Al-AlusiAr‑Rum · 30:30–37

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Ar-Rum 30:30–37

30:30Page 407

فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٠

So direct your face [i.e., self] toward the religion, inclining to truth. [Adhere to] the fiṭrah1 of Allāh upon which He has created [all] people. No change should there be in the creation of Allāh.2 That is the correct religion, but most of the people do not know.

﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ قالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ: إنَّهُ تَعالى عَقِيبَ ما عَدَّدَ الآياتِ البَيِّناتِ والشَّواهِدَ الدّالَّةَ عَلى الوَحْدانِيَّةِ ونَفْيِ الشِّرْكِ وإثْباتِ القَوْلِ بِالمَعادِ وضَرَبَ سُبْحانَهُ المَثَلَ وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أرادَ جَلَّ شَأْنُهُ أنْ يُسَلِّيَ حَبِيبَهُ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ، ويُوَطِّنَهُ عَلى اليَأْسِ مِن إيمانِهِمْ، فَأضْرَبَ تَعالى عَنْ ذَلِكَ وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أهْواءَهُمْ﴾ وجَعَلَ السَّبَبَ في ذَلِكَ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ ما أرادَ هِدايَتَهُمْ، وأنَّهُ مَخْتُومٌ عَلى قُلُوبِهِمْ، ولِذَلِكَ رَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَمَن يَهْدِي مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾ عَلى التَّقْرِيعِ والإنْكارِ، ثُمَّ ذَيَّلَ سُبْحانَهُ الكُلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ يَعْنِي إذا أرادَ اللَّهُ تَعالى مِنهم ذَلِكَ فَلا مُخَلِّصَ لَهم مِنهُ، ولا أحَدَ يُنْقِذُهم لا أنْتَ، ولا غَيْرُكَ، فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ، فاهْتَمَّ بِخاصَّةِ نَفْسِكَ ومَن تَبِعَكَ، وأقِمْ وجْهَكَ إلَخْ، اهـ، ومِنهُ يُعْلَمُ حالُ الفاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ( فَمَن ) وكَذا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( فَأقِمْ ) وقَدَّرَ النَّيْسابُورِيُّ لِلثّانِيَةِ إذا تَبَيَّنَ الحَقُّ وظَهَرَتِ الوَحْدانِيَّةُ فَأقِمْ إلَخْ، ولَعَلَّ ما أشارَ إلَيْهِ الطِّيبِيُّ أوْلى، ثُمَّ إنَّهُ يَلُوحُ مِن كَلامِهِ احْتِمالُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ قائِمًا مَقامَ ضَمِيرِ ( الَّذِينَ ظَلَمُوا ) فَتَدَبَّرْ.

و«أقِمْ» مِن أقامَ العُودَ، ويُقالُ: قَوَّمَ العُودَ أيْضًا، إذا عَدَلَهُ، والمُرادُ الأمْرُ بِالإقْبالِ عَلى دِينِ الإسْلامِ، والِاسْتِقامَةُ والثَّباتُ عَلَيْهِ، والِاهْتِمامُ بِتَرْتِيبِ أسْبابِهِ عَلى أنَّ الكَلامَ تَمْثِيلٌ لِذَلِكَ، فَإنَّ مَنِ اهْتَمَّ بِشَيْءٍ مَحْسُوسٍ بِالبَصَرِ عَقَدَ إلَيْهِ طَرْفَهُ، وسَدَّدَ إلَيْهِ نَظَرَهُ، وأقْبَلَ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ غَيْرِ مُلْتَفِتٍ عَنْهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَعَدِّلْ وجْهَكَ لِلدِّينِ وأقْبِلْ عَلَيْهِ إقْبالًا كامِلًا غَيْرَ مُلْتَفِتٍ يَمِينًا وشِمالًا، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّ إقامَةَ الوَجْهِ لِلشَّيْءِ كِنايَةٌ عَنْ كَمالِ الِاهْتِمامِ بِهِ، ولَعَلَّهُ أرادَ بِالكِنايَةِ المَجازَ المُتَفَرِّعَ عَلى الكِنايَةِ، فَإنَّهُ لا يُشْتَرَطُ فِيهِ إمْكانُ إرادَةِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ، ونُصِبَ ( حَنِيفًا ) عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (أقِمْ)، أوْ مِنَ (الدِّينِ)، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَهُ حالًا مِنَ الوَجْهِ، وأصْلُ الحَنَفِ المَيْلُ مِنَ الضَّلالِ إلى الِاسْتِقامَةِ، وضِدُّهُ الجَنَفُ بِالجِيمِ، ( فِطْرَةَ اللَّهِ ) نُصِبَ عَلى الإغْراءِ أيِ الزَمُوا فِطْرَةَ اللَّهِ تَعالى، ومَن أجازَ إضْمارَ أسْماءِ الأفْعالِ جَوَّزَ أنْ يُقَدَّرَ هُنا (عَلَيْكُمُ) اسْمُ فِعْلٍ، وقالَ مَكِّيٌّ: هو نَصْبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيِ اتَّبِعْ فِطْرَةَ اللَّهِ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ( فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ ) لِأنَّ مَعْناهُ اتَّبِعِ الدِّينَ، واخْتارَهُ الطِّيبِيُّ وقالَ: إنَّهُ أقْرَبُ في تَأْلِيفِ النَّظْمِ، لِأنَّهُ مُوافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أهْواءَهُمْ﴾ ولِتَرَتُّبِ قَوْلِهِ تَعالى: ( فَأقِمْ وجْهَكَ ) عَلَيْهِ بِالفاءِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَصْبًا بِإضْمارِ أعْنِي، وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدُ، أيْ فَطَرَكم فِطْرَةَ اللَّهِ، ولا يَصِحُّ عَمَلُ فَطَرَ المَذْكُورِ بَعْدُ فِيهِ، لِأنَّهُ مِن صِفَتِهِ، وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِما دَلَّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِنَفْسِهِ. وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( حَنِيفًا )، والمُتَبادِرُ إلى الذِّهْنِ النَّصْبُ عَلى الإغْراءِ، وإضْمارُ الفِعْلِ عَلى خِطابِ الجَماعَةِ مَعَ أنَّ المُتَقَدِّمَ ( فَأقِمْ ) هو ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لِيُطابِقَ قَوْلَهُ تَعالى:

30:31Page 407

۞ مُنِيبِينَ إِلَيۡهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٣١

[Adhere to it], turning in repentance to Him, and fear Him and establish prayer and do not be of those who associate others with Allāh

﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ وجَعَلَهُ حالًا مِن ضَمِيرِ الجَماعَةِ المُسْنَدِ إلَيْهِ الفِعْلُ، وجُعِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ( واتَّقُوهُ وأقِيمُوا ولا تَكُونُوا ) مَعْطُوفًا عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ.

وقالَ الطِّيبِيُّ: بَعْدَ ما اخْتارَ تَقْدِيرَ اتَّبِعْ، ورَجَّحَهُ بِما سَمِعْتَ: وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ( مُنِيبِينَ ) فَهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (أقِمْ)، وإنَّما جُمِعَ لِأنَّهُ مُرَدَّدٌ عَلى المَعْنى، لِأنَّ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهو خِطابٌ لِأُمَّتِهِ

صفحة 40

فَكَأنَّهُ قِيلَ: أقِيمُوا وُجُوهَكم مُنِيبِينَ.

وقالَ الفَرّاءُ: أيْ أقِمْ وجْهَكَ، ومَن تَبِعَكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ومَن تابَ مَعَكَ﴾ [هُودٌ: 112]، فَلِذَلِكَ قالَ سُبْحانَهُ: ( مُنِيبِينَ ) وفي المُرْشِدِ أنَّ ( مُنِيبِينَ ) مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ، أيْ كُونُوا مُنِيبِينَ، لِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ: ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ اهـ. ولا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ حُسْنُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ، وما ذُكِرَ مِن أنَّ خِطابَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خِطابُ الأُمَّةِ يُؤَكِّدُ الدِّلالَةَ، وعَلى ذَلِكَ المُضْمَرُ لا أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( مُنِيبِينَ ) حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (أقِمْ)، وظاهِرُ كَلامِ الفَرّاءِ يَقْتَضِي كَوْنَ الحالِ مِن مَذْكُورٍ، ومَحْذُوفٍ، وهو قَلِيلٌ في الكَلامِ، وإضْمارُ (كُونُوا) مَعَ إضْمارِ فِعْلٍ ناصِبٍ لِـ(فِطْرَةَ اللَّهِ) مُوجِبٌ لِكَثْرَةِ الإضْمارِ، وإضْمارُهُ دُونَ إضْمارٍ فِيما قِيلَ مُوجِبٌ لِارْتِكابِ خِلافِ المُتَبادِرِ هُناكَ، والفِطْرَةُ عَلى ما قالَ ابْنُ الأثِيرِ لِلْحالَةِ، كالجِلْسَةِ والرِّكْبَةِ مِنَ الفَطْرِ، بِمَعْنى الِابْتِداءِ، والِاخْتِراعِ، وفَسَّرَها الكَثِيرُ هُنا بِقابِلِيَّةِ الحَقِّ والتَّهَيُّؤِ لِإدْراكِهِ، وقالُوا: مَعْنًى لُزُومُها الجَرَيانَ عَلى مُوجَبِها، وعَدَمُ الإخْلالِ بِهِ بِاتِّباعِ الهَوى، وتَسْوِيلِ شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ، ووَصَفَها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ امْتِثالِ الأمْرِ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: تَفْسِيرُها بِدِينِ الإسْلامِ.

وفِي الخَبَرِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ حَمّادِ بْنِ عُمَرَ الصَّفّارِ قالَ: سَألْتُ قَتادَةَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ فَقالَ: حَدَّثَنِي أنَسُ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «فِطْرَةُ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها دِينُ اللَّهِ تَعالى»»

والمُرادُ بِفَطْرِهِمْ عَلى دِينِ الإسْلامِ خَلْقُهم قابِلِينَ لَهُ غَيْرَ نابِينَ عَنْهُ، ولا مُنْكِرِينَ لَهُ، مُجاوِبًا لِلْعَقْلِ مُساوِقًا لِلنَّظَرِ الصَّحِيحِ، حَتّى لَوْ تُرِكُوا لَما اخْتارُوا عَلَيْهِ دِينًا آخَرَ.

فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا عَلى الفِطْرَةِ، فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ، أوْ يُنَصِّرانِهِ، أوْ يُمَجِّسانِهِ، كَما تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيها مِن جَدْعاءَ»»

والمُرادُ بِالنّاسِ عَلى التَّفْسِيرَيْنِ جَمِيعُهم.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ بِهِمْ عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي المُؤْمِنُونَ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ. واسْتُشْكِلَ الِاسْتِغْراقُ بِأنَّهُ ورَدَ في الغُلامِ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ طُبِعَ عَلى الكُفْرِ. وأُجِيبَ بِأنَّ مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ قُدِّرَ أنَّهُ لَوْ عاشَ يَصِيرُ كافِرًا بِإضْلالِ غَيْرِهِ لَهُ، أوْ بِآفَةٍ مِنَ الآفاتِ البَشَرِيَّةِ، وهَذا عَلى ما قِيلَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««الشَّقِيُّ شَقِيٌّ في بَطْنِ أُمِّهِ»»

وذَلِكَ لا يُنافِي الفَطْرَ عَلى دِينِ الإسْلامِ بِمَعْنى خَلْقِهِ مُتَهَيِّئًا لَهُ مُسْتَعِدًّا لِقَبُولِهِ، فَتَأمَّلْ، فالمَقامُ مُحْتاجٌ بَعْدُ إلى تَحْقِيقٍ، وقِيلَ: فِطْرَةُ اللَّهِ العَهْدُ المَأْخُوذُ عَلى بَنِي آدَمَ، ومَعْنى فَطَرَهم عَلى ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ خَلَقَهم مَرْكُوزًا فِيهِمْ مَعْرِفَتُهُ تَعالى، كَما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) [لُقْمانُ: 25، الزُّمَرُ: 38]، وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِلُزُومِ فِطْرَتِهِ تَعالى، أوْ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ بِهِ، فالمُرادُ بِخَلْقِ اللَّهِ فِطْرَتُهُ المَذْكُورَةُ أوَّلًا، فَفِيهِ إقامَةُ المُظْهَرِ مَقامَ المُضْمَرِ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ السّابِقِ، والمَعْنى لا صِحَّةَ ولا اسْتِقامَةَ لِتَبْدِيلِ فِطْرَةِ اللَّهِ تَعالى بِالإخْلالِ بِمُوجَبِها، وعَدَمِ تَرْتِيبِ مُقْتَضاها عَلَيْها بِاتِّباعِ الهَوى، وقَبُولِ وسْوَسَةِ الشَّياطِينِ، وقِيلَ: المَعْنى لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى أنْ يُغَيِّرَ خَلْقَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وفِطْرَتَهُ عَزَّ وجَلَّ، فَلا بُدَّ مِن حَمْلِ التَّبْدِيلِ عَلى تَبْدِيلِ نَفْسِ الفِطْرَةِ بِإزالَتِها رَأْسًا، ووَضْعِ فِطْرَةٍ أُخْرى مَكانَها غَيْرَ مُصَحِّحَةٍ لِقَبُولِ الحَقِّ والتَّمَكُّنِ مِن إدْراكِهِ ضَرُورَةً، فَإنَّ التَّبْدِيلَ بِالمَعْنى الأوَّلِ مَقْدُورٌ، بَلْ واقِعٌ قَطْعًا، فالتَّعْلِيلُ حِينَئِذٍ مِن جِهَةِ أنَّ سَلامَةَ الفِطْرَةِ مُتَحَقِّقَةٌ

صفحة 41

فِي كُلِّ أحَدٍ، فَلا بُدَّ مِن لُزُومِها بِتَرْتِيبِ مُقْتَضاها عَلَيْها، وعَدَمِ الإخْلالِ بِهِ بِما ذُكِرَ مِنَ اتِّباعِ الهَوى ووَسْوَسَةِ الشَّياطِينِ، وقالَ الإمامُ: يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ خَلْقَهُ لِلْعِبادَةِ، وهم كُلُّهم عَبِيدُهُ لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ، أيْ لَيْسَ كَوْنُهم عَبِيدًا مِثْلَ كَوْنٍ المَمْلُوكِ عَبْدًا لِلْإنْسانِ، فَإنَّهُ يَنْتَقِلُ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ، ويَخْرُجُ عَنْ مُلْكِهِ بِالعِتْقِ، بَلْ لا خُرُوجَ لِلْخَلْقِ عَنِ العِبادَةِ والعُبُودِيَّةِ، وهَذا لِبَيانِ فَسادِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: العِبادَةُ لِتَحْصِيلِ الكَمالِ، وإذا كَمُلَ لِلْعَبْدِ بِها لا يَبْقى عَلَيْهِ تَكْلِيفٌ.

وقَوْلُ المُشْرِكِينَ: إنَّ النّاقِصَ لا يَصْلُحُ لِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما يَعْبُدُ نَحْوَ الكَواكِبِ، وهي عَبِيدُ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُ النَّصارى: إنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَمُلَ بِحُلُولِ اللَّهِ تَعالى فِيهِ، وصارَ إلَهًا اهـ، وفِيهِ ما فِيهِ، ومِمّا يُسْتَغْرَبُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّ مَعْنى ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ النَّهْيُ عَنْ خِصاءِ الفُحُولِ مِنَ الحَيَوانِ، وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ مُتَعَلِّقٌ بِالكَفَرَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا، والزَمْ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها، فَإنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى، لَهُمُ الكُفْرُ، ولا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ أيْ أنَّهم لا يُفْلِحُونَ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي حَمْلُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلى نَحْوِ هَذا، ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الدِّينِ المَأْمُورِ بِإقامَةِ الوَجْهِ لَهُ، أوْ إلى لُزُومِ فِطْرَةِ اللَّهِ تَعالى المُسْتَفادِ مِنَ الإغْراءِ، أوْ إلى الفِطْرَةِ والتَّذْكِيرِ بِاعْتِبارِ الخَبَرِ، أوْ بِتَأْوِيلِ المُشارِ إلَيْهِ بِمُذَكَّرٍ، ﴿الدِّينُ القَيِّمُ﴾ المُسْتَوِي الَّذِي لا عِوَجَ فِيهِ، ولا انْحِرافَ عَنِ الحَقِّ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ صِيغَةُ المُبالَغَةِ، وأصْلُهُ قَيُّومٌ عَلى وزْنِ فَيْعِلٍ، اجْتَمَعَتِ الواوُ والياءُ وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتِ الياءُ فِيها ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ فَيَصُدُّونَ عَنْهُ صُدُودًا.

وقِيلَ: أيْ لا عِلْمَ لَهم أصْلًا، ولَوْ عَلِمُوا لَعَلِمُوا ذَلِكَ عَلى أنَّ الفِعْلَ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ ﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ أيْ راجِعِينَ إلَيْهِ تَعالى بِالتَّوْبَةِ وإخْلاصِ العَمَلِ، مِن نابَ نَوْبَةً ونَوْبًا، إذا رَجَعَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، ومِنَ النَّوّابِ أيِ النَّحْلِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِرُجُوعِها إلى مَقَرِّها، وقِيلَ: أيْ مُنْقَطِعِينَ إلَيْهِ تَعالى مِنَ النّابِ السِّنِّ خَلْفَ الرَّباعِيَةِ لِما يَكُونُ بِها مِنَ الِانْقِطاعِ ما لا يَكُونُ بِغَيْرِها. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ بَعِيدٌ، لِأنَّ النّابَ يائِيٌّ، وهَذا واوِيٌّ، وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ بَعِيدٍ عِدَّةُ أقْوالٍ في وجْهِ نَصْبِهِ، وزادَ عَلَيْها في البَحْرِ القَوْلُ بِكَوْنِهِ نَصْبًا عَلى الحالِ مِنَ ( النّاسِ )، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَطَرَ النّاسَ﴾ وقَدَّمَهُ عَلى سائِرِ الأقْوالِ، وهو كَما تَرى، وتَقَدَّمَ أيْضًا ما قِيلَ في عَطْفِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوهُ﴾ أيْ مِن مُخالَفَةِ أمْرِهِ تَعالى ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ المُبَدِّلِينَ لِفِطْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ تَبْدِيلًا، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِمْ كُلُّ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والنَّهْيُ مُتَّصِلٌ بِالأوامِرِ قَبْلَهُ، وقِيلَ: بِأقِيمُوا الصَّلاةَ، والمَعْنى: ولا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ بِتَرْكِها، وإلَيْهِ ذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ أسْلَمَ الطُّوسِيُّ، وهو كَما تَرى.

30:32Page 407

مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗاۖ كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ ٣٢

[Or] of those who have divided their religion and become sects, every faction rejoicing in what it has.1

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ بِإعادَةِ الجارِّ، وتَفْرِيقُهم لِدِينِهِمُ اخْتِلافُهم فِيما يَعْبُدُونَهُ عَلى اخْتِلافِ أهْوائِهِمْ، وقِيلَ: اخْتِلافُهم في اعْتِقاداتِهِمْ مَعَ اتِّحادِ مَعْبُودِهِمْ، وفائِدَةُ الإبْدالِ التَّحْذِيرُ عَنِ الِانْتِماءِ إلى حِزْبٍ مِن أحْزابِ المُشْرِكِينَ بِبَيانِ أنَّ الكُلَّ عَلى الضَّلالِ المُبِينِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ «فارَقُوا» أيْ تَرَكُوا دِينَهُمُ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ، أوِ الَّذِي اقْتَضَتْهُ فِطْرَتُهم ﴿وكانُوا شِيَعًا﴾

صفحة 42

أيْ فَرِقًا تُشايِعُ كُلُّ فِرْقَةٍ إمامَها الَّذِي مَهَّدَ لَها دِينَها، وقَرَّرَهُ، ووَضَعَ أُصُولَهُ ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ﴾ مِنَ الدِّينِ المُعْوَجِّ المُؤَسَّسِ عَلى الرَّأْيِ الزّائِغِ، والزَّعْمِ الباطِلِ ﴿فَرِحُونَ﴾ مَسْرُورُونَ ظَنًّا مِنهم أنَّهُ حَقٌّ، والجُمْلَةُ قِيلَ: اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مِن تَفْرِيقِ دِينِهِمْ، وكَوْنِهِمْ شِيَعًا، وقِيلَ: في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنَّها صِفَةُ ( شِيَعًا ) بِتَقْدِيرِ العائِدِ، أيْ كُلُّ حِزْبٍ مِنهُمْ، وزَعَمَ بَعْضُهم كَوْنَها حالًا. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ( فَرِحُونَ ) صِفَةً لِكُلٍّ، كَقَوْلِ الشَّمّاخِ:

وكُلُّ خَلِيلٍ غَيْرُ هاضِمٍ نَفْسَهُ لِوَصْلِ خَلِيلٍ صارِمٍ أوْ مُعارِزِ

والخَبَرُ هو الظَّرْفُ المُتَقَدِّمُ، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ فَيَكُونُ مُنْقَطِعًا عَمّا قَبْلَهُ، وضُعِّفَ بِأنَّهُ يُوصَفُ المُضافُ إلَيْهِ في نَحْوِهِ، صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ ابْنُ الحاجِبِ في قَوْلِهِ:

وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ ∗∗∗ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ

وفِي البَحْرِ: أنَّ وصْفَ المُضافِ إلَيْهِ في نَحْوِهِ هو الأكْثَرُ، وأنْشَدَ قَوْلَهُ:

جادَتْ عَلَيْهِ كُلُّ عَيْنٍ تِرَةً ∗∗∗ فَتَرَكْنَ كُلَّ حَدِيقَةٍ كالدِّرْهَمِ

وما قِيلَ: إنَّهُ إذا وُصِفَ بِهِ كُلٌّ، دَلَّ عَلى أنَّ الفَرَحَ شامِلٌ لِلْكُلِّ، وهو أبْلَغُ، لَيْسَ بِشَيْءٍ، بَلِ العَكْسُ أبْلَغُ لَوْ تُؤُمِّلَ أدْنى تَأمُّلٍ.

30:33Page 408

وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرّٞ دَعَوۡاْ رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيۡهِ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُم مِّنۡهُ رَحۡمَةً إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ ٣٣

And when adversity touches the people, they call upon their Lord, turning in repentance to Him. Then when He lets them taste mercy from Him, at once a party of them associate others with their Lord,

﴿وإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ﴾ أيْ شِدَّةٌ ﴿دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ راجِعِينَ إلَيْهِ تَعالى مِن دُعاءِ غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها، ﴿ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً﴾ خَلاصًا مِن تِلْكَ الشِّدَّةِ، ﴿إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ﴾ الَّذِي كانُوا دَعَوْهُ مُنِيبِينَ إلَيْهِ ﴿يُشْرِكُونَ﴾ أيْ فاجَأ فَرِيقٌ مِنهُمُ الإشْراكَ، وذَلِكَ بِنِسْبَةِ خَلاصِهِمْ إلى غَيْرِهِ تَعالى مِن صَنَمٍ، أوْ كَوْكَبٍ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ المَخْلُوقاتِ، وتَخْصِيصُ هَذا الفِعْلِ بِبَعْضِهِمْ لِما أنَّ بَعْضَهم لَيْسُوا كَذَلِكَ، وتَنْكِيرُ ( ضُرٌّ، ورَحْمَةً ) لِلتَّعْلِيلِ إشارَةً إلى أنَّهم لِعَدَمِ صَبْرِهِمْ يَجْزَعُونَ لِأدْنى مُصِيبَةٍ، ويَطْغَوْنَ لِأدْنى نِعْمَةٍ، و«ثُمَّ» لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ أوِ الزَّمانِيِّ.

30:34Page 408

لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡۚ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٣٤

So that they will deny what We have granted them.1 Then enjoy yourselves, for you are going to know.

﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ اللّامُ فِيهِ لِلْعاقِبَةِ، وكَوْنِها تَقْتَضِي المُهْلَةَ، ولِذا سُمِّيَتْ لامَ المَآلِ، والشِّرْكُ والكُفْرُ مُتَقارِبانِ، لا مُهْلَةَ بَيْنَهُما كَما قِيلَ: لا وجْهَ لَهُ، وقِيلَ: لِلْأمْرِ، وهو لِلتَّهْدِيدِ كَما يُقالُ عِنْدَ الغَضَبِ: اعْصِنِي ما اسْتَطَعْتَ، وهو مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَتَمَتَّعُوا )،﴾ فَإنَّهُ أمْرٌ تَهْدِيدِيٌّ، واحْتِمالُ كَوْنِهِ ماضِيًا مَعْطُوفًا عَلى ( يُشْرِكُونَ ) لا يَخْفى حالُهُ، والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، والتَّمَتُّعُ التَّلَذُّذُ، وفِيهِ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وبالَ تَمَتُّعِكم. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ «فَيُمَتَّعُوا» بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى (يَكْفُرُوا، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)، بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ أيْضًا، وعَنْ أبِي العالِيَةِ أيْضًا «فَيَتَمَتَّعُوا» بِياءٍ تَحْتِيَّةٍ قَبْلَ التّاءِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى (يَكْفُرُوا) أيْضًا، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «ولْيَتَمَتَّعُوا» بِاللّامِ والياءِ التَّحْتِيَّةِ، وهو عَطْفٌ عَلى «لِيَكْفُرُوا» .

30:35Page 408

أَمۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٗا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِۦ يُشۡرِكُونَ ٣٥

Or have We sent down to them an authority [i.e., a proof or scripture], and it speaks of what they have been associating with Him?

﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا﴾ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ إيذانًا بِالإعْراضِ عَنْهُمْ، وتَعْدِيدًا لِجِناياتِهِمْ لِغَيْرِهِمْ بِطَرِيقِ المُباثَّةِ، ( وأمْ ) مُنْقَطِعَةٌ، والسُّلْطانُ الحُجَّةُ، فالإنْزالُ مَجازٌ عَنِ التَّعْلِيمِ أوِ الإعْلامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ بِمَعْنى فَهو يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّكَلُّمَ مَجازٌ عَنِ الدِّلالَةِ، ولَكَ أنْ تَعْتَبِرَ هُنا جَمِيعَ ما اعْتَبَرُوهُ في قَوْلِهِمْ: نَطَقَتِ الحالُ مِنَ الِاحْتِمالاتِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِـ(سُلْطانًا) ذا سُلْطانٍ أيْ مَلِكًا مَعَهُ بُرْهانٌ، فَلا مَجازَ أوَّلًا وآخِرًا.

وجُمْلَةُ ( هو يَتَكَلَّمُ ) جَوابٌ لِلِاسْتِفْهامِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ ( أمْ )، إذِ المَعْنى: بَلْ أأنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا، ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾

صفحة 43

﴿بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ أيْ بِإشْراكِهِمْ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وصِحَّتُهُ عَلى أنَّ (ما) مَصْدَرِيَّةٌ، وضَمِيرَ ( بِهِ ) لَهُ تَعالى، أوْ بِالأمْرِ الَّذِي يُشْرِكُونَ بِسَبَبِهِ وأُلُوهِيَّتِهِ، عَلى أنَّ (ما) مَوْصُولَةٌ، وضَمِيرَ ( بِهِ ) لَها، والباءَ سَبَبِيَّةٌ، والمُرادُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ لَهم مُسْتَمْسَكٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ في شِرْكِهِمْ.

30:36Page 408

وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ فَرِحُواْ بِهَاۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ إِذَا هُمۡ يَقۡنَطُونَ ٣٦

And when We let the people taste mercy, they rejoice therein, but if evil afflicts them for what their hands have put forth, immediately they despair.

﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً﴾ أيْ نِعْمَةً مِن صِحَّةٍ وسَعَةٍ ونَحْوِهِما ﴿فَرِحُوا بِها﴾ بَطَرًا وأشَرًا، فَإنَّهُ الفَرَحُ المَذْمُومُ دُونَ الفَرَحِ حَمْدًا وشُكْرًا، وهو المُرادُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ وقالَ الإمامُ: المَذْمُومُ الفَرَحُ بِنَفْسِ الرَّحْمَةِ، والمَمْدُوحُ الفَرَحُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى مِن حَيْثُ إنَّها مُضافَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى، ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ شِدَّةٌ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ بِشُؤْمِ مَعاصِيهِمْ ﴿إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ أيْ فاجَؤُوا القُنُوطَ مِن رَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، والتَّعْبِيرُ بِإذا أوَّلًا لِتَحَقُّقِ الرَّحْمَةِ وكَثْرَتِها دُونَ المُقابِلِ، وفي نِسْبَةِ الرَّحْمَةِ إلَيْهِ تَعالى دُونَ السَّيِّئَةِ تَعْلِيمٌ لِلْعِبادِ أنْ لا يُضافَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ الشَّرُّ، وهو كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْعَمْتَ،﴾ و﴿المَغْضُوبِ﴾ ) في [الفاتِحَةِ: 7]، وعَدَمُ بَيانِ سَبَبُ إذاقَةِ الرَّحْمَةِ وبَيانُ سَبَبِ إصابَةِ السَّيِّئَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ الأوَّلَ تَفَضُّلٌ والثّانِيَ عَدْلٌ، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في ﴿إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ لِرِعايَةِ الفاصِلَةِ والدِّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ في القُنُوطِ، والمُرادُ بِالنّاسِ إمّا فَرِيقٌ آخَرُ غَيْرُ الأوَّلِ عَلى أنَّ التَّعْرِيفَ لِلْعَهْدِ أوْ لِلْجِنْسِ، وإمّا الفَرِيقُ الأوَّلُ، لَكِنَّ الحُكْمَ الأوَّلَ ثابِتٌ لَهم في حالِ تَدَهُّشِهِمْ كَمُشاهَدَةِ الغَرَقِ، وهَذا الحُكْمُ في حالٍ آخَرَ لَهُمْ، فَلا مُخالَفَةَ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ فَلا يَحْتاجُ إلى تَكَلُّفِ التَّوْفِيقِ بِأنَّ الدُّعاءَ اللِّسانِيَّ جارٍ عَلى العادَةِ، فَلا يُنافِي القُنُوطَ القَلْبِيَّ، ولِذا سُمِعَ بَعْضُ الخائِضِينَ في دَمِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَدْعُو في طَوافِهِ، ويَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ولا أظُنُّكَ تَفْعَلُ، أوِ المُرادُ يَفْعَلُونَ فِعْلَ القانِطِينَ كالِاهْتِمامِ بِجَمْعِ الذَّخائِرِ أيّامَ الغَلاءِ، ولا يَخْفى أنَّ في المُفاجَأةِ نَبْوَةً ما عَنْ هَذا فَتَأمَّلْ.

وقُرِئَ «يَقْنِطُونَ» بِكَسْرِ النُّونِ.

30:37Page 408

أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٣٧

Do they not see that Allāh extends provision for whom He wills and restricts [it]? Indeed in that are signs for a people who believe.

﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ أيْ ألَمْ يَنْظُرُوا، ولَمْ يُشاهِدُوا، ﴿أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ﴾ أنْ يَبْسُطَهُ تَعالى لَهُ ﴿ويَقْدِرُ﴾ أيْ ويُضَيِّقُهُ عَلى مَن يَشاءُ أنْ يُضَيِّقَهُ عَلَيْهِ، وهَذا إمّا بِاعْتِبارِ شَخْصَيْنِ، أوْ بِاعْتِبارِ شَخْصٍ واحِدٍ في زَمانَيْنِ، والمُرادُ إنْكارُ فَرَحِهِمْ وقُنُوطِهِمْ في حالَتَيِ الرَّخاءِ والشِّدَّةِ، أيْ أوَلَمْ يَرَوْا ذَلِكَ فَما لَهم لَمْ يَشْكُرُوا، ولَمْ يَحْتَسِبُوا في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ كالمُؤْمِنِينَ، ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ المَذْكُورِ، أيِ البَسْطِ وضِدِّهِ، أوْ جَمِيعِ ما ذُكِرَ ﴿لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فَيَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى كَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ، ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ مَن قالَ:

نَكَدُ الأرِيبِ وطِيبُ عَيْشِ الجاهِلِ قَدْ أرْشَداكَ إلى حَكِيمٍ كامِلِ

قالَ الطِّيبِيُّ: كانَتِ الفاصِلَةُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ إيذانًا بِأنَّهُ تَعالى يَفْعَلُ ذَلِكَ بِمَحْضِ مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ، ولَيْسَ الغِنى بِفِعْلِ العَبْدِ وجَهْدِهِ، ولا العَدَمُ بِعَجْزِهِ وتَقاعُدِهِ، ولا يَعْرِفُ ذَلِكَ إلّا مَن آمَنَ بِأنَّ ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ كَما قالَ:

كَمْ مِن أرِيبٍ فَهِمٌ قَلْبُهُ ∗∗∗ مُسْتَكْمِلُ العَقْلِ مُقِلٌّ عَدِيمِ

ومِن جَهُولٍ مُكْثِرٍ مالُهُ ∗∗∗ ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском