Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ar-Rum 30:18–23
30:18Page 406
وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَعَشِيّٗا وَحِينَ تُظۡهِرُونَ ١٨
And to Him is [due all] praise throughout the heavens and the earth. And [exalted is He] at night and when you are at noon.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهُ الحَمْدُ﴾ إلَخِ، اعْتِراضٌ بَيْنَهُما، ومَعْناهُ أنَّ عَلى المُمَيِّزِينَ كُلِّهِمْ مِن أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ أنْ يَحْمَدُوهُ.
وإلى كَوْنِ الجُمْلَةِ مُعْتَرِضَةً ذَهَبَ أبُو البَقاءِ أيْضًا، وجَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فِي السَّماواتِ﴾ حالًا مِنَ الحَمْدِ، وفي جَوازِ مَجِيءِ الحالِ مِنهُ عَلى احْتِمالِ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً، وهو الظّاهِرُ خِلافٌ، ولَعَلَّ مَن لا يُجَوِّزُ ذَلِكَ يَجْعَلُ الجارَّ مُتَعَلِّقًا بِالثُّبُوتِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ النِّسْبَةُ، والمُرادُ بِالتَّسْبِيحِ والحَمْدِ ظاهِرُهُما عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ مِنَ الأجِلَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةُ، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي رَزِينٍ قالَ: جاءَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: هَلْ تَجِدُ الصَّلَواتِ الخَمْسَ في القُرْآنِ؟ فَقالَ: نَعَمْ، فَقَرَأ ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ صَلاةُ المَغْرِبِ، ﴿وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ صَلاةُ الصُّبْحِ، ﴿وعَشِيًّا﴾ صَلاةُ العَصْرِ ﴿وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ صَلاةُ الظُّهْرِ، وقَرَأ: ﴿ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: جَمَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَواقِيتَ الصَّلاةِ ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ المَغْرِبُ والعِشاءُ ﴿وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الفَجْرُ ﴿وعَشِيًّا﴾ العَصْرُ ﴿وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ الظُّهْرُ، وذَهَبَ الحَسَنُ إلى ذَلِكَ حَتّى أنَّهُ ذَهَبَ إلى أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، لِما أنَّهُ يَرى فَرْضِيَّةَ الخَمْسِ بِالمَدِينَةِ، وأنَّهُ كانَ الواجِبُ بِمَكَّةَ رَكْعَتَيْنِ في أيِّ وقْتٍ اتَّفَقَتِ الصَّلاةُ فِيهِ، والصَّحِيحُ أنَّها فُرِضَتْ بِمَكَّةَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ المِعْراجِ دِلالَةً بَيِّنَةً.
واخْتارَ الإمامُ الرّازِيُّ حَمْلَ التَّسْبِيحِ عَلى التَّنْزِيهِ، فَقالَ: إنَّهُ أقْوى والمَصِيرُ إلَيْهِ أوْلى، لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ الصَّلاةَ، وذَلِكَ لِأنَّ التَّنْزِيهَ المَأْمُورَ بِهِ يَتَناوَلُ التَّنْزِيهَ بِالقَلْبِ، وهو الِاعْتِقادُ الجازِمُ، وبِاللِّسانِ مَعَ ذَلِكَ وهو الذِّكْرُ الحَسَنُ، وبِالأرْكانِ مَعَهُما جَمِيعًا، وهو العَمَلُ الصّالِحُ، والأوَّلُ هو الأصْلُ، والثّانِي ثَمَرَةُ الأوَّلِ، والثّالِثُ ثَمَرَةُ الثّانِي، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إذا اعْتَقَدَ شَيْئًا ظَهَرَ مِن قَلْبِهِ عَلى لِسانِهِ، وإذا قالَ ظَهَرَ صِدْقُهُ في مَقالِهِ مِن أحْوالِ أفْعالِهِ، واللِّسانُ تُرْجُمانُ الجَنانِ، والأرْكانُ بُرْهانُ اللِّسانِ، لَكِنَّ الصَّلاةَ أفْضَلُ أعْمالِ الأرْكانِ، وهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى الذِّكْرِ بِاللِّسانِ، والقَصْدِ بِالجَنانِ، فَهو تَنْزِيهٌ في التَّحْقِيقِ، فَإذا قالَ سُبْحانَهُ: نَزِّهُونِي، وهَذا نَوْعٌ مِن أنْواعِ التَّنْزِيهِ، والأمْرُ المُطْلَقُ لا يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ دُونَ نَوْعٍ، فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلى كُلِّ ما هو تَنْزِيهٌ، فَيَكُونُ هَذا أمْرًا بِالصَّلاةِ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَنا يُناسِبُهُ ما تَقَدَّمَ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ المَقامَ الأعْلى والجَزاءَ الأوْفى لِمَن آمَنَ وعَمِلَ الصّالِحاتِ حَيْثُ قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ قالَ سُبْحانَهُ: إذا عَلِمْتُمْ أنَّ ذَلِكَ المَقامَ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ الصّالِحاتِ، والإيمانُ تَنْزِيهٌ بِالجَنانِ، وتَوْحِيدٌ بِاللِّسانِ، والعَمَلُ الصّالِحُ اسْتِعْمالُ الأرْكانِ، فالكُلُّ تَنْزِيهاتٌ وتَحْمِيداتٌ فَسُبْحانَ اللَّهِ، أيْ فَأْتُوا بِذَلِكَ الَّذِي هو المُوَصِّلُ إلى الحُبُورِ في الرِّياضِ والحُضُورِ عَلى الحِياضِ اهـ، وأنا بِالإمامِ أقْتَدِي في دَعْوى أوْلَوِيَّةِ الحَمْلِ عَلى الظّاهِرِ، وأخْتارُ أيْضًا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَهُ الحَمْدُ﴾ اعْتِراضٌ مُؤَكِّدٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، ومَعْناهُ عَلى ما سَمِعْتَ عَنِ الكَشّافِ أنَّ عَلى المُمَيِّزِينَ كُلِّهِمْ أنْ يَحْمَدُوهُ، فَإنَّ حُمِلَ التَّسْبِيحُ عَلى الصَّلاةِ، فَهو كَلامٌ يُؤَكِّدُ الوُجُوبَ لِأنَّ الحَمْدَ يُتَجَوَّزُ بِهِ عَنِ الصَّلاةِ كالتَّسْبِيحِ، ووَجْهُ التَّأْكِيدِ دِلالَتُهُ عَلى
صفحة 29
أنَّهُ أمْرٌ عَمَّ المُكَلَّفِينَ مِن أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، وإنْ حُمِلَ عَلى الظّاهِرِ فَوَجْهُهُ أنَّ ذَلِكَ جارٍ مَجْرى الِاسْتِدْراكِ لِلْأمْرِ بِالتَّسْبِيحِ، ولَمّا كانَ مِن وادٍ واحِدٍ كانَ كُلٌّ مِنهُما مُؤَكِّدًا لِلْآخَرِ، فَدَلَّ عَلى دَوامِ وُجُوبِ الحَمْدِ في الأوْقاتِ، ووُجُوبِ التَّسْبِيحِ عَلى أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، وأمّا الدِّلالَةُ عَلى الوُجُوبِ فَمِنَ اتِّباعِ (سُبْحانَ اللَّهِ) إلَخْ، ذُكِرَ الوَعْدُ والوَعِيدُ بِالفاءِ فَإنَّهُ يُفْهِمُ تَعَيُّنَ ذَلِكَ طَرِيقًا لِلْخَلاصِ عَنِ الدَّرَكاتِ، والوُصُولِ إلى الدَّرَجاتِ، وما يَتَعَيَّنُ طَرِيقًا لِذَلِكَ كانَ واجِبًا كَذا في الكَشْفِ.
وذَكَرَ الإمامُ أنَّ في هَذا الِاعْتِراضِ لَطِيفَةٌ، وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَ العِبادَ بِالتَّسْبِيحِ كَأنَّهُ قالَ جَلَّ وعَلا: بَيِّنْ لَهم أنَّ تَسْبِيحَهُمُ اللَّهَ تَعالى لِنَفْعِهِمْ لا لِنَفْعٍ يَعُودُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَعَلَيْهِمْ أنْ يَحْمَدُوا اللَّهَ تَعالى إذا سَبَّحُوهُ جَلَّ شَأْنُهُ، وهَذا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلإيمانِ﴾ [الحُجُراتُ: 17].
وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ ( عَشِيًّا ) مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ( في السَّماواتِ ) ورُدَّ بِأنَّهُ لا يُعْطَفُ ظَرْفُ الزَّمانِ عَلى المَكانِ ولا عَكْسُهُ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ دائِمًا وعَشِيًّا، عَلى أنَّهُ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ أوْ حالِيَّةٌ، وهو كَما تَرى، وتَخْصِيصُ الأوْقاتِ المَذْكُورَةِ بِالذِّكْرِ لِظُهُورِ آثارِ القُدْرَةِ والعَظَمَةِ والرَّحْمَةِ فِيها، وقَدَّمَ الإمْساءَ عَلى الإصْباحِ لِتَقَدُّمِ اللَّيْلِ والظُّلْمَةِ، وقَدَّمَ العَشِيَّ عَلى الإظْهارِ لِأنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الإظْهارِ كالإمْساءِ بِالنِّسْبَةِ إلى الإصْباحِ. وفي البَحْرِ: قُوبِلَ بِالعَشِيِّ الإمْساءُ، وبِالإظْهارِ الإصْباحُ، لِأنَّ كُلًّا مِنهُما يُعْقَبُ بِما قابَلَهُ، فالعَشِيُّ يَعْقُبُهُ الإمْساءُ، والإصْباحُ يَعْقُبُهُ الإظْهارُ، وقالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ: إنَّ تَقْدِيمَ ( عَشِيًّا ) عَلى ( حِينَ تُظْهِرُونَ ) لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، ولَيْسَ بِذاكَ، وذَكَرَ الإمامُ أنَّهُ قُدِّمَ الإمْساءُ عَلى الإصْباحِ ها هُنا، وأُخِّرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ [الأحْزابُ: 42]، لِأنَّ أوَّلَ الكَلامِ ها هُنا ذِكْرُ الحَشْرِ والإعادَةُ، وكَذا آخِرُهُ، والإمْساءُ آخِرٌ، فَذُكِرَ الآخِرُ أوَّلًا لِتَذَكُّرِ الآخِرَةِ، وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ في ( عَشِيًّا ) لِما أنَّهُ لا يَجِيءُ مِنهُ الفِعْلُ بِمَعْنى الدُّخُولِ في العَشِيِّ كالمَساءِ والصَّباحِ والظَّهِيرَةِ، ولَعَلَّ السِّرَّ في ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ مِنَ الأوْقاتِ الَّتِي تَخْتَلِفُ فِيها أحْوالُ النّاسِ وتَتَغَيَّرُ تَغَيُّرًا ظاهِرًا مُصَحِّحًا لِوَصْفِهِمْ بِالخُرُوجِ عَمّا قَبْلَها، والدُّخُولِ فِيها كالأوْقاتِ المَذْكُورَةِ، فَإنَّ كُلًّا مِنها وقْتٌ يَتَغَيَّرُ فِيهِ الأحْوالُ تَغَيُّرًا ظاهِرًا، أمّا في المَساءِ والصَّباحِ فَظاهِرٌ. وأمّا في الظَّهِيرَةِ فَلِأنَّها وقْتٌ يُعادُ فِيهِ التَّجَرُّدُ عَنِ الثِّيابِ لِلْقَيْلُولَةِ كَما مَرَّتْ إلَيْهِ الإشارَةُ في سُورَةِ النُّورِ، هَذا وفَضْلُ التَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ أظْهَرُ مِن أنْ يُسْتَدَلَّ عَلَيْهِ، وذَكَرُوا في فَضْلِ ما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ عِدَّةَ أخْبارٍ.
فَأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ السُّنِّيِّ في عَمَلِ اليَوْمِ واللَّيْلَةِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّعَواتِ عَنْ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««ألا أُخْبِرُكم لِمَ سَمّى اللَّهُ تَعالى إبْراهِيمَ خَلِيلَهُ الَّذِي وفّى، لِأنَّهُ يَقُولُ كُلَّما أصْبَحَ وأمْسى: سُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ، ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ، وعَشِيًّا، وحِينَ تُظْهِرُونَ»».
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ السُّنِّيِّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««مَن قالَ حِينَ يُصْبِحُ سُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ( وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ )، أدْرَكَ ما فاتَهُ في يَوْمِهِ، ومَن قالَها حِينَ يُمْسِي أدْرَكَ ما فاتَهُ مِن لَيْلَتِهِ»»
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ، ولَعَلَّ فِيهِ تَأْيِيدًا لِكَوْنِ ( فَسُبْحانَ ) إلَخْ، مَقُولًا عَلى ألْسِنَةِ العِبادِ، فَتَأمَّلْ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ «حِينَ تُمْسُونَ وحِينًا تُصْبِحُونَ» بِتَنْوِينِ حِينٍ، فالجُمْلَةُ صِفَةٌ حُذِفَ مِنها العائِدُ، والتَّقْدِيرُ تُمْسُونَ فِيهِ، وتُصْبِحُونَ فِيهِ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ: الجُمْلَةُ مُضافٌ إلَيْها
صفحة 30
ولا تَقْدِيرَ لِلضَّمِيرِ أصْلًا.
30:19Page 406
يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَيُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّ وَيُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ وَكَذَٰلِكَ تُخۡرَجُونَ ١٩
He brings the living out of the dead and brings the dead out of the living and brings to life the earth after its lifelessness. And thus will you be brought out.1
﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ الإنْسانَ مِنَ النُّطْفَةِ، ﴿ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ النُّطْفَةَ مِنَ الإنْسانِ، وهو التَّفْسِيرُ المَأْثُورُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، ولَعَلَّ مُرادَهُما التَّمْثِيلُ، وعَنْ مُجاهِدٍ: يُخْرِجُ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ، ويُخْرِجُ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ، وقِيلَ:
أيْ يُعْقِبُ الحَياةَ بِالمَوْتِ وبِالعَكْسِ ﴿ويُحْيِي الأرْضَ﴾ بِالنَّباتِ ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ يُبْسِها، فالإحْياءُ والمَوْتُ مَجازانِ، ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإخْراجِ البَدِيعِ الشَّأْنِ ﴿تُخْرَجُونَ﴾ مِن قُبُورِكم. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ «تَخْرُجُونَ» بِفَتْحِ التّاءِ، وضَمِّ الرّاءِ، وهَذا عَلى ما قِيلَ نَوْعُ تَفْصِيلٍ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الرُّومُ: 11].
30:20Page 406
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ إِذَآ أَنتُم بَشَرٞ تَنتَشِرُونَ ٢٠
And of His signs is that He created you from dust; then, suddenly you were human beings dispersing [throughout the earth].
﴿ومِن آياتِهِ﴾ الباهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّكم تُبْعَثُونَ دِلالَةٌ أوْضَحُ مِن دِلالَةِ ما سَبَقَ، فَإنَّ دِلالَةَ بَدْءِ خَلْقِهِمْ عَلى إعادَتِهِمْ أظْهَرُ مِن دِلالَةِ إخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ، وإخْراجِ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ، ومِن دِلالَةِ إحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها عَلَيْها، ﴿أنْ خَلَقَكُمْ﴾ أيْ في ضِمْنِ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِما مَرَّ مِرارًا مِن أنَّ خَلْقَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُنْطَوٍ عَلى خَلْقِ ذُرِّيّاتِهِ انْطِواءً إجْمالِيًّا ﴿مِن تُرابٍ﴾ لَمْ يَشُمَّ رائِحَةَ الحَياةِ قَطُّ، ولا مُناسَبَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ في ذاتِكم وصِفاتِكُمْ، وقِيلَ: خَلَقَهم مِن تُرابٍ لِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ مادَّتَهم مِنهُ، فَهو مَجازٌ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، ﴿ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ أيْ في الأرْضِ تَتَصَرَّفُونَ في أغْراضِكم وأسْفارِكُمْ، ( وإذا ) فُجائِيَّةٌ، ( وثُمَّ ) عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو حَيّانَ لِلتَّراخِي الحَقِيقِيِّ، لِما بَيْنَ الخَلْقِ والِانْتِشارِ مِنَ المُدَّةِ، وقالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ: إنَّها لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ، لِأنَّ المُفاجَأةَ تَأْبى الحَقِيقِيَّ. ورُدَّ بِأنَّهُ لا مانِعَ مِن أنْ يُفاجِئَ أحَدًا أمْرٌ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ مِن أمْرٍ آخَرَ، أوْ أحَدُهُما حَقِيقِيٌّ، والآخَرُ عُرْفِيٌّ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ عَلى تَسْلِيمِ صِحَّتِهِ يَأْباهُ الذَّوْقُ، فَإنَّهُ كالجَمْعِ بَيْنَ الضَّبِّ والنُّونِ، فَما ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ أنْسَبُ بِالنَّظْمِ القُرْآنِيِّ، والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى المُبْتَدَإ قَبْلَها، وهي بِتَأْوِيلِ مُفْرَدٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومِن آياتِهِ خَلْقُكم مِن تُرابٍ، ثُمَّ مُفاجَأتُكم وقْتَ كَوْنِكم بَشَرًا مُنْتَشِرِينَ، كَذا قِيلَ، وفي وُقُوعِ الجُمْلَةِ مُبْتَدَأً بِمِثْلِ هَذا التَّأْوِيلِ نَظَرٌ، إلّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ يُغْتَفَرُ في التّابِعِ ما لا يُغْتَفَرُ في المَتْبُوعِ، ويُتَخَيَّلُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ العَطْفَ عَلى ( خَلَقَكم ) بِحَسَبِ المَعْنى حَيْثُ قالَ: أيْ ثُمَّ فاجَأْتُمْ وقْتَ كَوْنِكم بَشَرًا مُنْتَشِرِينَ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ صاحِبِ الكَشْفِ في نَظِيرِ الآيَةِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى الآتِيَ: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أنَّهُ أُقِيمَتِ الجُمْلَةُ مَقامَ المُفْرَدِ مِن حَيْثُ المَعْنى، لِأنَّها تُفِيدُ فائِدَتَهُ، والكَلامُ عَلى أُسْلُوبِ ﴿مَقامُ إبْراهِيمَ ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ [آلُ عِمْرانَ: 97]، لِأنَّهُ في مَعْنى: وأمِّنْ داخِلَهُ، وأمّا مِن حَيْثُ الصُّورَةُ فَهي جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكُمْ﴾ وفائِدَةُ هَذا الأُسْلُوبِ الإشْعارُ بِأنَّ ذَلِكَ آيَةٌ خارِجَةٌ مِن جِنْسِ الآياتِ مُسْتَقِلَّةٌ بِشَأْنِها مَقْصُودَةٌ بِذاتِها، فَتَأمَّلْ.
30:21Page 406
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٢١
And of His signs is that He created for you from yourselves mates that you may find tranquility in them; and He placed between you affection and mercy. Indeed in that are signs for a people who give thought.
﴿ومِن آياتِهِ﴾ الدّالَّةِ عَلى البَعْثِ أيْضًا ﴿أنْ خَلَقَ لَكُمْ﴾ أيْ لِأجْلِكم ﴿مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ فَإنَّ خَلْقَ أصْلِ أزْواجِكم حَوّاءَ مِن ضِلَعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُتَضَمِّنٌ لِخَلْقِهِنَّ مِن أنْفُسِكم عَلى ما عَرَفْتَ مِنَ التَّحْقِيقِ – فَمِن - تَبْعِيضِيَّةٌ، والأنْفُسُ بِمَعْناها الحَقِيقِيِّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( مِنَ ) ابْتِدائِيَّةٌ، والأنْفُسُ مَجازٌ عَنِ الجِنْسِ، أيْ خَلَقَ لَكم مِن جِنْسِكم لا مِن جِنْسٍ آخَرَ، قِيلَ: وهو الأوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَسْكُنُوا إلَيْها﴾ أيْ لِتَمِيلُوا إلَيْها، يُقالُ: سَكَنَ إلَيْهِ إذا مالَ، فَإنَّ المُجانَسَةَ مِن دَواعِي النِّظامِ والتَّعارُفِ، كَما أنَّ
صفحة 31
المُخالَفَةَ مِن أسْبابِ التَّفَرُّقِ والتَّنافُرِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَكُمْ﴾ أيْ بَيْنَ الأزْواجِ إمّا عَلى تَغْلِيبِ الرِّجالِ عَلى النِّساءِ في الخِطابِ، أوْ عَلى حَذْفِ ظَرْفٍ مَعْطُوفٍ عَلى الظَّرْفِ المَذْكُورِ، أيْ جَعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَهُنَّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البَقَرَةُ: 285]، وقِيلَ: بَيْنَ أفْرادِ الجِنْسِ، أوْ بَيْنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ فَإنَّ المُرادَ بِهِما ما كانَ مِنهُما بِعِصْمَةِ الزَّواجِ قَطْعًا، أيْ جَعَلَ بَيْنَكم بِالزَّواجِ الَّذِي شَرَعَهُ لَكم تَوادًّا وتَرَحُّمًا مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ بَيْنَكم سابِقَةُ مَعْرِفَةٍ، ولا مُرابَطَةٍ مُصَحِّحَةٍ لِلتَّعاطُفِ مِن قَرابَةٍ أوْ رَحِمٍ. قِيلَ: المَوَدَّةُ والرَّحْمَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، والفَرَكُ وهو بُغْضُ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ الآخَرَ مِنَ الشَّيْطانِ.
وقالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: المَوَدَّةُ كِنايَةٌ عَنِ النِّكاحِ، والرَّحْمَةُ كِنايَةٌ عَنِ الوَلَدِ، وكَوْنُ المَوَدَّةِ بِمَعْنى المَحَبَّةِ كِنايَةً عَنِ النِّكاحِ أيِ الجِماعِ لِلُزُومِها لَهُ ظاهِرٌ، وأمّا كَوْنُ الرَّحْمَةِ كِنايَةً عَنِ الوَلَدِ لِلُزُومِها لَهُ، فَلا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، وقِيلَ: مَوَدَّةٌ لِلشّابَّةِ، ورَحْمَةٌ لِلْعَجُوزِ، وقِيلَ: مَوَدَّةٌ لِلْكَبِيرِ ورَحْمَةٌ لِلصَّغِيرِ، وقِيلَ: هُما اشْتِباكُ الرَّحِمِ، والكُلُّ كَما تَرى، ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ فِيما ذُكِرَ مِن خَلْقِهِمْ مِن تُرابٍ، وخَلْقِ أزْواجِهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ، وإلْقاءِ المَوَدَّةِ والرَّحْمَةِ، فَهو إشارَةٌ إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: إلى ما قَبْلَهُ، ولَيْسَ بِذاكَ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ المُشارِ إلَيْهِ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ ﴿لآياتٍ﴾ عَظِيمَةً لا يُكْتَنَهُ كُنْهُها كَثِيرَةً لا يُقادَرُ قَدْرُها، ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في تَضاعِيفِ تِلْكَ الأفاعِيلِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما ذُكِرَ لَيْسَ بِآيَةٍ فَذَّةٍ، بَلْ هي مُشْتَمِلَةٌ عَلى آياتٍ شَتّى، وإنَّها تَحْتاجُ إلى تَفَكُّرٍ كَما تُؤْذِنُ بِذَلِكَ الفاصِلَةُ. وذَكَرالطِّيبِيُّ أنَّهُ لَمّا كانَ القَصْدُ مِن خَلْقِ الأزْواجِ والسُّكُونِ إلَيْها وإلْقاءِ المَحَبَّةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ لَيْسَ مُجَرَّدَ قَضاءِ الشَّهْوَةِ الَّتِي يَشْتَرِكُ بِها البَهائِمُ، بَلْ تَكْثِيرُ النَّسْلِ وبَقاءُ نَوْعِ المُتَفَكِّرِينَ الَّذِينَ يُؤَدِّيهِمُ الفِكْرُ إلى المَعْرِفَةِ والعِبادَةِ الَّتِي ما خُلِقَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا لَها، ناسَبَ كَوْنُ المُتَفَكِّرِينَ فاصِلَةً هُنا.
30:22Page 406
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفُ أَلۡسِنَتِكُمۡ وَأَلۡوَٰنِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡعَٰلِمِينَ ٢٢
And of His signs is the creation of the heavens and the earth and the diversity of your languages and your colors. Indeed in that are signs for those of knowledge.
﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافُ ألْسِنَتِكُمْ﴾ أيْ لُغاتِكُمْ، بِأنْ عَلَّمَ سُبْحانَهُ كُلَّ صِنْفٍ لُغَتَهُ أوْ ألْهَمَهُ جَلَّ وعَلا وضْعَها وأقْدَرَهُ عَلَيْها، فَصارَ بَعْضٌ يَتَكَلَّمُ بِالعَرَبِيَّةِ وبَعْضٌ بِالفارِسِيَّةِ، وبَعْضٌ بِالرُّومِيَّةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِكَمِّيَّتِهِ. وعَنْ وهَبٍ: أنَّ الألْسِنَةَ اثْنانِ وسَبْعُونَ لِسانًا، في ولَدِ حامٍ سَبْعَةَ عَشَرَ، وفي ولَدِ سامٍ تِسْعَةَ عَشَرَ، وفي ولَدِ يافِثَ سِتَّةٌ وثَلاثُونَ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالألْسِنَةِ أجْناسُ النُّطْقِ وأشْكالُهُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ ذَلِكَ اخْتِلافًا كَثِيرًا، فَلا تَكادُ تَسْمَعُ مَنطِقَيْنِ مُتَساوِيَيْنِ في الكَيْفِيَّةِ مِن كُلِّ وجْهٍ، ولَعَلَّ هَذا أوْلى مِمّا تَقَدَّمَ. والإمامُ حَكى الوَجْهَ الأوَّلَ، وقَدَّمَ عَلَيْهِ ما هو ظاهِرٌ في أنَّ المُرادَ بِالألْسِنَةِ الأصْواتُ والنَّغَمُ، ونَصَّ عَلى أنَّهُ أصَحُّ مِنَ المَحْكِيِّ، ﴿وألْوانِكُمْ﴾ بَياضُ الجِلْدِ وسَوادُهُ، وتَوَسُّطٌ فِيما بَيْنَهُما، أوْ تَصْوِيرُ الأعْضاءِ وهَيْئاتِها وألْوانِها، وحَلّاها بِحَيْثُ وقَعَ التَّمايُزُ بَيْنَ الأشْخاصِ حَتّى أنَّ التَّوْأمَيْنِ مَعَ تَوافُقِ مَوادِّهِما، وأسْبابِهِما، والأُمُورِ المُلاقِيَةِ لَهُما في التَّخْلِيقِ يَخْتَلِفانِ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ لا مَحالَةَ، وإنْ كانا في غايَةِ التَّشابُهِ، فالألْوانُ بِمَعْنى الضُّرُوبِ والأنْواعِ كَما يُقالُ: ألْوانُ الحَدِيثِ، وألْوانُ الطَّعامِ، وهَذا التَّفْسِيرُ أعَمُّ مِنَ الأوَّلِ، وإنَّما نَظَمَ اخْتِلافَ الألْسِنَةِ والألْوانِ في سِلْكِ الآياتِ الآفاقِيَّةِ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ مَعَ كَوْنِهِ مِنَ الآياتِ الأنْفُسِيَّةِ الحَقِيقَةِ بِالِانْتِظامِ في سِلْكِ ما سَبَقَ مِن خَلْقِ أنْفُسِهِمْ وأزْواجِهِمْ لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِهِ والِاحْتِرازِ عَنْ تَوَهُّمِ كَوْنِهِ مِن مُتَمِّماتِ خَلْقِهِمْ، ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ فِيما ذُكِرَ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ الألْسِنَةِ والألْوانِ ﴿لآياتٍ﴾ عَظِيمَةً كَثِيرَةً ﴿لِلْعالِمِينَ﴾
صفحة 32
أيِ المُتَّصِفِينَ بِالعِلْمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَعْقِلُها إلا العالِمُونَ﴾ [العَنْكَبُوتُ: 43]، وقَرَأ الكَثِيرُ «العالَمِينَ» بِفَتْحِ اللّامِ، وفِيهِ دِلالَةٌ عَلى وُضُوحِ الآياتِ، وعَدَمِ خَفائِها عَلى أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ كافَّةً.
30:23Page 406
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ مَنَامُكُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبۡتِغَآؤُكُم مِّن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ ٢٣
And of His signs is your sleep by night and day and your seeking of His bounty. Indeed in that are signs for a people who listen.
﴿ومِن آياتِهِ مَنامُكُمْ﴾ أيْ نَوْمُكم ﴿بِاللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ لِاسْتِراحَةِ القُوى النَّفْسانِيَّةِ، وتَقَوِّي القُوى الطَّبِيعِيَّةِ ﴿وابْتِغاؤُكُمْ﴾ أيْ طَلَبُكم ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، وحُذِفَ ذَلِكَ لِدِلالَةِ ما قَبْلُ عَلَيْهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ:
عَجِبْتُ لَهم إذْ يَقْتُلُونَ نُفُوسَهم ومَقْتَلُهم عِنْدَ الوَغى كانَ أغْدَرا
فَإنَّهُ أرادَ: يَقْتُلُونَ نُفُوسَهم عِنْدَ السِّلْمِ، وحُذِفَ لِدِلالَةِ الوَغى في الشَّطْرِ الثّانِي عَلَيْهِ، والنَّوْمُ بِاللَّيْلِ، والِابْتِغاءُ مِنَ الفَضْلِ أيِ الكَسْبُ بِالنَّهارِ أمْرانِ مُعْتادانِ، وأمّا النَّوْمُ بِالنَّهارِ فَكَنَوْمِ القَيْلُولَةِ، وأمّا الكَسْبُ بِاللَّيْلِ فَكَما يَقَعُ مِن بَعْضِ المُكْتَسِبِينَ، وأهْلِ الحِرَفِ مِنَ السَّعْيِ والعَمَلِ لَيْلًا، لا سِيَّما في أطْوَلِ اللَّيالِي، وعَدَمِ وفاءِ نَهارِهِمْ بِأغْراضِهِمْ، ومِن ذَلِكَ حِراسَةُ الحَوانِيتِ بِالأُجْرَةِ، وكَذا قَطْعُ البَرارِي في الأسْفارِ لَيْلًا لِلتِّجارَةِ ونَحْوِها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا مِن بابِ اللَّفِّ، وتَرْتِيبُهُ: ومِن آياتِهِ مَنامُكم وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ إلّا أنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ القَرِينَيْنِ الأوَّلَيْنِ، أعْنِي مَنامَكُمْ، وابْتِغاءَكُمْ، بِالقَرِينَيْنِ الآخَرَيْنِ، أعْنِي اللَّيْلَ والنَّهارَ، لِأنَّهُما ظَرْفانِ، والظَّرْفُ والواقِعُ فِيهِ كَشَيْءٍ واحِدٍ، مَعَ إعانَةِ اللَّفِّ عَلى الِاتِّحادِ، وهو الوَجْهُ الظّاهِرُ لِتَكَرُّرِهِ في القُرْآنِ، وأسَدُّ المَعانِي ما دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ انْتَهى، والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ بِاللَّفِّ الِاصْطِلاحِيَّ، ولا يَأْبى ذَلِكَ تَوْسِيطُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، لِأنَّهُما في نِيَّةِ التَّأْخِيرِ، وإنَّما وُسِّطا لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِما، لِأنَّهُما مِنَ الآياتِ في الحَقِيقَةِ لا المَنامُ والِابْتِغاءُ، عَلى ما حَقَّقَهُ في الكَشْفِ مَعَ تَضَمُّنِ تَوْسِيطِهِما مُجاوَرَةَ كُلٍّ لِما وقَعَ فِيهِ، فالجارُّ والمَجْرُورُ قِيلَ حالٌ مُقَدَّمَةٌ مِن تَأْخِيرٍ، أيْ كائِنَيْنِ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيْ ذَلِكَ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، والجُمْلَةُ في النَّظْمِ الكَرِيمِ مُعْتَرِضَةٌ، وعَلى كِلا القَوْلَيْنِ لا يَرُدُّ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ لُزُومُ كَوْنِ النَّهارِ مَعْمُولًا لِلِابْتِغاءِ مَعَ تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ وعَطْفِهِ عَلى مَعْمُولِ ﴿مَنامُكُمْ﴾ وفي اقْتِرانِ الفَضْلِ بِالِابْتِغاءِ إشارَةٌ إلى أنَّ العَبْدَ يَنْبَغِي أنْ لا يَرى الرِّزْقَ مِن نَفْسِهِ، وبِحِذْقِهِ، بَلْ يَرى كُلَّ ذَلِكَ مِن فَضْلِ رَبِّهِ جَلَّ وعَلا.
﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أيْ شَأْنُهم أنْ يَسْمَعُوا الكَلامَ سَماعَ تَفَهُّمٍ واسْتِبْصارٍ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى ظُهُورِ الأمْرِ بِحَيْثُ يَكْفِي فِيهِ مُجَرَّدُ السَّماعِ لِمَن لَهُ فَهْمٌ، وبَصِيرَةٌ، ولا يَحْتاجُ إلى مُشاهَدَةٍ، وإنْ كانَ مُشاهَدًا.
وقالَ الطِّيبِيُّ: جِيءَ بِالفاصِلَةِ هَكَذا لِأنَّ أكْثَرَ النّاسِ مُنْسَدِحُونَ بِاللَّيْلِ كالأمْواتِ ومُتَرَدِّدُونَ بِالنَّهارِ كالبَهائِمِ، لا يَدْرُونَ فِيمَ هُمْ، ولِمَ ذَلِكَ، لَكِنْ مَن ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ يَتَنَبَّهُ لِوَعْظِ اللَّهِ تَعالى، ويُصْغِي إلَيْهِ، لِأنَّ مَرَّ اللَّيالِي وكَرَّ النَّهارِ يُنادِيانِ بِلِسانِ الحالِ: الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ مِن دارِ الغُرُورِ إلى دارِ القَرارِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ أوْ أرادَ شُكُورًا﴾ [الفُرْقانُ: 62]، وذَكَرَ الإمامُ أنَّ مِنَ الأشْياءِ ما يَحْتاجُ في مَعْرِفَتِهِ إلى مَوْقِفٍ يُوقَفُ عَلَيْهِ، ومُرْشِدٍ يُرْشِدُ إلَيْهِ، فَيَفْهَمُ إذا سَمِعَ مِن ذَلِكَ المُرْشِدِ، ولَمّا كانَ المَنامُ والِابْتِغاءُ قَدْ يَقَعُ لِكَثِيرٍ أنَّهُما مِن أفْعالِ العِبادِ فَيَحْتاجُ مَعْرِفَةَ أنَّهُما مِن آياتِهِ تَعالى إلى مُرْشِدٍ يُعِينُ الفِكْرَ، قِيلَ: ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ويَجْعَلُونَ بالَهم إلى كَلامِ المُرْشِدِ، انْتَهى، ولَعَلَّ الِاحْتِياجَ إلى مُرْشِدٍ يُعِينُ الفِكْرَ في أنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ مِنَ الآياتِ بِناءً عَلى ما سَمِعْتَ في بَيانِ نُكْتَةِ التَّوْسِيطِ أظْهَرُ، فَتَأمَّلْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences