Al-AlusiAli 'Imran · 3:62–66

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:62–66

3:62Page 58

إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡقَصَصُ ٱلۡحَقُّۚ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٦٢

Indeed, this is the true narration. And there is no deity except Allāh. And indeed, Allāh is the Exalted in Might, the Wise.

﴿إنَّ هَذا﴾ أيِ المَذْكُورَ في شَأْنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ ﴿لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ﴾ جُمْلَةٌ اِسْمِيَّةٌ خَبَرُ (إنَّ)، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو ضَمِيرَ فَصْلٍ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، و(اَلْقَصَصُ) هو الخَبَرُ، وضَمِيرُ الفَصْلِ يُفِيدُ القَصْرَ الإضافِيَّ كَما يُفِيدُهُ تَعْرِيفُ الطَّرَفَيْنِ و(اَلْحَقُّ) صِفَةُ القِصَصِ وهو المَقْصُودُ بِالإفادَةِ، أيْ إنَّ هَذا هو الحَقُّ لا ما يَدَّعِيهِ النَّصارى مِن كَوْنِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلَهًا وابْنَ اللَّهِ، سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُهُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ لِلْقَصْرِ والتَّأْكِيدِ لَوْ لَمْ يَكُنْ في الكَلامِ ما يُفِيدُ ذَلِكَ، وإنْ كانَ كَما هُنا فَهو لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، والأوَّلُ هو المَشْهُورُ، وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ ولَعَلَّهُ الأوْجُهُ، واللّامُ لامُ الِابْتِداءِ، والأصْلُ فِيها أنْ تَدْخُلَ عَلى المُبْتَدَأِ إلّا أنَّهم يُزَحْلِقُونَها إلى الخَبَرِ لِئَلّا يَتَوالى حَرْفا تَأْكِيدٍ، وإذا جازَ دُخُولُها عَلى الخَبَرِ كانَ دُخُولُها عَلى الفَصْلِ أجْوَزَ لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى المُبْتَدَأِ، فافْهَمْ.

و(اَلْقَصَصُ) عَلى ما في «اَلْبَحْرِ» مَصْدَرُ قَوْلِهِمْ: قَصَّ فُلانٌ الحَدِيثَ يَقُصُّهُ قَصًّا وقَصَصًا؛ وأصْلُهُ تَتَبُّعُ الأثَرِ، يُقالُ:

صفحة 191

خَرَجَ فُلانٌ يَقُصُّ أثَرَ فُلانٍ، أيْ يَتَتَبِّعُهُ لِيَعْرِفَ أيْنَ ذَهَبَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ أيْ تَتَبَّعِي أثَرَهُ، وكَذَلِكَ القاصُّ في الكَلامِ لِأنَّهُ يَتَتَبَّعُ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ يَتَتَبَّعُ المَعانِيَ لِيُورِدَها، وهو هُنا فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيِ المَقْصُوصُ الحَقُّ، وقُرِئَ (لَهْوَ) بِسُكُونِ الهاءِ.

﴿وما مِن إلَهٍ إلا اللَّهُ﴾ رَدٌّ عَلى النَّصارى في تَثْلِيثِهِمْ، وكَذا فِيهِ رَدٌّ عَلى سائِرِ الثَّنَوِيَّةِ، و(مِن) زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ كَما هو شَأْنُ الصِّلاتِ، وقَدْ فَهِمَ أهْلُ اللِّسانِ كَما قالَ الشِّهابُ أنَّها لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ المَفْهُومِ مِنَ النَّكِرَةِ المَنفِيَّةِ لِاخْتِصاصِها بِذَلِكَ في الأكْثَرِ، وقَدْ تَوَقَّفَ مُحِبُّ الدِّينِ في وجْهِ إفادَةِ الكَلِماتِ المَزِيدَةِ لِلتَّأْكِيدِ بِأيْ طَرِيقٍ هي فَإنَّها لَيْسَتْ وضْعِيَّةً، وأجابَ بِأنَّها ذَوْقِيَّةٌ يَعْرِفُها أهْلُ اللِّسانِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا حَوالَةٌ عَلى مَجْهُولٍ فَلا تُفِيدُ، فالأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّها وضْعِيَّةٌ لَكِنَّهُ مِن بابِ الوَضْعِ النَّوْعِيِّ، فَتَدَبَّرْ.

﴿وإنَّ اللَّهَ لَهو العَزِيزُ﴾ أيِ الغالِبُ غَلَبَةً تامَّةً، أوِ القادِرً قُدْرَةً كَذَلِكَ، أوِ الَّذِي لا نَظِيرَ لَهُ ﴿الحَكِيمُ﴾ [ 62 ] أيِ المُتْقَنُ فِيما صَنَعَ، أوِ المُحِيطُ بِالمَعْلُوماتِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها، والمَقْصُودُ مِنها أيْضًا قَصْرُ الإلَهِيَّةِ عَلَيْهِ تَعالى رَدًّا عَلى النَّصارى، أيْ قَصْرُ إفْرادٍ، فالفَصْلُ والتَّعْرِيفُ هُنا كالفَصْلِ والتَّعْرِيفِ هُناكَ فَما قِيلَ: إنَّهُما لَيْسا لِلْحَصْرِ، إذِ الغالِبُ عَلى الأغْيارِ لا يَكُونُ إلّا واحِدًا فَيَلْغُو القَصْرُ فِيهِ إلّا أنْ يُجْعَلَ قَصْرَ قَلْبٍ، والمَقامُ لا يُلائِمُهُ مِمّا لا عِصامَ لَهُ كَما لا يَخْفى.

3:63Page 58

فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُفۡسِدِينَ ٦٣

But if they turn away, then indeed - Allāh is Knowing of the corrupters.

﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ أعْرَضُوا عَنِ اِتِّباعِكَ وتَصْدِيقِكَ بَعْدَ هَذِهِ الآياتِ البَيِّناتِ، وهَذا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ ماضِيًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُضارِعًا وحُذِفَتْ مِنهُ إحْدى التّاءَيْنِ تَخْفِيفًا، وأصْلُهُ تَتَوَلَّوْا ﴿فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾ [ 63 ] أيْ بِهِمْ أوْ بِكُمْ، والجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ في الظّاهِرِ لَكِنَّ المَعْنى عَلى ما يَتَرَتَّبُ عَلى عِلْمِهِ بِالمُفْسِدِينَ مِن مُعاقَبَتِهِ لَهُمْ، فالكَلامُ لِلْوَعِيدِ، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ تَنْبِيهًا عَلى العِلَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْجَزاءِ والعُقابِ وهي الإفْسادُ، وقِيلَ: المَعْنى عَلى أنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِهَؤُلاءِ المُجادِلِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وبِأنَّهم لا يُقْدِمُونَ عَلى مُباهَلَتِكَ لِمَعْرِفَتِهِمْ نُبُوَّتَكَ وثُبُوتَ رِسالَتِكَ، والجُمْلَةُ عَلى هَذا أيْضًا عِنْدَ التَّحْقِيقِ قائِمَةٌ مَقامَ الجَوابِ إلى أنَّهُ لَيْسَ الجَزاءُ والعِقابُ، والكَلامُ مُنْساقٌ لِتَسْلِيَتِهِ ﷺ، ولا يَخْفى ما فِيهِ.

* * *

ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿فَلَمّا أحَسَّ﴾ أيْ شاهَدَ ﴿عِيسى﴾ بِواسِطَةِ النُّورِ الإلَهِيِّ المُشْرِقِ عَلَيْهِ ﴿مِنهُمُ الكُفْرَ﴾ أيْ ظُلْمَتَهُ، أوْ نَفْسَهُ، فَإنَّ المَعانِيَ تَظْهَرُ لِلْكُمَّلِ عَلى صُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ بِاخْتِلافِها فَيَرَوْنَها.

وحُكِيَ عَنِ البازِ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ يَأْتِيانِي فَيُخْبِرانِي بِما يَحْدُثُ فِيهِما، وعَنْ بَعْضِ العارِفِينَ أنَّهُ يُشاهِدُ أعْمالَ العِبادِ كَيْفَ تَصْعَدُ إلى السَّماءِ، ويَرى البَلاءَ النّازِلَ مِنها.

﴿قالَ مَن أنْصارِي﴾ في حالِ دَعْوَتِي ﴿إلى اللَّهِ﴾ سُبْحانَهُ بِأنْ يَلْتَفِتَ إلى الِاشْتِغالِ بِتَكْمِيلِ نَفْسِهِ وتَهْذِيبِ أخْلاقِها حَتّى يَصْلُحَ لِتَرْبِيَةِ النّاقِصِينَ فَيَنْصُرُنِي ويُعِينُنِي في تَكْمِيلِ النّاقِصِ وإرْشادِ الضّالِّ ﴿قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ المُبَيِّضُونَ ثِيابَ وجُودِهِمْ بِمِياهِ العِبادَةِ ومِطْرَقَةِ المُجاهَدَةِ وشَمْسِ المُراقَبَةِ ﴿نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ أيْ أعْوانُ الفانِينَ فِيهِ الباقِينَ بِهِ، ومِنهم عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿آمَنّا بِاللَّهِ﴾ الإيمانَ الكامِلَ ﴿واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ أيْ مُنْقادُونَ لِأمْرِكَ حَيْثُ إنَّهُ أمْرُ اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ﴾ وهو ما نَوَّرَتْ بِهِ قُلُوبَ أصْفِيائِكَ مِن عُلُومِ غَيْبِكَ ﴿واتَّبَعْنا الرَّسُولَ﴾ فِيما أظْهَرَ مِن أوامِرِكَ ونَواهِيكَ رَجاءَ أنْ يُوصِلَنا ذَلِكَ إلى مَحَبَّتِكَ ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أيْ مَعَ مَن يَشْهَدُكَ ولا يَشْهَدُ مَعَكَ سِواكَ، أوِ الحاضِرِينَ لَكَ المُراقَبِينَ لِأمْرِكَ ﴿ومَكَرُوا﴾ أيِ الَّذِينَ أحَسَّ مِنهُمُ الكُفْرَ، واحْتالُوا مَعَ أهْلِ اللَّهِ بِتَدْبِيرِ النَّفْسِ، فَكانَ مَكْرُهم مَكْرَ الحَقِّ عَلَيْهِمْ لِأنَّهُ المُزَيِّنُ ذَلِكَ لَهُمْ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ فَهو الماكِرُ

صفحة 192

فِي الحَقِيقَةِ، وهَذا مَعْنى ﴿ومَكَرَ اللَّهُ﴾ عِنْدَ بَعْضٍ، والأوْلى القَوْلُ بِاخْتِلافِ المَكْرَيْنِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ مَقامُ الفَرْقِ، وقَدْ سُئِلَ بَعْضُهم كَيْفَ يَمْكُرُ اللَّهُ؟ فَصاحَ وقالَ: لا عِلَّةَ لِصُنْعِهِ وأنْشَأ يَقُولُ:

فَدَيْتُكَ قَدْ جُبِلْتُ عَلى هَواكا ونَفْسِي لا تُنازِعُنِي سِواكا

أُحِبُّكَ لا بِبَعْضِي بَلْ بِكُلِّي ∗∗∗ وإنْ لَمْ يُبْقِ حُبُّكَ لِي حِراكا

ويَقْبُحُ مَن سِواكَ الفِعْلُ عِنْدِي ∗∗∗ وتَفْعَلُهُ فَيَحْسُنُ مِنكَ ذاكا

﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ عَنْ رَسْمِ الحُدُوثِيَّةِ ﴿ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ بِنَعْتِ الرُّبُوبِيَّةِ ﴿ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِشَغْلِ سِرِّكَ عَنْ مُطالَعَةِ الأغْيارِ، أوْ مُتَوَفِّيكَ عَنْكَ، وقابِضُكَ مِنكَ، ورافِعُكَ عَنْ نُعُوتِ البَشَرِيَّةِ، ومُطَهِّرُكَ مِن إرادَتِكَ بِالكُلِّيَّةِ، وقِيلَ: إنَّ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا أحَسَّ مِنهُمُ الكُفْرَ وعَلِمَ أنَّهم بَعَثُوا مَن يَقْتُلُهُ قالَ لِلْحَوارِيِّينَ: إنِّي ذاهِبٌ إلى أبِي وأبِيكُمُ السَّماوِيِّ، أيْ مُتَّصِلٌ بِرُوحِ القُدُسِ ومُتَطَهِّرٌ مِن عَلاقَةِ عالَمِ الرِّجْسِ فَأمُدُّكم بِالفَيْضِ كَيْ تُسْتَجابَ دَعْوَتُكُمُ الخَلْقَ بَعْدِي، فَشُبِّهَ لِلْقَوْمِ صُورَةٌ جَسَدانِيَّةٌ هي مَظْهَرُ عِيسى رُوحِ اللَّهِ تَعالى بِصُورَةِ حَقِيقَةِ عِيسى فَظَنُّوها هو فَصَلَبُوها ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى رَفَعَهُ إلى السَّماءِ الرّابِعَةِ الَّتِي هي فَلَكُ الشَّمْسِ، وحِكْمَةُ رَفْعِهِ إلى ذَلِكَ أنَّ رُوحانِيَّتَهُ عِبارَةٌ عَنْ إسْرافِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويُشارِكُهُ المَسِيحُ في سِرِّ النَّفْخِ، ومَن قالَ: إنَّهُ رُفِعَ إلى السَّماءِ الدُّنْيا بَيَّنَ الحِكْمَةَ بِأنَّ إفاضَةَ رُوحِهِ كانَتْ بِواسِطَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو عِبارَةٌ عَنْ رُوحانِيَّةِ فَلَكِ القَمَرِ، وبِأنَّ القَمَرَ في السَّماءِ الدُّنْيا وهو آيَةٌ لَيْلِيَّةٌ تُناسِبُ عِلْمَ الباطِنِ الَّذِي أُوتِيَهُ المَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ.

ولَمْ يَعْتَبِرِ الصُّوفِيَّةُ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهُمُ القَوْلَ: بِأنَّهُ يَدُورُ حَوْلَ العَرْشِ لِأنَّ ذَلِكَ مَقامُ النِّهايَةِ في الكَمالِ، ولِهَذا لَمْ يُعَرِّجْ إلَيْهِ سِوى صاحِبُ المَقامِ المَحْمُودِ ﷺ الجامِعُ بَيْنَ الظّاهِرِ والباطِنِ ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ في أنَّ كُلًّا مِنهُما خارِقٌ لِلْعادَةِ خارِجٌ عَنْ دائِرَتِها وإنِ اِفْتَرَقا في أنَّ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِلا ذَكَرٍ بَلْ مِن نُطْفَةِ أُنْثى فَقَطْ كانَ في بَعْضِها قُوَّةُ العَقْدِ وفي البَعْضِ الآخَرِ قُوَّةُ الِانْعِقادِ كَسائِرِ النُّطَفِ المُرَكَّبَةِ مِن مَنِيَّيْنِ في أحَدِهِما القُوَّةُ العاقِدَةُ وفي الأُخْرى المُنْعَقِدَةُ، وأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِلا ذَكَرٍ ولا أُنْثى ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ أيْ صَوَّرَ قالَبَهُ مِن ذَلِكَ ﴿ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ إشارَةً إلى نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ وكَوْنِهِ مِن عالَمِ الأمْرِ نَظَرًا إلى رُوحِهِ المُقَدَّسَةِ الَّتِي لَمْ تَرْتَكِضُ في رَحِمٍ ﴿فَمَن حاجَّكَ فِيهِ﴾ أيِ الحَقِّ، أوْ في عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالحُجَجِ الباطِلَةِ ﴿فَقُلْ تَعالَوْا﴾ الخ أيْ فادْعُهُ إلى المُباهَلَةِ بِالهَيْئَةِ المَذْكُورَةِ.

قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: اِعْلَمْ أنَّ لِمُباهَلَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَأْثِيرًا عَظِيمًا سَبَبُهُ اِتِّصالُ نُفُوسِهِمْ بِرُوحِ القُدُسِ وتَأْيِيدُ اللَّهِ تَعالى إيّاهم بِهِ وهو المُؤَثِّرُ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى في العالَمِ العُنْصُرِيِّ فَيَكُونُ اِنْفِعالُ العالَمِ العُنْصُرِيِّ مِنهُ كانْفِعالِ أبْدانِنا مِن رُوحِنا بِالعَوارِضِ الوارِدَةِ عَلَيْهِ كالغَضَبِ والخَوْفِ والفِكْرِ في أحْوالِ المَعْشُوقِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وانْفِعالُ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ مِنهُ كانْفِعالِ حَواسِّنا وسائِرِ قُوانا مِن عَوارِضِ أرْواحِنا، فَإذا اِتَّصَلَ نَفْسٌ قُدْسِيٌّ بِهِ، أوْ بِبَعْضِ أرْواحِ الأجْرامِ السَّماوِيَّةِ والنُّفُوسِ المَلَكُوتِيَّةِ كانَ تَأْثِيرُها في العالَمِ عِنْدَ التَّوَجُّهِ الِاتِّصالِيِّ تَأْثِيرَ ما يَتَّصِلُ بِهِ فَيَنْفَعِلُ أجْرامُ العَناصِرِ والنُّفُوسِ النّاقِصَةِ الإنْسانِيَّةِ مِنهُ بِما أرادَ حَسَبَ ذَلِكَ الِاتِّصالِ ولِذا اِنْفَعَلَتْ نُفُوسُ النَّصارى مِن نَفْسِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالخَوْفِ وأحْجَمَتْ عَنِ المُباهَلَةِ وطَلَبَتِ المُوادَعَةَ بِقَبُولِ الجِزْيَةِ اِنْتَهى.

وادَّعى بَعْضُهم أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ تَأْثِيرًا لَكِنَّهُ يَخْتَلِفُ حَسَبَ اِخْتِلافِ مَراتِبِ النُّفُوسِ وتَفاوُتِ مَراتِبِ التَّوَجُّهاتِ إلى عامِّ التَّجَرُّدِ، وفِيهِ كَلامٌ طَوِيلٌ ولَعَلَّ النَّوْبَةَ تُفْضِي إلى تَحْقِيقِهِ، هَذا وتَطْبِيقُ ما في الآفاقِ عَلى

صفحة 193

ما في الأنْفُسِ ظاهِرٌ لِمَن أحاطَ خَبَرًا بِما قَدَّمْناهُ في الآياتِ الأُوَلِ، واَللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.

3:64Page 58

قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۭ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡـٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ ٦٤

Say, "O People of the Scripture, come to a word that is equitable between us and you - that we will not worship except Allāh and not associate anything with Him and not take one another as lords instead of Allāh."1 But if they turn away, then say, "Bear witness that we are Muslims [submitting to Him]."

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾ نَزَلَتْ في وفْدِ نَصارى نَجْرانَ، قالَهُ السُّدِّيُّ والحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ ومُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ والرَّبِيعِ وابْنِ جُرَيْجٍ: أنَّها نَزَلَتْ في يَهُودِ المَدِينَةِ، وذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ أنَّها نَزَلَتْ في الفَرِيقَيْنِ مِن أهْلِ الكِتابِ، واسْتَظْهَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِعُمُومِهِ ﴿تَعالَوْا﴾ أيْ هَلُمُّوا ﴿إلى كَلِمَةٍ﴾ أيْ كَلامٍ، كَما قالَ الزَّجّاجُ، وإطْلاقُها عَلى ذَلِكَ في كَلامِهِمْ مِن بابِ المَجازِ المُرْسَلِ، وعَلاقَتُهُ تَجُوزُ إطْلاقُها عَلى المُرَكَّبِ النّاقِصِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ بِالِاسْتِقْراءِ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ ولَيْسَ بِالبَعِيدِ وقُرِئَ (كِلْمَةً) بِكَسْرِ الكافِ وإسْكانِ اللّامِ عَلى التَّخْفِيفِ والنَّقْلِ ﴿سَواءٍ﴾ أيْ عَدْلٍ، قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ والرَّبِيعُ وقَتادَةُ، وقِيلَ: إنَّ سَواءً مَصْدَرٌ بِمَعْنى مُسْتَوِيَةٍ، أيْ لا يَخْتَلِفُ فِيها التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والقُرْآنُ، أوْ لا اِخْتِلافَ فِيها بِكُلِّ الشَّرائِعِ، وهو في قِراءَةِ الجُمْهُورِ مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِ (كَلِمَةٍ) وقُرِئَ بِنَصْبِهِ عَلى المَصْدَرِ.

﴿بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِسَواءٍ ﴿ألا نَعْبُدَ﴾ أيْ نَحْنُ وأنْتُمْ ﴿إلا اللَّهَ﴾ بِأنْ نُوَحِّدَهُ بِالعِبادَةِ ونُخْلِصَ فِيها، وفي مَوْضِعِ (أنْ) وما بَعْدَها وجْهانِ، كَما قالَ أبُو البَقاءِ، الأوَّلُ: الجَرُّ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن ﴿كَلِمَةٍ﴾، والثّانِي: الرَّفْعُ عَلى الخَبَرِيَّةِ لِمَحْذُوفٍ، أيْ هي أنْ لا نَعْبُدُ إلّا اللَّهَ، ولَوْلا عَمَلُ (أنْ) لَجازَ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً، وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ تَمَّ عَلى ﴿سَواءٍ﴾ ثُمَّ اُسْتُؤْنِفَ فَقِيلَ: ﴿بَيْنَنا وبَيْنَكم ألا نَعْبُدَ﴾، فالظَّرْفُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و(أنْ) وما بَعْدَها مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ ﴿ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ مِنَ الأشْياءِ عَلى مَعْنى لا نَجْعَلُ غَيْرَهُ شَرِيكًا لَهُ في اِسْتِحْقاقِ العِبادَةِ ولا نَراهُ أهْلًا لِأنْ يُعْبَدَ، وبِهَذا المَعْنى يَكُونُ الكَلامُ تَأْسِيسًا، والظّاهِرُ أنَّهُ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ إلّا أنَّ التَّأْسِيسَ أكْثَرُ فائِدَةً، وقِيلَ: المُرادُ لا نَشْرُكُ بِهِ شَيْئًا مِنَ الشِّرْكِ وهو بَعِيدٌ جِدًّا.

﴿ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ لا يُطِيعُ بَعْضُنا بَعْضًا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ اِبْنُ جُرَيْجٍ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ مِن حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ: «”أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ: ما كُنّا نَعْبُدُهم يا رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ ﷺ: أما كانُوا يُحَلِّلُونَ لَكم ويُحَرِّمُونَ فَتَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِمْ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هو ذاكَ“،» قِيلَ: وإلى هَذا أشارَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾، وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ هَذا الِاتِّخاذَ هو سُجُودُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وقِيلَ: هو مِثْلُ اِعْتِقادِ اليَهُودِ في عُزَيْرٍ أنَّهُ اِبْنُ اللَّهِ، واعْتِقادُ النَّصارى في المَسِيحِ نَحْوُ ذَلِكَ، وضَمِيرُ نا عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ لِلنّاسِ لا لِلْمُمْكِنِ وإنْ أمْكَنَ حَتّى يَشْمَلَ الأصْنامَ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ لَمْ يَعْبُدُوها.

وفِي التَّعْبِيرِ بِالبَعْضِ نُكْتَةٌ وهي الإشارَةُ إلى أنَّهم بَعْضٌ مِن جِنْسِنا فَكَيْفَ يَكُونُونَ أرْبابًا؟! فَإنْ قُلْتَ: إنَّ المُخاطَبِينَ لَمْ يَتَّخِذُوا البَعْضَ أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ بَلِ اِتَّخَذُوهم آلِهَةً مَعَهُ سُبْحانَهُ، أُجِيبَ: بِأنَّهُ أُرِيدَ مِن دُونِ اللَّهِ وحْدَهُ، أوْ يُقالُ: بِأنَّهُ أتى بِذَلِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الشِّرْكَ لا يُجامِعُ الِاعْتِرافَ بِرُبُوبِيَّتِهِ تَعالى عَقْلًا، قالَهُ بَعْضُهُمْ، ولِلنَّصارى -سَوَّدَ اللَّهُ تَعالى حَظَّهُمْ- الحَظُّ الأوْفَرُ مِن هَذِهِ المَنهِيّاتِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَيانُ فِرَقِهِمْ وتَفْصِيلُ كُفْرِهِمْ عَلى أتَمِّ وجْهٍ.

﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ [ 64 ] المُرادُ فَإنْ تَوَلَّوْا عَنْ مُوافَقَتِكم فِيما ذُكِرَ مِمّا اِتَّفَقَ عَلَيْهِ الكُتُبُ والرُّسُلُ بَعْدَ عَرْضِهِ عَلَيْهِمْ، فاعْلَمُوا أنَّهم لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ وإنَّما أبَوْا عِنادًا فَقُولُوا

صفحة 194

لَهُمْ: أنْصَفُوا واعْتَرِفُوا بِأنّا عَلى الدِّينِ الحَقِّ، وهو تَعْجِيزٌ لَهم أوْ هو تَعْرِيضٌ بِهِمْ، لِأنَّهم إذا شَهِدُوا بِالإسْلامِ لَهم فَكَأنَّهم قالُوا: إنّا لَسْنا كَذَلِكَ، وإلى هَذا ذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وقِيلَ: المُرادُ فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا: إنّا لا نَتَحاشى عَنِ الإسْلامِ ولا نُبالِي بِأحَدٍ في هَذا الأمْرِ فاشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ فَإنّا لا نُخْفِي إسْلامَنا كَما أنَّكم تَخافُونَ وتُخْفُونَ كُفْرَكم ولا تَعْتَرِفُونَ بِهِ لِعَدَمِ وُثُوقِكم بِنَصْرِ اللَّهِ تَعالى، ولا يَخْفى أنَّ هَذا عَلى ما فِيهِ إنَّما يَحْسُنُ لَوْ كانَ الكَلامُ في مُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ لَأنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الَّذِينَ يَخافُونَ فَيُخْفُونَ، وأمّا هَؤُلاءِ فَهم مُعْتَرِفُونَ بِما هم عَلَيْهِ كَيْفَ كانَ فَلا يَحْسُنُ هَذا الكَلامُ فِيهِمْ، و﴿تَوَلَّوْا﴾ هُنا ماضٍ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ تَتَوَلَّوْا لِفَسادِ المَعْنى لِأنَّ ﴿فَقُولُوا﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، (وتَتَوَلَّوْا) خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ، وعِنْدَ ذَلِكَ لا يَبْقى في الكَلامِ جَوابٌ.

3:65Page 58

يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّوۡرَىٰةُ وَٱلۡإِنجِيلُ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِهِۦٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٦٥

O People of the Scripture, why do you argue about Abraham while the Torah and the Gospel were not revealed until after him? Then will you not reason?

﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ خِطابٌ لِلْيَهُودِ والنَّصارى ﴿لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ﴾ أيْ تُنازِعُونَ وتُجادِلُونَ فِيهِ ويَدَّعِي كُلٌّ مِنكم أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَلى دِينِهِ، أخْرَجَ اِبْنُ إسْحَقَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: ««اِجْتَمَعَتْ نَصارى نَجْرانَ وأحْبارُ يَهُودَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَنازَعُوا عِنْدَهُ، فَقالَتِ الأحْبارُ: ما كانَ إبْراهِيمُ إلّا يَهُودِيًّا، وقالَتِ النَّصارى: ما كانَ إبْراهِيمُ إلّا نَصْرانِيًّا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ»،» والظَّرْفُ الأوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ وكَذا الثّانِي، وما اِسْتِفْهامِيَّةٌ، والغَرَضُ الإنْكارُ والتَّعَجُّبُ عِنْدَ السَّمِينِ، وحُذِفَتْ ألِفُها لَمّا دَخَلَ الجارُّ لِلْفَرْقِ بَيْنَها وبَيْنَ المَوْصُولَةِ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ دِينِ إبْراهِيمَ أوْ شَرِيعَتِهِ لِأنَّ الذَّواتَ لا مُجادَلَةَ فِيها ﴿وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ﴾ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿والإنْجِيلُ﴾ عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إلا مِن بَعْدِهِ﴾ حَيْثُ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ خَمْسُمِائَةٍ وخَمْسٌ وسِتُّونَ سَنَةً، وقِيلَ: سَبْعُمِائَةٍ، وقِيلَ: ألْفُ سَنَةٍ، وبَيْنَ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ ألْفٌ وتِسْعُمِائَةٍ وخَمْسٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، وقِيلَ: ألْفا سَنَةٍ، وهُناكَ أقْوالٌ أُخَرُ.

﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [ 65 ] الهَمْزَةُ داخِلَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ هو المَعْطُوفُ عَلَيْهِ بِالعاطِفِ المَذْكُورِ عَلى رَأْيٍ، أيْ ألا تَتَفَكَّرُونَ فَلا تَعْقِلُونَ بُطْلانَ قَوْلِكم أوْ أتَقُولُونَ ذَلِكَ فَلا تَعْقِلُونَ بُطْلانَهُ، وهَذا تَجْهِيلٌ لَهم في تِلْكَ الدَّعْوى وتَحْمِيقٌ، وهو ظاهِرٌ إنْ كانُوا قَدِ اِدَّعَوْا كَما قالَ الشِّهابُ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهم حَقِيقَةٌ، وإنْ كانَ مُدَعّاهم أنَّ دِينَ إبْراهِيمَ يُوافِقُ دِينَ مُوسى أوْ دِينَ عِيسى فَهو يَهُودِيٌّ أوْ نَصْرانِيٌّ بِهَذا المَعْنى، فَتَجْهِيلُهم ونَفْيُ العَقْلِ عَنْهم بِنُزُولِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ بَعْدَهُ مُشْكِلٌ إلّا أنْ يُدَعّى بِأنَّ المُرادَ أنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَما أُوتِيَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ التَّوْراةَ، ولا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ الإنْجِيلَ بَلْ كانا يَؤْمُرانِ بِتَبْلِيغِ صُحُفِ إبْراهِيمَ، كَذا قِيلَ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا لا يُشْفِي الغَلِيلَ إذْ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: أيُّ مانِعٍ مِنَ اِتِّحادِ الشَّرِيعَةِ مَعَ إنْزالِ هَذَيْنَ الكِتابَيْنِ لِغَرَضٍ آخَرَ غَيْرَ بَيانِ شَرِيعَةٍ جَدِيدَةٍ عَلى أنَّ الصُّحُفَ لَمْ تَكُنْ مُشْتَمِلَةً عَلى الأحْكامِ بَلْ كانَتْ أمْثالًا ومَواعِظَ كَما جاءَ في الحَدِيثِ، ثُمَّ ما قالَهُ الشِّهابُ، وإنْ كانَ وجْهُ التَّجْهِيلِ عَلَيْهِ ظاهِرًا، إلّا أنَّ صُدُورَ تِلْكَ الدَّعْوى مِن أهْلِ الكِتابِ في غايَةِ البُعْدِ لِأنَّ القَوْمَ لَمْ يَكُونُوا بِهَذِهِ المَثابَةِ مِنَ الجَهالَةِ، وفِيهِمْ أحْبارُ اليَهُودِ ووَفْدُ نَجْرانَ، وقَدْ ذُكِرَ أنَّ الأخِيرَيْنِ كانَتْ لَهم شِدَّةٌ في البَحْثِ، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَرَثِ الزُّبَيْدِيِّ أنَّهُ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «”لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَ أهْلِ نَجْرانَ حِجابًا فَلا أراهم ولا يَرَوْنِي“،» مِن شِدَّةِ ما كانُوا يُمارُونَ النَّبِيَّ ﷺ اللَّهُمَّ

صفحة 195

إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أعْمى بَصائِرَهم في هَذِهِ الدَّعْوى لِيَكُونُوا ضِحْكَةً لِأطْفالِ المُؤْمِنِينَ، أوْ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ والعِنادِ لِيَغِيظَ كُلٌّ مِنهم صاحِبَهُ؛ أوْ لِيُوهِمُوا بَعْضَ المُؤْمِنِينَ ظَنًّا مِنهم أنَّهم لِكَوْنِهِمْ أُمِّيِّينَ غَيْرَ مُطَّلِعِينَ عَلى تَوارِيخِ الأنْبِياءِ السّالِفِينَ يُزَلْزِلُهم مِثْلَ ذَلِكَ فَفَضَحَهُمُ اللَّهُ تَعالى، أوْ أنَّ القَوْمَ في حَدِّ ذاتِهِمْ جَهَلَةٌ لا يَعْلَمُونَ وإنْ كانُوا أهْلَ كِتابٍ، وما ذَكَرَهُ اِبْنُ الحَرْثِ لا يَدُلُّ عَلى عِلْمِهِمْ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: إنَّ مُرادَ اليَهُودِ بِقَوْلِهِمْ: إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَهُودِيًّا أنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ بَعْثَتِهِ عَلى حَدِّ ما يَقُولُهُ المُسْلِمُونَ في سائِرِ المُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ بِنَبِيِّنا ﷺ قَبْلَ بَعْثَتِهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَبْشِيرُهم بِهِ، وأنَّ مُرادَ النَّصارى بِقَوْلِهِمْ: إنَّ إبْراهِيمَ كانَ نَصْرانِيًّا نَحْوُ ذَلِكَ فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلا مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ ومِن شَأْنِ المُتَأخِّرِ أنَّ يَشْتَمِلَ عَلى أخْبارِ المُتَقَدِّمِ لا سِيَّما مِثْلُ هَذا الأمْرِ المُهِمِّ والمَفْخَرِ العَظِيمِ والمِنَّةِ الكُبْرى، أفَلا تَعْقِلُونَ ما فِيهِما لِتَعْلَمُوا خُلُوَّهُما عَنِ الإخْبارِ بِيَهُودِيَّتِهِ ونَصْرانِيَّتِهِ اللَّتَيْنِ زَعَمْتُمُوهُما، ثُمَّ نَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى حَماقَتِهِمْ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا:

3:66Page 58

هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ حَٰجَجۡتُمۡ فِيمَا لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٦٦

Here you are - those who have argued about that of which you have [some] knowledge, but why do you argue about that of which you have no knowledge? And Allāh knows, while you know not.

﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ أيْ: أنْتُمْ هَؤُلاءِ الحَمْقى ﴿حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ كَأمْرِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ ﴿فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ وهو أمْرُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ لا ذِكْرَ لِدِينِهِ في كِتابِكُمْ، أوْ لا تَعَرُّضَ لِكَوْنِهِ آمَنَ بِمُوسى وعِيسى قَبْلَ بَعْثَتَيْهِما أصْلًا، ولَيْسَ المُرادُ وصْفَهم بِالعِلْمِ حَقِيقَةً وإنَّما المُرادُ هَبْ أنَّكم تُحاجُّونَ فِيما تَدَّعُونَ عِلْمَهُ عَلى ما يَلُوحُ لَكم مِن خِلالِ عِباراتِ كِتابِكم وإشاراتِهِ في زَعْمِكم فَكَيْفَ تُحاجُّونَ فِيما لا عِلْمَ لَكم بِهِ ولا ذِكْرَ ولا رَمْزَ لَهُ في كِتابِكُمُ البَتَّةَ؟! و(ها) حَرْفُ تَنْبِيهٍ، واطَّرَدَ دُخُولُها عَلى المُبْتَدَأِ إذا كانَ خَبَرُهُ اِسْمَ إشارَةٍ، نَحْوَ ها أنا ذا وكُرِّرَتْ هُنا لِلتَّأْكِيدِ، وذَهَبَ الأخْفَشُ أنَّ الأصْلَ أأنْتُمْ عَلى الِاسْتِفْهامِ فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ هاءً، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ عِنْدَهُ التَّعَجُّبُ مِن جَهالَتِهِمْ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لا يَحْسُنُ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ إبْدالُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ هاءً في كَلامِهِمْ إلّا في بَيْتٍ نادِرٍ، ثُمَّ الفَصْلُ بَيْنَ الهاءِ المُبْدَلَةِ وهَمْزَةِ (أنْتُمْ) لا يُناسِبُ، لِأنَّهُ إنَّما يُفْصَلُ لِاسْتِثْقالِ اِجْتِماعِ الهَمْزَتَيْنِ، وهُنا قَدْ زالَ الِاسْتِثْقالُ بِإبْدالِ الأُولى هاءً، والإشارَةُ لِلتَّحْقِيرِ والتَّنْقِيصِ، ومِنها فُهِمَ الوَصْفُ الَّذِي يَظْهَرُ بِهِ فائِدَةُ الحَمْلِ، وجُمْلَةُ ﴿حاجَجْتُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْأُولى، وقِيلَ: إنَّها حالِيَّةٌ بِدَلِيلِ أنَّهُ يَقَعُ الحالُ مَوْقِعَها كَثِيرًا نَحْوَ ها أنا ذا قائِمًا وهَذِهِ الحالُ لازِمَةً؛ وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ خَبَرٌ عَنْ (أنْتُمْ) و﴿هَؤُلاءِ﴾ مُنادًى حُذِفَ مِنهُ حَرْفُ النِّداءِ، وقِيلَ: ﴿هَؤُلاءِ﴾ بِمَعْنى الَّذِينَ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، وجُمْلَةُ ﴿حاجَجْتُمْ﴾ صِلَةٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الكُوفِيُّونَ، وقُرّاؤُهم يَقْرَءُونَ ﴿ها أنْتُمْ﴾ بِالمَدِّ والهَمْزِ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأبُو عَمْرٍو بِغَيْرِ هَمْزٍ ولا مَدٍّ إلّا بِقَدْرِ خُرُوجِ الألِفِ السّاكِنِ، وقَرَأ اِبْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ بِالهَمْزِ والقَصْرِ بِغَيْرِ مَدٍّ، وقَرَأ اِبْنُ عامِرٍ بِالمَدِّ دُونَ الهَمْزِ.

﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ حالَ إبْراهِيمَ وما كانَ عَلَيْهِ ﴿وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [ 66 ] ذَلِكَ، ولَكَ أنْ تَعْتَبِرَ المَفْعُولَ عامًّا، ويَدْخُلَ المَذْكُورُ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِنَفِيِ العِلْمِ عَنْهم في شَأْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ صَرَّحَ بِما نَطَقَ بِهِ البُرْهانُ المُقَرَّرُ فَقالَ سُبْحانَهُ:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском