Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ar-Rum 30:43–51
30:43Page 409
فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ ٱلۡقَيِّمِ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۖ يَوۡمَئِذٖ يَصَّدَّعُونَ ٤٣
So direct your face [i.e., self] toward the correct religion before a Day comes from Allāh of which there is no repelling. That Day, they will be divided.1
﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ﴾ أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَأقِمْ، وتَمامُ الكَلامِ فِيما هُنا يُعْلَمُ مِمّا تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِن اللَّهِ﴾ جُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَرَدٍّ، وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الرَّدِّ، والمَعْنى لا يَرُدُّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ يَجِيءَ بِهِ، ولا رَدَّ لَهُ مِن جِهَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، فَيُفِيدُ انْتِفاءَ رَدِّ غَيْرِهِ تَعالى لَهُ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَلَزِمَ تَنْوِينُ ( يَوْمٌ ) لِمُشابَهَتِهِ لِلْمُضافِ.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى ما قالَهُ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ مِن أنَّهُ قَدْ يُعامَلُ الشَّبِيهُ بِالمُضافِ مُعامَلَتَهُ فَيُتْرَكُ تَنْوِينُهُ، وحُمِلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««لا مانِعَ لِما أعْطَيْتَ»»
وتَفْصِيلُهُ في شَرْحِهِ، وبَعْضُهم جَعَلَهُ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ( مَرَدَّ )، أيْ لا يُرَدُّ مِن جِهَتِهِ تَعالى، أيْ لا يَرُدُّهُ هو عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: هو خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ هو أيِ الرَّدُّ المَنفِيُّ كائِنٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ جَوابُ سُؤالٍ تَقْدِيرُهُ: مِمَّنْ ذَلِكَ الرَّدُّ المَنفِيُّ؟ وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ الواقِعِ خَبَرًا لِلا، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِالنَّفْيِ أوْ بِما دَلَّ عَلَيْهِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةَ اليَوْمِ، وجَوَّزَ كَثِيرٌ تَعَلُّقَهُ بِيَأْتِي، أيْ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مِنَ اللَّهِ تَعالى يَوْمٌ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَرُدَّهُ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذَلِكَ خِلافُ المُتَبادِرِ مِنَ اللَّفْظِ والمَعْنى، وهو مَعَ ذَلِكَ قَلِيلُ الفائِدَةِ، وارْتَضاهُ الطِّيبِيُّ فَقالَ: هَذا الوَجْهُ أبْلَغُ لِإطْلاقِ الرَّدِّ وتَفْخِيمِ اليَوْمِ، وإنَّ إتْيانَهُ مِن جِهَةِ عَظِيمٍ قادِرٍ ذِي سُلْطانٍ قاهِرٍ، ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ قَلِيلَ الفائِدَةِ.
نَعَمْ، إنَّ فِيهِ الفَصْلَ المُلْبِسَ، وحالُ سائِرِ الأوْجُهِ لا يَخْفى عَلى ذِي تَمْيِيزٍ، ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ يَوْمَ إذْ يَأْتِي ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾ أصْلُهُ يَتَصَدَّعُونَ فَقُلِبَتْ تاؤُهُ صادًا، وأُدْغِمَتْ، والتَّصَدُّعُ في الأصْلِ تَفَرُّقُ أجْزاءِ الأوانِي، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في مُطْلَقِ التَّفَرُّقِ، أيْ يَتَفَرَّقُونَ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ، وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، وقِيلَ: يَتَفَرَّقُونَ تَفَرُّقَ الأشْخاصِ عَلى ما ورَدَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ [القارِعَةُ: 4]، لا تَفَرُّقَ الفَرِيقَيْنِ، فَإنَّ المُبالَغَةَ في التَّفَرُّقِ المُسْتَفادَةَ مِن ( يَصَّدَّعُونَ ) إنَّما تُناسِبُ الأوَّلَ، ورُجِّحَ الثّانِي بِأنَّهُ المُناسِبُ لِلسِّياقِ والسِّباقِ، إذِ الكَلامُ في المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، فَما ذُكِرَ بَيانٌ
صفحة 50
لِتَبايُنِهِمْ في الدّارَيْنِ، ويَكْفِي لِلْمُبالَغَةِ شِدَّةُ بُعْدِ ما بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ حِسًّا ومَعْنًى، وهو تَفْسِيرٌ رَواهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ زَيْدٍ.
30:44Page 409
مَن كَفَرَ فَعَلَيۡهِ كُفۡرُهُۥۖ وَمَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِأَنفُسِهِمۡ يَمۡهَدُونَ ٤٤
Whoever disbelieves - upon him is [the consequence of] his disbelief. And whoever does righteousness - they are for themselves preparing,
﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أيْ وبالُ كُفْرِهِ، وهي النّارُ المُؤَبَّدَةُ، فَفي الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ أوِ الكُفْرُ مَجازٌ عَنْ جَزائِهِ، بَلْ عَنْ جَمِيعِ المَضارِّ الَّتِي لا ضَرَرَ وراءَها، وإفْرادُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ لَفْظِ ( مَن )، وفِيهِ إشارَةٌ إلى قِلَّةِ قَدْرِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وحَقارَتِهِمْ مَعَ ما عُلِمَ مِن كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، وجَمَعَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن عَمِلَ صالِحًا فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ بِاعْتِبارِ مَعْناها، وفِيهِ مَعَ رِعايَةِ الفاصِلَةِ إشارَةٌ إلى كَثْرَةِ قَدْرِهِمْ وعِظَمِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، ( ويَمْهَدُونَ ) مِن مَهَدَ فِراشَهُ وطَّأهُ، أيْ يُوَطِّؤُونَ لِأنْفُسِهِمْ كَما يُوَطِّئُ الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ فِراشَهُ لِئَلّا يُصِيبَهُ في مَضْجَعِهِ ما يُنْبِيهِ ويُنَغِّصَ عَلَيْهِ مَرْقَدَهُ مِن نُتُوءٍ أوْ قَضَضٍ، أوْ بَعْضِ ما يُؤْذِي الرّاقِدَ، فَكَأنَّهُ شَبَّهَ حالَةَ المُكَلَّفِ مَعَ عَمَلِهِ الصّالِحِ وما يَتَحَصَّلُ بِهِ مِنَ الثَّوابِ ويَتَخَلَّصُ مِنَ العِقابِ بِحالَةِ مَن يُمَهِّدُ فِراشَهُ ويُوَطِّؤُهُ لِيَسْتَرِيحَ عَلَيْهِ، ولا يُصِيبَهُ في مَضْجَعِهِ ما يُنَغِّصُ عَلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَعَلى أنْفُسِهِمْ يُشْفِقُونَ، عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ في المَثَلِ لِلْمُشْفِقِ: أمْ فَرَشَتْ فَأنامَتْ، فَيَكُونُ الكَلامُ كِنايَةً إيمائِيَّةً عَنِ الشَّفَقَةِ والمَرْحَمَةِ، والأُولى أظْهَرُ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ التَّوْطِئَةَ لِما بَعْدَ المَوْتِ مِنَ القَبْرِ وغَيْرِهِ، وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: فَلِأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ أيْ يُسَوُّونَ المَضاجِعَ في القَبْرِ، ولَيْسَ بِذاكَ. وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ في المَوْضِعَيْنِ لِلدِّلالَةِ عَلى الِاخْتِصاصِ، وقِيلَ: لِلِاهْتِمامِ، ومُقابَلَةُ مَن ( كَفَرَ) بِمَن عَمِلَ صالِحًا، لا بِمَن آمَنَ، إمّا لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الإيمانِ بِناءً عَلى أنَّهُ المُرادُ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، وإمّا لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ المُؤْمِنِ العامِلِ، بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالعَمَلِ الصّالِحِ ما يَشْمَلُ العَمَلَ القَلْبِيَّ والقالَبِيَّ، ويُشْعِرُ بِأنَّ المُرادَ بِمَن عَمِلَ صالِحًا المُؤْمِنُ العالِمُ، قَوْلُهُ تَعالى:
30:45Page 409
لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٥
That He may reward those who have believed and done righteous deeds out of His bounty. Indeed, He does not like the disbelievers.
﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِن فَضْلِهِ﴾ فَإنَّهُ عِلَّةٌ (لِيَمْهَدُونَ)، وأُقِيمَ فِيهِ المَوْصُولُ مَقامَ الضَّمِيرِ تَعْلِيلًا لِلْجَزاءِ لِما أنَّ المَوْصُولَ في مَعْنى المُشْتَقِّ، والتَّعْلِيقُ بِهِ يُفِيدُ عِلِّيَّةِ مَبْدَإ الِاشْتِقاقِ، وذُكِرَ ( مِن فَضْلِهِ ) لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ الإثابَةَ تَفَضُّلٌ مَحْضٌ وتَأْوِيلُهُ بِالعَطاءِ أوِ الزِّيادَةِ عَلى ما يَسْتَحِقُّ مِنَ الثَّوابِ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِلَّةً (لِيَصَّدَّعُونَ)، والِاقْتِصارُ عَلى جَزاءِ المُؤْمِنِينَ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ، والِاكْتِفاءِ بِفَحْوى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ فَإنَّ عَدَمَ المَحَبَّةِ كِنايَةٌ عَنِ البُغْضِ في العُرْفِ. وهو يَقْتَضِي الجَزاءَ بِمُوجَبِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولِيُعاقِبَ الكافِرِينَ. وفي الكَشّافِ: أنَّ تَكْرِيرَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، وتَرْكَ الضَّمِيرِ إلى الصَّرِيحِ لِتَقْرِيرِ أنَّهُ لا يُفْلِحُ عِنْدَهُ تَعالى إلّا المُؤْمِنُ الصّالِحُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ( إنَّهُ ) إلَخْ، تَقْرِيرٌ بَعْدَ تَقْرِيرٍ، عَلى الطَّرْدِ والعَكْسِ، ويَعْنِي بِذَلِكَ كُلَّ كَلامَيْنِ يُقَرِّرُ الأوَّلُ الثّانِيَ وبِالعَكْسِ، سَواءٌ كانَ صَرِيحًا، وإشارَةً، أوْ مَفْهُومًا، ومَنطُوقًا، وذَلِكَ كَقَوْلِ ابْنِ هانِئٍ:
فَما جازَهُ جُودٌ ولا حَلَّ دُونَهُ ولَكِنْ يَصِيرُ الجُودُ حَيْثُ يَصِيرُ
وبَيانُهُ فِيما نَحْنُ فِيهِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا ) يَدُلُّ بِمَنطُوقِهِ عَلى ما قُرِّرَ عَلى اخْتِصاصِهِمْ بِالجَزاءِ التَّكْرِيمِيِّ، وبِمَفْهُومِهِ عَلى أنَّهم أهْلُ الوِلايَةِ والزُّلْفى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ لِتَعْلِيلِ الِاخْتِصاصِ يَدُلُّ بِمَنطُوقِهِ عَلى أنَّ عَدَمَ المَحَبَّةِ يَقْتَضِي حِرْمانَهُمْ، وبِمَفْهُومِهِ عَلى أنَّ الجَزاءَ لِأضْدادِهِمْ مُوَفَّرٌ، فَهو جَلَّ وعَلا مُحِبٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ، وذَكَرَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ: الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ﴾ الآيَةَ بِتَمامِها، كالمُورِدِ لِلسُّؤالِ، والخِطابُ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ المُكَلَّفِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ الآيَةَ، وارِدٌ عَلى الِاسْتِئْنافِ مُنْطَوٍ عَلى
صفحة 51
الجَوابِ، فَكَأنَّهُ لَمّا قِيلَ: أقِيمُوا عَلى الدِّينِ القَيِّمِ قَبْلَ مَجِيءِ يَوْمٍ يَتَفَرَّقُونَ فِيهِ، فَقِيلَ: ما لِلْمُقِيمِينَ عَلى الدِّينِ، وما عَلى المُنْحَرِفِينَ عَنْهُ، وكَيْفَ يَتَفَرَّقُونَ؟ فَأُجِيبَ مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ، الآيَةَ، وأمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا ) الآيَةَ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِلْكُلِّ لِيَفْصِلَ ما يَتَرَتَّبُ عَلى ما لَهم وعَلَيْهِمْ، لَكِنْ يَتَعَلَّقُ بِيَمْهَدُونَ وحْدَهُ لِشِدَّةِ العِنايَةِ بِشَأْنِ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وعَدَمِ الإعْباءِ بِعَمَلِ الكافِرِ، ولِذَلِكَ وضَعَ مَوْضِعَهُ ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ انْتَهى، فَلا تَغْفُلْ، وفي الآيَةِ لَطِيفَةٌ نَبَّهَ عَلَيْها الإمامُ قُدِّسَ سِرُّهُ، وهي أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ عِنْدَ ما أسْنَدَ الكُفْرَ والإيمانَ إلى العَبِيدِ قَدَّمَ الكافِرَ، وعِنْدَ ما أسْنَدَ الجَزاءَ إلى نَفْسِهِ قَدَّمَ المُؤْمِنَ، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( مَن كَفَرَ ) وعِيدٌ لِلْمُكَلَّفِ لِيَمْتَنِعَ عَمّا يَضُرُّهُ لِيُنْقِذَهُ سُبْحانَهُ مِنَ الشَّرِّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن عَمِلَ صالِحًا﴾ تَحْرِيضٌ لَهُ، وتَرْغِيبٌ في الخَيْرِ لِيُوصِلَهُ إلى الثَّوابِ، والإنْقاذُ مُقَدَّمٌ عِنْدَ الحَكِيمِ الرَّحِيمِ، وأمّا عِنْدَ الجَزاءِ فابْتَدَأ جَلَّ شَأْنُهُ بِالإحْسانِ إظْهارًا لِلْكَرَمِ والرَّحْمَةِ.
هَذا، ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ ظُهُورَ الفَسادِ والهَلاكِ بِسَبَبِ المَعاصِي ذَكَرَ ظُهُورَ الصَّلاحِ، ولَمْ يَذْكُرْ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ بِسَبَبِ العَمَلِ الصّالِحِ، لِأنَّ الكَرِيمَ يَذْكُرُ لِعِقابِهِ سَبَبًا لِئَلّا يُتَوَهَّمُ مِنهُ الظُّلْمُ، ولا يَذْكُرُ لِإحْسانِهِ، فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ:
30:46Page 409
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن يُرۡسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَٰتٖ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَلِتَجۡرِيَ ٱلۡفُلۡكُ بِأَمۡرِهِۦ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٤٦
And of His signs is that He sends the winds as bringers of good tidings and to let you taste His mercy [i.e., rain] and so the ships may sail at His command and so you may seek of His bounty, and perhaps you will be grateful.
﴿ومِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ﴾ الجَنُوبَ ومَهَبُّها مِن مَطْلَعِ سُهَيْلٍ إلى مَطْلَعِ الثُّرَيّا، والصَّبا ومَهَبُّها مِن مَطْلَعِ الثُّرَيّا إلى بَناتِ نَعْشٍ، والشَّمالَ، ومَهَبُّها مِن بَناتِ نَعْشٍ إلى مَسْقَطِ النَّسْرِ الطّائِرِ، فَإنَّها رِياحُ الرَّحْمَةِ، وأمّا الدَّبُورُ، ومَهَبُّها مِن مَسْقَطِ النَّسْرِ الطّائِرِ إلى مَطْلَعِ سُهَيْلٍ فَرِيحُ العَذابِ، وذُكِرَ أنَّ الثَّلاثَةَ الأُوَلَ تُلَقِّحُ السَّحابَ الماطِرَ وتَجْمَعُهُ، فَلِذا كانَتْ رَحْمَةً، وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ: الشَّمالُ عِنْدَ العَرَبِ لِلرَّوْحِ، والجَنُوبُ لِلْأمْطارِ، والأنْداءِ، والصَّبا لِإلْقاحِ الأشْجارِ، والدَّبُورُ لِلْبَلاءِ، وأهْوَنُهُ أنْ تُثِيرَ غُبارًا عاصِفًا يُقْذِي العَيْنَ، وهي أقَلُّهُنَّ هُبُوبًا، ورَوى الطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن حَدِيثٍ ذَكَرَ فِيهِ ما كانَ يَفْعَلُهُ، ويَقُولُهُ ﷺ إذا هاجَتْ رِيحٌ: ««اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا»»
وهُوَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الرِّياحَ لِلرَّحْمَةِ، والرِّيحَ لِلْعَذابِ، وفي النِّهايَةِ العَرَبُ تَقُولُ: لا تُلَقَّحُ السَّحابُ إلّا مِن رِياحٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَكَأنَّهُ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْها لِقاحًا لِلسَّحابِ، ولا تَجْعَلْها عَذابًا، ثُمَّ قالَ: وتَحْقِيقُ ذَلِكَ مَجِيءُ الجَمْعِ في آياتِ الرَّحْمَةِ، والواحِدِ في قِصَصِ العَذابِ كالرِّيحِ العَقِيمِ، (ورِيحًا صَرْصَرًا)، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ ذاكَ لِأنَّ الرِّيحَ إذا كانَتْ واحِدَةً جاءَتْ مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ فَصَدَمَتْ جِسْمَ الحَيَوانِ والنَّباتِ مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ، فَتُؤَثِّرُ فِيهِ أثَرًا أكْثَرَ مِن حاجَتِهِ، فَتَضُرُّهُ ويَتَضَرَّرُ الجانِبُ المُقابِلُ لِعَكْسِ مَمَرِّها، ويَفُوتُهُ حَظُّهُ مِنَ الهَواءِ، فَيَكُونُ داعِيًا إلى فَسادِهِ، بِخِلافِ ما إذا كانَتْ رِياحًا، فَإنَّها تَعُمُّ جَوانِبَ الجِسْمِ، فَيَأْخُذُ كُلُّ جانِبٍ حَظَّهُ، فَيَحْدُثُ الِاعْتِدالَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ قَدْ تُفْرَدُ الرِّيحُ حَيْثُ لا عَذابَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يُوسُفُ: 22]، وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ [الأنْبِياءُ: 81]، والحَدِيثُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَرَمَزَ السُّيُوطِيُّ لِحُسْنِهِ، وقالَ الحافِظُ الهَيْثَمِيُّ: في سَنَدِهِ حُسَيْنُ بْنُ قَيْسٍ، وهو مَتْرُوكٌ، وبَقِيَّةُ رِجالِهِ رِجالُ الصَّحِيحِ، ورَواهُ ابْنُ عَدِيٍّ في الكامِلِ مِن هَذا الوَجْهِ، وأعَلَّهُ بِحُسَيْنٍ المَذْكُورِ، ونُقِلَ تَضْعِيفُهُ عَنْ أحْمَدَ، والنَّسائِيِّ. نَعَمْ إنَّ الحافِظَ عَزاهُ في الفَتْحِ لِأبِي يَعْلى وحْدَهُ عَنْ أنَسٍ رَفَعَهُ، وقالَ: إسْنادُهُ صَحِيحٌ فَلْيُحْفَظْ ذَلِكَ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ «الرِّيحَ» مُفْرَدًا عَلى إرادَةِ مَعْنى الجَمْعِ ولِذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿مُبَشِّراتٍ﴾ أيْ بِالمَطَرِ ﴿ولِيُذِيقَكم مِن رَحْمَتِهِ﴾ يَعْنِي المَنافِعَ التّابِعَةَ لَها كَتَذْرِيَةِ الحُبُوبِ، وتَخْفِيفِ العُفُونَةِ، وسَقْيِ الأشْجارِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اللُّطْفِ والنِّعَمِ، وقِيلَ: الخِصْبُ التّابِعُ لِنُزُولِ المَطَرِ المُسَبَّبِ عَنْها، أوِ الرَّوْحُ الَّذِي هو مَعَ هُبُوبِها، ولا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ، والواوُ لِلْعَطْفِ، والعَطْفُ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ دَلَّ عَلَيْها ( مُبَشِّراتٍ )، أيْ لِيُبَشِّرَكُمْ، ولِيُذِيقَكُمْ، أوْ عَلى ( مُبَشِّراتٍ )
صفحة 52
بِاعْتِبارِ المَعْنى، فَإنَّ الحالَ قَدْ يُقْصَدُ بِها التَّعْلِيلُ نَحْوُ: أهِنْ زَيْدًا مُسِيئًا، أيْ لِإساءَتِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِتُبَشِّرَكُمْ، ولِيُذِيقَكُمْ، وكَوْنُهُ مِن عَطْفِ التَّوَهُّمِ تَوَهُّمٌ، أوْ عَلى ( يُرْسِلَ ) بِإضْمارِ فِعْلٍ مُعَلِّلٍ، والتَّقْدِيرُ: ويُرْسِلَها لِيُذِيقَكُمْ، وكَوْنُ التَّقْدِيرِ: ويُجْرِيَ الرِّياحَ لِيُذِيقَكم بَعِيدٌ، قِيلَ: أوْ عَلى جُمْلَةِ (ومِن آياتِهِ) إلَخْ، بِتَقْدِيرِ: ولِيُذِيقَكم أرْسَلَها أوْ فَعَلَ ما فَعَلَ، ولَمْ يَعْتَبِرْهُ بَعْضُهُمْ، لِأنَّ المَقْصُودَ انْدِراجُ الإذاقَةِ في الآياتِ، وقِيلَ: الواوُ زائِدَةٌ، ﴿ولِتَجْرِيَ الفُلْكُ﴾ في البَحْرِ عِنْدَ هُبُوبِها بِأمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ، وإنَّما جِيءَ بِهَذا القَيْدِ، لِأنَّ الرِّيحَ قَدْ تَهُبُّ، ولا تَكُونُ مُواتِيَةً، فَلا بُدَّ مِنَ انْضِمامِ إرادَتِهِ تَعالى، وأمْرِهِ سُبْحانَهُ لِلرِّيحِ حَتّى يَتَأتّى المَطْلُوبُ، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى أنَّ هُبُوبَها مُواتِيَةً أمْرٌ مِن أُمُورِهِ تَعالى الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ بِتِجارَةِ البَحْرِ، ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ ولِتَشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى فِيما ذَكَرَ.
30:47Page 409
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ رُسُلًا إِلَىٰ قَوۡمِهِمۡ فَجَآءُوهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَٱنتَقَمۡنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْۖ وَكَانَ حَقًّا عَلَيۡنَا نَصۡرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٧
And We have already sent messengers before you to their peoples, and they came to them with clear evidences; then We took retribution from those who committed crimes, and incumbent upon Us was support1 of the believers.
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلا إلى قَوْمِهِمْ﴾ اعْتِراضٌ لِتَسْلِيَتِهِ ﷺ بِمَن قَبْلَهُ عَلى وجْهٍ يَتَضَمَّنُ الوَعْدَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والوَعِيدَ لِمَن عَصاهُ، وفي ذَلِكَ أيْضًا تَحْذِيرٌ عَنِ الإخْلالِ بِمَواجِبِ الشُّكْرِ.
والمُرادُ بِقَوْمِهِمْ أقْوامَهُمْ، والإفْرادُ لِلِاخْتِصارِ، حَيْثُ لا لَبْسَ، والمَعْنى: ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إلى أقْوامِهِمْ، كَما أرْسَلْناكَ إلى قَوْمِكَ، ﴿فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ جاءَ كُلَّ قَوْمٍ رَسُولُهم بِما يَخُصُّهُ مِنَ البَيِّناتِ، كَما جِئْتَ قَوْمَكَ بِبَيِّناتِكَ، ﴿فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ فَآمَنَ بَعْضٌ وكَذَّبَ بَعْضٌ فانْتَقَمْنا، وقِيلَ: أيْ فَكَذَّبُوهم فانْتَقَمْنا مِنهُمْ، ووُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلْإشْعارِ بِالعِلَّةِ والتَّنْبِيهِ عَلى مَكانِ المَحْذُوفِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ تَفْصِيلًا لِلْعُمُومِ بِأنَّ فِيهِمْ مُجْرِمًا مَقْهُورًا، ومُؤْمِنًا مَنصُورًا، ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ فِيهِ مَزِيدُ تَشْرِيفٍ وتَكْرِمَةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ حَيْثُ جُعِلُوا مُسْتَحِقِّينَ عَلى اللَّهِ تَعالى أنْ يَنْصُرَهُمْ، وإشْعارٌ بِأنَّ الِانْتِقامَ لِأجْلِهِمْ، والمُرادُ بِهِمْ ما يَشْمَلُ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وجُوِّزَ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالرُّسُلِ بِجَعْلِ التَّعْرِيفِ عَهْدِيًّا، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ هَذا النَّصْرَ في الدُّنْيا، وفي بَعْضِ الآثارِ ما يُشْعِرُ بِعَدَمِ اخْتِصاصِهِ بِها، وأنَّهُ عامٌّ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، فَيَشْمَلُ مَن بَعْدَ الرُّسُلِ مِنَ الأُمَّةِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««ما مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَرُدُّ عَنْ عِرْضِ أخِيهِ إلّا كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ تَعالى أنْ يَرُدَّ عَنْهُ نارَ جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ تَلا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾»
وفِي هَذا إشْعارٌ بِأنَّ ( حَقًّا ) خَبَرُ كانَ، ( ونَصْرُ المُؤْمِنِينَ ) الِاسْمُ كَما هو الظّاهِرُ، وإنَّما أُخِّرَ الِاسْمُ لِكَوْنِ ما تَعَلَّقَ بِهِ فاصِلَةً، ولِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، إذْ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ عَلى ما في البَحْرِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ووَقَفَ بَعْضُ القُرّاءِ عَلى ( حَقًّا ) عَلى أنَّ اسْمَ كانَ ضَمِيرُ الِانْتِقامِ أيْ: وكانَ الِانْتِقامُ حَقًّا وعَدْلًا لا ظُلْمًا، ورُجُوعُهُ إلَيْهِ عَلى حَدِّ ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائِدَةُ: 8]، و( ﴿عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ ) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ المُؤَيَّدِ بِالخَبَرِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَحْذُورٌ مِن حَيْثُ المَعْنى.
30:48Page 409
ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابٗا فَيَبۡسُطُهُۥ فِي ٱلسَّمَآءِ كَيۡفَ يَشَآءُ وَيَجۡعَلُهُۥ كِسَفٗا فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ يَخۡرُجُ مِنۡ خِلَٰلِهِۦۖ فَإِذَآ أَصَابَ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦٓ إِذَا هُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ ٤٨
It is Allāh who sends the winds, and they stir the clouds and spread them in the sky however He wills, and He makes them fragments so you see the rain emerge from within them. And when He causes it to fall upon whom He wills of His servants, immediately they rejoice
﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ ما أُجْمِلَ فِيما سِيقَ مِن أحْوالِ الرِّياحِ، ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ تُحَرِّكُهُ، وتَنْشُرُهُ ﴿فَيَبْسُطُهُ﴾ بَسْطًا تامًّا مُتَّصِلًا تارَةً ﴿فِي السَّماءِ﴾ في سِمَتِها لا في نَفْسِ السَّماءِ بِالمَعْنى المُتَبادِرِ، ﴿كَيْفَ يَشاءُ﴾ سائِرًا، وواقِفًا، مُطْبِقًا، وغَيْرَ مُطْبِقٍ مِن جانِبٍ دُونَ جانِبٍ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فالجُمْلَةُ الإنْشائِيَّةُ حالٌ بِالتَّأْوِيلِ، ﴿ويَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ أيْ قِطَعًا تارَةً أُخْرى.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِسُكُونِ السِّينِ عَلى أنَّهُ مُخَفَّفٌ مِنَ المَفْتُوحِ، أوْ جَمْعُ كِسْفَةٍ، أيْ قِطْعَةٍ، أوْ مَصْدَرٌ كَعِلْمٍ، وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً، أوْ بِتَأْوِيلِهِ بِالمَفْعُولِ، أوْ بِتَقْدِيرِ ذا كِسَفٍ، ﴿فَتَرى﴾ يا مَن يَصِحُّ مِنهُ الرُّؤْيَةُ ﴿الوَدْقَ﴾ أيِ المَطَرَ
صفحة 53
﴿يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ أيْ فُرَجِهِ جَمْعُ خَلَلٍ، في التّارَتَيْنِ الِاتِّصالُ والتَّقَطُّعُ، فالضَّمِيرُ لِلسَّحابِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ يَجُوزُ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ، وجُوِّزَ عَلى قِراءَةِ «كِسْفًا» بِالسُّكُونِ أنْ يَكُونَ لَهُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
﴿فَإذا أصابَ بِهِ مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ﴾ بِلادَهم وأراضِيَهُمْ، والباءُ في ( بِهِ ) لِلتَّعْدِيَةِ، ﴿إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ فاجَؤُوا الِاسْتِبْشارَ بِمَجِيءِ الخِصْبِ.
30:49Page 409
وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيۡهِم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمُبۡلِسِينَ ٤٩
Although they were, before it was sent down upon them - before that, in despair.
﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ ) الوَدْقُ ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ أيِ التَّنْزِيلِ، ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ أيْ آيِسِينَ، والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ، وأفادَ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ الإعْلامَ بِسُرْعَةِ تَقَلُّبِ قُلُوبِ البَشَرِ مِنَ الإبْلاسِ إلى الِاسْتِبْشارِ، وذَلِكَ أنَّ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ يَحْمِلُ الفُسْحَةَ في الزَّمانِ فَجاءَ ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ لِلدِّلالَةِ عَلى الِاتِّصالِ، ودَفْعِ ذَلِكَ الِاحْتِمالِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُكِّدَ لِيَدُلَّ عَلى بُعْدِ عَهْدِهِمْ بِالمَطَرِ، فَيُفْهَمُ مِنهُ اسْتِحْكامُ يَأْسِهِمْ، وما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أقْرَبُ، لِأنَّ المُتَبادِرَ مِنَ القَبْلِيَّةِ الِاتِّصالُ، وتَأْكِيدٌ دالٌّ عَلى شِدَّتِهِ. وأبُو حَيّانَ أنْكَرَ عَلى كِلا الشَّيْخَيْنِ، وقالَ: ما ذَكَراهُ مِن فائِدَةِ التَّأْكِيدِ غَيْرُ ظاهِرٍ، وإنَّما هو عِنْدِي لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، ويُفِيدُ رَفْعَ المَجازِ فَقَطْ، وقالَ قُطْرُبٌ: ضَمِيرُ ( قَبْلِهِ ) لِلْمَطَرِ، فَلا تَأْكِيدَ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ المَطَرِ مِن قَبْلِ المَطَرِ، وهو تَرْكِيبٌ لا يَسُوغُ في كَلامٍ فَصِيحٍ فَضْلًا عَنِ القُرْآنِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلزَّرْعِ الدّالِّ عَلَيْهِ المَطَرُ أيْ مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ المَطَرِ مِن قَبْلِ أنْ يَزْرَعُوا، وفِيهِ أنَّ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُنَزَّلَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُبْلِسِينَ، ولا يُمْكِنُ تَعَلُّقُ ( ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ ) بِهِ أيْضًا، لِأنَّ حَرْفَيْ جَرٍّ بِمَعْنًى لا يَتَعَلَّقانِ بِعامِلٍ واحِدٍ إلّا أنْ يَكُونَ بِوَساطَةِ حَرْفِ العَطْفِ، أوْ عَلى جِهَةِ البَدَلِ، ولا عاطِفَ هُنا، ولا يَصِحُّ البَدَلُ ظاهِرًا، وجَوَّزَ بَعْضُهم فِيهِ بَدَلَ الِاشْتِمالِ مُكْتَفِيًا فِيهِ بِكَوْنِ الزَّرْعِ ناشِئًا عَنِ التَّنْزِيلِ، فَكانَ التَّنْزِيلُ مُشْتَمِلًا عَلَيْهِ وهو كَما تَرى.
وقالَ المُبَرِّدُ: الضَّمِيرُ لِلسَّحابِ، لِأنَّهم لَمّا رَأوُا السَّحابَ كانُوا راجِينَ المَطَرَ، والمُرادُ مِن قَبْلِ رُؤْيَةِ السَّحابِ، ويَحْتاجُ أيْضًا إلى حَرْفِ عَطْفٍ حَتّى يَصِحَّ تَعَلُّقُ الحَرْفَيْنِ (بِمُبْلِسِينَ)، وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: الضَّمِيرُ لِلْإرْسالِ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: لِلِاسْتِبْشارِ، لِأنَّهُ قُرِنَ بِالإبْلاسِ ومَنَّ عَلَيْهِمْ بِهِ، وأُورِدَ عَلَيْهِما أمْرُ التَّعَلُّقِ مِن غَيْرِ عَطْفٍ كَما أُورِدَ عَلى مَن قَبْلَهُما، فَإنْ قالُوا بِحَذْفِ حَرْفِ العَطْفِ فَفي جَوازِهِ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ قِياسًا خِلافٌ. واخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَهُ لِلِاسْتِبْشارِ عَلى أنَّ ( مِن ) مُتَعَلِّقَةٌ (بِيُنَزَّلَ)، ( ومِنَ ) الأُولى مُتَعَلِّقَةٌ (بِمُبْلِسِينَ) لِأنَّهُ يُفِيدُ سُرْعَةَ تَقَلُّبِ قُلُوبِهِمْ مِنَ اليَأْسِ إلى الِاسْتِبْشارِ بِالإشارَةِ إلى غايَةِ تَقارُبِ زَمانَيْهِما بِبَيانِ اتِّصالِ اليَأْسِ بِالتَّنْزِيلِ المُتَّصِلِ بِالِاسْتِبْشارِ بِشَهادَةِ إذا الفُجائِيَّةِ فَتَأمَّلْ، ( وإنْ ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ في (لَمُبْلِسِينَ) هي الفارِقَةُ، ولا ضَمِيرَ شَأْنٍ مُقَدَّرًا لِإنْ، لِأنَّهُ إنَّما يُقَدَّرُ لِلْمَفْتُوحَةِ وأمّا المَكْسُورَةُ فَيَجِبُ إهْمالُها، كَما فَصَّلَهُ في المُغْنِي، وبَعْضُ الأجِلَّةِ قالَ بِالتَّقْدِيرِ.
30:50Page 409
فَٱنظُرۡ إِلَىٰٓ ءَاثَٰرِ رَحۡمَتِ ٱللَّهِ كَيۡفَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٥٠
So observe the effects of the mercy of Allāh - how He gives life to the earth after its lifelessness. Indeed, that [same one] will give life to the dead, and He is over all things competent.
﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ المُتَرَتِّبَةِ عَلى تَنْزِيلِ المَطَرِ مِنَ النَّباتِ والأشْجارِ وأنْواعِ الثِّمارِ، والفاءُ لِلدِّلالَةِ عَلى سُرْعَةِ تَرَتُّبِها عَلَيْهِ.
وقَرَأ الحَرَمِيّانِ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ «أثَرِ» بِالإفْرادِ، وفَتْحِ الهَمْزَةِ والثّاءِ، وقَرَأ سَلّامٌ «إثْرَ» بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وإسْكانِ الثّاءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يُحْيِي﴾ أيِ اللَّهُ تَعالى ﴿الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ بِنَزْعِ الخافِضِ ( وكَيْفَ ) مُعَلَّقٌ لِانْظُرْ، أيْ فانْظُرْ لِإحْيائِهِ تَعالى البَدِيعِ لِلْأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها، وقالَ ابْنُ جِنِّي: عَلى الحالِيَّةِ بِالتَّأْوِيلِ، أيْ مُحْيِيًا، وأيًّا ما كانَ، فالمُرادُ بِالأمْرِ بِالنَّظَرِ التَّنْبِيهُ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ تَعالى وسَعَةِ رَحْمَتِهِ عَزَّ
صفحة 54
وجَلَّ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّمْهِيدِ لِما يَعْقُبُهُ مِن أمْرِ البَعْثِ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ، وأبُو حَيْوَةَ «تُحْيِي» بِتاءِ التَّأْنِيثِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الرَّحْمَةِ، وجُوِّزَ عَلى قِراءَةِ الحَرَمِيَّيْنِ ومَن مَعَهُما أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْأثَرِ عَلى أنَّهُ اكْتَسَبَ التَّأْنِيثَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، كَما لا يَخْفى، ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ العَظِيمَ الشَّأْنِ ﴿لَمُحْيِي المَوْتى﴾ لَقادِرٌ عَلى إحْيائِهِمْ، فَإنَّهُ إحْداثٌ لِمِثْلِ ما كانَ في مَوادِّ أبْدانِهِمْ مِنَ القُوى الحَيَوانِيَّةِ، كَما أنَّ إحْياءَ الأرْضِ إحْداثٌ لِمِثْلِ ما كانَ فِيها مِنَ القُوى النَّباتِيَّةِ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ النَّباتُ الحادِثُ مِن أجْزاءٍ نَباتِيَّةٍ تَفَتَّتَتْ، وتَبَدَّدَتْ، واخْتَلَطَتْ بِالتُّرابِ الَّذِي فِيهِ عُرُوقُها في بَعْضِ الأعْوامِ السّالِفَةِ، فَيَكُونُ كالإحْياءِ بِعَيْنِهِ بِإعادَةِ المَوادِّ والقُوى لا بِإعادَةِ القُوى فَقَطْ، وهو احْتِمالٌ واهِي القُوى بَعِيدٌ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ المُسْلِمَ المُسْتَرْشِدَ يَعْلَمُ وُقُوعَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، أيْ مُبالِغٌ في القُدْرَةِ عَلى جَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها إحْياؤُهم لِما أنَّ نِسْبَةَ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ إلى الكُلِّ سَواءٌ.
30:51Page 410
وَلَئِنۡ أَرۡسَلۡنَا رِيحٗا فَرَأَوۡهُ مُصۡفَرّٗا لَّظَلُّواْ مِنۢ بَعۡدِهِۦ يَكۡفُرُونَ ٥١
But if We should send a [bad] wind and they saw [their crops] turned yellow, they would remain thereafter disbelievers.1
﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا﴾ أيِ النَّباتَ المَفْهُومَ مِنَ السِّياقِ كَما قالَ أبُو حَيّانَ، أوِ الأثَرَ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِالآثارِ، أوِ النَّباتَ المُعَبَّرَ عَنْهُ بِها عَلى ما قالَهُ بَعْضُهُمْ، والنَّباتُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ يَقَعُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ، ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ ما يَنْبُتُ، وقالَ ابْنُ عِيسى: الضَّمِيرُ لِلسَّحابِ، لِأنَّهُ إذا كانَ مُصْفَرًّا لَمْ يُمْطِرْ، وقِيلَ: لِلرِّيحِ، وهي تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، وكِلا القَوْلَيْنِ ضَعِيفانِ، كَما في البَحْرِ.
وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ «مُصْفارًّا» بِألِفٍ بَعْدَ الفاءِ، واللّامُ في ( لَئِنْ ) مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ دَخَلَتْ عَلى حَرْفِ الشَّرْطِ، والفاءُ في ( فَرَأوْهُ ) فَصِيحَةٌ، واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَظَلُّوا﴾ لامُ جَوابِ القَسَمِ السّادِّ مَسَدَّ الجَوابَيْنِ، والماضِي بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ كَما قالَهُ أبُو البَقاءِ، ومَكِّيٌّ، وأبُو حَيّانَ، وغَيْرُهُمْ، وعُلِّلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ في المَعْنى جَوابُ (إنْ)، وهو لا يَكُونُ إلّا مُسْتَقْبَلًا، وقالَ الفاضِلُ اليَمَنِيُّ: إنَّما قَدَّرُوا الماضِيَ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ مِن حَيْثُ إنَّ الماضِيَ إذا كانَ مُتَمَكِّنًا مُتَصَرِّفًا ووَقَعَ جَوابًا لِلْقَسَمِ فَلا بُدَّ فِيهِ مِن قَدْ واللّامِ مَعًا، فالقَصْرُ عَلى اللّامِ، لِأنَّهُ مُسْتَقْبَلٌ مَعْنًى، وفِيهِ نَظَرٌ، وقَدَّرُوهُ بِمُضارِعٍ مُؤَكَّدٍ بِالنُّونِ، أيْ وبِاللَّهِ تَعالى لَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا حارَّةً أوْ بارِدَةً فَضَرَبَتْ زَرْعَهم بِالصَّفارِ، فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا بَعْدَ خُضْرَتِهِ ونَضارَتِهِ لَيَظَلَّنَّ ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ مِن بَعْدِ الإرْسالِ، أوْ مِن بَعْدِ اصْفِرارِ زَرْعِهِمْ، وقِيلَ: مِن بَعْدِ كَوْنِهِمْ راجِينَ مُسْتَبْشِرِينَ ﴿يَكْفُرُونَ﴾ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى، وفِيما ذَكَرَ مِن ذَمِّهِمْ بِعَدَمِ تَثَبُّتِهِمْ وسُرْعَةِ تَزَلْزُلِهم بَيْنَ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ ما لا يَخْفى، حَيْثُ كانَ الواجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَوَكَّلُوا عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ في كُلِّ حالٍ، ويَلْجَؤُوا إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ بِالِاسْتِغْفارِ، إذا احْتَبَسَ عَنْهُمُ المَطَرُ، ولا يَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ تَعالى، ويُبادِرُوا إلى الشُّكْرِ بِالطّاعَةِ، إذا أصابَهم جَلَّ وعَلا بِرَحْمَتِهِ، ولا يُفْرِطُوا في الِاسْتِبْشارِ، وأنْ يَصْبِرُوا عَلى بَلائِهِ تَعالى إذا اعْتَرى زَرْعَهم آفَةٌ، ولا يَكْفُرُوا بِنَعْمائِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، فَعَكَسُوا الأمْرَ، وأبَوْا ما يُجْدِيهِمْ، وأتَوْا بِما يُؤْذِيهِمْ، ولا يَخْفى ما في الآياتِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى تَرْجِيحِ جانِبِ الرَّحْمَةِ عَلى جانِبِ العَذابِ، فَلا تَغْفُلْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences