Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:97–100, continued
والثّانِي: أنَّ القَوْلَ بِأنَّ التَّكْلِيفَ في صَرائِحِ الكِتابِ والسُّنَّةِ إنَّما تَعَلَّقَ إلَخْ، فِيهِ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مُطْلَقُ المُقارِنَةِ بَلِ المُقارَنَةُ عَلى جِهَةِ التَّعَلُّقِ، فالكَسْبُ عِبارَةٌ عَنْ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ الحادِثَةِ بِالمَقْدُورِ مِن غَيْرِ تَأْثِيرٍ كَما في عِبارَةِ غَيْرِ واحِدٍ، فالأوامِرُ والنَّواهِي مُتَعَلِّقَةٌ بِالأفْعالِ الَّتِي هي اخْتِيارِيَّةٌ في الظّاهِرِ بِاعْتِبارِ هَذا التَّعَلُّقِ الَّذِي لا تَأْثِيرَ مَعَهُ وادِّعاءُ أنَّها صَرائِحُ في التَّعَلُّقِ مَعَ التَّأْثِيرِ مَمْنُوعٌ بَلْ هي مُحْتَمَلَةٌ، ولَوْ سُلِّمَ أنَّها ظاهِرَةٌ في التَّأْثِيرِ، فالظّاهِرُ قَدْ يُعْدَلُ عَنْهُ لِدَلِيلِ خِلافِهِ، والقَوْلُ بِأنّا لا نَفْهَمُ مِن تَعَلُّقِ القُدْرَةِ إلّا تَأْثِيرَها وإلّا فَلَيْسَتْ بِقُدْرَةٍ، فَكَيْفَ يَثْبُتُ لِلْقُدْرَةِ تَعَلُّقٌ بِلا تَأْثِيرٍ، سُؤالٌ مَشْهُورٌ ( وجَوابُهُ ) ما في شَرْحِ المَواقِفِ وغَيْرِهِ مِن أنَّ التَّأْثِيرَ مِن تَوابِعِ القُدْرَةِ، وقَدْ يَنْفَكُّ عَنْها، ويُجابُ بِأنَّ تَفْسِيرَ الكَسْبِ - بِالتَّعَلُّقِ الَّذِي لا تَأْثِيرَ مَعَهُ مُرادًا بِهِ التَّحْصِيلُ بِحَسَبِ ظاهِرِ الأمْرِ فَقَطْ - مُصادِمٌ لِلنُّصُوصِ النّاطِقَةِ بِأنَّ العَبْدَ مُتَمَكِّنٌ مِن إيجادِ أفْعالِهِ الِاخْتِيارِيَّةِ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، ولا دَلِيلَ عَلى خِلافِهِ يُوجِبُ العُدُولَ، واللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا يُنافِي التَّأْثِيرَ بِالإذْنِ عَلى أنَّ تَعَلُّقَ القُدْرَةِ تابِعٌ لِلْإرادَةِ، وتَعَلُّقُها عَلى القَوْلِ بِنَفْيِ التَّأْثِيرِ بِالكُلِّيَّةِ غَيْرُ صَحِيحٍ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الجَلالِ الدَّوانِيِّ في بَيانِ مَبادِي الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ، ويُوَضِّحُهُ كَلامُ حُجَّةِ الإسْلامِ الغَزالِيِّ في كِتابِ التَّوْحِيدِ والتَّوَكُّلِ مِنَ الإحْياءِ، وأمّا ما في شَرْحِ المَواقِفِ وغَيْرِهِ مِن أنَّ التَّأْثِيرَ قَدْ يَنْفَكُّ عَنِ القُدْرَةِ فَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ إذْ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى كانَ، وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وإنَّما الإنْكارُ عَلى نَفْيِ التَّأْثِيرِ بِالكُلِّيَّةِ عَنِ القُدْرَةِ الحادِثَةِ، والِاسْتِدْلالُ بِما ذَكَرَهُ حُجَّةُ الإسْلامِ في الِاقْتِصادِ مِن أنَّ القُدْرَةَ الأزَلِيَّةَ مُتَعَلِّقَةٌ في الأزَلِ بِالحادِثِ ولا حادِثَ فَصَحَّ التَّعَلُّقُ ولا تَأْثِيرَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ القُدْرَةُ الحادِثَةُ كَذَلِكَ، مُجابٌ عَنْهُ بِأنَّ القُدْرَةَ لا تُؤَثِّرُ إلّا عَلى وفْقِ الإرادَةِ، والإرادَةُ تَعَلَّقَتْ أزَلًا بِإيجادِ الأشْياءِ بِالقُدْرَةِ في أوْقاتِها اللّائِقَةِ بِها في الحِكْمَةِ، فَعَدَمُ تَأْثِيرِها قَبْلَ الوَقْتِ لِكَوْنِها مُؤَثِّرَةً عَلى وفْقِ الإرادَةِ لا مُطْلَقًا، فَلا يَجِبُ تَأْثِيرُها قَبْلَ الوَقْتِ، ويَجِبُ تَأْثِيرُها فِيهِ، والقُدْرَةُ الحادِثَةُ عَلى القَوْلِ بِنَفْيِ تَأْثِيرِها بِالكُلِّيَّةِ لا يَصْدُقُ عَلَيْها أنَّها تُؤَثِّرُ وفْقَ الإرادَةِ فَلا يَصِحُّ قِياسُها عَلى القَدِيمَةِ،
صفحة 12
والحاصِلُ أنَّ كُلَّ تَعَلُّقٍ لِلْقَدِيمَةِ عَلى وفْقِ الإرادَةِ لا يَنْفَكُّ عَنْهُ التَّأْثِيرُ في وقْتِهِ بِخِلافِ الحادِثَةِ فَإنَّهُ لا تَأْثِيرَ لَها أصْلًا عَلى القَوْلِ بِنَفْيِ التَّأْثِيرِ عَنْها كُلِّيًّا فَلا تَعَلُّقَ لَها بِالتَّأْثِيرِ عَلى وفْقِ الإرادَةِ.
والثّالِثُ: أنَّ القَوْلَ في الِاعْتِراضِ الثّالِثِ أنَّهُ لَوْ كانَتْ كَذَلِكَ لَكانَ التَّكْلِيفُ بِما لا يُطاقُ واقِعًا إلَخْ يُقالُ عَلَيْهِ: نَلْتَزِمُ وُقُوعَهُ عِنْدَ الأشْعَرِيِّ ولا مَحْذُورَ فِيهِ، ويُجابُ بِأنَّهُ قَدْ حَقَّقَ في مَوْضِعِهِ أنَّ الإمامَ الأشْعَرِيَّ لَمْ يَنُصَّ عَلى ذَلِكَ، ولا يَصِحُّ أخْذُهُ مِن كَلامِهِ، فالتِزامُ وُقُوعِهِ عِنْدَهُ التِزامُ ما لَمْ يَقُلْ بِهِ لا صَرِيحًا ولا التِزامًا، والقَوْلُ أنَّهُ لا مَحْذُورَ فِيهِ، إنَّما يَصِحُّ بِالنَّظَرِ إلى الغِنى الذّاتِيِّ، وأمّا بِالنَّظَرِ إلى أنَّهُ تَعالى جَوادٌ حَكِيمٌ فالتِزامُهُ مُصادَمَةٌ لِلنَّصِّ وأيُّ مَحْذُورٍ أشْنَعَ مِن هَذا.
والرّابِعُ: أنَّ القَوْلَ هُناكَ أيْضًا أنَّ المُقارَنَةَ لَوْ كانَتْ هي الكَسْبَ لَكانَتْ هي المُكَلَّفَ بِها غَيْرُ لازِمٍ، فَإنَّ الكَسْبَ يُطْلَقُ عَلى المَعْنى المَصْدَرِيِّ، ويُطْلَقُ عَلى المَفْعُولِ أيِ المَكْسُوبِ وهو نَفْسُ الأمْرِ لا الكَسْبُ بِمَعْنى المُقارَنَةِ أوْ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ الحادِثَةِ بِالفِعْلِ، فَمَعْنى كَسْبٌ تَعَلَّقَتْ قُدْرَتُهُ بِالفِعْلِ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: قارَنَتْ قُدْرَتُهُ الفِعْلَ فَكانَ الفِعْلُ مَكْسُوبًا وهو المُكَلَّفُ بِهِ، ويُجابُ بِأنَّ الكَسْبَ الحَقِيقِيَّ الوارِدَ في الكِتابِ والسُّنَّةِ مَعْناهُ تَحْصِيلُ العَبْدِ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ إرادَتُهُ التّابِعَةُ لِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى بِقُدْرَتِهِ المُؤَثِّرَةِ بِإذْنِهِ، وإنَّ مَكْسُوبَهُ ما حَصَّلَهُ بِقُدْرَتِهِ المَذْكُورَةِ فَمَعْنى كَوْنُ الفِعْلِ المَكْسُوبِ مُكَلَّفًا بِهِ هو أنَّ العَبْدَ المُكَلَّفَ مَطْلُوبٌ مِنهُ تَحْصِيلُهُ بِالكَسْبِ بِالمَعْنى المَصْدَرِيِّ؛ لِأنَّ المَكْسُوبَ هو الحاصِلُ بِالمَصْدَرِ فَإذا كانَ المَكْسُوبُ مُكَلَّفًا بِهِ كانَ الكَسْبُ بِالمَعْنى المَصْدَرِيِّ مُكَلَّفًا بِهِ قَطْعًا؛ لِامْتِناعِ حُصُولِ المَكْسُوبِ مِن غَيْرِ قِيامِ المَعْنى المَصْدَرِيِّ بِالمُكَلَّفِ ضَرُورَةَ انْتِفاءِ الحاصِلِ بِالمَصْدَرِ عِنْدَ انْتِفاءِ قِيامِ المَصْدَرِ بِالمُكَلَّفِ فَظَهَرَتِ المُلازِمَةُ في الشَّرْطِيَّةِ.
( والخامِسُ ) أنَّ القَوْلَ في الِاعْتِراضِ أنَّ المُقارَنَةَ لِكَوْنِها أمْرًا مُتَرَتِّبًا عَلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى لا تَخْتَلِفُ إلَخْ، فِيهِ أمْرانِ: الأوَّلُ: أنّا لا نُسَلِّمُ التَّلازُمَ بَيْنَ كَوْنِ المُقارَنَةِ هي المُكَلَّفُ بِها وبَيْنَ عَدَمِ الِاخْتِلافِ، وأيُّ مانِعٍ مِن أنْ تَكُونَ مُخْتَلِفَةً بِاعْتِبارِ أحْوالِ الشَّخْصِ عِنْدَها، فَتارَةً يَخْلُقُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ صَبْرًا وعَزْمًا وتارَةً جَزَعًا وفُتُورًا إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَرْجِعُ إلى سَلامَةِ البِنْيَةِ ومُقابِلِهِ، أوْ غَيْرَهُما مِنَ الأعْراضِ والأحْوالِ الَّتِي يَخْلُقُها اللَّهُ تَعالى ويُصَرِّفُ عَبْدَهُ فِيها كَيْفَ شاءَ، مِمّا يُوجِبُ ألَمًا أوْ لَذَّةً.
الثّانِي: أنَّ ما ذَكَرْتُمُوهُ مُشْتَرِكُ الإلْزامِ، إذْ يُقالُ: إذا كانَتْ قُدْرَةُ العَبْدِ مُؤَثِّرَةٌ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى فَبِأيِّ وجْهٍ وقَعَ الِاخْتِلافُ حَتّى كانَ هَذا سَهْلًا وهَذا صَعْبًا، وكِلاهُما مَقْدُورٌ، وهُما مُتَساوِيانِ في الإمْكانِ ؟ ويُجابُ: أمّا عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ التَّلازُمَ بَيْنَ كَوْنِها مُتَرَتِّبَةً عَلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ عَدَمِ اخْتِلافِها مُتَحَقِّقٌ لِأنَّها إذا كانَتِ الكَسْبُ بِالمَعْنى المَصْدَرِيِّ كانَتْ تَحْصِيلًا لِلْمَكْسُوبِ، والتَّحْصِيلُ لِكَوْنِهِ قائِمًا بِالمُكَلَّفِ تَتَفاوَتُ دَرَجاتُهُ صُعُوبَةً وسُهُولَةً قَطْعًا، ولِهَذا قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «صَلِّ قائِمًا، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقاعِدًا، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلى جَنْبٍ ”».
والمُقارِنَةُ لِكَوْنِها أمْرًا مُرَتَّبًا عَلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى لَيْسَتْ قائِمَةً بِالعَبْدِ فَلا تَتَفاوَتُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ أصْلًا، والإيرادُ بِتَجْوِيزِ اخْتِلافِها بِكَوْنِ بَعْضِها بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَهُ صَبْرًا في العَبْدِ إلَخْ خارِجٌ عَنِ المَقْصُودِ؛ لِأنَّ العِبارَةَ صَرِيحَةٌ في أنَّ المَقْصُودَ عَدَمُ اخْتِلافِها بِالنِّسْبَةِ إلى العَبْدِ صُعُوبَةً وسُهُولَةً لا مُطْلَقَ الِاخْتِلافِ، وأمّا عَنِ الثّانِي فَبِأنَّهُ قَدْ دَلَّتِ النُّصُوصُ عَلى تَفاوُتِ دَرَجاتِ القُوَّةِ والبَطْشِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا﴾ وقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ وبِاخْتِلافِ دَرَجاتِ ذَلِكَ في الأقْوِياءِ التّابِعِ لِاسْتِعْداداتِهِمُ الذّاتِيَّةِ الغَيْرِ المَجْعُولَةِ، وقَعَ الِاخْتِلافُ في الأعْمالِ صُعُوبَةً وسُهُولَةً، هَذا ما ظَفِرْنا بِهِ مِن تَحْقِيقِ الحَقِّ مِن كُتُبِ ساداتِنا قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم، وجَعَلَ أعْلى الفِرْدَوْسِ قَرارَهم،
صفحة 13
وإنَّما اسْتَطْرَدْتُ هَذا المَبْحَثَ هُنا مَعَ تَقَدُّمِ إشاراتٍ جُزْئِيَّةٍ إلى بَعْضٍ مِنهُ لِأنَّهُ أمْرٌ مُهِمٌّ جِدًّا لا تَنْبَغِي الغَفْلَةُ عَنْهُ فاحْفَظْهُ فَإنَّهُ مِن بَناتِ الحِقاقِ لا مِن حَوانِيتِ الأسْواقِ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لا رَبَّ غَيْرُهُ.
﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ (79) يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِمَن كَفَرَ مَن لَمْ يَحُجَّ وعَبَّرَ عَنْ تَرْكِ الحَجِّ بِالكُفْرِ تَغْلِيظًا وتَشْدِيدًا عَلى تارِكِهِ، كَما وقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ فِيما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي أُمامَةَ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «“ مَن ماتَ ولَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الإسْلامِ لَمْ يَمْنَعْهُ مَرَضٌ حابِسٌ أوْ سُلْطانٌ جائِرٌ أوْ حاجَةٌ ظاهِرَةٌ فَلْيَمُتْ عَلى أيِّ حالَةٍ شاءَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا» . ومِثْلُهُ ما رُوِيَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ أبْعَثَ رِجالًا إلى هَذِهِ الأمْصارِ فَلْيَنْظُرُوا كُلَّ مَن كانَ لَهُ جُدَّةٌ فَلَمْ يَحُجَّ فَيَضْرِبُوا عَلَيْهِمُ الجِزْيَةَ ما هم بِمُسْلِمِينَ، ويُحْتَمَلُ إبْقاءُ الكُفْرِ عَلى ظاهِرِهِ بِناءً عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُما عَنْ عِكْرِمَةَ " أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا﴾ الآيَةَ. قالَ اليَهُودُ: فَنَحْنُ مُسْلِمُونَ، فَقالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى فَرَضَ عَلى المُسْلِمِينَ حَجَّ البَيْتِ، فَقالُوا: لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْنا وأبَوْا أنْ يَحُجُّوا، فَنَزَلَ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ الآيَةَ» .
ومِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الحَجِّ، جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أهْلَ المِلَلِ مُشْرِكِي العَرَبِ والنَّصارى واليَهُودَ والمَجُوسَ والصّابِئِينَ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ فَحُجُّوا البَيْتَ، فَلَمْ يَقْبَلْهُ إلّا المُسْلِمُونَ، وكَفَرَتْ بِهِ خَمْسُ مِلَلٍ قالُوا: لا نُؤْمِنُ بِهِ ولا نُصْلِي إلَيْهِ ولا نَسْتَقْبِلُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ إلَخْ» . وإلى إبْقائِهِ عَلى ظاهِرِهِ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: ( ﴿ومِن كَفْرٍ﴾ ) بِالحَجِّ فَلَمْ يَرَ حَجَّهُ بِرًّا ولا تَرْكَهُ مَأْثَمًا، ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ «أنَّ الآيَةَ لَمّا نَزَلَتْ قامَ رَجُلٌ مِن هُذَيْلٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن تَرَكَهُ كَفَرَ ؟ قالَ: مَن تَرَكَهُ لا يَخافُ عُقُوبَتَهُ، ومَن حَجَّ لا يَرْجُو ثَوابَهُ فَهو ذاكَ».
وعَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ لا تَصْلُحُ الآيَةُ دَلِيلًا لِمَن زَعَمَ أنَّ مُرْتَكِبَ الكَبِيرَةِ كافِرٌ، و ( مَن ) تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً وهو الظّاهِرُ، وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ اسْتَغْنى فِيما بَعْدَ الفاءِ عَنِ الرّابِطِ بِإقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ، إذِ الأصْلُ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْهم.
ويَجُوزُ أنْ يَبْقى الجَمْعُ عَلى عُمُومِهِ، ويُكْتَفى عَنِ الضَّمِيرِ الرّابِطِ بِدُخُولِ المَذْكُورِينَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا والِاسْتِغْناءُ في هَذا المَقامِ كِنايَةٌ عَنِ السُّخْطِ عَلى ما قِيلَ، ولِهَذا صَحَّ جَعْلُهُ جَزاءً وإنْ أبَيْتَ فَهو دَلِيلُهُ، وفي الآيَةِ كَما قالُوا فُنُونٌ مِنَ الِاعْتِباراتِ المُعْرِبَةِ عَنْ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ الحَجِّ والتَّشْدِيدِ عَلى تارِكِهِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وعَدُّوا مِن ذَلِكَ إيثارَ صِيغَةِ الخَبَرِ وإبْرازَها في صُورَةِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الثَّباتِ والدَّوامِ عَلى وجْهٍ يُفِيدُ أنَّهُ حَقٌّ واجِبٌ لِلَّهِ تَعالى في ذِمَمِ النّاسِ، وتَعْمِيمُ الحُكْمِ أوَّلًا، وتَخْصِيصُهُ ثانِيًا، وتَسْمِيَةُ تَرْكِ الحَجِّ كُفْرًا مِن حَيْثُ إنَّهُ فِعْلُ الكَفَرَةِ، وذِكْرُ الِاسْتِغْناءِ والعالَمِينَ.
وذَكَرَ الطِّيبِيُّ أنَّ في تَخْصِيصِ اسْمِ الذّاتِ الجامِعِ وتَقْدِيمِ الخَبَرِ الدَّلالَةَ عَلى أنَّ ذَلِكَ عِبادَةٌ لا يَنْبَغِي أنْ تَخْتَصَّ إلّا بِمَعْبُودٍ جامِعٍ لِلْكِمالاتِ بِأسْرِها، وأنَّ في إقامَةِ المُظْهَرِ وهو البَيْتُ مَقامَ المُضْمَرِ بَعْدَ سَبْقِهِ مُنْكَرًا المُبالَغَةَ في وصْفِهِ أقْصى الغايَةِ، كَأنَّهُ رَتَّبَ الحُكْمَ عَلى الوَصْفِ المُناسِبِ، وكَذا في ذِكْرِ النّاسِ بَعْدَ ذِكْرِهِ مُعَرَّفًا الإشْعارُ بِعِلْيَةِ الوُجُوبِ وهو كَوْنُهم ناسًا، وفي تَذْيِيلِ: ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ لِأنَّها في المَعْنى تَأْكِيدُ الإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ هو الإيمانُ عَلى الحَقِيقَةِ وهو النِّعْمَةُ العَظِيمَةُ، وأنَّ مُباشِرَهُ مُسْتَأْهِلٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى بِجَلالَتِهِ وعَظَمَتِهِ يَرْضى عَنْهُ رِضًا كامِلًا، كَما كانَ ساخِطًا عَلى تارِكِهِ سُخْطًا عَظِيمًا، وفي تَخْصِيصِ هَذِهِ العِبادَةِ وكَوْنِها مُبَيِّنَةً لِمِلَّةِ
صفحة 14
إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ الرَّدِّ عَلى أهْلِ الكِتابِ فِيما سَبَقَ مِنَ الآياتِ والعُودِ إلى ذِكْرِهِمْ بَعْدَ خَطْبٍ جَلِيلٍ وشَأْنٍ خَطِيرٍ لِتِلْكَ العِبادَةِ العَظِيمَةِ، واسْتَأْنَسَ بَعْضُهم لِكَوْنِهِ عِبادَةً عَظِيمَةً بِأنَّهُ مِنَ الشَّرائِعِ القَدِيمَةِ بِناءً عَلى ما رُوِيَ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَجَّ أرْبَعِينَ سَنَةً مِنَ الهِنْدِ ماشِيًا، وأنَّ جِبْرِيلَ قالَ لَهُ: إنَّ المَلائِكَةَ كانُوا يَطُوفُونَ قَبْلَكَ بِهَذا البَيْتِ سَبْعَةَ آلافِ سَنَةٍ، وادَّعى ابْنُ إسْحاقَ أنَّهُ لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ تَعالى نَبِيًّا بَعْدَ إبْراهِيمَ إلّا حَجَّ، والَّذِي صَرَّحَ بِهِ غَيْرُهُ أنَّهُ ما مِن نَبِيٍّ إلّا حَجَّ خِلافًا لِمَنِ اسْتَثْنى هُودًا وصالِحًا عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفي وُجُوبِهِ عَلى مَن قَبْلَنا وجْهانِ قِيلَ: الصَّحِيحُ أنَّهُ لَمْ يَجِبْ إلّا عَلَيْنا واسْتُغْرِبَ، وادَّعى جَمْعٌ أنَّهُ أفْضَلُ العِباداتِ لِاشْتِمالِهِ عَلى المالِ والبَدَنِ، وفي وقْتِ وُجُوبِهِ خِلافٌ فَقِيلَ: قَبْلَ الهِجْرَةِ، وقِيلَ: أوَّلَ سِنِيها وهَكَذا إلى العاشِرَةِ، وصَحَّحَ أنَّهُ في السّادِسَةِ، نَعَمْ حَجَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وبَعْدَها وقَبْلَ الهِجْرَةِ حِجَجًا لا يُدْرى عَدَدُها والتَّسْمِيَةُ مَجازِيَّةٌ بِاعْتِبارِ الصُّورَةِ بَلْ قِيلَ ذَلِكَ في حَجَّةِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أيْضًا في التّاسِعَةِ، لَكِنَّ الوَجْهَ خِلافُهُ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يُؤْمَرُ إلّا بِحَجٍّ شَرْعِيٍّ، وكَذا يُقالُ في الثّامِنَةِ الَّتِي أُمِّرَ فِيها عَتّابُ بْنُ أسِيدٍ أمِيرُ مَكَّةَ، وبَعْدَ ذَلِكَ حَجَّةَ الوَداعِ لا غَيْرَ.
3:98Page 62
قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعۡمَلُونَ ٩٨
Say, "O People of the Scripture, why do you disbelieve in the verses of Allāh while Allāh is Witness over what you do?"
﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ خاطَبَهم بِعُنْوانِ أهْلِيَّةِ الكِتابِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ بِهِ وبِما يُصَدِّقُهُ مُبالَغَةً في تَقْبِيحِ حالِهِمْ في تَكْذِيبِهِمْ بِذَلِكَ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ والإشارَةِ إلى تَعْجِيزِهِمْ عَنْ إقامَةِ العُذْرِ في كُفْرِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: هاتُوا عُذْرَكم إنْ أمْكَنَكم.
والمُرادُ مِنَ الآياتِ مُطْلَقُ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وصِدْقِ مُدَّعاهُ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ الحَجُّ وأمْرُهُ بِهِ، وبِهِ تَظْهَرُ مُناسَبَةُ الآيَةِ لِما قَبْلَها، وسَبَبُ نُزُولِها ما أخْرَجَهُ ابْنُ إسْحاقَ وجَماعَةٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: «مَرَّ شَمّاسُ بْنُ قَيْسٍ وكانَ شَيْخًا قَدْ عَسا في الجاهِلِيَّةِ عَظِيمَ الكُفْرِ شَدِيدَ الضَّغَنِ عَلى المُسْلِمِينَ شَدِيدَ الحَسَدِ لَهم عَلى نَفَرٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ في مَجْلِسٍ قَدْ جَمَعَهم يَتَحَدَّثُونَ فِيهِ، فَغاظَهُ ما رَأى مِن أُلْفَتِهِمْ وجَماعَتِهِمْ وصَلاحِ ذاتِ بَيْنِهِمْ عَلى الإسْلامِ بَعْدَ الَّذِي كانَ بَيْنَهم مِنَ العَداوَةِ في الجاهِلِيَّةِ فَقالَ: قَدِ اجْتَمَعَ مَلَأُ بَنِي قَيْلَةَ بِهَذِهِ البِلادِ واللَّهِ ما لَنا مَعَهم إذا اجْتَمَعَ مَلَؤُهم بِها مِن قَرارٍ، فَأمَرَ فَتًى شابًّا مَعَهُ مِن يَهُودَ فَقالَ: اعْمِدْ إلَيْهِمْ فاجْلِسْ مَعَهم ثُمَّ ذَكِّرْهم يَوْمَ بُعاثَ وما كانَ قَبْلَهُ وأنْشِدْهم بَعْضَ ما كانُوا تَقاوَلُوا فِيهِ مِنَ الأشْعارِ، وكانَ يَوْمُ بُعاثَ يَوْمًا اقْتَتَلَتْ فِيهِ الأوْسُ والخَزْرَجُ وكانَ الظُّفْرُ فِيهِ لِلْأوْسِ عَلى الخَزْرَجِ، فَفَعَلَ، فَتَكَلَّمَ القَوْمُ عِنْدَ ذَلِكَ وتَنازَعُوا وتَفاخَرُوا حَتّى تَواثَبَ رَجُلانِ مِنَ الحَيَّيْنِ عَلى الرُّكَبِ - أوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ أحَدُ بَنِي حارِثَةَ مِنَ الأوْسِ، وهَبّارُ بْنُ صَخْرٍ أحَدُ بَنِي سَلِمَةَ مِنَ الخَزْرَجِ - فَتَقاوَلا ثُمَّ قالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: إنْ شِئْتُمْ واللَّهِ رَدَدْناها الآنَ وغَضِبَ الفَرِيقانِ جَمِيعًا وقالُوا قَدْ فَعَلْنا السِّلاحَ السِّلاحَ مَوْعِدُكُمُ الظّاهِرَةُ - والظّاهِرَةُ الحَرَّةُ - فَخَرَجُوا إلَيْها وانْضَمَّتِ الأوْسُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ والخَزْرَجُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ عَلى دَعْواهُمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها في الجاهِلِيَّةِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فِيمَن مَعَهُ مِنَ المُهاجِرِينَ مِن أصْحابِهِ حَتّى جاءَهم فَقالَ: يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ اللَّهَ اللَّهَ أبِدَعْوى الجاهِلِيَّةِ وأنا بَيْنَ أظْهُرِكم بَعْدَ إذْ هَداكُمُ اللَّهُ تَعالى إلى الإسْلامِ وأكْرَمَكم بِهِ وقَطَعَ بِهِ عَنْكم أمْرَ الجاهِلِيَّةِ واسْتَنْقَذَكم بِهِ مِنَ الكُفْرِ وألَّفَ بِهِ بَيْنَكم تَرْجِعُونَ إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ كُفّارًا، فَعَرَفَ القَوْمُ أنَّها نَزْغَةٌ مِنَ الشَّيْطانِ وكَيْدٌ لَهم مِن عَدُوِّهِمْ فَألْقَوُا السِّلاحَ مِن أيْدِيهِمْ وبَكَوْا وعانَقَ الرِّجالُ بَعْضُهم بَعْضًا، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سامِعِينَ مُطِيعِينَ، قَدْ أطْفَأ اللَّهُ تَعالى عَنْهم كَيْدَ عَدُوِّ اللَّهِ تَعالى شَمّاسٍ، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في شَأْنِ شَمّاسٍ وما صَنَعَ: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
صفحة 15
﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وأنْزَلَ في أوْسِ بْنِ قَيْظِيٍّ وهَبّارٍ ومَن كانَ مَعَهُما مِن قَوْمِهِما الَّذِينَ صَنَعُوا ما صَنَعُوا ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا﴾ الآيَةَ»، وعَلى هَذا يَكُونُ المُرادُ مِن أهْلِ الكِتابِ ظاهِرًا اليَهُودُ.
وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ ما يَشْمَلُ اليَهُودَ والنَّصارى.
﴿واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ ( 98 ) جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ العامِلُ فِيها تَكْفُرُونَ، وهي مُفِيدَةٌ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِما مَرَّ غَيْرُ مَرَّةٍ، والشَّهِيدُ العالِمُ المُطَّلِعُ، وصِيغَةُ المُبالَغَةِ لِلْمُبالَغَةِ في الوَعِيدِ، وجَعْلُ الشَّهِيدِ بِمَعْنى الشّاهِدَ تَكَلُّفٌ لا داعِيَ إلَيْهِ، و( ما ) إمّا عِبارَةٌ عَنْ كُفْرِهِمْ، وإمّا عَلى عُمُومِها وهو داخِلٌ فِيها دُخُولًا أوَّلِيًّا، والمَعْنى لِأيِّ سَبَبٍ تَكْفُرُونَ، والحالُ أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ جَمِيعُ أعْمالِكم وهو مُجازِيكم عَلَيْها عَلى أتَمِّ وجْهٍ، ولا مِرْيَةَ في أنَّ هَذا مِمّا يَسُدُّ عَلَيْكم طُرُقَ الكُفْرِ والمَعاصِي، ويَقْطَعُ أسْبابَ ذَلِكَ أصْلًا.
3:99Page 62
قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ تَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَأَنتُمۡ شُهَدَآءُۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٩٩
Say, "O People of the Scripture, why do you avert from the way of Allāh those who believe, seeking to make it [seem] deviant, while you are witnesses [to the truth]? And Allāh is not unaware of what you do."
﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ﴾ أيْ تَصْرِفُونَ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ طَرِيقِهِ المُوَصِّلَةِ إلَيْهِ وهي مِلَّةُ الإسْلامِ ﴿مَن آمَنَ﴾ أيْ بِاللَّهِ وبِما جاءَ مِن عِنْدِهِ أوْ مَن صَدَّقَ بِتِلْكَ السَّبِيلِ وآمَنَ بِذَلِكَ الدِّينِ بِالفِعْلِ أوْ بِالقُوَّةِ القَرِيبَةِ مِنهُ بِأنْ أرادَ ذَلِكَ وصَمَّمَ عَلَيْهِ وهو مَفْعُولٌ لِتَصُدُّونَ قُدِّمَ عَلَيْهِ الجارُّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ. ( ﴿تَبْغُونَها﴾ ) أيِ السَّبِيلَ. ( ﴿عِوَجًا﴾ ) أيِ اعْوِجاجًا ومَيْلًا عَنِ الِاسْتِواءِ، ويَسْتَعْمِلُ مَكْسُورَ العَيْنِ في الدِّينِ والقَوْلِ والأرْضِ، ومِنهُ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ ويُسْتَعْمَلُ المَفْتُوحُ في مَيْلِ كُلِّ شَيْءٍ مُنْتَصِبٍ كالقَناةِ والحائِطِ مَثَلًا، وهو أحَدُ مَفْعُولَيْ: تَبْغُونَ، فَإنَّ بَغى يَتَعَدّى لِمَفْعُولَيْنِ أحَدُهُما بِنَفْسِهِ والآخَرُ بِاللّامِ كَما صَرَّحَ بِهِ اللُّغَوِيُّونَ، وتَعْدِيَتُهُ لِلْهاءِ مِن بابِ الحَذْفِ والإيصالِ أيْ تَبْغُونَ لَها كَما في قَوْلِهِ:
فَتَوَلّى غُلامُهم ثُمَّ نادى أظَلِيمًا أصِيدُكم أمْ حِمارا
أرادَ أصِيدُ لَكم، وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: الأحْسَنُ جَعْلُ الهاءِ مَفْعُولًا مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى تَقْدِيرِ الجارِّ، و( عِوَجًا ) حالٌ وقَعَ مَوْقِعَ الِاسْمِ مُبالَغَةً كَأنَّهم طَلَبُوا أنْ تَكُونَ الطَّرِيقَةُ القَوِيمَةُ نَفْسَ المُعْوَجِّ، وادَّعى الطِّيبِيُّ أنَّ فِيهِ نَظَرًا إذْ لا يَسْتَقِيمُ المَعْنى إلّا عَلى أنْ يَكُونَ ( عِوَجًا ) هو المَفْعُولُ بِهِ لِأنَّهُ مَطْلُوبُهم فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ الجارِّ وفِيهِ تَأمُّلٌ، وقِيلَ: ( عِوَجًا ) حالٌ مِن فاعِلِ تَبْغُونَ، والكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في سابِقِهِ، وجُمْلَةُ: تَبْغُونَ - عَلى كُلِّ حالٍ إمّا حالٌ مِن ضَمِيرِ ( تَصُدُّونَ ) أوْ مِنَ – السَّبِيلِ - وإمّا مُسْتَأْنَفَةٌ جِيءَ بِها كالبَيانِ لِذَلِكَ الصَّدِّ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ كانَ بِالتَّحْرِيشِ والإغْراءِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ لِتَخْتَلِفَ كَلِمَتُهم ويَخْتَلَّ أمْرُ دِينِهِمْ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ ما أوْرَدْناهُ في بَيانِ سَبَبِ النُّزُولِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ المُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ هُمُ اليَهُودُ أيْضًا، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِهَذا العُنْوانِ لِما تَقَدَّمَ، وإعادَةُ الخِطابِ والِاسْتِفْهامِ مُبالَغَةً في التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لَهم عَلى قَبائِحِهِمْ وتَفْصِيلِها ولَوْ قِيلَ: لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَرُبَّما تُوُهِّمَ أنَّ التَّوْبِيخَ عَلى مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِأهْلِ الكِتابِ مُطْلَقًا وكانَ صَدُّهم عَنِ السَّبِيلِ بَهْتَهم وتَغْيِيرَهم صِفَةَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإلى هَذا ذَهَبَ الحَسَنُ وقَتادَةُ، وعَنِ السُّدِّيِّ كانُوا إذا سَألَهم أحَدٌ هَلْ تَجِدُونَ مُحَمَّدًا في كُتُبِكم ؟ قالُوا: لا، فَيَصُدُّونَهُ عَنِ الإيمانِ بِهِ وهَذا ذَمٌّ لَهم بِالإضْلالِ إثْرَ ذَمِّهِمْ بِالضَّلالِ.
وقُرِئَ ( تَصُدُّونَ ) مَن أصُدُّ ﴿وأنْتُمْ شُهَداءُ﴾ حالٌ إمّا مِن فاعِلِ ( تَصُدُّونَ ) أوْ مِن فاعِلِ ( تَبْغُونَ )، والِاسْتِئْنافُ خِلافُ الظّاهِرِ أيْ كَيْفَ تَفْعَلُونَ هَذا وأنْتُمْ عُلَماءُ عارِفُونَ بِتَقَدُّمِ البِشارَةِ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُطَّلِعُونَ
صفحة 16
عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، أوْ وأنْتُمْ عُدُولٌ عِنْدَ أهْلِ مِلَّتِكم يَثِقُونَ بِأقْوالِكم ويَسْتَشْهِدُونَكم في القَضايا وصِفَتُكم هَذِهِ تَقْتَضِي خِلافَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ ( 99 ) تَهْدِيدٌ لَهم عَلى ما صَنَعُوا قِيلَ: لَمّا كانَ كُفْرُهم ظاهِرًا ناسَبَ ذِكْرَ الشَّهادَةِ مَعَهُ في الآيَةِ السّابِقَةِ؛ لِأنَّها تَكُونُ لِما يَظْهَرُ ويُعْلَمُ، أوْ ما هو بِمَنزِلَتِهِ - وصَدُّهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ - وما مَعَهُ لَمّا كانَ بِالمَكْرِ والحِيلَةِ الخَفِيَّةِ الَّتِي تَرُوجُ عَلى الغافِلِ ناسَبَ ذِكْرَ الغَفْلَةِ مَعَهُ في هَذِهِ الآيَةِ فَلِهَذا خَتَمَ كُلًّا مِنَ الآيَتَيْنِ بِما خَتَمَ.
3:100Page 62
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَرُدُّوكُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ كَٰفِرِينَ ١٠٠
O you who have believed, if you obey a party of those who were given the Scripture, they would turn you back, after your belief, [to being] unbelievers.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ ( 100 ) خِطابٌ لِلْأوْسِ والخَزْرَجِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ سَبَبُ النُّزُولِ، ويَدْخُلُ غَيْرُهم مِنَ المُؤْمِنِينَ في عُمُومِ اللَّفْظِ، وخاطَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِنَفْسِهِ بَعْدَ ما أمَرَ رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِخِطابِ أهْلِ الكِتابِ إظْهارًا لِجَلالَةِ قَدْرِهِمْ وإشْعارًا بِأنَّهم هُمُ الأحِقّاءُ بِأنْ يُخاطِبَهُمُ اللَّهُ تَعالى ويُكَلِّمَهم فَلا حاجَةَ إلى أنْ يُقالَ المُخاطَبُ الرَّسُولُ بِتَقْدِيرِ قُلْ لَهم.
والمُرادُ مِنَ الفَرِيقِ بَعْضٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ أوْ هو شَمّاسُ بْنُ قَيْسٍ اليَهُودِيُّ، وفي الِاقْتِصارُ عَلَيْهِ مُبالَغَةٌ في التَّحْذِيرِ؛ ولِهَذا عَلى ما قِيلَ حُذِفَ مُتَعَلِّقُ الفِعْلِ، وقالَ بَعْضُهم: هو عَلى مَعْنى إنْ تُطِيعُوهم في قَبُولِ قَوْلِهِمْ بِإحْياءِ الضَّغائِنِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَكم في الجاهِلِيَّةِ، و( كافِرِينَ ) إمّا مَفْعُولٌ ثانٍ لِيَرُدُّوكم عَلى تَضْمِينِ الرَّدِّ مَعْنى التَّصْيِيرِ كَما في قَوْلِهِ:
رَمى الحَدَثانِ نِسْوَةَ آلِ سَعْدٍ بِمِقْدارٍ سَمَدْنَ لَهُ سُمُودا
فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بِيضًا ∗∗∗ ورَدَّ وُجُوهَهُنَّ البِيضَ سُودا
أوْ حالٌ مِن مَفْعُولِهِ، قالُوا: والأوَّلُ أدْخَلُ في تَنْزِيهِ المُؤْمِنِينَ عَنْ نِسْبَتِهِمْ إلى الكُفْرِ لِما فِيهِ مِنَ التَّصْرِيحِ بِكَوْنِ الكُفْرِ المَفْرُوضِ بِطَرِيقِ القَسْرِ، وبَعْدَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِيَرُدُّوكم، وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِكافِرِينَ، وإيرادُهُ مَعَ عَدَمِ الحاجَةِ إلَيْهِ لِإغْناءِ ما في الخِطابِ عَنْهُ، واسْتِحالَةِ الرَّدِّ إلى الكُفْرِ بِدُونِ سَبْقِ الإيمانِ وتَوْسِيطِهِ بَيْنَ المَنصُوبَيْنِ لِإظْهارِ كَمالِ شَناعَةِ الكُفْرِ، وغايَةُ بُعْدِهِ مِنَ الوُقُوعِ إمّا لِزِيادَةِ قُبْحِهِ أوْ لِمُمانَعَةِ الإيمانِ لَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: بَعْدَ إيمانِكُمُ الرّاسِخِ، وفي ذَلِكَ مِن تَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ ما لا يَخْفى، وقَدَّمَ تَوْبِيخَ الكُفّارِ عَلى هَذا الخِطابِ لِأنَّ الكُفّارَ كانُوا كالعِلَّةِ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences