Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:84–90
3:84Page 61
قُلۡ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ٨٤
Say, "We have believed in Allāh and in what was revealed to us and what was revealed to Abraham, Ishmael, Isaac, Jacob, and the Descendants [al-Asbāṭ], and in what was given to Moses and Jesus and to the prophets from their Lord. We make no distinction between any of them, and we are Muslims [submitting] to Him."
﴿قُلْ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ أمْرٌ لِلرَّسُولِ ﷺ أنْ يُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهِ والمُؤْمِنِينَ بِالإيمانِ بِما ذَكَرَ، فَضَمِيرُ (آمَنّا) لِلنَّبِيِّ ﷺ والأُمَّةِ، وقالَ المَوْلى عَبْدُ الباقِي: لَمّا أخَذَ اللَّهُ تَعالى المِيثاقَ مِنَ النَّبِيِّينَ أنْفُسَهم أنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويَنْصُرُوهُ أمَرَ مُحَمَّدًا أيْضًا ﷺ أنْ يُؤْمِنَ بِالأنْبِياءِ المُؤْمِنِينَ بِهِ وبِكُتُبِهِمْ فَيَكُونُ ﴿آمَنّا﴾ في مَوْضِعِ آمَنتَ لِتَعْظِيمِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ السَّلامِ، أوْ لَمّا عَهِدَ مَعَ النَّبِيِّينَ وأُمَمِهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا أمَرَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأُمَّتَهُ أنْ يُؤْمِنُوا بِهِمْ وبِكُتُبِهِمْ.
والحاصِلُ أخْذُ المِيثاقِ مِنَ الجانِبَيْنِ عَلى الإيمانِ عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ ولَمْ يَتَعَرَّضْ هُنا لِحِكْمَةِ الأنْبِياءِ السّالِفِينَ إمّا لِأنَّ الإيمانَ بِالكِتابِ المُنَزَّلِ إيمانٌ بِما فِيهِ مِنَ الحِكْمَةِ، أوْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ شَرِيعَتَهم مَنسُوخَةٌ في زَمَنِ هَذا النَّبِيِّ ﷺ وكِلاهُما عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الحِكْمَةِ بِمَعْنى الشَّرِيعَةِ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِنُصْرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهم إذْ لا مَجالَ بِوَجْهٍ لِنُصْرَةِ السَّلَفِ، ويُؤَيِّدُ دَعْوى أخْذِ المِيثاقِ مِنَ الجانِبَيْنِ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وغَيْرُهُ عَنْ طاوُسَ أنَّهُ قالَ: أخَذَ اللَّهُ تَعالى مِيثاقَ النَّبِيِّينَ أنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا.
﴿وما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ وهو القُرْآنُ المُنَزَّلُ عَلَيْهِ ﷺ أوَّلًا وعَلَيْهِمْ بِواسِطَةِ تَبْلِيغِهِ إلَيْهِمْ، ومِن هُنا أتى بِضَمِيرِ الجَمْعِ، وقَدْ يُعْتَبَرُ الإنْزالُ عَلَيْهِ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- وحْدَهُ، ولَكِنْ نُسِبَ إلى الجَمْعِ ما هو مَنسُوبٌ لِواحِدٍ مِنهُ مَجازًا عَلى ما قِيلَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ النُّونُ نُونَ العَظَمَةِ لا ضَمِيرَ الجَماعَةِ،
صفحة 215
وعُدِّيَ الإنْزالُ هُنا بِ عَلى وفي البَقَرَةِ بِ إلى لِأنَّهُ لَهُ جِهَةُ عُلُوٍّ بِاعْتِبارِ اِبْتِدائِهِ وانْتِهاءً بِاعْتِبارِ آخِرِهِ، وقَدْ جُعِلَ الخِطابُ هُنا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَناسَبَهُ الِاسْتِعْلاءُ وهُناكَ لِلْعُمُومِ فَناسَبَ الِانْتِهاءَ، كَذا قِيلَ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمِنُوا﴾ والتَّحْقِيقُ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ المُعَدّى بِ إلى والمُعَدّى بِعَلى إلّا بِالِاعْتِبارِ، فَإنِ اِعْتَبَرْتَ مَبْدَأهُ عَدَّيْتَهُ بِ عَلى لِأنَّهُ فَوْقانِيٌّ، وإنِ اِعْتَبَرْتَ اِنْتِهاءَهُ إلى مَن هو لَهُ عَدَّيْتَهُ بِ إلى، ويُلاحَظُ أحَدُ الِاعْتِبارَيْنِ تارَةً والآخَرُ أُخْرى تَفَنُّنًا بِالعِبارَةِ، وفَرَّقَ الرّاغِبُ بِأنَّ ما كانَ واصِلًا مِنَ المَلَأِ الأعْلى بِلا واسِطَةٍ كانَ لَفْظٌ عَلى المُخْتَصِّ بِالعُلُوِّ أوْلى بِهِ، وما لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كانَ لَفْظٌ إلى المُخْتَصِّ بِالإيصالِ أوْلى بِهِ، وقِيلَ: أنْزَلَ عَلَيْهِ يُحْمَلُ عَلى أمْرِ المَنزَلِ عَلَيْهِ أنْ يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ، وأنْزَلَ إلَيْهِ يُحْمَلُ عَلى ما خَصَّ بِهِ نَفْسَهُ لِأنَّ إلَيْهِ اِنْتِهاءَ الإنْزالِ وكِلا القَوْلَيْنِ لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ.
﴿وما أُنْزِلَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ﴾ قِيلَ: خَصَّ هَؤُلاءِ الكِرامَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ يَعْتَرِفُونَ بِنُبُوَّتِهِمْ وكُتُبِهِمْ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ الصُّحُفُ كَما هو الظّاهِرُ وقَدَّمَ المَنزَلُ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى المَنزَلِ عَلَيْهِمْ إمّا لِتَعْظِيمِهِ والِاعْتِناءِ بِهِ، أوْ لِأنَّهُ المُعَرِّفُ لَهُ ومَعْرِفَةُ المُعَرِّفِ تَتَقَدَّمُ عَلى مَعْرِفَةِ المُعَرَّفِ، والأسْباطُ الأحْفادُ لا أوْلادُ البَناتِ، والمُرادُ بِهِمْ عَلى رَأْيِ أبْناءِ يَعْقُوبَ الِاثْنا عَشَرَ وذَرارِيُّهُمْ، ولَيْسَ كُلُّهم أبْناءً خِلافًا لِزاعِمِهِ، ﴿وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى﴾ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وسائِرِ المُعْجِزاتِ كَما يُشْعِرُ بِهِ إيثارُ الإيتاءِ عَلى الإنْزالِ الخاصِّ بِالكِتابِ، وقِيلَ: هو خاصٌّ بِالكِتابَيْنِ، وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الكِتابَيْنِ، وتَخْصِيصُ هَذَيْنَ النَّبِيَّيْنِ بِالذِّكْرِ لِما أنَّ الكَلامَ مَعَ اليَهُودِ والنَّصارى ﴿والنَّبِيُّونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿مُوسى وعِيسى﴾ أيْ وبِما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ عَلى تَعَدُّدِ أفْرادِهِمْ واخْتِلافِ أسْمائِهِمْ، ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ (أُوتِيَ)، وفي التَّعْبِيرِ بِالرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِمْ ما لا يَخْفى مِنَ اللُّطْفِ.
﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ أيْ بِالتَّصْدِيقِ والتَّكْذِيبِ كَما فَعَلَ اليَهُودُ والنَّصارى، والتَّفْرِيقُ بِغَيْرِ ذَلِكَ كالتَّفْضِيلِ جائِزٌ، ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [ 84 ] أيْ مُسْتَسْلِمُونَ بِالطّاعَةِ والِانْقِيادِ في جَمِيعِ ما أمَرَ بِهِ ونَهى عَنْهُ، أوْ مُخْلِصُونَ لَهُ في العِبادَةِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَدْرَكَةً بَعْدَ جُمْلَةِ الإيمانِ كَما هو ظاهِرٌ، وقِيلَ: إنَّ أهْلَ المِلَلِ المُخالِفَةِ لِلْإسْلامِ كانُوا كُلُّهم يُقِرُّونَ بِالإيمانِ ولَمْ يَكُونُوا يُقِرُّونَ بِلَفْظَةِ الإسْلامِ فَلِهَذا أرْدَفَ تِلْكَ الجُمْلَةَ بِهَذِهِ.
3:85Page 61
وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٨٥
And whoever desires other than Islām as religion - never will it be accepted from him, and he, in the Hereafter, will be among the losers.
﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ نَزَلَتْ في جَماعَةٍ اِرْتَدُّوا وكانُوا اِثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا وخَرَجُوا مِنَ المَدِينَةِ وأتَوْا مَكَّةَ كُفّارًا، مِنهُمُ الحَرْثُ بْنُ سُوَيْدٍ الأنْصارِيُّ، والإسْلامُ قِيلَ: التَّوْحِيدُ والِانْقِيادُ، وقِيلَ: شَرِيعَةُ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مَن تَحَرّى بَعْدَ مَبْعَثِهِ ﷺ غَيْرَ شَرِيعَتِهِ فَهو غَيْرُ مَقْبُولٍ مِنهُ، وقَبُولُ الشَّيْءِ هو الرِّضا بِهِ وإثابَةُ فاعِلِهِ عَلَيْهِ، وانْتِصابُ (دِينًا) عَلى التَّمْيِيزِ مِن (غَيْرَ) وهي مَفْعُولُ (يَبْتَغِ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (دِينًا) مَفْعُولُ (يَبْتَغِ) و(غَيْرَ) صِفَةٌ قُدِّمَتْ فَصارَتْ حالًا، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن ﴿غَيْرَ الإسْلامِ﴾ والجُمْهُورُ عَلى إظْهارِ الغَيْنَيْنِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو الِادِّغامُ، وضَعَّفَهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّ كَسْرَةَ الغَيْنِ الأُولى تَدُلُّ عَلى الياءِ المَحْذُوفَةِ.
﴿وهُوَ في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [ 85 ] إمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ فَتَكُونُ في مَحَلِّ جَزْمٍ، وإمّا في مَحَلِّ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ فَتَكُونُ في مَحَلِّ نَصْبٍ، وإمّا مُسْتَأْنَفَةٌ فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، و﴿فِي الآخِرَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ أيْ وهو خاسِرٌ في الآخِرَةِ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِالخاسِرِينَ عَلى
صفحة 216
أنَّ الألِفَ واللّامَ لَيْسَتْ مَوْصُولَةً بَلْ هي حَرْفُ تَعْرِيفٍ، والخُسْرانُ في الآخِرَةِ هو حِرْمانُ الثَّوابِ وحُصُولُ العِقابِ، وقِيلَ: أصْلُ الخُسْرانِ ذَهابُ رَأْسِ المالِ، والمُرادُ بِهِ هُنا تَضْيِيعُ ما جُبِلَ عَلَيْهِ مِنَ الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ المُشارِ إلَيْها في حَدِيثِ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ» وعَدَمُ الِانْتِفاعِ بِذَلِكَ وظُهُورُهُ بِتَحَقُّقِ ضِدِّهِ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ والتَّعْبِيرُ بِالخاسِرِينَ أبْلَغُ مِنَ التَّعْبِيرِ بِخاسِرٍ كَما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما قَبْلُ وهو مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ ولِذا تُرِكَ مَفْعُولُهُ، والمَعْنى وهو مِن جُمْلَةِ الواقِعِينَ في الخُسْرانِ.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ هو الإسْلامُ إذْ لَوْ كانَ غَيْرُهُ لَمْ يُقْبَلْ، واللّازِمُ باطِلٌ بِالضَّرُورَةِ فالمَلْزُومُ مِثْلُهُ، وأُجِيبَ بِأنَّ ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ يَنْفِي قَبُولَ كُلِّ دِينٍ يُبايِنُ دِينَ الإسْلامِ والإيمانِ، وإنْ كانَ ﴿غَيْرَ الإسْلامِ﴾ لَكِنَّهُ لا يُغايِرُ دِينَ الإسْلامِ بَلْ هو هو بِحَسَبِ الذّاتِ، وإنْ كانَ غَيْرَهُ بِحَسَبِ المَفْهُومِ، وذَكَرَ الإمامُ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ المُغايَرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ يَدُلُّ عَلى المُغايَرَةِ، ووَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُما أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ الأُولى عَلى العُرْفِ الشَّرْعِيِّ، والثّانِيَةُ عَلى الوَضْعِ اللُّغَوِيِّ.
3:86Page 61
كَيۡفَ يَهۡدِي ٱللَّهُ قَوۡمٗا كَفَرُواْ بَعۡدَ إِيمَٰنِهِمۡ وَشَهِدُوٓاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقّٞ وَجَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٨٦
How shall Allāh guide a people who disbelieved after their belief and had witnessed that the Messenger is true and clear signs had come to them? And Allāh does not guide the wrongdoing people.
﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ﴾ إلى الدِّينِ الحَقِّ ﴿قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ عَنِ الحَسَنِ أنَّهم أهْلُ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى رَأوْا نَعْتَ مُحَمَّدٍ ﷺ في كِتابِهِمْ وأقَرُّوا وشَهِدُوا أنَّهُ حَقٌّ، فَلَمّا بُعِثَ مَن غَيْرِهِمْ حَسَدُوا العَرَبَ عَلى ذَلِكَ فَأنْكَرُوهُ وكَفَرُوا بَعْدَ إقْرارِهِمْ حَسَدًا لِلْعَرَبِ حِينَ بُعِثَ مِن غَيْرِهِمْ، وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هم أبُو عامِرٍ الرّاهِبُ والحَرْثُ بْنُ سُوَيْدٍ في اِثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا رَجَعُوا عَنِ الإسْلامِ ولَحِقُوا بِقُرَيْشٍ ثُمَّ كَتَبُوا إلى أهْلِهِمْ هَلْ لَنا مِن تَوْبَةٍ؟ فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ، وأكْثَرُ الرِّواياتِ عَلى هَذا، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ اِسْتِبْعادُ أنْ يَهْدِيَهم أيْ يَدُلَّهم دَلالَةً مُوَصِّلَةً لا مُطْلَقَ الدَّلالَةِ، قالَهُ بَعْضُهُمْ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى كَيْفَ يَسَلُكُ بِهِمْ سَبِيلَ المَهْدِيِّينَ بِالإثابَةِ لَهم والثَّناءِ عَلَيْهِمْ وقَدْ فَعَلُوا ما فَعَلُوا، وقِيلَ: إنَّ الآيَةَ عَلى طَرِيقِ التَّبْعِيدِ كَما يُقالُ: كَيْفَ أهْدِيكَ إلى الطَّرِيقِ وقَدْ تَرَكْتَهُ، أيْ لا طَرِيقَ يَهْدِيهِمْ بِهِ إلى الإيمانِ إلّا مِنَ الوَجْهِ الَّذِي هَداهم بِهِ، وقَدْ تَرَكُوهُ ولا طَرِيقَ غَيْرُهُ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ كَيْفَ يَهْدِيهِمْ إلى الجَنَّةِ ويُثِيبُهم والحالُ ما تَرى؟!
﴿وشَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ﴾ وهو مُحَمَّدٌ ﷺ (حَقٌّ) لا شَكَّ في رِسالَتِهِ ﴿وجاءَهُمُ البَيِّناتُ﴾ أيِ البَراهِينُ والحُجَجُ النّاطِقَةُ بِحَقِّيَّةِ ما يَدَّعِيهِ، وقِيلَ: القُرْآنُ، وقِيلَ: ما في كُتُبِهِمْ مِنَ البِشارَةِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ﴿وشَهِدُوا﴾ عَطْفٌ عَلى ما في إيمانِهِمْ مِن مَعْنى الفِعْلِ لِأنَّهُ بِمَعْنى آمَنُوا، والظّاهِرُ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى المَعْنى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ وأقْرَضُوا اللَّهَ﴾ لا عَلى التَّوَهُّمِ كَما تُوُهِّمَ؛ واخْتارَ بَعْضُهم تَأْوِيلَ المَعْطُوفِ لِيَصِحَّ عَطْفُهُ عَلى الِاسْمِ الصَّرِيحِ قَبْلَهُ بِأنْ يُقَدَّرَ مَعَهُ أنِ المَصْدَرِيَّةُ، أيْ: وإنْ شَهِدُوا، أيْ وشَهادَتُهم عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:
ولُبْسُ عَباءَةٍ وتَقَرُّ عَيْنِي أحَبُّ إلَيَّ مِن لُبْسِ الشُّفُوفِ
وإلى هَذا ذَهَبُ الرّاغِبُ وأبُو البَقاءِ، وجُوِّزَ عَطْفُهُ عَلى ﴿كَفَرُوا﴾ وفَسادُ المَعْنى يَدْفَعُهُ أنَّ العَطْفَ لا يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ فَلْيَكُنِ المُنْكَرُ الشَّهادَةَ المُقارَنَةَ بِالكُفْرِ أوِ المُتَقَدِّمَةَ عَلَيْهِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الظّاهِرَ تَقْيِيدُ المَعْطُوفِ بِما قُيِّدَ بِهِ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ وشَهادَتُهم هَذِهِ لَمْ تَكُنْ بَعْدَ إيمانِهِمْ بَلْ مَعَهُ أوْ قَبْلَهُ؛ وأُجِيبَ بِالمَنعِ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ تَقْيِيدُ
صفحة 217
المَعْطُوفِ بِما قُيِّدَ بِهِ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ ولَوْ قُصِدَ ذَلِكَ لَأُخِّرَ، وقِيلَ: يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ العَطْفِ أنَّهم لَيْسُوا جامِعِينَ بَيْنَ الشَّهادَةِ والكُفْرِ، وأُجِيبَ بِالمَنعِ بَلْ هم جامِعُونَ وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَعًا، ومِنَ النّاسِ مِن جَعَلَهُ مَعْطُوفًا عَلى ﴿كَفَرُوا﴾ ولَمْ يَتَكَلَّفْ شَيْئًا مِمّا ذَكَرَ، وزُعِمَ أنَّ ذَلِكَ في المُنافِقِينَ وهو خِلافُ المَنقُولِ والمَعْقُولِ، والأكْثَرُونَ مِنَ المُحَقِّقِينَ عَلى اِخْتِيارِ الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿كَفَرُوا﴾ وقَدْ مَعَهُ مُقَدَّرَةٌ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ يَهْدِي لِأنَّهُ يَهْدِي مَن شَهِدَ أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ، وعَلَيْهِ وعَلى تَقْدِيرِ العَطْفِ عَلى الإيمانِ اُسْتُدِلَّ عَلى أنَّ الإقْرارَ بِاللِّسانِ خارِجٌ عَنْ حَقِيقَةِ الإيمانِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي بِظاهِرِهِ «اَلْمُغايِرَةَ» بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وأنَّ الحالِيَّةَ تَقْتَضِي التَّقْيِيدَ، ولَوْ كانَ الإقْرارُ داخِلًا في حَقِيقَةِ الإيمانِ لَخَلا ذِكْرُهُ عَنِ الفائِدَةِ، ولَوْ كانَ عَيْنَهُ يَلْزَمُ تَقْيِيدُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ ولا يَخْفى ما فِيهِ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّ المُرادَ مِنَ الإيمانِ الإيمانُ بِاَللَّهِ، ومِنَ الشَّهادَةِ المَذْكُورَةِ الإيمانُ بِرَسُولِهِ ﷺ، والأمْرُ حِينَئِذٍ واضِحٌ، فَتَدَبَّرْ.
﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [ 86 ] أيِ الكافِرِينَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالإخْلالِ بِالنَّظَرِ ووَضْعِ الكُفْرِ مَوْضِعَ الإيمانِ، فَكَيْفَ مَن جاءَهُ الحَقُّ وعَرَفَهُ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْهُ؛ ويَجُوزُ حَمْلُ الظُّلْمِ مُطْلَقِهِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الكَفْرُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والجُمْلَةُ اِعْتِراضِيَّةٌ أوْ حالِيَّةٌ.
3:87Page 61
أُوْلَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُمۡ أَنَّ عَلَيۡهِمۡ لَعۡنَةَ ٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ ٨٧
Those - their recompense will be that upon them is the curse of Allāh and the angels and the people, all together,
﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المَذْكُورُونَ المُتَّصِفُونَ بِأشْنَعِ الصِّفاتِ وهو مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ أيْ جَزاءُ فِعْلِهِمْ مُبْتَدَأٌ ثانٍ، وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [ 87 ] خَبَرُ المُبْتَدَأِ الثّانِي، وهو وخَبَرُهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ، قِيلَ: وهَذا يَدُلُّ بِمَنطُوقِهِ عَلى جَوازِ لَعْنِهِمْ، ومَفْهُومُهُ يَنْفِي جَوازَ لَعْنِ غَيْرِهِمْ، ولَعَلَّ الفَرْقَ بَيْنَهم وبَيْنَ غَيْرِهِمْ حَتّى خَصَّ اللَّعْنَ بِهِمْ أنَّهم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ مَمْنُوعُونَ بِسَبَبِ خَباثَةِ ذَواتِهِمْ وقُبْحِ اِسْتِعْدادِهِمْ مِنَ الهُدى آيِسُونَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى بِخِلافِ غَيْرِهِمْ، والخِلافُ في لَعْنِ أقْوامٍ بِأعْيانِهِمْ مِمَّنْ ورَدَ لَعْنُ أنْواعِهِمْ كَشارِبِ خَمْرٍ مُعَيَّنٍ مَثَلًا مَشْهُورٌ، والنَّوَوِيُّ عَلى جَوازِهِ اِسْتِدْلالًا بِما ورَدَ «أنَّهُ ﷺ مَرَّ بِحِمارٍ وُسِمَ في وجْهِهِ فَقالَ: ”لَعَنَ اللَّهُ تَعالى مَن فَعَلَ هَذا“،» وبِما صَحَّ أنَّ المَلائِكَةَ تَلْعَنُ مَن خَرَجَتْ مِن بَيْتِها بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِها، وأُجِيبَ بِأنَّ اللَّعْنَ هُناكَ لِلْجِنْسِ الدّاخِلِ فِيهِ الشَّخْصِ أيْضًا، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ كَتَأْوِيلِ إنَّ وراكِبِها بِذَلِكَ والِاحْتِياطُ لا يَخْفى، والمُرادُ مِنَ النّاسِ إمّا المُؤْمِنُونَ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَلْعَنُونَ الكَفَرَةَ، أوِ المُطْلَقُ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ يَلْعَنُ مَن لَمْ يَتَّبِعِ الحَقَّ، وإنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرَ مُتَّبِعٍ بِناءً عَلى زَعْمِهِ.
3:88Page 61
خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ٨٨
Abiding eternally therein. The punishment will not be lightened for them, nor will they be reprieved,
﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ والعامِلُ فِيهِ الِاسْتِقْرارُ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلَّعْنَةِ أوْ لِلْعُقُوبَةِ أوْ لِلنّارِ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ اِكْتِفاءً بِدَلالَةِ اللَّعْنَةِ عَلَيْها ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ [ 88 ] أيْ لا يُمْهَلُونَ ولا يُؤَخَّرُ عَنْهُمُ العَذابُ مِن وقْتٍ إلى وقْتٍ آخَرَ، أوْ لا يُنْظَرُ إلَيْهِمْ ولا يُعْتَدُّ بِهِمْ، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
3:89Page 61
إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ٨٩
Except for those who repent after that1 and correct themselves. For indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيِ الكُفْرِ الَّذِي اِرْتَكَبُوهُ بَعْدَ الإيمانِ ﴿وأصْلَحُوا﴾ أيْ دَخَلُوا في الصَّلاحِ بِناءً عَلى أنَّ الفِعْلَ لازِمٌ مِن قَبِيلِ أصْبَحُوا أيْ دَخَلُوا في الصَّباحِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ أصْلَحُوا ما أفْسَدُوا، فَفِيهِ إشارَةٌ كَما قِيلَ إلى أنَّ مُجَرَّدَ النَّدَمِ عَلى ما مَضى مِنَ الِارْتِدادِ والعَزْمَ عَلى تَرْكِهِ في الِاسْتِقْبالِ غَيْرُ كافٍ، لِما أخَلُّوا بِهِ مِنَ الحُقُوقِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ مُجَرَّدَ التَّوْبَةِ يُوجِبُ تَخْفِيفَ العَذابِ ونَظَرَ الحَقِّ إلَيْهِمْ، فالظّاهِرُ أنَّهُ لَيْسَ تَقْيِيدًا بَلْ بَيانًا لِأنْ يُصْلِحَ ما فَسَدَ.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِوارِدٍ لِأنَّ مُجَرَّدَ النَّدَمِ والعَزْمِ
صفحة 218
عَلى تَرْكِ الكُفْرِ في المُسْتَقْبَلِ لا يُخْرِجُهُ مِنهُ فَهو بَيانٌ لِلتَّوْبَةِ المُعْتَدُّ بِها، فالمَآلُ واحِدٌ عِنْدَ التَّحْقِيقِ، ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [ 89 ] أيْ فَيَغْفِرُ كُفْرَهم ويُثِيبُهُمْ، وقِيلَ: ﴿غَفُورٌ﴾ لَهم في الدُّنْيا بِالسَّتْرِ عَلى قَبائِحِهِمْ ﴿رَحِيمٌ﴾ بِهِمْ في الآخِرَةِ بِالعَفْوِ عَنْهم ولا يَخْفى بُعْدُهُ والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِثْناءُ.
3:90Page 61
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعۡدَ إِيمَٰنِهِمۡ ثُمَّ ٱزۡدَادُواْ كُفۡرٗا لَّن تُقۡبَلَ تَوۡبَتُهُمۡ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ ٩٠
Indeed, those who disbelieve [i.e., reject the message] after their belief and then increase in disbelief - never will their [claimed] repentance be accepted, and they are the ones astray.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ قالَ عَطاءٌ وقَتادَةُ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ كَفَرُوا بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ والإنْجِيلِ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِأنْبِيائِهِمْ وكُتُبِهِمْ، ثُمَّ اِزْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ ﷺ والقُرْآنِ، وقِيلَ: في أهْلِ الكِتابِ آمَنُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، ثُمَّ كَفَرُوا بِهِ بَعْدَ مَبْعَثِهِ، ثُمَّ اِزْدادُوا كُفْرًا بِالإصْرارِ والعِنادِ والصَّدِّ عَنِ السَّبِيلِ، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى الحَسَنِ، وقِيلَ: في أصْحابِ الحَرْثِ بْنِ سُوَيْدٍ فَإنَّهُ لَمّا رَجَعَ قالُوا: نُقِيمُ بِمَكَّةَ عَلى الكُفْرِ ما بَدا لَنا فَمَتى أرَدْنا الرَّجْعَةَ رَجَعْنا فَيَنْزِلُ فِينا ما نَزَلَ في الحَرْثِ، وقِيلَ: في قَوْمٍ مِن أصْحابِهِ مِمَّنْ كانَ يَكْفُرُ ثُمَّ يُراجِعُ الإسْلامَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي صالِحٍ مَوْلى أُمِّ هانِئٍ، و﴿كُفْرًا﴾ تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنْ فاعِلٍ، والدّالُ الأُولى في ﴿ازْدادُوا﴾ بَدَلٌ مِن تاءِ الِافْتِعالِ لِوُقُوعِها بَعْدَ الزّايِ.
﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ والجُبّائِيُّ: لِأنَّهم لا يَتُوبُونَ إلّا عِنْدُ حُضُورِ المَوْتِ والمُعايَنَةِ وعِنْدَ ذَلِكَ لا تُقْبَلُ تَوْبَةُ الكافِرِ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لِأنَّها لَمْ تَكُنْ عَنْ قَلْبٍ، وإنَّما كانَتْ نِفاقًا، وقِيلَ: إنَّ هَذا مِن قَبِيلِ:
ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ
أيْ لا تَوْبَةَ لَهم حَتّى تُقْبَلَ لِأنَّهم لَمْ يُوَفَّقُوا لَها، فَهو مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ، كَما قالَ العَلّامَةُ دُونَ المَجازِ حَيْثُ أُرِيدَ بِالكَلامِ مَعْناهُ لِيَنْتَقِلَ مِنهُ إلى المَلْزُومِ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ لا يُنافِي هَذا ما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِثْناءُ وتَقَرَّرَ في الشَّرْعِ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ التَّوْبَةَ لَمْ تَكُنْ عَنِ الكُفْرِ وإنَّما هي عَنْ ذُنُوبٍ كانُوا يَفْعَلُونَها مَعَهُ فَتابُوا عَنْها مَعَ إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ فَرُدَّتْ عَلَيْهِمْ لِذَلِكَ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: هَؤُلاءِ اليَهُودُ والنَّصارى كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ اِزْدادُوا كُفْرًا بِذُنُوبٍ أذْنَبُوها ثُمَّ ذَهَبُوا يَتُوبُونَ مِن تِلْكَ الذُّنُوبِ في كُفْرِهِمْ فَلَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُمْ، ولَوْ كانُوا عَلى الهُدى قُبِلَتْ ولَكِنَّهم عَلى ضَلالَةٍ، وتَجِيءُ عَلى هَذا مَسْألَةُ تَكْلِيفِ الكافِرِ بِالفُرُوعِ وقَدْ بُسِطَ الكَلامُ عَلَيْها في الأُصُولِ.
﴿وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ [ 90 ] عَطْفٌ إمّا عَلى خَبَرِ (إنَّ) فَمَحَلُّها الرَّفْعُ، وإمّا عَلى (إنَّ) مَعَ اِسْمِها فَلا مَحَلَّ لَها، و﴿الضّالُّونَ﴾ المُخْطِئُونَ طَرِيقَ الحَقِّ والنَّجاةِ، وقِيلَ: الهالِكُونَ المُعَذَّبُونَ، والحَصْرُ بِاعْتِبارِ أنَّهم كامِلُونَ في الضَّلالِ فَلا يُنافِي وُجُودَ الضَّلالِ في غَيْرِهِمْ أيْضًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences