Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:67–72
3:67Page 58
مَا كَانَ إِبۡرَٰهِيمُ يَهُودِيّٗا وَلَا نَصۡرَانِيّٗا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفٗا مُّسۡلِمٗا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٦٧
Abraham was neither a Jew nor a Christian, but he was one inclining toward truth, a Muslim [submitting to Allāh]. And he was not of the polytheists.1
﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا﴾ كَما قالَتِ اليَهُودُ ﴿ولا نَصْرانِيًّا﴾ كَما قالَتِ النَّصارى ﴿ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا﴾ أيْ مائِلًا عَنِ العَقائِدِ الزّائِغَةِ ﴿مُسْلِمًا﴾ أيْ مُنْقادًا لِطاعَةِ الحَقِّ، أوْ مُوَحِّدًا، لِأنَّ الإسْلامَ يَرِدُ بِمَعْنى التَّوْحِيدِ أيْضًا؛ قِيلَ: ويَنْصُرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [ 67 ] أيْ عَبَدَةِ الأصْنامِ كالعَرَبِ الَّذِي كانُوا يَدَّعُونَ
صفحة 196
أنَّهم عَلى دِينِهِ، أوْ سائِرِ المُشْرِكِينَ لِيَعُمَّ أيْضًا عَبَدَةَ النّارِ كالمَجُوسِ، وعَبَدَةَ الكَواكِبِ كالصّابِئَةِ، وقِيلَ: أرادَ بِهِمُ اليَهُودَ والنَّصارى لِقَوْلِ اليَهُودِ: عُزَيْرٌ اِبْنُ اللَّهِ، وقَوْلِ النَّصارى: المَسِيحُ اِبْنُ اللَّهِ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وأصِلُ الكَلامِ وما كانَ مِنكُمْ، إلّا أنَّهُ وضَعَ المُظْهَرَ مَوْضِعَ المُضْمِرِ لِلتَّعْرِيضِ بِأنَّهم مُشْرِكُونَ، والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَها، وتَفْسِيرُ الإسْلامِ بِما ذُكِرَ هو ما اِخْتارَهُ جَمْعٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ وادَّعَوْا أنَّهُ لا يَصِحُّ تَفْسِيرُهُ هُنا بِالدِّينِ المُحَمَّدِيِّ لِأنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ كانَ بَعْدَهُ بِكَثِيرٍ فَكَيْفَ يَكُونُ مُسْلِمًا؟ فَيَكُونُ كادِّعائِهِمْ تَهَوُّدَهُ وتَنَصُّرَهُ المَرْدُودِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلا مِن بَعْدِهِ﴾ فَيَرِدُ عَلَيْهِ ما ورَدَ عَلَيْهِمْ، ويَشْتَرِكُ الإلْزامُ بَيْنَهُما، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِذَلِكَ، وأجابَ عَنِ اِشْتِراكِ الإلْزامِ بِأنَّ القُرْآنَ أخْبَرَ بِأنَّ إبْراهِيمَ كانَ مُسْلِمًا ولَيْسَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا فَظَهَرَ الفَرْقُ.
قالَ العَلّامَةُ النَّيْسابُورِيُّ: فَإنْ قِيلَ: قَوْلُكُمْ: إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى دِينِ الإسْلامِ إنْ أرَدْتُمْ بِهِ المُوافَقَةَ في الأُصُولِ فَلَيْسَ هَذا مُخْتَصًّا بِدِينِ الإسْلامِ، وإنْ أرَدْتُمْ في الفُرُوعِ لَزِمَ أنْ لا يَكُونَ نَبِيُّنا ﷺ صاحِبَ شَرِيعَةٍ بَلْ مُقَرِّرًا لِشَرْعِ مَن قَبْلَهُ، قِيلَ: يُخْتارُ الأوَّلُ، والِاخْتِصاصُ ثابِتٌ لِأنَّ اليَهُودَ والنَّصارى مُخالِفُونَ لِلْأُصُولِ في زَمانِنا لِقَوْلِهِمْ بِالتَّثْلِيثِ وإشْراكِ عُزَيْرٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، أوِ الثّانِي، ولا يَلْزَمُ ما ذُكِرَ لِجَوازِ أنَّهُ تَعالى نَسَخَ تِلْكَ الفُرُوعَ بِشَرْعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ نَسَخَ نَبِيُّنا ﷺ شَرْعَ مُوسى بِشَرِيعَتِهِ الَّتِي هي مُوافِقَةٌ لِشَرِيعَةِ إبْراهِيمَ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صاحِبَ شَرِيعَةٍ مَعَ مُوافَقَةِ شَرْعِهِ شَرْعَ إبْراهِيمَ في مُعْظَمِ الفُرُوعِ، اِنْتَهى.
ولا يَخْفى ما في الجَوابِ عَلى الِاخْتِيارِ الثّانِي مِن مَزِيدِ البُعْدِ بَلْ عَدَمِ الصِّحَّةِ، لِأنَّ نَسْخَ شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ بِشَرِيعَةِ مُوسى، ثُمَّ نَسْخَ شَرِيعَةِ مُوسى بِشَرِيعَةِ نَبِيِّنا عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُوافِقَةِ لِشَرِيعَةِ إبْراهِيمَ لا يَجْعَلُ نَبِيُّنا صاحِبَ شَرِيعَةٍ جَدِيدَةٍ، بَلْ يُقالُ لَهُ أيْضًا: إنَّهُ مُقَرِّرٌ لِشَرْعِ مَن قَبْلَهُ وهو إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأيْضًا مُوافَقَةُ جَمِيعِ فُرُوعِ شَرِيعَتِنا لِجَمِيعِ فُرُوعِ شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ مِمّا لا يُمْكِنُ بِوَجْهٍ أصْلًا إذْ مِن جُمْلَةِ فُرُوعِ شَرِيعَتِنا فَرْضِيَّةُ قِراءَةِ القُرْآنِ في الصَّلاةِ، ولَمْ يَنْزِلْ عَلى غَيْرِ نَبِيِّنا ﷺ بِالبَدِيهَةِ، ونَحْوُ ذَلِكَ كَثِيرٌ.
ومُوافَقَةُ المُعْظَمِ في حَيِّزِ المَنعِ ودُونَ إثْباتِها الشَّمُّ الرّاسِياتُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ لَيْسَ بِالدَّلِيلِ عَلى المُوافَقَةِ في الفُرُوعِ إذِ المِلَّةُ فِيهِ عِبارَةٌ عَنِ التَّوْحِيدِ أوْ عَنْهُ وعَنِ الأخْلاقِ كالهُدى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ .
واعْتَرَضَ الشِّهابُ عَلى الجَوابِ عَلى الِاخْتِيارِ الأوَّلِ بِالبُعْدِ كاعْتِراضِهِ عَلى الجَوابِ عَلى الِاخْتِيارِ الثّانِي بِمُجَرَّدِهِ أيْضًا، وذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ عُدُولِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ عَمّا يَقْتَضِيهِ كَلامُ هَذا العَلّامَةِ مِن أنَّ المُرادَ بِكَوْنِ إبْراهِيمَ مُسْلِمًا أنَّهُ عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ إلى أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ أنَّهُ مُنْقادٌ بِحَمْلِ الإسْلامِ عَلى المَعْنى اللُّغَوِيِّ، وادَّعى أنَّهُ سالِمٌ مِنَ القَدْحِ، ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّ أخْذَ الإسْلامِ لُغَوِيًّا لا يُناسِبُ بَحْثَ الأدْيانِ والكَلامَ فِيهِ، فَلا يَخْلُو هَذا الوَجْهُ عَنْ بُعْدٍ، ولَعَلَّهُ لا يُقَصِّرُ عَمّا اِدَّعاهُ مِن بُعْدِ الجَوابِ الأوَّلِ كَما لا يَخْفى عَلى صاحِبِ الذَّوْقِ السَّلِيمِ.
هَذا وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ، ولَعَلَّهُ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ وهو أنَّ أهْلَ الكِتابِ لَمّا تَنازَعُوا فَقالَتِ اليَهُودُ إبْراهِيمُ مِنّا، وقالَتِ النَّصارى إنَّهُ مِنّا أرادَتْ كُلُّ طائِفَةٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ إذْ ذاكَ عَلى ما هو عَلَيْهِ الآنَ مِنَ الحالِ وهو حالٌ مُخالِفٌ لِما عَلَيْهِ نَبِيُّهم في نَفْسِ الأمْرِ مُوافِقٌ لَهُ زَعْمًا عَلى مَعْنى مُوافَقَةِ الأُصُولِ لِلْأُصُولِ،
صفحة 197
أوِ المُوافَقَةُ فِيما يُعَدُّ في العُرْفِ مُوافَقَةً ولَوْ لَمْ تَكُنْ في المُعْظَمِ ولَيْسَتْ هَذِهِ الدَّعْوى مِنَ البُطْلانِ بِحَيْثُ لا تَخْفى عَلى أحَدٍ فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلا مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ، ولَيْسا مُشْتَمِلَيْنِ عَلى ذَلِكَ، وهو مِنَ الحَرِيِّ بِالذِّكْرِ لَوْ كانَ، ثُمَّ أشارَ سُبْحانَهُ إلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الحَماقَةِ عَلى وجْهٍ أتَمَّ، ثُمَّ صَرَّحَ سُبْحانَهُ بِما أشارَ أوَّلًا فَقالَ: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا﴾ أيْ مِنَ الطّائِفَةِ اليَهُودِيَّةِ المُخالِفَةِ لِما جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في نَفْسِ الأمْرِ ﴿ولا نَصْرانِيًّا﴾ أيْ مِنَ الطّائِفَةِ النَّصْرانِيَّةِ المُخالِفَةِ لِما جاءَ بِهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَذَلِكَ ﴿ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ أيْ عَلى دِينِ الإسْلامِ الَّذِي لَيْسَ عِنْدَ اللَّهِ دِينٌ مَرْضِيٌّ سِواهُ، وهو دِينُ جَمِيعِ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ أُولَئِكَ اليَهُودَ والنَّصارى لَيْسُوا مِنَ الدِّينِ في شَيْءٍ لِمُخالَفَتِهِمْ في نَفْسِ الأمْرِ لِما عَلَيْهِ النَّبِيّانِ بَلِ الأنْبِياءُ، ثُمَّ أشارَ إلى سَبَبِ ذَلِكَ بِما عَرَّضَ بِهِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾، فَعَلى هَذا يَكُونُ المُسْلِمُ -كَما قالَ الجَصّاصُ وأشَرْنا إلَيْهِ فِيما مَرَّ مِرارًا- المُؤْمِنَ ولَوْ مِن غَيْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ خِلافًا لِلسُّيُوطِيِّ في زَعْمِهِ أنَّ الإسْلامَ مَخْصُوصٌ بِهَذِهِ الأُمَّةِ هَذا ما عِنْدِي في هَذا المَقامِ، فَتَدَبَّرْ، فَلِمَسْلَكِ الذِّهْنِ اِتِّساعٌ.
3:68Page 58
إِنَّ أَوۡلَى ٱلنَّاسِ بِإِبۡرَٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۗ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٦٨
Indeed, the most worthy of Abraham among the people are those who followed him [in submission to Allāh] and this prophet [i.e., Muḥammad (ﷺ)] and those who believe [in his message]. And Allāh is the Ally1 of the believers.
﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ﴾ أوْلى أفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِن ولِيَهُ يَلِيهِ ولْيًا، وألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ ياءٍ لِأنَّ فاءَهُ واوٌ، فَلا تَكُونُ لامُهُ واوًا، إذْ لَيْسَ في الكَلامِ ما فاؤُهُ ولامُهُ واوانِ إلّا واوٌ، وأصْلُ مَعْناهُ أقْرَبُ، ومِنهُ ما في الحَدِيثِ: «”لِأوْلى رَجُلٍ ذَكَرٍ“،» ويَكُونُ بِمَعْنى أحَقَّ كَما تَقُولُ: العالِمُ أوْلى بِالتَّقْدِيمِ، وهو المُرادُ هُنا، أيْ أقْرَبَ النّاسِ وأخَصَّهم بِإبْراهِيمَ ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ أيْ كانُوا عَلى شَرِيعَتِهِ في زَمانِهِ، أوِ اِتَّبَعُوهُ مُطْلَقًا، فالعَطْفُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وهَذا النَّبِيُّ﴾ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى المَوْصُولِ قَبْلَهُ الَّذِي هو خَبَرُ (إنَّ)، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ المَفْعُولِ، والتَّقْدِيرُ لَلَّذِينِ اِتَّبَعُوا إبْراهِيمَ واتَّبَعُوا هَذا النَّبِيَّ، وقُرِئَ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى إبْراهِيمَ أيْ إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ، وهَذا النَّبِيُّ لِلَّذِينِ اِتَّبَعُوهُ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ كانَ يَنْبَغِي أنْ يُثَنّى ضَمِيرُ ﴿اتَّبَعُوهُ﴾ ويُقالُ اِتَّبَعُوهُما، وأُجِيبَ بِأنَّهُ مِن بابِ ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ إلّا أنَّ فِيهِ عَلى ما قِيلَ الفَصْلُ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِأجْنَبِيٍّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ إنْ كانَ عَطْفًا عَلى الَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ يَكُونُ فِيهِ ذَلِكَ أيْضًا، وإنْ كانَ عَطْفًا عَلى هَذا النَّبِيِّ فَلا فائِدَةَ فِيهِ إلّا أنْ يُدَّعى أنَّها لِلتَّنْوِيهِ بِذِكْرِهِمْ، وأمّا اِلْتِزامُ أنَّهُ مِن عَطْفِ الصِّفاتِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ حِينَئِذٍ فَهو كَما تَرى، ثُمَّ إنَّ كَوْنَ المُتَّبِعِينَ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في زَمانِهِ أوْلى النّاسِ بِهِ ظاهِرٌ، وكَوْنَ نَبِيِّنا ﷺ أوْلاهم بِهِ لِمُوافَقَةِ شَرِيعَتِهِ لِلشَّرِيعَةِ الإبْراهِيمِيَّةِ أكْثَرُ مِن مُوافَقَةِ شَرائِعِ سائِرِ المُرْسَلِينَ لَها، وكَوْنَ المُؤْمِنِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ كَذَلِكَ لِتَبَعِيَّتِهِمْ نَبِيَّهم فِيما جاءَ بِهِ ومِنهُ المُوافِقُ.
﴿واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾ [ 68 ] يَنْصُرُهم ويُجازِيهِمْ بِالحُسْنى كَما هو شَأْنُ الوَلِيِّ، ولَمْ يَقُلْ ولِيُّهم تَنْبِيهًا عَلى الوَصْفِ الَّذِي يَكُونُ اللَّهُ تَعالى بِهِ ولِيًّا لِعِبادِهِ وهو الإيمانُ بِناءً عَلى أنَّ التَّعْلِيقَ بِالمُشْتَقِّ يَقْتَضِي عَلَيْهِ مَبْدَأ الِاشْتِقاقِ، ومِن ذَلِكَ يُعْلَمُ ثُبُوتُ الحُكْمِ لِلنَّبِيِّ بِدَلالَةِ النَّصِّ، قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، «قالَ رُؤَساءُ اليَهُودِ: واَللَّهِ يا مُحَمَّدُ لَقَدْ عَلِمْتُ أنا أوْلى بِدِينِ إبْراهِيمَ مِنكَ ومِن غَيْرِكَ وأنَّهُ كانَ يَهُودِيًّا وما بِكَ إلّا الحَسَدُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى
صفحة 198
هَذِهِ الآيَةَ،» وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِن طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قالَ: ”حَدَّثَنِي اِبْنُ غَنْمٍ «أنَّهُ لَمّا خَرَجَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ إلى النَّجاشِيِّ أدْرَكَهم عَمْرُو بْنُ العاصِ وعِمارَةُ بْنُ أبِي مَعِيطٍ فَأرادُوا عُنَّتَهم والبَغْيَ عَلَيْهِمْ فَقَدِمُوا عَلى النَّجاشِيِّ وأخْبَرُوهُ أنَّ هَؤُلاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَيْكَ مِن أهْلِ مَكَّةَ يُرِيدُونَ أنْ يَخْبِلُوا عَلَيْكَ مُلْكَكَ ويُفْسِدُوا عَلَيْكَ أرْضَكَ ويَشْتُمُوا رَبَّكَ، فَأرْسَلَ إلَيْهِمُ النَّجاشِيُّ فَلَمّا أنْ أتَوْهُ قالَ: ألا تَسْمَعُونَ ما يَقُولُ صاحِباكم هَذانِ لِعَمْرِو بْنِ العاصِ وعِمارَةَ بْنِ أبِي مَعِيطٍ يَزْعُمانِ أنَما جِئْتُمْ لِتَخْبِلُوا عَلَيَّ مُلْكِي وتُفْسِدُوا عَلَيَّ أرْضِي، فَقالَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ وحَمْزَةُ: إنْ شِئْتُمْ خَلُّوا بَيْنَ أحَدِنا وبَيْنَ النَّجاشِيِّ فَلْيُكَلِّمْهُ أيُّنا أحْدَثُكم سِنًّا، فَإنْ كانَ صَوابًا فاَللَّهُ يَأْتِي بِهِ، وإنْ كانَ أمْرًا غَيْرَ ذَلِكَ قُلْتُمْ رَجُلٌ شابٌّ لَكم في ذَلِكَ عُذْرٌ، فَجَمَعَ النَّجاشِيُّ قِسِّيسِيهِ ورَهْبانِيَّتَهُ وتَراجِمَتَهُ ثُمَّ سَألَهم أرَأيْتُكم صاحِبَكم هَذا الَّذِي مِن عِنْدِهِ جِئْتُمْ ما يَقُولُ لَكم وما يَأْمُرُكم بِهِ وما يَنْهاكم عَنْهُ هَلْ لَهُ كِتابٌ يَقْرَؤُهُ؟ قالُوا: نَعَمْ، هَذا الرَّجُلُ يَقْرَأُ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وما قَدْ سَمِعَ مِنهُ ويَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ويَأْمُرُ بِحُسْنِ المُجاوَرَةِ، ويَأْمُرُ بِاليَتِيمِ، ويَأْمُرُ بِأنْ يُعْبَدَ اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ ولا يُعْبَدُ مَعَهُ إلَهٌ آخَرُ، فَقَرَأ عَلَيْهِ سُورَةُ الرُّومِ والعَنْكَبُوتِ وأصْحابِ الكَهْفِ ومَرْيَمَ، فَلَمّا أنْ ذَكَرَ عِيسى في القُرْآنِ أرادَ عَمْرٌو أنْ يُغْضِبَهُ عَلَيْهِمْ، قالَ: واَللَّهِ إنَّهم يَشْتُمُونَ عِيسى ويَسُبُّونَهُ، قالَ النَّجاشِيُّ: ما يَقُولُ صاحِبُكم في عِيسى، قالَ يَقُولُ: إنَّ عِيسى عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ورُوحُهُ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ، فَأخَذَ النَّجاشِيُّ نَفْثَةً مِن سِواكِهِ قَدْرَ ما يَقْذى العَيْنُ فَحَلَفَ ما زادَ المَسِيحُ عَلى ما يَقُولُ صاحِبُكم بِما يَزِنُ ذَلِكَ القَذى في يَدِهِ مِن نَفْثَةِ سِواكِهِ فَأبْشِرُوا ولا تَخافُوا فَلا (دهونة) يَعْنِي بِلِسانِ الحَبَشَةِ اللَّوْمَ عَلى حِزْبِ إبْراهِيمَ، قالَ عَمْرُو بْنُ العاصِ: ما حِزْبُ إبْراهِيمَ؟ قالَ: هَؤُلاءِ الرَّهْطُ وصاحِبُهُمُ الَّذِي جاءُوا مِن عِنْدِهِ ومَنِ اِتَّبَعَهُمْ، فَأُنْزِلَتْ ذَلِكَ اليَوْمَ في خُصُومَتِهِمْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو بِالمَدِينَةِ ﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ﴾ الآيَةَ“».
3:69Page 58
وَدَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يُضِلُّونَكُمۡ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ٦٩
A faction of the People of the Scripture wish they could mislead you. But they do not mislead except themselves, and they perceive [it] not.
﴿ودَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ المَشْهُورُ أنَّها نَزَلَتْ حِينَ دَعا اليَهُودُ حُذَيْفَةَ وعَمّارًا ومُعاذًا إلى اليَهُودِيَّةِ، فالمُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ ما يَشْمَلُ الفَرِيقَيْنِ، والآيَةُ بَيانٌ لِكَوْنِهِمْ دُعاةً إلى الضَّلالَةِ إثْرَ بَيانِ أنَّهم ضالُّونَ، وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنْ سُفْيانَ أنَّهُ قالَ: ”كُلُّ شَيْءٍ في آلِ عِمْرانَ مِن ذِكْرِ أهْلِ الكِتابِ فَهو في النَّصارى“، ولَعَلَّهُ جارٍ مَجْرى الغالِبِ، و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ، والطّائِفَةُ رُؤَساؤُهم وأحْبارُهُمْ، وقِيلَ: لِبَيانِ الجِنْسِ، والطّائِفَةُ جَمِيعُ أهْلِ الكِتابِ وفِيهِ بُعْدٌ، و(لَوْ) بِمَعْنى أنِ المَصْدَرِيَّةَ، والمُنْسَبِكُ مَفْعُولُ وُدَّ وجُوِّزَ إقْرارُها عَلى وضْعِها، ومَفْعُولُ ودَّ مَحْذُوفٌ، وكَذا جَوابُ (لَوْ)، والتَّقْدِيرُ: ودَّتْ إضْلالَكم لَوْ يُضِلُّونَكم لَسُرُّوا بِذَلِكَ، ومَعْنى ﴿يُضِلُّونَكُمْ﴾ يَرُدُّونَكم إلى كُفْرِكُمْ، قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ أوْ يُهْلِكُونَكُمْ، قالَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، أوْ يُوقِعُونَكم في الضَّلالِ ويُلْقُونَ إلَيْكم ما يُشَكِّكُونَكم بِهِ في دِينِكُمْ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ وهو قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ.
﴿وما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهُمْ﴾ الواوُ لِلْحالِ، والمَعْنى عَلى تَقْدِيرِ إرادَةِ الإهْلاكِ مِنَ الإضْلالِ أنَّهم ما يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم لِاسْتِحْقاقِهِمْ بِإيثارِهِمْ إهْلاكَ المُؤْمِنِينَ سَخَطَ اللَّهِ تَعالى وغَضَبَهُ، وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الإهْلاكِ الإيقاعَ في الضَّلالِ فَيَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ لِأنَّ القَوْمَ ضالُّونَ فَيُؤَدِّي إلى جَعْلِ الضّالِّ ضالًّا، فَيُقالُ: إنَّ المُرادَ مِنَ الإضْلالِ ما يَعُودُ مِن وبالِهِ إمّا عَلى سَبِيلِ المَجازِ المُرْسَلِ أوِ الِاسْتِعارَةِ، أيْ ما يَتَخَطّاهُمُ الإضْلالُ ولا يَعُودُ وبالُهُ إلّا إلَيْهِمْ لِما أنَّهم يُضاعَفُ بِهِ عَذابُهُمْ، أوِ المُرادُ بِأنْفُسِهِمْ أمْثالُهُمُ المُجانِسُونَ لَهُمْ، وفِيهِ عَلى ما قِيلَ: الإخْبارُ بِالغَيْبِ فَهو اِسْتِعارَةٌ أوْ تَشْبِيهٌ بِتَقْدِيرِ أمْثالِ أنْفُسِهِمْ، إذْ لَمْ يَتَهَوَّدْ مُسْلِمٌ، ولِلَّهِ تَعالى الحَمْدُ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى
صفحة 199
إضْلالِهِمْ أنْفُسَهم إصْرارُهم عَلى الضَّلالِ بِما سَوَّلَتْ لَهم أنْفُسُهم مَعَ تَمَكُّنِهِمْ مِنَ اِتِّباعِ الهُدى بِإيضاحِ الحُجَجِ، ولا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ.
﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ [ 69 ] أيْ، وما يَفْطَنُونَ بِكَوْنِ الإضْلالِ مُخْتَصًّا بِهِمْ لِما اِعْتَرى قُلُوبَهم مِنَ الغِشاوَةِ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، وقِيلَ: وما يَشْعُرُونَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُعْلِمُ المُؤْمِنِينَ بِضَلالِهِمْ وإضْلالِهِمْ، وفي نَفْيِ الشُّعُورِ عَنْهم مُبالَغَةٌ في ذَمِّهِمْ.
3:70Page 58
يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ ٧٠
O People of the Scripture, why do you disbelieve in the verses of Allāh1 while you witness [to their truth]?
﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [ 70 ] أيْ لِمَ تَكْفُرُونَ بِما يُتْلى عَلَيْكم مِن آياتِ القُرْآنِ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّتِها ووُجُوبِ الإقْرارِ بِها مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وقِيلَ: المُرادُ: لِمَ تَكْفُرُونَ بِما في كُتُبِكم مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّتِهِ ﷺ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ الحُجَجَ الدّالَّةَ عَلى ذَلِكَ، أوْ: لِمَ تَكْفُرُونَ بِما في كُتُبِكم مِن أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ وأنْتُمْ تُشاهِدُونَ ذَلِكَ، أوْ: لِمَ تَكْفُرُونَ بِالحُجَجِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّتِهِ ﷺ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ أنَّ ظُهُورَ المُعْجِزَةِ يَدُلُّ عَلى صِدْقِ مُدَّعِي الرِّسالَةِ أوْ أنْتُمْ تَشْهَدُونَ إذا خَلَوْتُمْ بِصِحَّةِ دِينِ الإسْلامِ، أوْ: لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ جَمِيعًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ حَقِّيَّتَها بِلا شُبْهَةٍ بِمَنزِلَةِ عِلْمِ المُشاهَدَةِ.
3:71Page 59
يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَلۡبِسُونَ ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَٰطِلِ وَتَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٧١
O People of the Scripture, why do you mix [i.e., confuse] the truth with falsehood and conceal the truth while you know [it]?
﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ أيْ تَسْتُرُونَهُ بِهِ، أوْ تَخْلِطُونَهُ بِهِ، والباءُ صِلَةٌ، وفي المُرادِ أقْوالٌ: أحَدُها: أنَّ المُرادَ تَحْرِيفُهُمُ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ، قالَهُ الحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ، وثانِيها: أنَّ المُرادَ إظْهارُهُمِ الإسْلامَ وإبْطانُهُمُ النِّفاقَ، قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وثالِثُها: أنَّ المُرادَ الإيمانُ بِمُوسى وعِيسى والكَفْرُ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ورابِعُها أنَّ المُرادَ ما يَعْلَمُونَهُ في قُلُوبِهِمْ مِن حَقِّيَّةِ رِسالَتِهِ ﷺ وما يُظْهِرُونَهُ مِن تَكْذِيبِهِ، عَنْ أبِي عَلِيٍّ وأبِي مُسْلِمٍ، وقُرِئَ (تُلَبِّسُونَ) بِالتَّشْدِيدِ وهو بِمَعْنى المُخَفَّفِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ (تَلْبَسُونَ) وهو مِن لَبِسْتُ الثَّوْبَ، والباءُ بِمَعْنى مَعَ، والمُرادُ مِنَ اللَّبْسِ الِاتِّصافُ بِالشَّيْءِ والتَّلَبُّسُ بِهِ، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ فِيما رَواهُ البُخارِيُّ في «اَلصَّحِيحِ» عَنْ عائِشَةَ أنَّهُ ﷺ قالَ: «”المُتَشَبِّعُ بِما لَمْ يُعْطَ كَلابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ“».
﴿وتَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ أيْ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وما وجَدْتُمُوهُ في كُتُبِكم مِن نَعْتِهِ والبِشارَةِ بِهِ ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [ 71 ] أنَّهُ حَقٌّ، وقِيلَ: تَعْلَمُونَ الأُمُورَ الَّتِي يَصِحُّ بِها التَّكْلِيفُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
3:72Page 59
وَقَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامِنُواْ بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجۡهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكۡفُرُوٓاْ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٧٢
And a faction of the People of the Scripture say [to each other], "Believe in that which was revealed to the believers at the beginning of the day and reject it at its end that perhaps they will return [i.e., abandon their religion],
﴿وقالَتْ طائِفَةٌ﴾ أيْ جَماعَةٌ وسُمِّيَتْ بِها لِأنَّهُ يُسَوّى بِها حَلْقَةً يُطافُ حَوْلَها ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ أيِ اليَهُودِ لِبَعْضِهِمْ ﴿آمِنُوا﴾ أيْ أظْهِرُوا الإيمانَ ﴿بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهم أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقِيلَ: النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأصْحابُهُ ﴿وجْهَ النَّهارِ﴾ أيْ أوَّلَهُ، كَما في قَوْلِ الرَّبِيعِ بْنِ زِيادٍ:
مَن كانَ مَسْرُورًا بِمَقْتَلِ مالِكٍ فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنا (بِوَجْهِ نَهارِ)
وسُمِّيَ وجْهًا لِأنَّهُ أوَّلُ ما يُواجِهُكَ مِنهُ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كالوَجْهِ في أنَّهُ أعْلاهُ وأشْرَفُ ما فِيهِ، وذَكَرَ الثَّعالِبِيُّ أنَّهُ في ذَلِكَ اِسْتِعارَةٌ مَعْرُوفَةٌ ﴿واكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [ 72 ] بِسَبَبِ هَذا الفِعْلِ عَنِ اِعْتِقادِهِمْ حَقِّيَّةَ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، قالَ الحَسُنُ والسُّدِّيُّ: ”تَواطَأ اِثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِن أحْبارِ يَهُودِ خَبِيرَ وقُرى عُرَيْنَةَ، وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: اُدْخُلُوا في دِينِ مُحَمَّدٍ أوَّلَ النَّهارِ بِاللِّسانِ دُونَ الِاعْتِقادِ واكْفُرُوا آخِرَ النَّهارِ وقُولُوا إنّا نَظَرْنا في كُتُبِنا وشاوَرْنا عُلَماءَنا فَوَجَدْنا مُحَمَّدًا لَيْسَ بِذاكَ وظَهَرَ لَنا كَذِبُهُ وبُطْلانُ دِينِهِ فَإذا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ شَكَّ
صفحة 200
أصْحابُهُ في دِينِهِمْ، فَقالُوا: إنَّهم أهْلُ الكِتابِ وهم أعْلَمُ بِهِ فَيَرْجِعُونَ عَنْ دِينِهِمْ إلى دِينِكُمْ“، وقالَ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: كانَ هَذا في شَأْنِ القِبْلَةِ لَمّا حُوِّلَتْ إلى الكَعْبَةِ شَقَّ ذَلِكَ عَلى اليَهُودِ، فَقالَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ لِأصْحابِهِ: آمِنُوا بِاَلَّذِي أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ مِن أمْرِ الكَعْبَةِ وصَلُّوا إلَيْها أوَّلَ النَّهارِ وارْجِعُوا إلى قِبْلَتِكم آخِرَهُ لَعَلَّهم يَشُكُّونَ، والتَّعْبِيرُ بِما أُنْزِلَ بِناءً عَلى ما يَقُولُهُ المُؤْمِنُونَ وإلّا فَهم يُكَذِّبُونَ ولا يُصَدِّقُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ شَيْئًا عَلى المُؤْمِنِينَ، وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ أمْرِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ، وأمّا اِمْتِثالُ الأمْرِ مِنَ المَأْمُورِ فَمَسْكُوتٌ عَنْ بَيانِ وُقُوعِهِ وعَدَمِهِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ في الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى وُقُوعِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences