Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:93–96
3:93Page 62
۞ كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلّٗا لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسۡرَٰٓءِيلُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦ مِن قَبۡلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوۡرَىٰةُۚ قُلۡ فَأۡتُواْ بِٱلتَّوۡرَىٰةِ فَٱتۡلُوهَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٩٣
All food was lawful to the Children of Israel except what Israel [i.e., Jacob] had made unlawful to himself before the Torah was revealed. Say, [O Muḥammad], "So bring the Torah and recite it, if you should be truthful."
صفحة 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾
رَوى الواحِدِيُّ عَنِ الكَلْبِيِّ «أنَّهُ حِينَ قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: أنا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ قالَتِ اليَهُودُ: كَيْفَ وأنْتَ تَأْكُلُ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها ؟ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: كانَ ذَلِكَ حَلالًا لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَنَحْنُ نُحِلُّهُ، فَقالَتِ اليَهُودُ: كُلُّ شَيْءٍ أصْبَحْنا اليَوْمَ نُحَرِّمُهُ فَإنَّهُ كانَ مُحَرَّمًا عَلى نُوحٍ وإبْراهِيمَ حَتّى انْتَهى إلَيْنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ تَكْذِيبًا لَهم» . والطَّعامُ بِمَعْنى المَطْعُومِ، ويُرادُ بِهِ هُنا المَطْعُوماتُ مُطْلَقًا أوِ المَأْكُولاتِ، وهو لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا مَنعُوتًا بِهِ مَعْنًى يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ المُذَكَّرُ وغَيْرُهُ وهو الأصْلُ المُطَّرِدُ، فَلا يُنافِيهِ قَوْلُ الرَّضِيِّ: إنَّهُ يُقالُ: رَجُلٌ عَدْلٌ ورَجُلانِ عَدْلانِ لِأنَّهُ رِعايَةٌ لِجانِبِ المَعْنى، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ يَجْعَلُ كُلًّا لِلتَّأْكِيدِ لِأنَّ الِاسْتِغْراقَ شَأْنُ الجَمْعِ المُعَرَّفِ بِاللّامِ، والحِلُّ مَصْدَرٌ أيْضًا أُرِيدَ مِنهُ حَلالًا، والمُرادُ الإخْبارُ عَنْ أكْلِ الطَّعامِ بِكَوْنِهِ حَلالًا لا نَفْسَ الطَّعامِ لِأنَّ الحِلَّ كالحُرْمَةِ مِمّا لا يَتَعَلَّقُ بِالذَّواتِ ولا يُقَدَّرُ نَحْوَ الإنْفاقِ، وإنْ صَحَّ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقَ الحِلِّ ورُبَّما تَوَهَّمَ بِقَرِينَةِ ما قَبْلَهُ لِأنَّهُ خِلافُ الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ.
و( إسْرائِيلُ ) هو يَعْقُوبُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وعَنْ أبِي مِجْلَزٍ أنَّ مَلِكًا سَمّاهُ بِذَلِكَ بَعْدَ أنْ صَرَعَهُ وضَرَبَ عَلى فَخِذِهِ.
﴿إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: حَرَّمَ لُحُومَ الأنْعامِ، ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ حَرَّمَ زائِدَتَيِ الكَبِدِ والكُلْيَتَيْنِ والشَّحْمِ إلّا ما كانَ عَلى الظَّهْرِ، وعَنْ عَطاءٍ أنَّهُ حَرَّمَ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها، وسَبَبُ تَحْرِيمِ ذَلِكَ كَما في الحَدِيثِ الَّذِي أخْرَجَهُ الحاكِمُ وغَيْرُهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ بِهِ عِرْقُ النَّسا فَنَذَرَ إنْ شُفِيَ لَمْ يَأْكُلْ أحَبَّ الطَّعامِ إلَيْهِ وكانَ ذَلِكَ أحَبَّ إلَيْهِ، وفي رِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ أنَّهُ كانَ بِهِ ذَلِكَ الدّاءُ فَأكَلَ مِن لُحُومِ الإبِلِ فَباتَ بِلَيْلَةٍ يَزْقُو فَحَلَفَ أنْ لا يَأْكُلَهُ أبَدًا، وقِيلَ: حَرَّمَهُ عَلى نَفْسِهِ تَعَبُّدًا وسَألَ اللَّهَ تَعالى أنَّ يُجِيزَ لَهُ فَحَرَّمَ سُبْحانَهُ عَلى ولَدِهِ ذَلِكَ، ونُسِبَ هَذا إلى الحَسَنِ، وقِيلَ: إنَّهُ حَرَّمَهُ وكَفَّ نَفْسَهُ عَنْهُ كَما يُحَرِّمُ المُسْتَظْهِرُ في دِينِهِ مِنَ الزُّهّادِ اللَّذائِذَ عَلى نَفْسِهِ.
وذَهَبَ كَثِيرٌ إلى أنَّ التَّحْرِيمَ كانَ بِنَصٍّ ورَدَ عَلَيْهِ، وقالَ بَعْضٌ: كانَ ذَلِكَ عَنِ اجْتِهادٍ ويُؤَيِّدُهُ ظاهِرُ النَّظْمِ، وبِهِ اسْتُدِلَّ عَلى جَوازِهِ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والِاسْتِغْناءُ مُتَّصِلٌ لِأنَّ المُرادَ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ أنَّهُ حَرَّمَهُ عَلى نَفْسِهِ وعَلى أوْلادِهِ، وقِيلَ: مُنْقَطِعٌ، والتَّقْدِيرُ ولَكِنْ حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ خاصَّةً ولَمْ يُحَرِّمْهُ عَلَيْهِمْ وصَحَّحَ الأوَّلَ.
﴿مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانَ حِلا﴾ ولا يَضُرُّ الفَصْلُ بِالِاسْتِثْناءِ إذْ هو فَصْلٌ جائِزٌ، وذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ الكِسائِيِّ وأبِي الحَسَنِ في جَوازِ أنْ يَعْمَلَ ما قَبْلُ إلّا فِيما بَعْدَها إذا كانَ ظَرْفًا أوْ جارًّا أوْ مَجْرُورًا أوْ حالًا، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِحُرِّمَ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ بَعِيدٌ إذْ هو مِنَ الإخْبارِ بِالواضِحِ المَعْلُومِ ضَرُورَةً ولا فائِدَةَ فِيهِ، واعْتَذَرَ عَنْهُ بِأنَّ فائِدَةَ ذَلِكَ بَيانُ أنَّ التَّحْرِيمَ مُقَدَّمٌ عَلَيْها، وأنَّ التَّوْراةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى مُحَرَّماتٍ أُخَرَ حَدَثَتْ عَلَيْهِمْ حَرَجًا وتَضْيِيقًا، واخْتارَ بَعْضُهم أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ كانَ حَلًّا
صفحة 3
﴿مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾ في جَوابِ سُؤالٍ نَشَأ مِن سابِقِ المُسْتَثْنى كَأنَّهُ قِيلَ: مَتى كانَ حِلًّا ؟ فَأُجِيبَ بِهِ، والَّذِي دَعاهُ إلى ذَلِكَ عَدَمُ ظُهُورِ فائِدَةِ تَقْيِيدِ التَّحْرِيمِ ولُزُومِ قَصْرِ الصِّفَةِ قَبْلَ تَمامِها عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِهِ قَيْدًا لِلْحِلِّ.
ولا يَخْفى ما فِيهِ، والمَعْنى عَلى الظّاهِرِ أنَّ كُلَّ الطَّعامِ ما عَدا المُسْتَثْنى كانَ حَلالًا لِبَنِي إسْرائِيلَ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْراةِ مُشْتَمِلَةً عَلى تَحْرِيمِ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ لِظُلْمِهِمْ، وفي ذَلِكَ رَدٌّ لِلْيَهُودِ في دَعْواهُمُ البَراءَةَ فِيما نَعى عَلَيْهِمْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( وعَلى الَّذِينَ هادَوْا حَرَمنا 0 الآيَتَيْنِ، وتَبْكِيتٌ لَهم في مَنعِ النَّسَخِ ضَرُورَةَ أنَّ تَحْرِيمَ ما كانَ حَلالًا لا يَكُونُ إلّا بِهِ، ودَفْعَ الطَّعْنِ في دَعْوى الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مُوافَقَتَهُ لِأبِيهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ سَبَبُ النُّزُولِ.
وذَهَبَ السُّدِّيُّ إلى أنَّهُ لَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْهِمْ عِنْدَ نُزُولِ التَّوْراةِ إلّا ما كانَ يُحَرِّمُونَهُ قَبْلَ نُزُولِها اقْتِداءً بِأبِيهِمْ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: لَمْ يُحِرِّمْ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ ما حُرِّمَ في التَّوْراةِ، وأنَّما حَرَّمَهُ بَعْدَها بِظُلْمِهِمْ وكُفْرِهِمْ، فَقَدْ كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إذا أصابَتْ ذَنْبًا عَظِيمًا حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ طَعامًا طَيِّبًا وصَبَّ عَلَيْهِمْ رِجْزًا، وعَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ لَمْ يُحِرِّمِ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ في التَّوْراةِ ولا بَعْدَها، وإنَّما هو شَيْءٌ حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمُ اتِّباعًا لِأبِيهِمْ، وإضافَةُ تَحْرِيمِهِ إلى اللَّهِ تَعالى مَجازٌ وهَذا في غايَةِ البُعْدِ ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها﴾ أمْرٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ يُحاجَّهم بِكِتابِهِمُ النّاطِقِ بِصِحَّةِ ما يَقُولُ في أمْرِ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، وإظْهارُ اسْمِ التَّوْراةِ لِكَوْنِ الجُمْلَةِ كَلامًا مَعَ اليَهُودِ مُنْقَطِعًا عَمّا قَبْلَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ في دَعْواكم، شَرْطٌ حُذِفَ جَوابُهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلُهُ عَلَيْهِ أيْ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها، رُوِيَ أنَّهم لَمْ يَجْسُرُوا عَلى الإتْيانِ بِها فَبُهِتُوا وأُلْقِمُوا حَجَرًا.
وفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ ظاهِرٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذْ عَلِمَ بِأنَّ ما في التَّوْراةِ يَدُلُّ عَلى كَذِبِهِمْ وهو لَمْ يَقْرَأْها ولا غَيْرَها مِن زُبُرِ الأوَّلِينَ، ومِثْلُهُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ وحْيٍ.
3:94Page 62
فَمَنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٩٤
And whoever invents about Allāh untruth after that - then those are [truly] the wrongdoers.
﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ أيِ اخْتَرَعَ ذَلِكَ بِزَعْمِهِ أنَّ التَّحْرِيمَ كانَ عَلى الأنْبِياءِ وأُمَمِهِمْ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْراةِ. ( فَمَن ) عِبارَةٌ عَنْ أُولَئِكَ اليَهُودِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عامَّةً ويَدْخُلُونَ حِينَئِذٍ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وأصْلُ الِافْتِراءِ قَطْعُ الأدِيمِ يُقالُ: فَرى الأدِيمَ يَفْرِيهِ فَرْيًا إذا قَطَعَهُ، واسْتُعْمِلَ في الِابْتِداعِ والِاخْتِلاقِ، والجُمْلَةُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً وأنْ تَكُونَ مَنصُوبَةَ المَحَلِّ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ( فَأْتُوا ) فَتَدْخُلُ تَحْتَ القَوْلِ، ومَن؛ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، وقَدْ رُوعِيَ لَفْظُها ومَعْناها ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ أمْرُهم بِما ذُكِرَ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن قِيامِ الحُجَّةِ وظُهُورِ البَيِّنَةِ.
( ﴿فَأُولَئِكَ﴾ ) أيِ المُفْتَرُونَ المُبْعَدُونَ عَنْ عِزِّ القُرْبِ ﴿هُمُ الظّالِمُونَ﴾ لِأنْفُسِهِمْ بِفِعْلِ ما أوْجَبَ العِقابَ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: هُمُ الظّالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ ولِأشْياعِهِمْ بِإضْلالِهِمْ لَهم بِسَبَبِ إصْرارِهِمْ عَلى الباطِلِ وعَدَمِ تَصْدِيقِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإنَّما قُيِّدَ بِالبُعْدِيَّةِ مَعَ أنَّهُ يَسْتَحِقُّ الوَعِيدَ بِالكَذِبِ عَلى اللَّهِ تَعالى في كُلِّ وقْتٍ وفي كُلِّ حالٍ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمال القُبْحِ، وقِيلَ: لِبَيانِ أنَّهُ إنَّما يُؤاخِذُ بِهِ بَعْدَ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، ومَن كَذَبَ فِيما لَيْسَ بِمَحْجُوجٍ فِيهِ فَهو بِمَنزِلَةِ الصَّبِيِّ الَّذِي لا يَسْتَحِقُّ الوَعِيدَ بِكَذِبِهِ، وفِيهِ تَأمُّلٌ، ثُمَّ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّ الأكْلَ إنْفاقٌ مِمّا يُحِبُّ لَكِنْ عَلى نَفْسِهِ، وإلى ذَلِكَ أشارَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ مُحاجَّتُهم في مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ مِمّا أنْكَرُوا عَلى نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أكْلُ لُحُومِ الإبِلِ وادَّعَوْا أنَّهُ خِلافُ مِلَّةِ إبْراهِيمَ ناسَبَ أنْ يَذْكُرَ رَدَّ دَعْواهم ذَلِكَ عَقِيبَ تِلْكَ المُحاجَّةِ.
3:95Page 62
قُلۡ صَدَقَ ٱللَّهُۗ فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٩٥
Say, "Allāh has told the truth. So follow the religion of Abraham, inclining toward truth; and he was not of the polytheists."1
﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ أيْ ظَهَرَ وثَبَتَ صِدْقُهُ في أنَّ
صفحة 4
﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلَ عَلى نَفْسِهِ﴾ وقِيلَ: في أنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّ دِينَهُ الإسْلامُ، وقِيلَ: في كُلِّ ما أخْبَرَ بِهِ، ويَدْخُلُ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا وفِيهِ كَما قِيلَ: تَعْرِيضٌ بِكَذِبِهِمُ الصَّرِيحِ ﴿فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ وهي دِينُ الإسْلامِ فَإنَّكم غَيْرُ مُتَّبِعِينَ مِلَّتَهُ كَما تَزْعُمُونَ، وقِيلَ: اتَّبِعُوا مِثْلَ مِلَّتِهِ حَتّى تَخَلَّصُوا عَنِ اليَهُودِيَّةِ الَّتِي اضْطَرَّتْكم إلى الكَذِبِ عَلى اللَّهِ والتَّشْدِيدِ عَلى أنْفُسِكم، وقِيلَ: اتَّبِعُوا مِلَّتَهُ في اسْتِباحَةِ أكْلِ لُحُومِ الإبِلِ وشُرْبِ ألْبانِها مِمّا كانَ حِلًّا لَهُ ( ﴿حَنِيفًا﴾ ) أيْ مائِلًا عَنْ سائِرِ الأدْيانِ الباطِلَةِ إلى دِينِ الحَقِّ، أوْ مُسْتَقِيمًا عَلى ما شَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الدِّينِ الحَقِّ في حَجِّهِ ونُسُكِهِ ومَأْكَلِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ . أيْ في أمْرٍ مِن أُمُورِ دِينِهِمْ أصْلًا وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِشِرْكِ أُولَئِكَ المُخاطَبِينَ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها.
3:96Page 62
إِنَّ أَوَّلَ بَيۡتٖ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكٗا وَهُدٗى لِّلۡعَٰلَمِينَ ٩٦
Indeed, the first House [of worship] established for mankind was that at Bakkah [i.e., Makkah] - blessed and a guidance for the worlds.
﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: «بَلَغَنا أنَّ اليَهُودَ قالَتْ: بَيْتُ المَقْدِسِ أعْظَمُ مِنَ الكَعْبَةِ لِأنَّهُ مُهاجَرُ الأنْبِياءِ ولِأنَّهُ في الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: بَلِ الكَعْبَةُ أعْظَمُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَنَزَلَتْ إلى ﴿مَقامُ إبْراهِيمَ﴾» .
ورُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، ووَجْهُ رَبْطِها بِما قَبْلَها أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ الكَفَرَةَ بِاتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، ومِن مَلَّتِهِ تَعْظِيمُ بَيْتِ اللَّهِ تَعالى الحَرامِ، فَناسَبَ ذِكْرَ البَيْتِ وفَضْلَهَ وحُرْمَتَهُ لِذَلِكَ، وقِيلَ: وجْهُ المُناسِبَةِ أنَّ هَذِهِ شُبْهَةٌ ثانِيَةٌ ادَّعُوها فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى فِيها كَما أكْذَبَهم في سابِقَتِها، والمَعْنى إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِعِبادَةِ النّاسِ رَبَّهم أيْ هُيِّئَ وجُعِلَ مُتَعَبَّدًا؛ والواضِعُ هو اللَّهُ تَعالى كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ ( وضَعَ ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ راجِعًا إلى اللَّهِ تَعالى، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ سُبْحانَهُ صَرِيحًا في الآيَةِ بِناءً عَلى أنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ، واحْتِمالُ عَوْدِهِ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِاشْتِهارِهِ بِبِناءِ البَيْتِ خِلافُ الظّاهِرِ، وجُمْلَةُ ( وُضِعَ ) في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى أنَّها صِفَةُ ( بَيْتٍ ) و( لِلنّاسِ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ واللّامُ فِيهِ لِلْعِلَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ خَبَرُ إنَّ واللّامُ مُزَحْلَقَةٌ، وأخْبَرَ بِالمَعْرِفَةِ عَنِ النَّكِرَةِ لِتَخْصِيصِها، وهَذا في بابِ إنَّ، و– بَكَّةُ - لُغَةٌ في مَكَّةَ عِنْدَ الأكْثَرِينَ، والباءُ والمِيمُ تَعْقُبُ إحْداهُما الأُخْرى كَثِيرًا، ومِنهُ نَمِيطٌ ونَبِيطٌ، ولازِمٌ ولازِبٌ، وراتِبٌ وراتِمٌ، وقِيلَ: هُما مُتَغايِرانِ؛ فَبَكَّةُ مَوْضِعُ المَسْجِدِ، ومَكَّةُ البَلَدُ بِأسْرِها، وأصْلُها مِنَ البَكِّ بِمَعْنى الزَّحْمِ، يُقالُ بَكَّهُ يَبُكُّهُ بَكًّا إذا زَحَمَهُ، وتَباكَّ النّاسُ إذا ازْدَحَمُوا، وكَأنَّها إنَّما سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِازْدِحامِ الحَجِيجِ فِيها، وقِيلَ: بِمَعْنى الدَّقِّ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لَدَقِّ أعْناقِ الجَبابِرَةِ إذا أرادُوها بِسُوءٍ، وإذْلالِهِمْ فِيها، ولِذا تَراهم في الطَّوافِ كَآحادِ النّاسِ، ولَوْ أمْكَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن تَخْلِيَةِ المَطافِ لَفَعَلُوا؛ وقِيلَ: إنَّها مَأْخُوذَةٌ مِن بَكَأتِ النّاقَةُ أوِ الشّاةُ إذا قَلَّ لَبَنُها، وكَأنَّها إنَّما سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِقِلَّةِ مائِها وخِصْبِها، قِيلَ: ومِن هُنا سُمِّيَتِ البَلَدُ مَكَّةَ أيْضًا أخْذًا لَها مِن أمْتَكَ الفَصِيلُ ما في الضَّرْعِ إذا امْتَصَّهُ ولَمْ يُبْقِ فِيهِ مِنَ اللَّبَنِ شَيْئًا، وقِيلَ: هي مِن مَكَّهُ اللَّهُ تَعالى إذا اسْتَقْصاهُ بِالهَلاكِ، ثُمَّ المُرادُ بِالأوَّلِيَّةِ الأوَّلِيَّةُ بِحَسَبِ الزَّمانِ، وقِيلَ: بِحَسَبِ الشَّرَفِ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ أوَّلِ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ فَقالَ: المَسْجِدُ الحَرامُ، ثُمَّ بَيْتُ المَقْدِسِ. فَقِيلَ: كَمْ بَيْنَهُما ؟ فَقالَ: أرْبَعُونَ سَنَةً» . واسْتَشْكَلَ ذَلِكَ بِأنَّ بانِيَ المَسْجِدِ الحَرامِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وبانِيَ الأقْصى داوُدُ ثُمَّ ابْنُهُ سُلَيْمانُ عَلَيْهِما السَّلامُ، ورَفَعَ قُبَّتَهُ ثَمانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا، وبَيْنَ بِناءِ إبْراهِيمَ وبِنائِهِما مُدَّةٌ تَزِيدُ عَلى الأرْبَعِينَ بِأمْثالِها،
صفحة 5
وأُجِيبَ بِأنَّ الوَضْعَ غَيْرُ البِناءِ، والسُّؤالُ عَنْ مُدَّةِ ما بَيْنَ وضَعَيْهِما لا عَنْ مُدَّةِ ما بَيْنَ بِناءَيْهِما، فَيُحْتَمَلُ أنَّ واضِعَ الأقْصى بَعْضُ الأنْبِياءِ قَبْلَ داوُدَ وابْنِهِ عَلَيْهِما السَّلامُ ثُمَّ بَنَياهُ بَعْدَ ذَلِكَ، ولا بُدَّ مِن هَذا التَّأْوِيلِ - قالَهُ الطَّحاوِيُّ - وأجابَ بَعْضُهم عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ مِنَ الوَضْعِ البِناءُ بِأنَّ بانِيَ المَسْجِدِ الحَرامِ والمَسْجِدِ الأقْصى هو إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ بَنى الأقْصى بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً مِن بِنائِهِ المَسْجِدَ الحَرامَ، وادَّعى فَهْمَ ذَلِكَ مِنَ الحَدِيثِ فَتَدَبَّرْ.
ووَرَدَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ أوَّلَ مَن بَنى البَيْتَ المَلائِكَةُ وقَدْ بَنَوْهُ قَبْلَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِألْفَيْ عامٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، وحُكِيَ أنَّ بِناءَ المَلائِكَةِ لَهُ كانَ مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ ثُمَّ بَناهُ آدَمُ ثُمَّ شِيثُ ثُمَّ إبْراهِيمُ ثُمَّ العَمالِقَةُ ثُمَّ جُرْهُمُ ثُمَّ قُصَيٌّ ثُمَّ قُرَيْشٌ ثُمَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ثُمَّ الحَجّاجُ، واسْتَمَرَّ بِناءُ الحَجّاجِ إلى الآنِ إلّا في المِيزابِ والبابِ والعَتَبَةِ، ووَقَعَ التَّرْمِيمُ في الجِدارِ والسَّقْفِ غَيْرَ مَرَّةٍ، وجُدِّدَ فِيهِ الرُّخامُ وقِيلَ: إنَّهُ نَزَلَ مَعَ آدَمَ مِنَ الجَنَّةِ ثُمَّ رُفِعَ بَعْدَ مَوْتِهِ إلى السَّماءِ، وقِيلَ: بُنِيَ قَبْلَهُ ورُفِعَ في الطُّوفانِ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، وقِيلَ: الرّابِعَةِ، وذَهَبَ أكْثَرُ أهْلِ الأخْبارِ أنَّ الأرْضَ دُحِيَتْ مِن تَحْتِهِ، وقَدْ أسْلَفْنا لَكَ ما يَنْفَعُكَ هُنا فَتَذَكَّرْ. ( ﴿مُبارَكًا﴾ ) أيْ كَثِيرُ الخَيْرِ لِما أنَّهُ يُضاعَفُ فِيهِ ثَوابُ العِبادَةِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: لِأنَّهُ يُغْفَرُ فِيهِ الذُّنُوبُ لِمَن حَجَّهُ وطافَ بِهِ واعْتَكَفَ عِنْدَهُ.
وقالَ القَفّالُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَرَكَتُهُ ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وقِيلَ: بَرَكَتُهُ دَوامُ العِبادَةِ فِيهِ ولُزُومُها، وقَدْ جاءَتِ البَرَكَةُ بِمَعْنَيَيْنِ: النُّمُوُّ وهو الشّائِعُ، والثُّبُوتُ ومِنهُ البَرَكَةُ لِثُبُوتِ الماءِ فِيها والبَرَكُ الصَّدْرُ لِثُبُوتِ الحِفْظِ فِيهِ، وتَبارَكَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِمَعْنى ثَبَتَ ولَمْ يَزُلْ، ووَجَّهَ الكَرْمانِيُّ كَوْنَهُ مُبارَكًا بِأنَّ الكَعْبَةَ كالنُّقْطَةِ وصُفُوفَ المُتَوَجِّهِينَ إلَيْها في الصَّلَواتِ كالدَّوائِرِ المُحِيطَةِ بِالمَرْكَزِ، ولا شَكَّ أنَّ فِيهِمْ أشْخاصًا أرْواحُهم عُلْوِيَّةٌ وقُلُوبُهم قُدْسِيَّةٌ وأسْرارُهم نُورانِيَّةٌ وضَمائِرُهم رَبّانِيَّةٌ، ومَن كانَ في المَسْجِدِ الحَرامِ يَتَّصِلُ أنْوارُ تِلْكَ الأرْواحِ الصّافِيَةِ المُقَدَّسَةِ بِنُورِ رُوحِهِ فَتَزْدادُ الأنْوارُ الآلِهِيَّةُ في قَلْبِهِ وهَذا غايَةُ البَرَكَةِ، ثُمَّ إنَّ الأرْضَ كُرَيَّةٌ، وكُلُّ آنٍ يُفْرَضُ فَهو صُبْحٌ لِقَوْمٍ ظُهْرٌ لِثانٍ عَصْرٌ لِثالِثٍ وهَلُمَّ جَرّا، فَلَيْسَتِ الكَعْبَةُ مُنْفَكَّةً قَطُّ عَنْ تَوَجُّهِ قَوْمٍ إلَيْها لِأداءِ الفَرائِضِ فَهو دائِمًا كَذَلِكَ، والمَنصُوبُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الظَّرْفِ الواقِعِ صِلَةً.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ جَعْلَهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ( وُضِعَ ﴿وهُدًى لِلْعالَمِينَ﴾ [96]: أيْ هادٍ لَهم إلى الجَنَّةِ الَّتِي أرادَها سُبْحانَهُ أوْ هادٍ إلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ بِما فِيهِ مِنَ الآياتِ العَجِيبَةِ كَما قالَ تَعالى:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences