعَلِّمٌ ولَسْتَ بِواحِدٍ مِنهُما، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّكَ قَدْ عَرَفْتَهُ مِن طَرِيقِ الوَحْيِ ﴿والذِّكْرِ﴾ أيِ القُرْآنِ، وقِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ وتَفْسِيرُهُ بِهِ لِاشْتِمالِهِ عَلَيْهِ، و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ عَلى الأوَّلِ، وابْتِدائِيَّةٌ عَلى الثّانِي وحَمْلُها عَلى البَيانِ وإرادَةُ بَعْضِ مَخْصُوصٍ مِنَ القُرْآنِ بِعِيدٌ، ﴿الحَكِيمِ﴾ [ 58 ] أيِ المُحْكِمُ المُتْقِنُ نَظْمَهُ، أوِ المَمْنُوعُ مِنَ الباطِلِ، أوْ صاحِبُ الحِكْمَةِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ اِسْتِعْمالُهُ لِما صَدَرَ عَنْهُ مِمّا اِشْتَمَلَ عَلى حِكْمَتِهِ؛ إمّا عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ في لَفْظِ حَكِيمٍ، أوِ الإسْنادِ المَجازِيِّ بِأنْ أسْنَدَ لِلذِّكْرِ ما هو لِسَبَبِهِ وصاحِبِهِ، وجَعْلُهُ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ التَّخْيِيلِيَّةِ بِأنْ شَبَّهَ القُرْآنَ بِناطِقٍ بِالحِكْمَةِ وأثْبَتَ لَهُ الوَصْفَ بِحَكِيمٍ تَخْيِيلًا - مُحْوَجٌ إلى تَكَلُّفٍ مَشْهُورٍ في دَفْعِ شُبْهَةٍ ذِكْرِ الطَّرَفَيْنِ حِينَئِذٍ، فَتَأمَّلْ.

وجُوِّزَ في الآيَةِ أوْجَهٌ مِنَ الإعْرابِ، الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ مُبْتَدَأٌ، و﴿نَتْلُوهُ﴾ خَبَرُهُ، و﴿عَلَيْكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالخَبَرِ، و﴿مِنَ الآياتِ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ هو الخَبَرُ وما بَيْنَهُما حالٌ مِنَ اِسْمِ الإشارَةِ عَلى أنَّ العامِلَ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ لا الجارُّ والمَجْرُورُ، قِيلَ: لِأنَّ الحالَ لا يَتَقَدَّمُ العامِلَ المَعْنَوِيَّ، الثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَبَرًا لِمَحْذُوفٍ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، و﴿نَتْلُوهُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن (ذَلِكَ) و﴿مِنَ الآياتِ﴾ حالٌ مِنَ الهاءِ، الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ (ذَلِكَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ نَتْلُو فَيَكُونُ ﴿مِنَ الآياتِ﴾ حالًا مِنَ الهاءِ أيْضًا.

3:59Page 57

إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٖ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٥٩

Indeed, the example of Jesus to Allāh1 is like that of Adam. He created him from dust; then He said to him, "Be," and he was.

﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى﴾

صفحة 186

ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ: «”أنَّ وفْدَ نَجْرانَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مالَكَ تَشْتُمُ صاحِبَنا؟ قالَ: ما أقُولُ؟ قالُوا: تَقُولُ: إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ، قالَ: أجَلْ، هو عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى العَذْراءِ البَتُولِ فَغَضِبُوا وقالُوا: هَلْ رَأيْتَ إنْسانًا قَطُّ مِن غَيْرِ أبٍ فَإنْ كُنْتَ صادِقًا فَأرِنا مِثْلَهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ“». وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في «اَلدَّلائِلِ» مِن طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ يَسُوعَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: «”أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إلى أهْلِ نَجْرانَ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ (طس) (سُلَيْمانَ) (بِسْمِ إلَهِ إبْراهِيمَ وإسْحَقَ ويَعْقُوبَ) مِن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إلى أُسْقُفِ نَجْرانَ وأهْلِ نَجْرانَ إنْ أسْلَمْتُمْ فَإنِّي أحْمَدُ اللَّهَ إلَيْكم إلَهَ إبْراهِيمَ وإسْحَقَ ويَعْقُوبَ، أمّا بَعْدُ فَإنِّي أدْعُوكم إلى عِبادَةِ اللَّهِ مِن عِبادَةِ العِبادِ وأدْعُوكم إلى وِلايَةِ اللَّهِ مِن وِلايَةِ العِبادِ، فَإنْ أبَيْتُمْ فالجِزْيَةُ فَإنْ أبَيْتُمْ فَقَدَ آذَنْتُكم بِحَرْبٍ، والسَّلامُ“، فَلَمّا قَرَأ الأُسْقُفُ الكِتابَ فَظِعَ بِهِ وذُعِرَ ذُعْرًا شَدِيدًا فَبَعَثَ إلى رَجُلٍ مِن أهْلِ نَجْرانَ يُقالُ لَهُ شُرَحْبِيلُ بْنُ وداعَةَ فَدَفَعَ إلَيْهِ كِتابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأهُ، فَقالَ لَهُ الأُسْقُفُ: ما رَأْيُكَ؟ فَقالَ شُرَحْبِيلُ: قَدْ عَلِمْتُ ما وعَدَ اللَّهُ تَعالى إبْراهِيمَ في ذُرِّيَّةِ إسْمَعِيلَ مِنَ النُّبُوَّةِ، فَما يُؤْمَنُ أنَّ يَكُونَ هَذا الرَّجُلُ نَبِيًّا ولَيْسَ لِي في النُّبُوَّةِ رَأْيٌ، لَوْ كانَ أمْرٌ مِن أمْرِ الدُّنْيا أشَرْتُ عَلَيْكَ فِيهِ وجَهَدْتُ لَكَ، فَبَعَثَ الأُسْقُفُ إلى واحِدٍ بَعْدَ واحِدٍ مِن أهْلِ نَجْرانَ فَكُلُّهم قالَ مِثْلَ قَوْلِ شُرَحْبِيلَ، فاجْتَمَعَ رَأْيُهم عَلى أنْ يَبْعَثُوا شُرَحْبِيلَ وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ شُرَحْبِيلَ وحَيّارَ بْنَ قَنَصٍ فَيَأْتُونَهم بِخَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فانْطَلَقَ الوَفْدُ حَتّى أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَألَهم وسَألُوهُ فَلَمْ تَزَلْ بِهِ وبِهِمُ المَسْألَةُ حَتّى قالُوا: ما تَقُولُ في عِيسى اِبْنِ مَرْيَمَ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما عِنْدِي فِيهِ شَيْءٌ يَوْمِي هَذا فَأقِيمُوا حَتّى أُخْبِرَكم بِما يُقالُ لِي في عِيسى صُبْحَ الغَداةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ﴾ فَأبَوْا أنْ يُقِرُّوا بِذَلِكَ فَلَمّا أصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الغَدَ بَعْدَ ما أخْبَرَهُمُ الخَبَرَ أقْبَلَ مُشْتَمِلًا عَلى الحَسَنِ والحُسَيْنِ في خَمِيلَةٍ لَهُ وفاطِمَةُ تَمْشِي عِنْدَ ظَهْرِهِ لِلْمُلاعَنَةِ، ولَهُ يَوْمَئِذٍ عِدَّةُ نِسْوَةٍ، فَقالَ شُرَحْبِيلُ لِصاحِبَيْهِ: إنِّي أرى أمْرًا ثَقِيلًا إنْ كانَ هَذا الرَّجُلُ نَبِيًّا مُرْسَلًا فَتَلاعَناهُ لا يَبْقى عَلى ظَهْرِ الأرْضِ مِنّا شَعْرٌ ولا ظُفْرٌ إلّا هَلَكَ، فَقالا لَهُ: ما رَأْيُكَ؟ فَقالَ: رَأْيِي أنْ أحْكُمَهُ فَإنِّي أرى رَجُلًا لا يَحْكُمُ شَطَطًا أبَدًا، فَقالا لَهُ: أنْتَ وذاكَ، فَتَلَقّى شُرَحْبِيلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنِّي رَأيْتُ خَيْرًا مِن مُلاعَنَتِكَ قالَ: وما هُوَ؟ قالَ: حُكْمُكَ اليَوْمَ إلى اللَّيْلِ ولَيْلُكَ إلى الصَّباحِ فَما حَكَمْتَ فِينا فَهو جائِزٌ فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يُلاعِنْهم وصالَحَهم عَلى الجِزْيَةِ».

ورُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا، والمَثَلُ هُنا لَيْسَ هو المَثَلَ المُسْتَعْمَلَ في التَّشْبِيهِ، والكافُ زائِدَةٌ كَما قِيلَ بِهِ بَلْ بِمَعْنى الحالِ والصِّفَةِ العَجِيبَةِ، أيْ: إنَّ صِفَةَ عِيسى ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: في تَقْدِيرِهِ وحُكْمِهِ، أوْ فِيما غابَ عَنْكم ولَمْ تَطَّلِعُوا عَلى كُنْهِهِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ فِيما تَعَلَّقَ بِهِ الجارُّ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾ أيْ كَصِفَتِهِ وحالِهِ العَجِيبَةِ الَّتِي لا يَرْتابُ فِيها مُرْتابٌ.

﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ جُمْلَةٌ اِبْتِدائِيَّةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ مُبَيِّنَةٌ لِوَجْهِ الشَّبَهِ بِاعْتِبارِ أنَّ في كُلٍّ الخُرُوجَ عَنِ العادَةِ وعَدَمَ اِسْتِكْمالِ الطَّرَفَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ جِيءَ بِها لِبَيانِ أنَّ المُشَبَّهَ بِهِ أغْرَبُ وأخْرَقُ لِلْعادَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أقْطَعَ لِلْخِصْمِ وأحْسَمَ لِمادَّةِ شُبْهَتِهِ، و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِما عِنْدَها، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِآدَمَ، والمَعْنى اِبْتَدَأ خَلْقَ قالَبِهِ مِن هَذا الجِنْسِ.

﴿ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [ 59 ] أيْ صِرْ بَشَرًا فَصارَ، فالتَّراخِي عَلى هَذا زَمانِيٌّ إذْ بَيْنَ إنْشائِهِ مِمّا ذَكَرَ وإيجادِ الرُّوحِ فِيهِ وتَصْيِيرِهِ لَحْمًا ودَمًا زَمانٌ طَوِيلٌ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ بَعْدَ أنْ خَلَقَ قالَبَهُ بَقِيَ مُلْقًى

صفحة 187

عَلى بابِ الجَنَّةِ أرْبَعِينَ سَنَةً لَمْ تُنْفَخْ فِيهِ الرُّوحُ؛ والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ مَعَ أنَّ المَقامَ مَقامُ المُضِيِّ لِتَصْوِيرِ ذَلِكَ الأمْرِ الكامِلِ بِصُورَةِ المُشاهَدِ الَّذِي يَقَعُ الآنَ إيذانًا بِأنَّهُ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَغْرَبَةِ العَجِيبَةِ الشَّأْنِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّعْبِيرُ بِذَلِكَ لِما أنَّ الكَوْنَ مُسْتَقْبَلٌ بِالنَّظَرِ إلى ما قَبْلَهُ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ إلى أنَّ (ثُمَّ) لِلتَّراخِي في الإخْبارِ لا في المُخْبَرِ بِهِ، وحَمَلُوا الكَلامَ عَلى ظاهِرِهِ، ولا يَضُرُّ تَقَدُّمُ القَوْلِ عَلى الخَلْقِ في هَذا التَّرْتِيبِ والتَّراخِي كَما لا يَخْفى، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدٌ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ، والقَوْلُ بِأنَّهُ عائِدٌ عَلى عِيسى لَيْسَ بِشَيْءٍ لِما فِيهِ مِنَ التَّفْكِيكِ الَّذِي لا داعِيَ إلَيْهِ ولا قَرِينَةَ تَدُلُّ عَلَيْهِ.

قِيلَ: وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى صِحَّةِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ اِحْتَجَّ عَلى النَّصارى وأثْبَتَ جَوازَ خَلْقِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ أبٍ بِخَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ أبٍ ولا أُمٍّ، ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ خَلَقَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن نُطْفَةِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ بِجَعْلِها قابِلَةً لِذَلِكَ ومُسْتَعِدَّةً لَهُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما تَقَدَّمَ، والقَوْلُ بِأنَّهُ خُلِقَ مِنَ الهَواءِ كَما خُلِقَ آدَمُ مِنَ التُّرابِ مِمّا لا مُسْتَنَدَ لَهُ مِن عَقْلٍ ولا نَقْلٍ و﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا﴾ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ أصْلًا.

3:60Page 57

ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ ٦٠

The truth is from your Lord, so do not be among the doubters.

﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ هو الحَقُّ، وهو راجِعٌ إلى البَيانِ والقَصَصِ المَذْكُورِ سابِقًا، والجارُّ والمَجْرُورُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الخَبَرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿الحَقُّ﴾ مُبْتَدَأً، و﴿مِن رَبِّكَ﴾ خَبَرَهُ، ورَجَّحَ الأوَّلَ بِأنَّ المَقْصُودَ الدَّلالَةُ عَلى كَوْنِ عِيسى مَخْلُوقًا كَآدَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ هو ”الحَقُّ“ لا ما يَزْعُمُهُ النَّصارى، وتَطْبِيقُ كَوْنِهِما مُبْتَدَأً وخَبَرًا عَلى هَذا المَعْنى لا يَتَأتّى إلّا بِتَكَلُّفِ إرادَةِ أنَّ كُلَّ حَقٍّ أوْ جِنْسِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومِن جُمْلَتِهِ هَذا الشَّأْنُ أوْ حِمْلُ اللّامِ عَلى العَهْدِ بِإرادَةِ ”الحَقِّ“ المَذْكُورِ، ولا يَخْفى ما في التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مِنَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ مِنَ اللَّطافَةِ الظّاهِرَةِ.

﴿فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [ 60 ] خِطابٌ لَهُ ﷺ، ولا يَضُرُّ فِيهِ اِسْتِحالَةُ وُقُوعِ الِامْتِراءِ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ بَلْ قَدْ ذَكَرُوا في هَذا الأُسْلُوبِ فائِدَتَيْنِ؛ إحْداهُما: أنَّهُ ﷺ إذا سَمِعَ مِثْلَ هَذا الخِطابِ تَحَرَّكَتْ مِنهُ الأرْيَحِيَّةُ فَيَزْدادُ في الثَّباتِ عَلى اليَقِينِ نُورًا عَلى نُورٍ وثانِيَتُهُما: أنَّ السّامِعَ يَتَنَبَّهُ بِهَذا الخِطابِ عَلى أمْرٍ عَظِيمٍ فَيَنْزِعُ ويَنْزَجِرُ عَمّا يُورِثُ الِامْتِراءَ لِأنَّهُ ﷺ مَعَ جَلالَتِهِ الَّتِي لا تَصِلُ إلَيْها الأمانِيُّ إذا خُوطِبَ بِمِثْلِهِ فَما يَظُنُّ بِغَيْرِهِ فَفي ذَلِكَ زِيادَةُ ثَباتٍ لَهُ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ ولُطْفٌ بِغَيْرِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِكُلِّ مَن يَقِفُ عَلَيْهِ ويَصْلُحُ لِلْخِطابِ.

3:61Page 57

فَمَنۡ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ فَقُلۡ تَعَالَوۡاْ نَدۡعُ أَبۡنَآءَنَا وَأَبۡنَآءَكُمۡ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمۡ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمۡ ثُمَّ نَبۡتَهِلۡ فَنَجۡعَل لَّعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰذِبِينَ ٦١

Then whoever argues with you about it after [this] knowledge has come to you - say, "Come, let us call our sons and your sons, our women and your women, ourselves and yourselves, then supplicate earnestly [together] and invoke the curse of Allāh upon the liars [among us]."

﴿فَمَن حاجَّكَ﴾ أيْ جادَلَكَ وخاصَمَكَ مِن وفْدِ نَصارى نَجْرانَ إذْ هُمُ المُتَصَدُّونَ لِذَلِكَ (فِيهِ) أيْ في شَأْنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ المُحَدِّثُ عَنْهُ وصاحِبُ القِصَّةِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْحَقِّ المُتَقَدِّمِ لِقُرْبِهِ وعَدَمِ بُعْدِ المَعْنى ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِن العِلْمِ﴾ أيِ الآياتِ المُوجِبَةِ لِلْعِلْمِ، وإطْلاقُ العِلْمِ عَلَيْها إمّا حَقِيقَةٌ لِأنَّها كَما قِيلَ: نَوْعٌ مِنهُ، وإمّا مَجازٌ مُرْسَلٌ، والقَرِينَةُ عَلَيْهِ ذِكْرُ المُحاجَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْأدِلَّةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ الأخِيرُ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿جاءَكَ﴾ الرّاجِعِ إلى (ما) المَوْصُولَةِ، و(مِن) مِن ذَلِكَ تَبْعِيضِيَّةٌ، وقِيلَ: لِبَيانِ الجِنْسِ.

(فَقُلْ) أيْ لِمَن حاجَّكَ ﴿تَعالَوْا﴾ أيْ أقْبِلُوا بِالرَّأْيِ والعَزِيمَةِ، وأصْلُهُ طَلَبُ الإقْبالِ إلى مَكانٍ مُرْتَفِعٍ، ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيهِ فاسْتُعْمِلَ في مُجَرَّدِ طَلَبِ المَجِيءِ ﴿نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكُمْ﴾ أيْ يَدْعُ كُلٌّ مِنّا ومِنكم أبْناءَهُ ونِساءَهُ ونَفْسَهُ لِلْمُباهَلَةِ، وفي تَقْدِيمِ مَن قُدِّمَ عَلى النَّفْسِ في المُباهَلَةِ مَعَ أنَّها مِن مَظانِّ

صفحة 188

التَّلَفِ والرَّجُلُ يُخاطِرُ لَهم بِنَفْسِهِ إيذانًا بِكَمالِ أمْنِهِ ﷺ وكَمالِ يَقِينِهِ في إحاطَةِ حَفْظِ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ، ولِذَلِكَ -مَعَ رِعايَةِ الأصْلِ في الصِّيغَةِ فَإنَّ غَيْرَ المُتَكَلِّمِ تَبَعٌ لَهُ في الإسْنادِ- قَدَّمَ ﷺ جانِبَهُ عَلى جانِبِ المُخاطَبِينَ.

﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ أيْ نَتَباهَلْ، فالِافْتِعالُ هُنا بِمَعْنى المُفاعَلَةِ، وافْتَعَلَ وتَفاعَلَ أخَوانِ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ كاشْتَوَرَ وتَشاوَرَ، واجْتَوَرَ وتَجاوَرَ، والأصْلُ في البُهْلَةِ بِالضَّمِّ والفَتْحِ فِيهِ كَما قِيلَ اللَّعْنَةُ، والدُّعاءُ بِها، ثُمَّ شاعَتْ في مُطْلَقِ الدُّعاءِ كَما يُقالُ: فُلانٌ يَبْتَهِلُ إلى اللَّهِ تَعالى في حاجَتِهِ، وقالَ الرّاغِبُ: بَهْلُ الشَّيْءِ والبَعِيرِ إهْمالُهُ وتَخْلِيَتُهُ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ في الِاسْتِرْسالِ في الدُّعاءِ سَواءٌ كانَ لَعْنًا أوْ لا، إلّا أنَّهُ هُنا يُفَسَّرُ بِاللَّعْنِ لِأنَّهُ المُرادُ الواقِعُ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ﴾ [ 61 ] أيْ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (نَبْتَهِلْ) مُفَسِّرٌ لِلْمُرادِ مِنهُ، أيْ نَقُولُ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ، أوِ اللَّهُمَّ اِلْعَنِ الكاذِبِينَ.

أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ: «”أنَّ العاقِبَ والسَّيِّدَ أتَيا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأرادَ أنْ يُلاعِنَهُما فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: لا تُلاعِنْهُ فَواَللَّهِ لَئِنْ كانَ نَبِيًّا فَلاعَنَنا لا نُفْلِحُ نَحْنُ ولا عَقْبُنا مِن بَعْدِنا، فَقالُوا لَهُ: نُعْطِيكَ ما سَألْتَ فابْعَثْ مَعَنا رَجُلًا أمِينًا، فَقالَ: قُمْ يا أبا عُبَيْدَةَ، فَلَمّا قامَ قالَ هَذا أمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ“».

وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في «اَلدَّلائِلِ» مِن طَرِيقِ عَطاءٍ والضَّحّاكِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ: ««أنَّ ثَمانِيَةً مِن أساقِفَةِ أهْلِ نَجْرانَ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنهُمُ العاقِبُ والسَّيِّدُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿قُلْ تَعالَوْا﴾ الآيَةَ، فَقالُوا: أخِّرْنا ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَذَهَبُوا إلى بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ فاسْتَشارُوهُمْ، فَأشارُوا عَلَيْهِمْ أنْ يُصالِحُوهُ ولا يُلاعِنُوهُ، وقالُوا: هو النَّبِيُّ الَّذِي نَجِدُهُ في التَّوْراةِ فَصالَحُوا النَّبِيَّ ﷺ عَلى ألْفِ حُلَّةٍ في صَفَرَ وألْفٍ في رَجَبَ ودَراهِمَ»،» ورُوِيَ أنَّهم صالَحُوهُ عَلى أنْ يُعْطُوهُ في كُلِّ عامٍ ألْفَيْ حُلَّةٍ وثَلاثًا وثَلاثِينَ دِرْعًا وثَلاثَةً وثَلاثِينَ بَعِيرًا وأرْبَعًا وثَلاثِينَ فَرَسًا.

وأخْرَجَ في «اَلدَّلائِلِ» أيْضًا مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ: ««أنَّ وفْدَ نَجْرانَ مِنَ النَّصارى قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهم أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِن أشْرافِهِمْ مِنهُمُ السَّيِّدُ وهو الكَبِيرُ والعاقِبُ وهو الَّذِي يَكُونُ بَعْدَهُ وصاحِبُ رَأْيِهِمْ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أسْلِما، قالا: أسْلَمْنا، قالَ: ما أسْلَمْتُما، قالا: بَلى قَدْ أسْلَمْنا قَبْلَكَ، قالَ: كَذَبْتُما يَمْنَعُكُما مِنَ الإسْلامِ ثَلاثٌ فِيكُما؛ عِبادَتُكُما الصَّلِيبَ، وأكْلُكُما الخِنْزِيرَ، وزَعْمُكُما أنَّ لِلَّهِ ولَدًا، ونَزَلَ ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى﴾ الآيَةَ، فَلَمّا قَرَأها عَلَيْهِمْ، قالُوا: ما نَعْرِفُ ما تَقُولُ، ونَزَلَ ﴿فَمَن حاجَّكَ﴾ الآيَةَ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أمَرَنِي إنْ لَمْ تَقْبَلُوا هَذا أنْ أُباهِلَكُمْ، فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ بَلْ نَرْجِعُ فَنَنْظُرُ في أمْرِنا ثُمَّ نَأْتِيكَ، فَخَلا بَعْضُهم بِبَعْضٍ وتَصادَقُوا فِيما بَيْنَهُمْ، قالَ السَّيِّدُ لِلْعاقِبِ: قَدْ واَللَّهِ عَلِمْتُمْ أنَّ الرَّجُلَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، ولَئِنْ لاعَنْتُمُوهُ أنَّهُ لِاسْتِئْصالِكُمْ، وما لاعَنَ قَوْمٌ نَبِيًّا قَطُّ، فَبَقِيَ كَبِيرُهم ولا نَبَتَ صَغِيرُهُمْ، فَإنْ أنْتُمْ لَنْ تَتْبَعُوهُ وأبَيْتُمْ إلّا إلْفَ دِينِكم فَوادِعُوهُ وارْجِعُوا إلى بِلادِكم وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ ومَعَهُ عَلِيٌّ والحَسَنُ والحُسَيْنُ وفاطِمَةُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنْ أنا دَعَوْتُ فَأمِّنُوا أنْتُمْ، فَأبَوْا أنْ يُلاعِنُوهُ، وصالَحُوهُ عَلى الجِزْيَةِ»».

وعَنِ الشَّعْبِيِّ: فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”لَقَدْ أتانِي البَشِيرُ بِهَلَكَةِ أهْلِ نَجْرانَ حَتّى الطَّيْرُ عَلى الشَّجَرِ لَوْ تَمُّوا عَلى المُلاعَنَةِ“،» وعَنْ جابِرٍ: «”واَلَّذِي بَعَثَنِي بِالحَقِّ لَوْ فَعَلا لَأمْطَرَ الوادِي عَلَيْهِما نارًا“،» ورُوِيَ «أنَّ أُسْقُفَ نَجْرانَ «لَما رَأى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُقْبِلًا ومَعَهُ عَلِيٌّ وفاطِمَةُ والحَسَنانِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، قالَ: يا مَعْشَرَ

صفحة 189

النَّصارى: إنِّي لَأرى وُجُوهًا لَوْ سَألُوا اللَّهَ تَعالى أنْ يُزِيلَ جَبَلًا مِن مَكانِهِ لَأزالَهُ فَلا تُباهِلُوا وتَهْلَكُوا»».

هَذا وإنَّما ضَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى النَّفْسِ الأبْناءَ والنِّساءَ مَعَ أنَّ القَصْدَ مِنَ المُباهَلَةِ تَبَيُّنُ الصّادِقِ مِنَ الكاذِبِ وهو يَخْتَصُّ بِهِ وبِمَن يُباهِلُهُ لِأنَّ ذَلِكَ أتَمَّ في الدَّلالَةِ عَلى ثِقَتِهِ بِحالِهِ واسْتِيقانِهِ بِصِدْقِهِ، وأكْمَلَ نِكايَةً بِالعَدُوِّ وأوْفَرَ إضْرارًا بِهِ لَوْ تَمَّتِ المُباهَلَةُ.

وفِي هَذِهِ القِصَّةِ أوْضَحُ دَلِيلٍ عَلى نُبُوَّتِهِ ﷺ وإلّا لَما اِمْتَنَعُوا عَنْ مُباهَلَتِهِ، ودَلالَتُها عَلى فَضْلِ آلِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ مِمّا لا يَمْتَرِي فِيها مُؤْمِنٌ، والنَّصْبُ جازِمُ الإيمانِ.

واسْتَدَلَّ بِها الشِّيعَةُ عَلى أوْلَوِيَّةِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ بِالخِلافَةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِناءً عَلى رِوايَةِ مَجِيءِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ووَجْهِ أنَّ المُرادَ حِينَئِذٍ بِأبْنائِنا الحَسَنُ والحُسَيْنُ وبِنِسائِنا فاطِمَةُ وبِأنْفُسِنا الأمِيرُ وإذا صارَ نَفْسَ الرَّسُولِ، وظاهِرٌ أنَّ المَعْنى الحَقِيقِيَّ مُسْتَحِيلٌ تَعَيُّنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ المُساواةَ، ومَن كانَ مُساوِيًا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَهو أفْضَلُ وأوْلى بِالتَّصَرُّفِ مِن غَيْرِهِ، ولا مَعْنى لِلْخَلِيفَةِ إلّا ذَلِكَ.

وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ، أمّا أوَّلًا: فَبِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ المُرادَ بِأنْفُسِنا الأمِيرُ، بَلِ المُرادُ نَفْسُهُ الشَّرِيفَةُ ﷺ، ويُجْعَلُ الأمِيرُ داخِلًا في الأبْناءِ، وفي العُرْفِ يُعَدُّ الخَتَنُ اِبْنًا مِن غَيْرِ رِيبَةٍ، ويُلْتَزَمُ عُمُومُ المَجازِ إنْ قُلْنا: إنَّ إطْلاقَ الِابْنِ عَلى اِبْنِ البِنْتِ حَقِيقَةٌ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ مُجازٌ لَمْ يُحْتَجْ إلى القَوْلِ بِعُمُومِهِ، وكانَ إطْلاقُهُ عَلى الأمِيرِ وابْنَيْهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَلى حَدٍّ سَواءٍ في المَجازِيَّةِ، وقَوْلُ الطَّبَرْسِيِّ وغَيْرِهِ مِن عُلَمائِهِمْ إنَّ إرادَةَ نَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ ﷺ مِن ”أنْفُسَنا“ لا تَجُوزُ لِوُجُودِ (نَدْعُ) والشَّخْصُ لا يَدْعُو نَفْسَهُ هَذَيانًا مِنَ القَوْلِ، إذْ قَدْ شاعَ وذاعَ في القَدِيمِ والحَدِيثِ دَعَتْهُ نَفْسُهُ إلى كَذا، ودَعَوْتُ نَفْسِي إلى كَذا، وطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ، وأمَرْتُ نَفْسِي وشاوَرْتُها، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الِاسْتِعْمالاتِ الصَّحِيحَةِ الواقِعَةِ في كَلامِ البُلَغاءِ، فَيَكُونُ حاصِلُ (نَدْعُ أنْفُسَنا) نُحْضِرُ أنْفُسَنا، وأيُّ مَحْذُورٍ في ذَلِكَ عَلى أنّا لَوْ قَرَّرْنا الأمِيرَ مِن قِبَلِ النَّبِيِّ ﷺ لَمِصْداقُ أنْفُسِنا فَمَن نُقَرِّرُهُ مِن قِبَلِ الكُفّارِ مَعَ أنَّهم مُشْتَرِكُونَ في صِيغَةِ (نَدْعُ) إذْ لا مَعْنى لِدَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ إيّاهم وأبْناءَهم ونِساءَهم بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿تَعالَوْا﴾ كَما لا يَخْفى.

وأمّا ثانِيًا: فَبِأنّا لَوْ سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ بِأنْفُسِنا الأمِيرُ، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ المُرادَ مِنَ النَّفْسِ ذاتُ الشَّخْصِ إذْ قَدْ جاءَ لَفْظُ النَّفْسِ بِمَعْنى القَرِيبِ والشَّرِيكِ في الدِّينِ والمِلَّةِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكُمْ﴾، ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾، ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ فَلَعَلَّهُ لَمّا كانَ لِلْأمِيرِ اِتِّصالٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ في النَّسَبِ والمُصاهَرَةِ واتِّحادٌ في الدِّينِ عَبَّرَ عَنْهُ بِالنَّفْسِ، وحِينَئِذٍ لا تَلْزَمُ المُساواةُ الَّتِي هي عِمادُ اِسْتِدْلالِهِمْ عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ مُساواتَهُ في جَمِيعِ الصِّفاتِ يَلْزَمُ الِاشْتِراكُ في النُّبُوَّةِ والخاتَمِيَّةِ والبَعْثَةِ إلى كافَّةِ الخَلْقِ ونَحْوُ ذَلِكَ، وهو باطِلٌ بِالإجْماعِ لِأنَّ التّابِعَ دُونَ المَتْبُوعِ، ولَوْ كانَ المُرادُ المُساواةَ في البَعْضِ لَمْ يَحْصُلِ الغَرَضُ لِأنَّ المُساواةَ في بَعْضِ صِفاتِ الأفْضَلِ والأوْلى بِالتَّصَرُّفِ لا تَجْعَلُ مَن هي لَهُ أفْضَلُ وأوْلى بِالتَّصَرُّفِ بِالضَّرُورَةِ، وأمّا ثالِثًا: فَبِأنَّ ذَلِكَ لَوْ دَلَّ عَلى خِلافَةِ الأمِيرِ كَما زَعَمُوا لَزِمَ كَوْنُ الأمِيرِ إمامًا في زَمَنِهِ ﷺ وهو باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ وإنْ قُيِّدَ بِوَقْتٍ دُونَ وقْتٍ فَمَعَ أنَّ التَّقْيِيدَ مِمّا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ في اللَّفْظِ لا يَكُونُ مُفِيدًا لِلْمُدَّعى إذْ هو غَيْرُ مُتَنازَعٍ فِيهِ، لِأنَّ أهْلَ السُّنَّةِ يُثْبِتُونَ إمامَتَهُ في وقْتٍ دُونَ وقْتٍ، فَلَمْ يَكُنْ هَذا الدَّلِيلُ قائِمًا في مَحَلِّ النِّزاعِ، ولِضَعْفِ الِاسْتِدْلالِ بِهِ في هَذا المَطْلَبِ، بَلْ عَدَمُ صِحَّتِهِ كالِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى أفْضَلِيَّةِ الأمِيرِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَلى الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِزَعْمِ ثُبُوتِ مُساواتِهِ لِلْأفْضَلِ مِنهم فِيهِ لَمْ يُقِمْهُ مُحَقِّقُو الشِّيعَةِ عَلى أكْثَرَ

صفحة 190

مِن دَعْوى كَوْنِ الأمِيرِ والبَتُولِ والحُسَيْنِ أعِزَّةً عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَما صَنَعَ عَبْدُ اللَّهِ المُشْهِدِيُّ في كِتابِهِ «إظْهارُ الحَقِّ» .

وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ واَلتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقاصٍّ، قالَ: «”لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ﴾ الخ، دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا وفاطِمَةَ وحَسَنًا وحُسَيْنًا فَقالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلِي“،» وهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن دُعائِهِ ﷺ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةَ المُتَناسِبَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم هو المَشْهُورُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ لَدى المُحْدَثِينَ، وأخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: ««أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ جاءَ بِأبِي بَكْرٍ ووَلَدِهِ وبِعُمَرَ ووَلَدِهِ وبِعُثْمانَ ووَلَدِهِ وبِعَلِيٍّ ووَلَدِهِ»،» وهَذا خِلافُ ما رَواهُ الجُمْهُورُ.

واسْتَدَلَّ اِبْنُ أبِي عِلّانَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ القِصَّةِ أيْضًا عَلى أنَّ الحَسَنَيْنِ كانا مُكُلَّفَيْنِ في تِلْكَ الحالِ لِأنَّ المُباهَلَةَ لا تَجُوزُ إلّا مَعَ البالِغِينَ، وذَهَبَ الإمامِيَّةُ إلى أنَّها يُشْتَرَطُ فِيها كَمالُ العَقْلِ والتَّمْيِيزُ، وحُصُولُ ذَلِكَ لا يَتَوَقَّفُ عَلى البُلُوغِ فَقَدْ يَحْصُلُ كَمالٌ قَبْلَهُ رُبَّما يَزِيدُ عَلى كَمالِ البالِغِينَ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الحَسَنانِ إذْ ذاكَ غَيْرَ بالِغَيْنِ إلّا أنَّهُما في سِنٍّ لا يَمْتَنِعُ مَعَها أنْ يَكُونا كامِلَيِ العَقْلِ، عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَخْرُقَ اللَّهُ تَعالى العاداتِ لِأُولَئِكَ السّاداتِ ويَخُصَّهم بِما لا يُشارِكُهم فِيهِ غَيْرُهُمْ، فَلَوْ صَحَّ أنَّ كَمالَ العَقْلِ غَيْرُ مُعْتادٍ في تِلْكَ السِّنِّ لَجازَ ذَلِكَ فِيهِمْ إبانَةً لَهم عَمَّنْ سِواهم ودَلالَةً عَلى مَكانِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى واخْتِصاصِهِمْ بِهِ، وهُمُ القَوْمُ الَّذِينَ لا تُحْصى خَصائِصُهم.

وذَهَبَ النَّواصِبُ إلى أنَّ المُباهَلَةَ جائِزَةٌ لِإظْهارِ الحَقِّ إلى اليَوْمِ إلّا أنَّهُ يُمْنَعُ فِيها أنْ يَحْضُرَ الأوْلادُ والنِّساءُ، وزَعَمُوا -رَفَعَهُمِ اللَّهُ تَعالى لا قَدْرًا وحَطَّهم ولا حَطَّ عَنْهم وِزْرًا- أنَّ ما وقَعَ مِنهُ ﷺ كانَ لِمُجَرَّدِ إلْزامِ الخِصْمِ وتَبْكِيتِهِ، وأنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى فَضْلِ أُولَئِكَ الكِرامِ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِمْ أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ السَّلامِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا الزَّعْمَ ضَرْبٌ مِنَ الهَذَيانِ، وأثَرٌ مِن مَسِّ الشَّيْطانِ.

ولَيْسَ يَصِحُّ في الأذْهانِ شَيْءٌ إذا اِحْتاجَ النَّهارُ إلى دَلِيلٍ

ومَن ذَهَبَ إلى جَوازِ المُباهَلَةِ اليَوْمَ عَلى طُرُزِ ما صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اِسْتَدَلَّ بِما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ أنَّ اِبْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ آخَرَ شَيْءٌ فَدَعاهُ إلى المُباهَلَةِ، وقَرَأ الآيَةَ ورَفَعَ يَدَيْهِ فاسْتَقْبَلَ الرُّكْنَ وكَأنَّهُ يُشِيرُ بِذَلِكَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى كَيْفِيَّةِ الِابْتِهالِ وأنَّ الأيْدِيَ تُرْفَعُ فِيهِ، وفِيما أخْرَجَهُ الحاكِمُ تَصْرِيحٌ بِذَلِكَ وأنَّها تُرْفَعُ حَذْوَ المَناكِبِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском