Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ar-Rum 30:8–17
30:8Page 405
أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۗ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَأَجَلٖ مُّسَمّٗىۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآيِٕ رَبِّهِمۡ لَكَٰفِرُونَ ٨
Do they not contemplate within themselves?1 Allāh has not created the heavens and the earth and what is between them except in truth and for a specified term. And indeed, many of the people, in the meeting with their Lord, are disbelievers.
﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ إنْكارٌ واسْتِقْباحٌ لِقِصَرِ نَظَرِهِمْ عَلى ما ذُكِرَ مِن ظاهِرِ الحَياةِ الدُّنْيا مَعَ الغَفْلَةِ عَنِ الآخِرَةِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فِي أنْفُسِهِمْ﴾ ظَرْفٌ لِلتَّفَكُّرِ، وذَكَرَهُ مَعَ أنَّ التَّفَكُّرَ لا يَكُونُ إلّا في النَّفْسِ لِتَحْقِيقِ أمْرِهِ وزِيادَةِ تَصْوِيرِ حالِ المُتَفَكِّرِينَ، كَما فِي: اعْتَقِدْهُ في قَلْبِكَ وأبْصِرْهُ بِعَيْنِكَ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ﴾ مُتَعَلِّقٌ إمّا بِالعِلْمِ الَّذِي يُؤَدِّي إلَيْهِ التَّفَكُّرُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ، أوْ بِالقَوْلِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا﴾ [آلُ عِمْرانَ: 191]، أيِ اعْلَمُوا ظاهِرَ الحَياةِ الدُّنْيا فَقَطْ، أوِ اقْصُرُوا النَّظَرَ عَلى ذَلِكَ، ولَمْ يُحْدِثُوا التَّفَكُّرَ في قُلُوبِهِمْ، فَيَعْلَمُوا أنَّهُ تَعالى ما خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما مِنَ المَخْلُوقاتِ الَّتِي هم مِن جُمْلَتِها مُلْتَبِسَةً بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ، أوْ يَقُولُوا هَذا القَوْلَ مُعْتَرِفِينَ بِمَضْمُونِهِ إثْرَ ما عَلِمُوهُ، والمُرادُ بِالحَقِّ هو الثّابِتُ الَّذِي يَحِقُّ أنْ يَثْبُتَ لا مَحالَةَ لِابْتِنائِهِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها اسْتِشْهادُ المُكَلَّفِينَ بِذَواتِها وصِفاتِها وأحْوالِها عَلى وُجُودِ صانِعِها ووَحْدَتِهِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ واخْتِصاصِهِ بِالمَعْبُودِيَّةِ، وصِحَّةِ أخْبارِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها إحْياؤُهم بَعْدَ الفَناءِ بِالحَياةِ الأبَدِيَّةِ، ومُجازاتُهم بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ عَمّا يَتَبَيَّنُ المُحْسِنُ مِنَ المُسِيءِ، ويَمْتازُ دَرَجاتُ أفْرادِ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ حَسَبَ امْتِيازِ طَبَقاتِ عُلُومِهِمْ، واعْتِقاداتِهِمُ المُتَرَتِّبَةِ عَلى أنْظارِهِمْ فِيما نُصِبَ في المَصْنُوعاتِ مِنَ الآياتِ والدَّلائِلِ والأماراتِ والمَخايِلِ، كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ [المُلْكُ: 2]، فَإنَّ العَمَلَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِعَمَلِ الجَوارِحِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ: ««أيُّكم أحْسَنُ عَقْلًا وأوْرَعُ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ تَعالى وأسْرَعُ في طاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ»» .
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ عَطْفٌ عَلى الحَقِّ، أيْ وبِأجَلٍ مُعَيَّنٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لِبَقائِها، لا بُدَّ لَها مِن أنْ
صفحة 23
تَنْتَهِيَ إلَيْهِ لا مَحالَةَ، وهو وقْتُ قِيامِ السّاعَةِ، وتَبَدُّلِ الأرْضِ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتِ، هَذا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ( في أنْفُسِهِمْ ) مُتَعَلِّقًا بِـ(يَتَفَكَّرُوا)، ومَفْعُولًا لَهُ بِالواسِطَةِ عَلى مَعْنى: أوْلَمْ يَتَفَكَّرُوا في ذَواتِهِمْ وأنْفُسِهِمُ الَّتِي هي أقْرَبُ المَخْلُوقاتِ إلَيْهِمْ، وهم أعْلَمُ بِشُؤُونِها، وأخْبَرُ بِأحْوالِها مِنهم بِأحْوالِ ما عَداها، فَيَتَدَبَّرُوا ما أوْدَعَها اللَّهُ تَعالى ظاهِرًا وباطِنًا مِن غَرائِبِ الحِكَمِ الدّالَّةِ عَلى التَّدْبِيرِ دُونَ الإهْمالِ، وأنَّهُ لا بُدَّ لَها مِنَ انْتِهاءٍ إلى وقْتٍ يُجازِيها الحَكِيمُ الَّذِي دَبَّرَ أمْرَها عَلى الإحْسانِ إحْسانًا، وعَلى الإساءَةِ مِثْلَها حَتّى يَعْلَمُوا عِنْدَ ذَلِكَ أنَّ سائِرَ الخَلائِقِ كَذَلِكَ أمْرُها جارٍ عَلى الحِكْمَةِ والتَّدْبِيرِ، وأنَّهُ لا بُدَّ لَها مِنَ الِانْتِهاءِ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ أمْرَ مَعادِ الإنْسانِ ومُجازاتِهِ بِما عَمِلَ مِنَ الإساءَةِ والإحْسانِ هو المَقْصُودُ بِالذّاتِ، والمُحْتاجُ إلى الإثْباتِ، فَجَعَلَهُ ذَرِيعَةً إلى إثْباتِ مَعادِ ما عَداهُ مَعَ كَوْنِهِ بِمَعْزِلٍ مِنَ الأجْزاءِ تَعْكِيسٌ لِلْأمْرِ، فَتَدَبَّرْ. وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ يَكُونَ ( ما خَلَقَ ) إلَخْ، مَفْعُولَ ( يَتَفَكَّرُوا ) مُعَلِّقًا عَنْهُ بِالنَّفْيِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ التَّعْلِيقَ في مِثْلِهِ مَمْنُوعٌ أوْ قَلِيلٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ بِبَيانِ أنَّ أكْثَرَهم غَيْرُ مُقْتَصِرِينَ عَلى ما ذَكَرَهُ مِنَ الغَفْلَةِ مِن أحْوالِ الآخِرَةِ والإعْراضِ عَنِ التَّفَكُّرِ فِيما يُرْشِدُهم إلى مَعْرِفَتِها مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وما بَيْنَهُما مِنَ المَصْنُوعاتِ، بَلْ هم مُنْكِرُونَ جاحِدُونَ لِقاءَ حِسابِهِ تَعالى وجَزائِهِ عَزَّ وجَلَّ بِالبَعْثِ، وهُمُ القائِلُونَ بِأبَدِيَّةِ الدُّنْيا كالفَلاسِفَةِ عَلى المَشْهُورِ.
30:9Page 405
أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗ وَأَثَارُواْ ٱلۡأَرۡضَ وَعَمَرُوهَآ أَكۡثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٩
Have they not traveled through the earth and observed how was the end of those before them? They were greater than them in power, and they plowed [or excavated] the earth and built it up more than they [i.e., the Makkans] have built it up, and their messengers came to them with clear evidences. And Allāh would not ever have wronged them, but they were wronging themselves.
﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ تَوْبِيخٌ لَهم بِعَدَمِ اتِّعاظِهِمْ بِمُشاهَدَةِ أحْوالِ أمْثالِهِمُ الدّالَّةُ عَلى عاقِبَتِهِمْ، ومَآلِهِمْ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ التَّوْبِيخِيِّ، أوِ الإبْطالِيِّ، وحَيْثُ دَخَلَتْ عَلى النَّفْيِ، وإنْكارُ النَّفْيِ إثْباتٌ، قِيلَ: إنَّها لِتَقْرِيرِ المَنفِيِّ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيِ اقْعُدُوا في أماكِنِهِمْ، ولَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ عَطْفٌ عَلى يَسِيرُوا داخِلٌ في حُكْمِهِ، والمَعْنى أنَّهم قَدْ سارُوا في أقْطارِ الأرْضِ، وشاهَدُوا ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ كَعادٍ، وثَمُودَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ إلَخْ، بَيانٌ لِمَبْدَإ أحْوالِهِمْ ومَآلِها يَعْنِي أنَّهم كانُوا أقْدَرَ مِنهم عَلى التَّمَتُّعِ بِالحَياةِ الدُّنْيا حَيْثُ كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً ﴿وأثارُوا الأرْضَ﴾ أيْ قَلَبُوها لِلْحَرْثِ، والزِّراعَةِ كَما قالَ الفَرّاءُ، وقِيلَ: لِاسْتِنْباطِ المِياهِ واسْتِخْراجِ المَعادِنِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ «وآثارُوا» بِمَدَّةٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، وقالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: لَيْسَ بِشَيْءٍ وخَرَّجَ ذَلِكَ أبُو الفَتْحِ عَلى الإشْباعِ كَقَوْلِهِ:
ومَن ذَمَّ الزَّمانَ بِمُنْتَزاحِ، وذَكَرَ أنَّ هَذا مِن ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، ولا يَجِيءُ في القُرْآنِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: (وأثَرُوا) مِنَ الأثَرَةِ، وهو الِاسْتِبْدادُ بِالشَّيْءِ، وآثَرُوا الأرْضَ أيْ أبْقَوْا فِيها آثارًا ﴿وعَمَرُوها﴾ أيْ وعَمَّرَها أُولَئِكَ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهم بِفُنُونِ العِماراتِ مِنَ الزِّراعَةِ والغَرْسِ والبِناءِ وغَيْرِها، وقِيلَ: أيْ أقامُوا بِها، يُقالُ: عَمَّرْتُ بِمَكانِ كَذا، وعَمَرْتُهُ أيْ أقَمْتُ بِهِ ﴿أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ أيْ عِمارَةً أكْثَرَ مِن عِمارَةِ هَؤُلاءِ إيّاها، والظّاهِرُ أنَّ الأكْثَرِيَّةَ اعْتِبارًا لَكُمْ، وعَمَّمَهُ بَعْضُهم فَقالَ: أكْثَرُ كَمًّا وكَيْفًا وزَمانًا، وإذا أُرِيدَ العِمارَةُ بِمَعْنى الإقامَةِ، فالمَعْنى أقامُوا بِها إقامَةً أكْثَرَ زَمانًا مِن إقامَةِ هَؤُلاءِ بِها، وفي ذِكْرِ أفْعَلَ تَهَكُّمٌ بِهِمْ، إذْ لا مُناسَبَةَ بَيْنَ كُفّارِ مَكَّةَ، وأُولَئِكَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ، فَإنَّهم كانُوا مَعْرُوفِينَ بِالنِّهايَةِ في القُوَّةِ، وكَثْرَةِ العِمارَةِ، وأهْلُ مَكَّةَ ضُعَفاءُ مُلْجَؤُونَ إلى وادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، يَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَهُمُ النّاسُ، ونَحْوُ هَذا يُقالُ إذا سَرَتِ العِمارَةُ بِالإقامَةِ، فَإنَّ أُولَئِكَ كانُوا مَشْهُورِينَ بِطُولِ الأعْمارِ جِدًّا، وأعْمارُ أهْلِ مَكَّةَ قَلِيلَةٌ بِحَيْثُ لا مُناسَبَةَ يُعْتَدُّ بِها بَيْنَها وبَيْنَ أعْمالِ أُولَئِكَ المُهْلَكِينَ.
﴿وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾
صفحة 24
بِالمُعْجِزاتِ، أوِ الآياتِ الواضِحاتِ ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أيْ فَكَذَّبُوهم فَأهْلَكَهم فَما كانَ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ لِيُهْلِكَهم مِن غَيْرِ جُرْمٍ يَسْتَدْعِيهِ مِن قِبَلِهِمْ، وفي التَّعْبِيرِ عَنْ ذَلِكَ بِالظُّلْمِ إظْهارٌ لِكَمالِ نَزاهَتِهِ تَعالى عَنْهُ، وإلّا فَقَدْ قالَ أهْلُ السُّنَّةِ: إنَّ إهْلاكَهُ تَعالى مِن غَيْرِ جُرْمٍ لَيْسَ مِنَ الظُّلْمِ في شَيْءٍ لِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ مالِكٌ، والمالِكُ يَفْعَلُ بِمُلْكِهِ ما يَشاءُ، والنِّزاعُ في المَسْألَةِ شَهِيرٌ ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ حَيْثُ ارْتَكَبُوا بِاخْتِيارِهِمْ مِنَ المَعاصِي ما أوْجَبَ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ ذَلِكَ، وتَقْدِيمُ ( أنْفُسَهم ) عَلى ( يَظْلِمُونَ ) لِلْفاصِلَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلْحَصْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى الرُّسُلِ الَّذِينَ يَدْعُونَهم.
30:10Page 405
ثُمَّ كَانَ عَٰقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ ٱلسُّوٓأَىٰٓ أَن كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسۡتَهۡزِءُونَ ١٠
Then the end of those who did evil was the worst [consequence] because they denied the signs of Allāh and used to ridicule them.
﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا﴾ أيْ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ، ووَضَعَ المَوْصُولَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالإساءَةِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، ( وثُمَّ ) لِلتَّراخِي الحَقِيقِيِّ، أوْ لِلِاسْتِبْعادِ، والتَّفاوُتِ في الرُّتْبَةِ ﴿السُّوأى﴾ أيِ العُقُوبَةَ السُّوأى، وهي العُقُوبَةُ بِالنّارِ، فَإنَّها تَأْنِيثُ الأسْوَإ كالحُسْنى تَأْنِيثُ الأحْسَنِ، أوْ مَصْدَرٌ كالبُشْرى، وصَفَ بِهِ العُقُوبَةَ مُبالَغَةٌ كَأنَّها نَفْسُ السُّوءِ، وهي مَرْفُوعَةٌ عَلى أنَّها اسْمٌ، وكانَ خَبَرُها ( عاقِبَةَ ) . وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو «عاقِبَةُ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ اسْمُ كانَ، و«السُّوأى» بِالنَّصْبِ عَلى الخَبَرِيَّةِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، والحَسَنُ «السُّوى» بِإبْدالِ الهَمْزَةِ واوًا وإدْغامِ الواوِ فِيها، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ «السُّوءَ» بِالتَّذْكِيرِ ﴿أنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ عِلَّةٌ لِلْحُكْمِ المَذْكُورِ أيْ لِأنْ أوْ بِأنْ كَذَّبُوا، وهو في الحَقِيقَةِ مُبَيِّنٌ لِما أشْعَرَ بِهِ وضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِأنَّهُ مُجْمَلٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا بِها يَسْتَهْزِئُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ( كَذَّبُوا ) داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ العِلِّيَّةِ، وإيرادُ الِاسْتِهْزاءِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلدِّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِهِ وتَجَدُّدِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( السُّوأى ) مَفْعُولًا مُطْلَقًا (لِأساؤُوا) مِن غَيْرِ لَفْظِهِ، أوْ مَفْعُولًا بِهِ لَهُ لِأنَّ أساؤُوا بِمَعْنى اقْتَرَفُوا واكْتَسَبُوا، والسُّوأى بِمَعْنى الخَطِيئَةِ، لِأنَّهُ صِفَةٌ، أوْ مَصْدَرُهُ مُؤَوَّلٌ بِها، وكَوْنُهُ صِفَةَ مَصْدَرِ أساؤُوا مِن لَفْظِهِ، أيِ الإساءَةَ السُّوأى بَعِيدٌ لَفْظًا مُسْتَدْرَكٌ مَعْنًى ( وأنْ كَذَّبُوا ) اسْمُ كانَ. وكَوْنُ التَّكْذِيبِ عاقِبَتَهم مَعَ أنَّهم لَمْ يَخْلُوا عَنْهُ، إمّا بِاعْتِبارِ اسْتِمْرارِهِ، أوْ بِاعْتِبارِ أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الطَّبْعِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (أنْ كَذَّبُوا) بَدَلًا مِنَ ( السُّوأى ) الواقِعِ اسْمًا لِكانَ، أوْ عَطْفَ بَيانٍ لَها، أوْ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هي أنْ كَذَّبُوا، وأنْ تَكُونَ ( أنْ ) تَفْسِيرِيَّةً بِمَعْنى أيْ، والمُفَسَّرُ إمّا أساؤُوا أوِ ( السُّوأى )، فَإنَّ الإساءَةَ تَكُونُ قَوْلِيَّةً كَما تَكُونُ فِعْلِيَّةً، فَإذَنْ قَبْلَها مُضَمَّنٌ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ، ويَظْهَرُ ذَلِكَ التَّضَمُّنُ بِالتَّفْسِيرِ، وإذا جازَ ﴿وانْطَلَقَ المَلأُ مِنهم أنِ امْشُوا﴾ [ص: 6] فَهَذا أجْوَزُ، فَلَيْسَ هَذا الوَجْهُ مُتَكَلَّفًا خِلافًا لِأبِي حَيّانَ. وجُوِّزَ في قِراءَةِ الحَرَمِيَّيْنِ، وأبِي عَمْرٍو، وأنْ تَكُونَ ( السُّوأى ) صِلَةَ الفِعْلِ، ( وأنْ كَذَّبُوا ) تابِعًا لَهُ، أوْ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِ التَّعْلِيلِ، وخَبَرِ كانَ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: وخِيمَةٌ، ونَحْوُهُ، وتُعُقِّبَ ذَلِكَ في البَحْرِ فَقالَ: هو فَهْمٌ أعْجَمِيٌّ لِأنَّ الكَلامَ مُسْتَقِلٌّ في غايَةِ الحُسْنِ بِلا حَذْفٍ، وقَدْ تُكُلِّفَ لَهُ مَحْذُوفٌ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وأصْحابُنا لا يُجِيزُونَ حَذْفَ خَبَرِ كانَ.
30:11Page 405
ٱللَّهُ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ١١
Allāh begins creation; then He will repeat it; then to Him you will be returned.
﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ أيْ يُنْشِئُهم.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وطَلْحَةُ «يُبْدِئُ» بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ، فَما بِالعَهْدِ مِن قِدَمٍ.
﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بِالبَعْثِ ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لِلْجَزاءِ، وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ لِلتَّخْصِيصِ، وكانَ الظّاهِرُ يَرْجِعُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ، إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ إلى خِطابِ المُشْرِكِينَ لِمُكافَحَتِهِمْ بِالوَعِيدِ ومُواجَهَتِهِمْ بِالتَّهْدِيدِ، وإيهامِ أنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِهِمْ، فَهو التِفاتٌ لِلْمُبالَغَةِ في الوَعِيدِ والتَّرْهِيبِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ورَوْحٌ «يَرْجِعُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ كَما هو الظّاهِرُ.
30:12Page 405
وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبۡلِسُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ١٢
And the Day the Hour appears the criminals will be in despair.
صفحة 25
﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ الَّتِي هي وقْتُ إعادَةِ الخَلْقِ ومَرْجِعُهم إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ أيْ يَسْكُتُونَ وتَنْقَطِعُ حُجَّتُهُمْ، قالَ الرّاغِبُ: الإبْلاسُ الحُزْنُ المُعْتَرِضُ مِن شِدَّةِ اليَأْسِ، ومِنهُ اشْتُقَّ إبْلِيسُ فِيما قِيلَ، ولَمّا كانَ المُبْلِسُ كَثِيرًا ما يَلْزَمُ السُّكُوتَ ويَنْسى ما يَعْنِيهِ قِيلَ: أبْلَسَ فُلانٌ إذا سَكَتَ وانْقَطَعَتْ حُجَّتُهُ، وأبْلَسَتِ النّاقَةُ فَهي مِبْلاسٌ إذا لَمْ تَرْغُ مِن شِدَّةِ الضُّبَعَةِ، وقالَ ابْنُ ثابِتٍ: يُقالُ: أبْلَسَ الرَّجُلُ إذا يَئِسَ مِن كُلِّ خَيْرٍ، وفي الحَدِيثِ ««وأنا مُبَشِّرُهم إذا أبْلَسُوا»»
والمُرادُ بِالمُجْرِمِينَ عَلى ما أفادَهُ الطِّيبِيُّ أُولَئِكَ الَّذِينَ أساؤُوا السُّوأى، لَكِنَّهُ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِهَذا الوَصْفِ الشَّنِيعِ، والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ.
وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، والسُّلَمِيُّ «يَبْلَسُ» بِفَتْحِ اللّامِ، وخُرِّجَ عَلى أنَّ الفِعْلَ مِن أبْلَسَهُ إذا أسْكَتَهُ، وظاهِرُهُ أنَّهُ يَكُونُ مُتَعَدِّيًا، وقَدْ أنْكَرَهُ أبُو البَقاءِ، والسَّمِينُ، وغَيْرُهُما حَتّى تَكَلَّفُوا وقالُوا: أصْلُهُ يُبْلِسُ إبْلاسَ المُجْرِمِينَ عَلى إقامَةِ المَصْدَرِ مَقامَ الفاعِلِ، ثُمَّ حَذَفَهُ، وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ. وتَعَقَّبَهُ الخَفاجِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ فَقالَ: لا يَخْفى عَدَمُ صِحَّتِهِ، لِأنَّ إبْلاسَ المُجْرِمِينَ مَصْدَرٌ مُضافٌ لِفاعِلِهِ، وفاعِلُهُ هو فاعِلُ الفِعْلِ بِعَيْنِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ نائِبَ الفاعِلِ؟ فَتَأمَّلْ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ مَتى صَحَّتِ القِراءَةُ لا تَسْمَعُ دَعْوى عَدَمِ سَماعِ اسْتِعْمالِ أبْلَسَ مُتَعَدِّيًا.
30:13Page 405
وَلَمۡ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَآئِهِمۡ شُفَعَٰٓؤُاْ وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمۡ كَٰفِرِينَ ١٣
And there will not be for them among their [alleged] partners any intercessors, and they will [then] be disbelievers in their partners.
﴿ولَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ﴾ مِمَّنْ أشْرَكُوهم بِاللَّهِ سُبْحانَهُ في العِبادَةِ، ولِذا أُضِيفُوا إلَيْهِمْ. وقِيلَ: إنَّ الإضافَةَ لِإشْراكِهِمْ إيّاهم بِاللَّهِ تَعالى في أمْوالِهِمْ، والمُرادُ بِهِمُ الأوْثانُ، وقالَ مُقاتِلٌ: المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: الشَّياطِينُ، وقِيلَ: رُؤَساؤُهم ﴿شُفَعاءُ﴾ يُجِيرُونَهم مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى كَما كانُوا يَزْعُمُونَ، وجِيءَ بِالمُضارِعِ مَنفِيًّا بِلَمِ الَّتِي تَقْلِبُهُ ماضِيًا لِلتَّحَقُّقِ، وصِيغَةُ الجَمْعِ لِوُقُوعِها في مُقابَلَةِ الجَمْعِ، أيْ لَمْ يَكُنْ لِواحِدٍ مِنهم شَفِيعٌ أصْلًا.
وقَرَأ خارِجَةُ عَنْ نافِعٍ، وابْنُ سِنانٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، والأنْطاكِيُّ عَنْ شَيْبَةَ «ولَمْ تَكُنْ» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ.
﴿وكانُوا بِشُرَكائِهِمْ﴾ أيْ بِإلَهِيَّتِهِمْ وشَرِكَتِهِمْ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ العُدُولُ عَنْ وكانُوا بِهِمْ ﴿كافِرِينَ﴾ حَيْثُ يَئِسُوا مِنهُمْ، ووَقَفُوا عَلى كُنْهِ أمْرِهِمْ، ( وكانُوا ) لِلدِّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ لا لِلْمُحافَظَةِ عَلى رُؤُوسِ الفَواصِلِ كَما تُوُهِّمَ.
وقِيلَ: إنَّها لِلْمُضِيِّ كَما هو الظّاهِرُ، والباءُ في ( بِشُرَكائِهِمْ ) سَبَبِيَّةٌ أيْ وكانُوا في الدُّنْيا كافِرِينَ بِاللَّهِ تَعالى بِسَبَبِهِمْ، ولَمْ يَرْتَضِهِ بَعْضُ الأجِلَّةِ، إذْ لَيْسَ في الإخْبارِ بِذَلِكَ فائِدَةٌ يُعْتَدُّ بِها، ولِأنَّ المُتَبادِرَ أنَّ ( يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ ) ظَرْفٌ لِلْإبْلاسِ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ ولِذا قِيلَ: إنَّ المُناسِبَ عَلَيْهِ جَعْلُ الواوِ حالِيَّةً لِيَكُونَ المَعْنى أنَّهم لَمْ يَشْفَعُوا لَهم مَعَ أنَّهم سَبَبُ كُفْرِهِمْ في الدُّنْيا، وهو أحْسَنُ مِن جَعْلِهِ مَعْطُوفًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ مَعَ الظَّرْفِ، مَعَ أنَّهُ عَلَيْهِ يَنْبَغِي القَطْعُ لِلِاحْتِياطِ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ تُرِكَ تَعْوِيلًا عَلى القَرِينَةِ العَقْلِيَّةِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وكُتِبَ «شُفَعَواءُ» في المُصْحَفِ بِواوٍ بَعْدَها ألِفٌ، وهو خِلافُ القِياسِ، والقِياسُ تَرْكُ الواوِ أوْ تَأْخِيرُها عَنِ الألِفِ لَكِنَّ الأوَّلَ أحْسَنُ كَما ذُكِرَ في الرَّسْمِ، وكَذا خُولِفَ القِياسُ في كِتابَةِ ( السُّوأى ) حَيْثُ كُتِبَتْ بِالألِفِ قَبْلَ الياءِ، والقِياسُ كَما في الكَشْفِ الحَذْفُ، لِأنَّ الهَمْزَ يُكْتَبُ عَلى نَحْوِ ما يُسَهَّلُ.
30:14Page 405
وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوۡمَئِذٖ يَتَفَرَّقُونَ ١٤
And the Day the Hour appears - that Day they will become separated.
﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ أُعِيدَ لِتَهْوِيلِهِ، وتَفْظِيعِ ما يَقَعُ فِيهِ، وهو ظَرْفٌ لِلْفِعْلِ بَعْدَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ عَلى ما ذَكَرَهُ الطَّبَرْسِيُّ بَدَلٌ مِنهُ.
صفحة 26
وفِي البَحْرِ التَّنْوِينُ في «يَوْمَئِذٍ» تَنْوِينُ عِوَضٍ مِنَ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ، أيْ: ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَ إذٍ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾ وظاهِرُهُ أنَّ «يَوْمَئِذٍ» ظَرْفٌ (لِتَقُومُ)، ولا يَخْفى ما في جَعْلِ الجُمْلَةِ المُعَوِّضِ عَنْها التَّنْوِينُ حِينَئِذٍ ما ذَكَرَهُ مِنَ النَّظَرِ.
وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ تَهْوِيلٌ لِيَوْمِ قِيامِ السّاعَةِ إثْرَ تَهْوِيلٍ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّ التَّفَرُّقَ يَقَعُ في بَعْضٍ مِنهُ، وفي وجْهِ الرَّمْزِ إلى ذَلِكَ بِما ذُكِرَ خَفاءٌ، وضَمِيرُ ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾ لِلْمُسْلِمِينَ والكافِرِينَ الدّالُ عَلَيْهِما ما قَبْلُ مِن عُمُومِ الخَلْقِ، وما بَعْدُ مِنَ التَّفْصِيلِ، وذَهَبَ إلى ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وجَماعَةٌ.
وقالَ في الإرْشادِ: هو لِجَمِيعِ الخَلْقِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِما تَقَدَّمَ مِن مَبْدَئِهِمْ ومَرْجِعِهِمْ وإعادَتِهِمْ، لا المُجْرِمُونَ خاصَّةً، وقالَ أبُو حَيّانَ: يَظْهَرُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى الخَلْقِ قَبْلَهُ، وهو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ والمُرادُ بِتَفَرُّقِهِمُ اخْتِلافُهم في المَحالِّ والأحْوالِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ التَّفْصِيلُ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ كُلِّ فَرْدٍ بَلْ بِاعْتِبارِ كُلِّ فَرِيقٍ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ: هَؤُلاءِ في عِلِّيِّينَ وهَؤُلاءِ في أسْفَلِ سافِلِينَ، والتَّفْصِيلُ يُؤْذِنُ بِذَلِكَ أيْضًا، وهَذا التَّفَرُّقُ بَعْدَ تَمامِ الحِسابِ.
30:15Page 405
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَهُمۡ فِي رَوۡضَةٖ يُحۡبَرُونَ ١٥
And as for those who had believed and done righteous deeds, they will be in a garden [of Paradise], delighted.
﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ الرَّوْضَةُ الأرْضُ ذاتُ النَّباتِ والماءِ، وفي المَثَلِ: أحْسَنُ مِن بَيْضَةٍ في رَوْضَةٍ، يُرِيدُونَ بَيْضَةَ النَّعامَةِ، وبِاعْتِبارِ الماءِ قِيلَ: أرْضُ الوادِي، واسْتَراضَ أيْ كَثُرَ ماؤُهُ، وأراضَهم أرْواهم بَعْضَ الرِّيِّ مِن أراضَ الحَوْضَ إذا صَبَّ فِيهِ مِنَ الماءِ ما يُوارِي أرْضَهُ، ويُقالُ: شَرِبُوا حَتّى أراضُوا، أيْ شَرِبُوا عَلَلًا بَعْدَ نَهَلٍ. وقِيلَ: مَعْنى أراضُوا صَبُّوا اللَّبَنَ عَلى اللَّبَنِ، وظاهِرُ تَفْسِيرِ الكَثِيرِ لِلرَّوْضَةِ اعْتِبارُ النَّباتِ والماءِ فِيها، وأظُنُّ أنَّ ابْنَ قُتَيْبَةَ صَرَّحَ بِأنَّهُ لا يُقالُ: الأرْضُ ذاتُ نَباتٍ بِلا ماءٍ رَوْضَةٌ.
وقِيلَ: هي البُسْتانُ الحَسَنُ، وقِيلَ: مَوْضِعُ الخُضْرَةِ، وقالَ الخَفاجِيُّ: الرَّوْضَةُ البُسْتانُ وتَخْصِيصُها بِذاتِ الأنْهارِ بِناءً عَلى العُرْفِ، وأيًّا ما كانَ فَتَنْوِينُها هُنا لِلتَّفْخِيمِ، والمُرادُ بِها الجَنَّةُ، والحَبَرُ السُّرُورُ يُقالُ: حَبَرَهُ يَحْبُرُهُ بِالضَّمِّ حَبَرًا وحَبَرَةً وحُبُورًا إذا سَرَّهُ سُرُورًا تَهَلَّلَ لَهُ وجْهُهُ، وظَهَرَ فِيهِ أثَرُهُ، وفي المَثَلِ: امْتَلَأتْ بُيُوتُهم حَبَرَةٌ فَهم يَنْتَظِرُونَ العِبْرَةَ، وحَكى الكِسائِيُّ: حَبَرْتُهُ، أكْرَمْتَهُ ونَعَّمْتَهُ، وقِيلَ: الحَبَرَةُ كُلُّ نِعْمَةٍ حَسَنَةٍ، والتَّحْبِيرُ التَّحْسِينُ، ويُقالُ: فُلانٌ حَسَنُ الحَبَرِ والسَّبَرِ بِالفَتْحِ، إذا كانَ جَمِيلًا حَسَنَ الهَيْئَةِ، واخْتَلَفَتِ الأقْوالُ في تَفْسِيرِهِ هُنا فَأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُما قالا: يُحْبَرُونَ يُكْرَمُونَ.
وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ (يُحْبَرُونَ) يُنَعَّمُونَ، وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ عَيّاشٍ: يُتَوَّجُونَ عَلى رُؤُوسِهِمْ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: يُحَلَّوْنَ، وقالَ الأوْزاعِيُّ، ووَكِيعٌ، ويَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ: يَسْمَعُونَ الأغانِيَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الأخِيرِ أنَّهُ قالَ: «(قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما الحَبَرُ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: اللَّذَّةُ والسَّماعُ)».
وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الظّاهِرَ يُسَرُّونَ، ولَمْ يَذْكُرْ ما يُسَرُّونَ بِهِ، إيذانًا بِكَثْرَةِ المَسارِّ، وما جاءَ في الخَبَرِ فَمِن بابِ الِاقْتِصارِ عَلى البَعْضِ، ولَعَلَّ السّائِلَ كانَ يُحِبُّ السَّماعَ، فَذَكَرَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَهُ لِذَلِكَ، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِلْإيذانِ بِتَجَدُّدِ السُّرُورِ لَهُمْ، فَفي كُلِّ ساعَةٍ يَأْتِيهِمْ ما يُسَرُّونَ بِهِ مِن مُتَجَدِّداتِ المَلاذِّ وأنْواعِها المُخْتَلِفَةِ.
30:16Page 406
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَلِقَآيِٕ ٱلۡأٓخِرَةِ فَأُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡعَذَابِ مُحۡضَرُونَ ١٦
But as for those who disbelieved and denied Our verses and the meeting of the Hereafter, those will be brought into the punishment [to remain].
﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الآياتُ النّاطِقَةُ بِما فُصِّلَ، ﴿ولِقاءِ الآخِرَةِ﴾ أيْ وكَذَّبُوا بِالبَعْثِ، وصَرَّحَ بِذَلِكَ مَعَ انْدِراجِهِ في تَكْذِيبِ الآياتِ لِلِاعْتِناءِ بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ﴾
صفحة 27
إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ بِآياتِهِ تَعالى، وبِلِقاءِ الآخِرَةِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ تَمَيُّزِهِمْ بِذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِمْ، وانْتِظامِهِمْ في سِلْكِ المُشاهَداتِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الشَّرِّ، أيْ فَأُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ القَبائِحِ ﴿فِي العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ عَلى الدَّوامِ لا يَغِيبُونَ عَنْهُ أبَدًا، والظّاهِرُ أنَّ الفَسَقَةَ مِن أهْلِ الإيمانِ غَيْرُ داخِلِينَ في أحَدِ الفَرِيقَيْنِ، أمّا عَدَمُ دُخُولِهِمْ في الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِالآياتِ والبَعْثِ فَظاهِرٌ، وأمّا عَدَمُ دُخُولِهِمْ في الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَإمّا لِأنَّ ذَلِكَ لا يُقالُ في العُرْفِ إلّا عَلى المُؤْمِنِينَ المُجْتَنِبِينَ المُفَسِّقاتِ عَلى ما قِيلَ، وإمّا لِأنَّ المُؤْمِنَ الفاسِقَ يَصْدُقُ عَلى المُؤْمِنِ الَّذِي لَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا مِنَ الصّالِحاتِ أصْلًا، فَهم غَيْرُ داخِلِينَ في ذَلِكَ بِاعْتِبارِ جَمِيعِ الأفْرادِ، وحُكْمُهم مَعْلُومٌ مِن آياتٍ أُخَرَ، فَلا تَغْفُلْ.
30:17Page 406
فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ حِينَ تُمۡسُونَ وَحِينَ تُصۡبِحُونَ ١٧
So exalted is Allāh when you reach the evening and when you reach the morning.
﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ ﴿ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ أثَرُ ما بَيْنَ حالِ فَرِيقَيِ المُؤْمِنِينَ العامِلِينَ بِالصّالِحاتِ والكافِرِينَ المُكَذِّبِينَ بِالآياتِ وما لَهُما مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، أرْشَدَ سُبْحانَهُ إلى ما يُنَجِّي مِنَ الثّانِي، ويُفْضِي إلى الأوَّلِ مِن تَنْزِيهِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، ومِن حَمْدِهِ تَعالى والثَّناءِ عَلَيْهِ ووَصْفِهِ بِما هو أهْلُهُ مِنَ الصِّفاتِ الجَمِيلَةِ والشُّؤُونِ الجَلِيلَةِ، وتَقْدِيمُ الأوَّلِ عَلى الثّانِي لِما أنَّ التَّخْلِيَةَ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ مَعَ أنَّهُ أوَّلُ ما يُدْعى إلَيْهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المَذْكُورُونَ قَبْلُ بِلا فَصْلٍ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، وظاهِرُ كَلامِهِمْ أنَّ (سُبْحانَ) هُنا مَنصُوبٌ بِفِعْلِ أمْرٍ مَحْذُوفٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إذا عَلِمْتُمْ ذَلِكَ، أوْ إذا صَحَّ واتَّضَحَ حالُ الفَرِيقَيْنِ، ومَآلُهُما، فَسَبِّحُوا سُبْحانَ اللَّهِ إلَخْ، أيْ نَزِّهُوهُ تَعالى تَنْزِيهَهُ اللّائِقَ بِهِ عَزَّ وجَلَّ في هَذِهِ الأوْقاتِ، قالَ في الكَشْفِ: وفِيهِ إشْكالٌ، لِأنَّ سُبْحانَ اللَّهِ لَزِمَ طَرِيقَةً واحِدَةً لا يَنْصِبُهُ فِعْلُ الأمْرِ لِأنَّهُ إنْشاءٌ مِن نَوْعٍ آخَرَ، والجَوابُ أنَّ ذَلِكَ تَوْضِيحٌ لِلْمَعْنى، وأنَّ وُقُوعَهُ جَوابَ الشَّرْطِ عَلى مِنوالِ: إنْ فَعَلْتَ كَذا، فَنِعْمَ ما فَعَلْتَ، فَإنَّهُ إنْشاءٌ أيْضًا، لَكِنَّهُ نابَ مَنابَ الخَبَرِ، وأبْلَغَ، كَذَلِكَ هو لِإنْشاءِ تَنْزِيهِهِ تَعالى في الأوْقاتِ هَرَبًا مِن وبِيلِ عِقابِهِ، وطَلَبًا لِجَزِيلِ ثَوابِهِ، والشَّرْطُ والجَوابُ مَقُولٌ عَلى ألْسِنَةِ العِبادِ انْتَهى، وفي حَواشِي شَيْخِ زادَهْ أنَّ الأمْرَ بَلِ الجُمْلَةَ الإنْشائِيَّةَ مُطْلَقًا لا يَصِحُّ تَعْلِيقُها بِالشَّرْطِ، لِأنَّ الإنْشاءَ إيقاعُ المَعْنى بِلَفْظٍ يُقارِنُهُ، ولَوْ جازَ تَعْلِيقُهُ لَلَزِمَ تَأخُّرُهُ عَنْ زَمانِ التَّلَفُّظِ، وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، وإنَّما المُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ هو الإخْبارُ عَنْ إنْشاءِ التَّمَنِّي والتَّرَجِّي، وإنْشاءُ المَدْحِ والذَّمِّ والِاسْتِفْهامِ ونَحْوِها، فَإذا قُلْتَ: إنْ فَعَلْتُ كَذا غَفَرَ اللَّهُ تَعالى لَكَ، أوْ فَنِعْمَ ما فَعَلْتَ، كانَ المَعْنى: فَقَدْ فَعَلْتَ ما تَسْتَحِقُّ بِسَبَبِهِ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ تَعالى لَكَ أوْ أنْ تُمْدَحَ بِسَبَبِهِ إلّا أنَّ الجُمْلَةَ الإنْشائِيَّةَ أُقِيمَتْ مَقامَهُ لِلْمُبالَغَةِ لِلدِّلالَةِ عَلى الِاسْتِحْقاقِ، فَمَعْنى الآيَةِ إذا كانَ الأمْرُ كَما تَقَرَّرَ فَأنْتُمْ تُسَبِّحُونَ اللَّهَ تَعالى في الأوْقاتِ المَذْكُورَةِ، وهو في مَعْنى الأمْرِ بِالتَّسْبِيحِ فِيها انْتَهى.
ولَعَلَّهُ أظْهَرُ مِمّا في الكَشْفِ، بَلْ لا يَظْهَرُ ما ذُكِرَ فِيهِ مِن دَعْوى أنَّ الشَّرْطَ والجَوابَ مَقُولٌ عَلى ألْسِنَةِ العِبادِ.
ويُوهِمُ كَلامُ بَعْضِهِمْ أنَّ الكَلامَ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ حَيْثُ قالَ: كَأنَّهُ قِيلَ: إذا صَحَّ واتَّضَحَ عاقِبَةُ المُطِيعِينَ والعاصِينَ فَقُولُوا: نُسَبِّحُ سُبْحانَ إلَخْ، والمَعْنى فَسَبِّحُوهُ تَسْبِيحًا في الأوْقاتِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وكَأنِّي بِكَ تَمْنَعُ لُزُومَ سُبْحانَ طَرِيقَةً واحِدَةً، وهي الَّتِي ذُكِرَتْ أوَّلًا، ويَجُوزُ نَصْبُ فِعْلِ الأمْرِ لَها إذا اقْتَضاهُ المَقامُ وأشْعَرَ بِهِ الكَلامُ، ولَكِنْ كَأنَّكَ تَمِيلُ إلى اعْتِبارِ كَوْنِ الجُمْلَةِ خَبَرِيَّةً لَفْظًا إنْشائِيَّةً مَعْنًى، بِأنْ يُرادَ بِها الأمْرُ لِتَوافُقِ جُمْلَةِ ﴿لَهُ الحَمْدُ﴾ فَإنَّها وإنْ كانَتْ خَبَرِيَّةً إلّا أنَّ الإخْبارَ بِثُبُوتِ الحَمْدِ لَهُ تَعالى ووُجُوبِهِ عَلى المُمَيِّزِينَ مِن أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ كَما يُشْعِرُ بِهِ اتِّباعُ ذَلِكَ.
صفحة 28
ذِكْرُ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وتَفْرِيعُهُ عَلَيْهِ بِالفاءِ في مَعْنى الأمْرِ بِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الأجِلَّةِ، فَكَأنَّهُ حِينَئِذٍ قَدْ قِيلَ: فَسَبِّحُوا اللَّهَ تَعالى تَسْبِيحَهُ اللّائِقَ بِهِ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الأوْقاتِ واحْمَدُوهُ، وظاهِرُ كَلامِ الأكْثَرِينَ أنَّ جُمْلَةَ ﴿لَهُ الحَمْدُ﴾ إلَخْ، مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، وأنَّ ( عَشِيًّا ) مَعْطُوفٌ عَلى ( حِينَ تُمْسُونَ ) بَلْ هم صَرَّحُوا بِهَذا، وعَلى ما ذُكِرَ يَكُونُ جُمْلَةُ ﴿لَهُ الحَمْدُ﴾ فاصِلَةً بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وما أشْبَهَ الآيَةَ حِينَئِذٍ بِآيَةِ الوُضُوءِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ. وفي الكَشّافِ أنَّ ( عَشِيًّا ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences