Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:78–80
3:78Page 60
وَإِنَّ مِنۡهُمۡ لَفَرِيقٗا يَلۡوُۥنَ أَلۡسِنَتَهُم بِٱلۡكِتَٰبِ لِتَحۡسَبُوهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٧٨
And indeed, there is among them a party who alter the Scripture with their tongues so you may think it is from the Scripture, but it is not from the Scripture. And they say, "This is from Allāh," but it is not from Allāh. And they speak untruth about Allāh while they know.
﴿وإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا﴾ أيْ إنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ الخائِنِينَ لِجَماعَةٍ ﴿يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ﴾ أيْ يُحَرِّفُونَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: أصْلُ اللَّيِّ الفَتْلُ مِن قَوْلِكَ: لَوَيْتُ يَدَهُ إذا فَتَلْتُها، ومِنهُ لَوَيْتُ الغَرِيمَ إذا مَطَلْتُهُ
صفحة 205
حَقَّهُ، قالَ الشّاعِرُ:
تُطِيلِينَ لَيّانِي وأنْتِ (مَلِيَّةٌ) وأُحْسِنُ يا ذاتَ الوِشاحِ التَّقاضِيا
وفِي الخَبَرِ: «”لَيُّ الواجِدِ ظُلْمٌ“،» فالمَعْنى يَفْتِلُونَ ألْسِنَتَهم في القِراءَةِ بِالتَّحْرِيفِ في الحَرَكاتِ ونَحْوِها تَغْيِيرًا يَتَغَيَّرُ بِهِ المَعْنى ويَرْجِعُ هَذا في الآخِرَةِ إلى ما قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّ المُرادَ يُمِيلُونَ الألْسِنَةَ بِمُشابِهِ الكِتابِ، والألْسِنَةُ جَمْعُ لِسانٍ، وذَكَرَ اِبْنُ الشِّحْنَةِ أنَّهُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، ونُقِلَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّ مَن أنَّثَهُ جَمَعَهُ عَلى ألْسُنٍ، ومَن ذَكَّرَهُ جَمَعَهُ عَلى ألْسِنَةٍ، وعَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: اللِّسانُ بِعَيْنِهِ لَمْ أسْمَعْهُ مِنَ العَرَبِ إلّا مُذَكَّرًا ولا يَخْفى أنَّ المُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلى النّافِي؛ والباءُ صِلَةٌ أوْ لِلْآلَةِ أوْ لِلظَّرْفِيَّةِ أوْ لِلْمُلابَسَةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ حالٌ مِنَ الألْسِنَةِ أيْ مُلْتَبِسَةٌ بِالكِتابِ.
وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ (يُلَوُّونَ) بِالتَّشْدِيدِ فَهو عَلى حَدِّ ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾، وعَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ كَثِيرٍ (يَلُونَ) عَلى قَلْبِ الواوِ المَضْمُومَةِ هَمْزَةً ثُمَّ تَخْفِيفِها بِحَذْفِها وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى السّاكِنِ قَبْلَها كَذا قِيلَ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لَوْ نُقِلَتْ ضَمَّةُ الواوِ لِما قَبْلَها فُحِذَفَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ كَفى في التَّوْجِيهِ فَأيُّ حاجَةٍ إلى قَلْبِ الواوِ هَمْزَةً، ورُدَّ بِأنَّهُ فُعِلَ ذَلِكَ لِيَكُونَ عَلى القاعِدَةِ التَّصْرِيفِيَّةِ بِخِلافِ نَقْلِ حَرَكَةِ الواوِ ثُمَّ حَذْفِها عَلى ما عُرِفَ في التَّصْرِيفِ، ونَظَرَ فِيهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ بِأنَّ الواوَ المَضْمُومَةَ إنَّما تُبَدَّلُ هَمْزَةً إذا كانَتْ ضَمَّتُها أصْلِيَّةً فَهو مُخالِفٌ لِلْقِياسِ أيْضًا، نَعَمْ قُرِئَ (يَلْؤُونَ) بِالهَمْزِ في الشَّواذِّ وهو يُؤَيِّدُهُ، وعَلى كُلٍّ فَفِيهِ اِجْتِماعُ إعْلالَيْنِ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ، وأمّا جَعْلُهُ مِنَ الوَلْيِ بِمَعْنى القُرْبِ أيْ يُقَرِّبُونَ ألْسِنَتَهم بِمَيْلِها إلى المُحَرَّفِ فَبَعِيدٌ مِنَ الصَّحِيحِ قَرِيبٌ إلى المُحَرَّفِ.
﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتابِ﴾ أيْ لِتَظُنُّوا أيُّها المُسْلِمُونَ أنَّ المُحَرَّفَ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِاللَّيِّ أوِ المُشابِهَ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى المُنَزَّلَ عَلى بَعْضِ أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقُرِئَ (لِيَحْسَبُوهُ) بِالياءِ والضَّمِيرُ أيْضًا لِلْمُسْلِمِينَ، ﴿وما هو مِنَ الكِتابِ﴾ ولَكِنَّهُ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ ﴿ويَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أيْ ويَزْعُمُونَ صَرِيحًا غَيْرَ مُكْتَفِينَ بِالتَّوْرِيَةِ والتَّعْرِيضِ أنَّ المُحَرَّفَ أوِ المُشابِهَ نازِلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أيْ ولَيْسَ هو نازِلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، واَلْواوُ لِلْحالِ والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُبْتَدَأِ في الخَبَرِ، وفي جُمْلَةِ ﴿ويَقُولُونَ﴾ الخ تَأْكِيدٌ لِلنَّفْيِ الَّذِي قَبْلَها ولَيْسَ الغَرَضُ التَّأْكِيدَ فَقَطْ وإلّا لَما تَوَجَّهَ العَطْفُ بَلِ التَّشْنِيعُ أيْضًا بِأنَّهم لَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ التَّعْرِيضِ حَتّى اِرْتَكَبُوا هَذا التَّصْرِيحَ وبِهَذا حَصَلَتِ المُغايَرَةُ المُقْتَضِيَةُ لِلْعَطْفِ، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَهْوِيلِ ما قَدِمُوا عَلَيْهِ.
((واسْتَدَلَّ الجُبّائِيُّ والكَعْبِيُّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ لَيْسَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى وإلّا صَدَقَ أُولَئِكَ المُحَرِّفُونَ بِقَوْلِهِمْ ﴿هُوَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ تَعالى لَكِنَّ اللَّهَ (ورَدَّ) بِأنَّ القَوْمَ ما اِدَّعَوْا أنَّ التَّحْرِيفَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وبِخَلْقِهِ وإنَّما اِدَّعَوْا أنَّ المُحَرَّفَ مَنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، أوْ [هُوَ] حُكْمٌ مِن أحْكامِهِ فَتَوَّجَهُ [اَلتَّكْذِيبُ] تَكْذِيبُ اللَّهِ تَعالى إيّاهم إلى هَذا الَّذِي زَعَمُوا)). والحاصِلُ أنَّ المَقْصُودَ بِالنَّفْيِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ نُزُولُهُ مِن عِنْدِهِ سُبْحانَهُ وهو أخَصُّ مِن كَوْنِهِ مِن فِعْلِهِ وخَلْقِهِ، ونَفْيُ الخاصِّ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ العامِّ فَلا يَدُلُّ عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ القائِلِينَ بِأنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لَهم لا لِلَّهِ تَعالى.
﴿ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ أيْ في نِسْبَتِهِمْ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى تَعْرِيضًا وتَصْرِيحًا ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ [ 78 ] أنَّهم كاذِبُونَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وهو تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّ ما اِفْتَرَوْهُ عَنْ عَمْدٍ لا خَطَأٍ، وقِيلَ: يَعْلَمُونَ ما عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ مِنَ العِقابِ، رَوى الضَّحّاكُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى جَمِيعًا، وذَلِكَ أنَّهم حَرَّفُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وألْحَقُوا بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى ما لَيْسَ مِنهُ، ورَوى غَيْرُ واحِدٍ أنَّها في طائِفَةٍ مِنَ اليَهُودِ، وهم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ
صفحة 206
ومالِكٌ وحُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ وأبُو ياسِرٍ وشُعْبَةُ بْنُ عَمْرٍو الشّاعِرُ غَيَّرُوا ما هو حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّوْراةِ.
واخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ المُحَرَّفَ هَلْ كانَ يُكْتَبُ في التَّوْراةِ أمْ لا؟ فَذَهَبَ جَمْعٌ إلى أنَّهُ لَيْسَ في التَّوْراةِ سِوى كَلامِ اللَّهِ تَعالى وأنَّ تَحْرِيفَ اليَهُودِ لَمْ يَكُنْ إلّا تَغْيِيرًا وقْتَ القِراءَةِ أوْ تَأْوِيلًا باطِلًا لِلنُّصُوصِ، وأمّا أنَّهم يَكْتُبُونَ ما يَرُومُونَ في التَّوْراةِ عَلى تَعَدُّدِ نُسَخِها فَلا، واحْتَجُّوا لِذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ اِبْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّهُ قالَ: إنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ كَما أنْزَلَهُما اللَّهُ تَعالى لَمْ يُغَيَّرْ مِنهُما حَرْفٌ ولَكِنَّهم يَضِلُّونَ بِالتَّحْرِيفِ والتَّأْوِيلِ وكُتُبٍ كانُوا يَكْتُبُونَها مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، ويَقُولُونَ: إنْ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَأمّا كُتُبُ اللَّهِ تَعالى فَإنَّها مَحْفُوظَةٌ لا تُحَوَّلُ، وبِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقُولُ لِلْيَهُودِ إلْزامًا لَهُمْ: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وهم يَمْتَنِعُونَ عَنْ ذَلِكَ فَلَوْ كانَتْ مُغَيَّرَةً إلى ما يُوافِقُ مَرامَهم ما اِمْتَنَعُوا بَلْ وما كانَ يَقُولُ لَهم ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأنَّهُ يَعُودُ عَلى مَطْلَبِهِ الشَّرِيفِ بِالإبْطالِ.
وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهم بَدَّلُوا وكَتَبُوا ذَلِكَ في نَفْسِ كِتابِهِمْ واحْتَجُّوا عَلى ذَلِكَ بِكَثِيرٍ مِنَ الظَّواهِرِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ تَعَدُّدُ النُّسَخِ إمّا لِاحْتِمالِ التَّواطُؤِ أوْ فِعْلُ ذَلِكَ في البَعْضِ دُونَ البَعْضِ، وكَذا لا يَمْنَعُ مِنهُ قَوْلُ الرَّسُولِ لَهم ذَلِكَ لِاحْتِمالِ عِلْمِهِ ﷺ بِبَقاءِ بَعْضِ ما يَفِي بِغَرَضِهِ سالِمًا عَنِ التَّغْيِيرِ إمّا لِجَهْلِهِمْ بِوَجْهِ دَلالَتِهِ، أوْ لَصَرْفِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم عَنْ تَغْيِيرِهِ، وأمّا ما رُوِيَ عَنْ وهْبٍ فَهو عَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ عَنْهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلًا عَنِ اِجْتِهادٍ، أوْ ناشِئًا عَنْ عَدَمِ اِسْتِقْراءٍ تامٍّ، ومِمّا يُؤَيِّدُ وُقُوعَ التَّغْيِيرِ في كُتُبِ اللَّهِ تَعالى وأنَّها لَمْ تَبْقَ كَيَوْمِ نَزَلَتْ - وُقُوعُ التَّناقُضِ في الأناجِيلِ وتَعارُضُها وتَكاذُبُها وتَهافُتُها ومُصادَمَتُها بَعْضُها بِبَعْضٍ، فَإنَّها أرْبَعَةُ أناجِيلَ: الأوَّلُ: «إنْجِيلُ مَتّى» وهو مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ الحَوارِيِّينَ، وإنْجِيلُهُ بِاللُّغَةِ السُّرْيانِيَّةِ كَتَبَهُ بِأرْضِ فِلَسْطِينَ بَعْدَ رَفْعِ المَسِيحِ إلى السَّماءِ بِثَمانِي سِنِينَ، وعِدَّةُ إصْحاحاتِهِ ثَمانِيَةٌ وسِتُّونَ إصْحاحًا، والثّانِي: «إنْجِيلُ مُرْقُسَ» وهو مِنَ السَّبْعِينَ، وكَتَبَ إنْجِيلَهُ بِاللُّغَةِ الفِرِنْجِيَّةِ بِمَدِينَةٍ رُومِيَّةٍ بَعْدَ رَفْعِ المَسِيحِ بِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وعِدَّةُ إصْحاحاتِهِ ثَمانِيَةٌ وأرْبَعُونَ إصْحاحًا، والثّالِثُ: «إنْجِيلُ لُوقا» وهو مِنَ السَّبْعِينَ أيْضًا، كَتَبَ إنْجِيلَهُ بِاللُّغَةِ اليُونانِيَّةِ بِمَدِينَةِ الإسْكَنْدَرِيَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ، وعِدَّةُ إصْحاحاتِهِ ثَلاثَةٌ وثَمانُونَ إصْحاحًا، والرّابِعُ: «إنْجِيلُ يُوحَنّا» وهو حَبِيبُ المَسِيحِ، كَتَبَ إنْجِيلَهُ بِمَدِينَةِ إقْسِسَ مِن بِلادِ رُومِيَّةَ بَعْدَ رَفْعِ المَسِيحِ بِثَلاثِينَ سَنَةً، وعِدَّةُ إصْحاحاتِهِ في النُّسَخِ القِبْطِيَّةِ ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ إصْحاحًا.
وقَدْ تَضَمَّنَ كُلُّ إنْجِيلٍ مِنَ الحِكاياتِ والقِصَصِ ما أغْفَلَهُ الآخَرُ، واشْتَمَلَ عَلى أُمُورٍ وأشْياءَ قَدِ اِشْتَمَلَ الآخَرُ عَلى نَقِيضِها أوْ ما يُخالِفُها، وفِيها ما تَحْكُمُ الضَّرُورَةُ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى أصْلًا، فَمِن ذَلِكَ أنَّ مَتّى ذَكَرَ أنَّ المَسِيحَ صُلِبَ وصُلِبَ مَعَهُ لِصّانِ أحَدُهُما عَنْ يَمِينِهِ والآخَرُ عَنْ شِمالِهِ، وأنَّهُما جَمِيعًا كانا يَهْزَآنِ بِالمَسِيحِ مَعَ اليَهُودِ ويُعَيِّرانِهِ، وذَكَرَ لُوقا خِلافَ ذَلِكَ، فَقالَ: إنَّ أحَدَهُما كانَ يَهْزَأُ بِهِ والآخَرَ يَقُولُ لَهُ: أما تَتَّقِي اللَّهَ تَعالى أمّا نَحْنُ فَقَدَ جُوزِينا وأمّا هَذا فَلَمْ يَعْمَلْ قَبِيحًا، ثُمَّ قالَ لِلْمَسِيحِ: يا سَيِّدِي اُذْكُرْنِي في مَلَكُوتِكَ، فَقالَ: حَقًّا إنَّكَ تَكُونُ مَعِي اليَوْمَ في الفِرْدَوْسِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا يَؤُولُ إلى التَّناقُضِ فَإنَّ اللِّصَّيْنِ عِنْدَ مَتّى كافِرانِ وعِنْدَ لُوقا أحَدُهُما مُؤْمِنٌ والآخَرُ كافِرٌ، وأغْفَلَ هَذِهِ القِصَّةَ مُرْقُسُ ويُوحَنّا.
ومِنهُ أنَّ لُوقا ذَكَرَ أنَّهُ قالَ يَسُوعُ: إنَّ اِبْنَ الإنْسانِ لَمْ يَأْتِ لِيُهْلِكَ نُفُوسَ النّاسِ ولَكِنْ لِيُحْيِيَ، وخالَفَهُ أصْحابُهُ وقالُوا بَلْ قالَ: إنَّ اِبْنَ الإنْسانِ لَمْ يَأْتِ لِيُلْقِيَ عَلى الأرْضِ سَلامَةً لَكِنْ سَيْفًا ويُضْرِمُ فِيها نارًا، ولا شَكَّ أنَّ هَذا تَناقُضٌ، أحَدُهُما: يَقُولُ جاءَ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ، والآخَرُ يَقُولُ: جاءَ نِقْمَةً عَلى الخَلائِقِ أجْمَعِينَ.
ومِن ذَلِكَ أنَّ مَتى قالَ: قالَ يَسُوعُ لِلتَّلامِيذِ الِاثْنَيْ عَشَرَ: أنْتُمُ الَّذِينَ تَكُونُونَ في الزَّمَنِ الآتِي جُلُوسًا عَلى اِثْنَيْ عَشَرَ
صفحة 207
كُرْسِيًّا تَدِينُونَ اِثْنَيْ عَشَرَ سِبْطَ إسْرائِيلَ فَشَهِدَ لِلْكُلِّ بِالفَوْزِ والبِرِّ عامَّةً في القِيامَةِ ثُمَّ نَقَضَ ذَلِكَ مَتّى وغَيْرُهُ وقالَ: مَضى واحِدٌ مِنَ التَّلامِيذِ الِاثْنَيْ عَشَرَ وهو يَهُوذا صاحِبُ صُنْدُوقِ الصَّدَقَةِ فارْتَشى عَلى يَسُوعَ بِثَلاثِينَ دِرْهَمًا وجاءَ بِالشُّرَطِيِّ فَسَلَّمَ إلَيْهِمْ يَسُوعَ فَقالَ يَسُوعُ: الوَيْلُ لَهُ خَيْرٌ لَهُ أنْ لا يُولَدُ، ومِنهُ أنَّ مَتّى أيْضًا ذَكَرَ أنَّهُ لَمّا حُمِلَ يَسُوعُ إلى فِيلاطِسَ القائِدِ قالَ: أيُّ شَرٍّ فَعَلَ هَذا فَصَرَخَ اليَهُودُ وقالُوا: يُصْلَبُ يُصْلَبُ، فَلَمّا رَأى عَزْمَهم وأنَّهُ لا يَنْفَعُ فِيهِمْ أخَذَ ماءً وغَسَلَ يَدَيْهِ، وقالَ: أنا بَرِيءٌ مِن دَمِ هَذا الصِّدِّيقِ وأنْتُمْ أبْصَرُ، وأكْذَبَ يُوحَنّا ذَلِكَ فَقالَ: لَمّا حُمِلَ يَسُوعُ إلَيْهِ قالَ لِلْيَهُودِ: ما تُرِيدُونَ؟ قالُوا: يُصْلَبُ، فَضَرَبَ يَسُوعَ ثُمَّ سَلَّمَهُ إلَيْهِمْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَطُولُ، فَإذا وقَعَ هَذا التَّغْيِيرُ والتَّحْرِيفُ في أُصُولِ القَوْمِ ومُتَقَدِّمِيهِمْ فَما ظَنُّكَ في فُرُوعِهِمْ ومُتَأخِّرِيهِمْ.
وإذا كانَ في الأنابِيبِ حَيْفٌ ∗∗∗ وقَعَ الطَّيْشُ في صُدُورِ الصِّعادِ
ويا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ تَنَبَّهَ اِبْنُ مُنَبِّهٍ لِهَذا أمْ لَمْ يَتَنَبَّهْ فَقالَ: إنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ كَما أنْزَلَهُما اللَّهُ تَعالى سُبْحانَ اللَّهِ هَذا مِنَ العَجَبِ العُجابِ؟!.
3:79Page 60
مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤۡتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادٗا لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ ٧٩
It is not for a human [prophet]1 that Allāh should give him the Scripture2 and authority and prophethood and then he would say to the people, "Be servants to me rather than Allāh," but [instead, he would say], "Be pious scholars of the Lord because of what you have taught of the Scripture and because of what you have studied."
﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهُ﴾ تَنْزِيهٌ لِأنْبِياءِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ إثْرَ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنْ نِسْبَةِ ما اِفْتَراهُ أهْلُ الكِتابِ إلَيْهِ، وقِيلَ: تَكْذِيبٌ ورَدٌّ عَلى عَبَدَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأخْرَجَ اِبْنُ إسْحَقَ وغَيْرُهُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «”قالَ أبُو رافِعٍ القُرَظِيُّ حِينَ اِجْتَمَعَتِ الأحْبارُ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى مِن أهْلِ نَجْرانَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ودَعاهم إلى الإسْلامِ: أتُرِيدُ يا مُحَمَّدُ أنْ نَعْبُدَكَ كَما تَعْبُدُ النَّصارى عِيسى اِبْنَ مَرْيَمَ؟ فَقالَ رَجُلٌ مِن أهْلِ نَجْرانَ نَصْرانِيٌّ يُقالُ لَهُ الرَّئِيسُ: أوَ ذاكَ تُرِيدُ مِنّا يا مُحَمَّدُ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَعْبُدَ غَيْرَ اللَّهِ أوْ نَأْمُرَ بِعِبادَةِ غَيْرِهِ ما بِذَلِكَ بَعَثَنِي ولا بِذَلِكَ أمَرَنِي ”فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ». وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ، قالَ: «“ بَلَغَنِي أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ كَما يُسَلِّمُ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ، أفَلا نَسْجُدُ لَكَ؟ قالَ: لا ولَكِنْ أكْرِمُوا نَبِيَّكم واعْرِفُوا الحَقَّ لِأهْلِهِ فَإنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُسْجَدَ لِأحَدٍ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى" فَنَزَلَتْ». وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ، قالَ: «كانَ ناسٌ مِن يَهُودَ يَتَعَبَّدُونَ النّاسَ مِن دُونِ رَبِّهِمْ بِتَحْرِيفِهِمْ كِتابَ اللَّهِ تَعالى عَنْ مَوْضِعِهِ فَقالَ: ما كانَ لِبَشَرٍ» الخ. والمَعْنى ما يَصِحُّ، وقِيلَ: ما يَنْبَغِي، وقِيلَ لا يَجُوزُ لِأحَدٍ، وعَبَّرَ بِالبَشَرِ إيذانًا بِعِلَّةِ الحُكْمِ فَإنَّ البَشَرِيَّةَ مُنافِيَةٌ لِلْأمْرِ الَّذِي أسْنَدَهُ الكَفَرَةُ إلى أُولَئِكَ الكِرامِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
والجارُّ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لِ كانَ والمُنْسَبِكُ مِن أنْ والفِعْلِ بَعْدَ اِسْمِها، ولا بُدَّ لِاسْتِقامَةِ المَعْنى مِن مُلاحَظَةِ العَطْفِ إذْ لَوْ سُكِتَ عَنْهُ لَمْ يَصِحَّ لَأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ آتى كَثِيرًا مِنَ البَشَرِ الكِتابَ وأخَوَيْهِ، وعَطْفُ الفِعْلِ عَلى مَنصُوبِ أنْ بِ (ثُمَّ) تَعْظِيمًا لِهَذا القَوْلِ فَإنَّهُ إذا اِنْتَفى بَعْدَ مُهْلَةٍ كانَ اِنْتِفاؤُهُ بِدُونِها أوْلى وأحْرى فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا الإيتاءَ العَظِيمَ لا يُجامِعُ هَذا القَوْلَ أصْلًا وإنْ كانَ بَعْدَ مُهْلَةٍ مِن هَذا الإنْعامِ، والحُكْمُ بِمَعْنى الحِكْمَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناها، والعِبادُ جَمْعُ عَبْدٍ، قالَ القاضِيَ: وهو هُنا مِنَ العِبادَةِ ولَمْ يَقُلْ عَبِيدًا لِأنَّهُ مِنَ العُبُودِيَّةِ وهي لا تَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى، ولِهَذا يُقالُ: هَؤُلاءِ عَبِيدُ زَيْدٍ، ولا يُقالُ: عِبادُهُ، والظَّرْفُ الَّذِي بَعْدَهُ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ، أيْ عِبادًا كائِنِينَ لِي و﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِلَفْظِ ﴿عِبادًا﴾ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً ثانِيَةً وأنْ يَكُونَ حالًا لِتَخْصِيصِ النَّكِرَةِ بِالوَصْفِ، أيْ مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ تَعالى إشْراكًا وإفْرادًا كَما قالَ الجُبّائِيُّ فَإنَّ التَّجاوُزَ مُتَحَقِّقٌ
صفحة 208
فِيهِما حَتْمًا، ثُمَّ إنَّ هَذا الإيتاءَ في الآيَةِ حَقِيقَةٌ عَلى الرِّوايَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مُجازٌ عَلى الرِّوايَةِ الأخِيرَةِ كَما لا يَخْفى.
﴿ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ﴾ إثْباتٌ لِما نَفى سابِقًا، وهو القَوْلُ المَنصُوبُ بِأنْ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما كانَ لِذَلِكَ البَشَرِ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ لَكِنْ يَقُولُ كُونُوا رَبّانِيِّينَ، فالفِعْلُ هُنا مَنصُوبٌ أيْضًا عَطْفًا عَلَيْهِ، وجُوِّزَ رَفْعُهُ عَلى المَعْنى لِأنَّهُ في مَعْنى لا يَقُولُ، وقِيلَ: يَصِحُّ عَدَمُ تَقْدِيرِ القَوْلِ عَلى مَعْنى لا تَكُونُوا قائِلِينَ لِذَلِكَ، ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ وفَسَّرَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ عَبّاسٍ الرَّبّانِيُّ بِالفَقِيهِ العالِمِ، وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ بِالعالِمِ الحَكِيمِ، وابْنُ جُبَيْرٍ بِالحَلِيمِ التَّقِيِّ، وابْنُ زَيْدٍ بِالمُدَبِّرِ أمْرَ النّاسِ، وهي أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ وهو لَفْظٌ عَرَبِيٌّ لا سُرْيانِيٌّ عَلى الصَّحِيحِ، وزَعَمَ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّ العَرَبَ لا تَعْرِفُهُ [وإنَّما عَرَفَها الفُقَهاءُ وأهْلُ العِلْمِ]، وهو مَنسُوبٌ إلى الرَّبِّ كَإلَهِيٍّ، والألِفُ والنُّونُ يُزادانِ في النَّسَبِ لِلْمُبالَغَةِ كَثِيرًا كَلِحْيانِيٍّ لِعَظِيمِ اللِّحْيَةِ، والجُمّانِيِّ لِوافِرِ الجُمَّةِ، ورَقَبانِيٍّ بِمَعْنى غَلِيظِ الرَّقَبَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَنسُوبٌ إلى رَبّانَ صِفَةٌ كَعَطْشانَ بِمَعْنى مُرَّبًى.
﴿بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [ 79 ] الباءُ السَّبَبِيَّةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِ كُونُوا أيْ كُونُوا كَذَلِكَ بِسَبَبِ مُثابَرَتِكم عَلى تَعْلِيمِكُمُ الكِتابَ ودِراسَتِكم لَهُ، والمَطْلُوبُ أنْ لا يَنْفَكَّ العِلْمُ عَنِ العَمَلِ، إذْ لا يُعْتَدُّ بِأحَدِهِما بِدُونِ الآخَرِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِرَبّانِيِّينَ لِأنَّ فِيهِ مَعْنى الفِعْلِ، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ، والدِّراسَةُ التَّكْرارُ، يُقالُ: دَرَسَ الكِتابَ أيْ كَرَّرَهُ، وتُطْلَقُ عَلى القِراءَةِ، وتَكْرِيرُ ﴿بِما كُنْتُمْ﴾ لِلْإشْعارِ بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ اِسْتِمْرارِ التَّعْلِيمِ واسْتِمْرارِ القِراءَةِ المُشْعِرِ بِهِ جَعْلُ خَبَرِ (كانَ) مُضارِعًا -بِالفَضْلِ وتَحْصِيلِ الرَّبّانِيَّةِ، وقَدَّمَ تَعْلِيمَ الكِتابِ عَلى دِراسَتِهِ لِوُفُورِ شَرَفِهِ عَلَيْها، أوْ لِأنَّ الخِطابَ الأوَّلَ: لِرُؤَسائِهِمْ، والثّانِيَ: لِمَن دُونَهُمْ، وقِيلَ: لِأنَّ مُتَعَلِّقَ التَّعْلِيمِ الكِتابُ بِمَعْنى القُرْآنِ، ومُتَعَلِّقُ الدِّراسَةِ الفِقْهُ، وفِيهِ بُعْدٌ بِعِيدٌ وإنْ أشْعَرَ بِهِ كَلامُ بَعْضِ السَّلَفِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ وأبُو عَمْرٍو ومُجاهِدٌ (تَعْلَمُونَ) بِمَعْنى عالِمِينَ، وقُرِئَ (تُدَرِّسُونَ) بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّدْرِيسِ، وتُدْرِسُونَ مِنَ الإدْراسِ بِمَعْناهُ، ومَجِيءُ أفْعَلَ بِمَعْنى فَعَّلَ كَثِيرٌ، وجُوِّزَ كَوْنُ القِراءَةِ المَشْهُورَةِ أيْضًا بِهَذا المَعْنى عَلى أنْ يَكُونَ المُرادُ تُدَرِّسُونَهُ لِلنّاسِ.
3:80Page 60
وَلَا يَأۡمُرَكُمۡ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ أَرۡبَابًاۚ أَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡكُفۡرِ بَعۡدَ إِذۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ ٨٠
Nor could he order you to take the angels and prophets as lords. Would he order you to disbelief after you had been Muslims?
﴿ولا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا﴾ قَرَأ اِبْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ ﴿ولا يَأْمُرَكُمْ﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى (يَقُولَ)، (ولا) إمّا مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى النَّفْيِ الشّائِعِ في الِاسْتِعْمالِ سِيَّما عِنْدَ طُولِ العَهْدِ وتَخَلُّلِ الفَصْلِ، والمَعْنى ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ ويُرْسِلَهُ لِلدَّعْوَةِ إلى اِخْتِصاصِهِ بِالعِبادَةِ وتَرْكِ الأنْدادِ ثُمَّ يَأْمُرَ النّاسَ بِأنْ يَكُونُوا عِبادًا لَهُ ويَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا، فَهو كَقَوْلِكَ: ما كانَ لِزَيْدٍ أنْ أُكْرِمَهُ ثُمَّ يُهِينَنِي ولا يَسْتَخِفَّ بِي، وإمّا غَيْرُ زائِدَةٍ بِناءً عَلى أنَّهُ ﷺ كانَ يَنْهى عَنْ عِبادَةِ المَلائِكَةِ والمَسِيحِ وعُزَيْرٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَلَمّا قِيلَ لَهُ: أنَتَّخِذُكَ رَبًّا؟ قِيلَ لَهُمْ: ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يَتَّخِذَهُ اللَّهُ تَعالى نَبِيًّا ثُمَّ يَأْمُرَ النّاسَ بِعِبادَتِهِ ويَنْهاهم عَنْ عِبادَةِ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ، مَعَ أنَّ مَن يُرِيدُ أنْ يَسْتَعْبِدَ شَخْصًا يَقُولُ لَهُ: يَنْبَغِي أنْ تَعْبُدَ أمْثالِي وأكْفائِي، وعَلى هَذا يَكُونُ المَقْصُودُ مِن عَدَمِ الأمْرِ النَّهْيَ، وإنْ كانَ أعَمَّ مِنهُ لِكَوْنِهِ أمَسَّ بِالمَقْصُودِ وأوْفَقَ لِلْواقِعِ.
وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (ولا يَأْمُرُكُمْ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، ويُحْتَمَلُ الحالِيَّةُ، وقِيلَ: والرَّفْعُ عَلى الِاسْتِئْنافِ أظْهَرُ، ويَنْصُرُهُ قِراءَةُ (ولَنْ يَأْمُرَكُمْ) ووَجَهَّتِ الأظْهَرِيَّةُ بِالخُلُوِّ عَنْ تَكَلُّفِ جَعْلِ عَدَمِ الأمْرِ بِمَعْنى النَّهْيِ، وبِأنَّ العَطْفَ يَسْتَدْعِي تَقْدِيمَهُ عَلى (لَكِنْ) وكَذا الحالِيَّةُ أيْضًا.
صفحة 209
وقُرِئَ بِإسْكانِ الرّاءِ فِرارًا مِن تَوالِي الحَرَكاتِ، وعَلى سائِرِ القِراءاتِ ضَمِيرُ الفاعِلِ عائِدٌ عَلى بَشَرٍ، وجُوِّزَ عَوْدُهُ في بَعْضِها عَلى اللَّهِ تَعالى، وجُوِّزَ الأمْرانِ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ﴾ والِاسْتِفْهامُ فِيهِ لِلْإنْكارِ، وكَوْنُ مَرْجِعِ الضَّمِيرِ في أحَدِ الِاحْتِمالَيْنِ نَكِرَةً يَجْعَلُهُ عامًّا ﴿بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [ 80 ] اِسْتَدَلَّ بِهِ الخَطِيبُ عَلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُسْلِمِينَ القائِلِينَ «أفَلا نَسْجُدُ لَكَ؟» بِناءً عَلى الظّاهِرِ، ووَجْهُ كَوْنِ الخِطابِ لِلْكَفّارِ وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِأهْلِ الكِتابِ: ﴿أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ مُنْقادُونَ مُسْتَعِدُّونَ لِلدِّينِ الحَقِّ إرْخاءً لِلْعِنانِ واسْتِدْراجًا، والقَوْلُ بِأنَّ كُلَّ مُصَدِّقٍ بِنَبِيِّهِ مُسْلِمٌ، ودَعْواهُ أنَّهُ أمَرَهُ نَبِيُّهُ بِما يُوجِبُ كُفْرَهُ دَعْوى أنَّهُ أمَرَهُ بِالكُفْرِ بَعْدَ إسْلامِهِ فَدَلالَةُ هَذا عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْمُسْلِمِينَ ضَعِيفَةٌ في غايَةِ السُّقُوطِ، كَما لا يَخْفى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences