Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
الروم
Ar-Rum
The Romans · Meccan · 60 ayahs
سُورَةُ الرُّومِ
مَكِّيَّةٌ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، بَلْ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وغَيْرُهُ: لا خِلافَ في مَكِّيَّتِها ولَمْ يَسْتَثْنُوا مِنها شَيْئًا، وقالَ الحَسَنُ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الرُّومُ: 17]، الآيَةَ، وهو خِلافُ مَذْهَبِ الجُمْهُورِ، والتَّفْسِيرِ المَرْضِيِّ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَيانُهُ، وآيُها سِتُّونَ، وعِنْدَ بَعْضٍ تِسْعٌ وخَمْسُونَ، ووَجْهُ اتِّصالِها بِالسُّورَةِ السّابِقَةِ عَلى ما قالَهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: أنَّها خُتِمَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ
صفحة 17
جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العَنْكَبُوتُ: 69]، وافْتُتِحَتْ هَذِهِ بِوَعْدِ مَن غَلَبَ مِن أهْلِ الكِتابِ بِالغَلَبَةِ والنَّصْرِ وفَرَحِ المُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ، وأنَّ الدَّوْلَةَ لِأهْلِ الجِهادِ فِيهِ، ولا يَضُرُّهم ما وقَعَ لَهم قَبْلَ ذَلِكَ مِن هَزِيمَةٍ، هَذا مَعَ تَواخِيها لِما قَبْلَها في الِافْتِتاحِ – بِــ(الم) - ولا يَخْفى أنَّ قِتالَ أهْلِ الكِتابِ لَيْسَ مِنَ المُجاهَدَةِ في اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وبِذَلِكَ تَضْعُفُ المُناسَبَةُ، ومَن وقَفَ عَلى أخْبارِ سَبَبِ النُّزُولِ ظَهَرَ لَهُ أنَّ ما افْتُتِحَتْ بِهِ هَذِهِ السُّورَةُ مُتَضَمِّنًا نُصْرَةَ المُؤْمِنِينَ بِدَفْعِ شَماتَةِ أعْدائِهِمُ المُشْرِكِينَ، وهم لَمْ يَزالُوا مُجاهِدِينَ في اللَّهِ تَعالى، ولِأجْلِهِ، ولِوَجْهِهِ عَزَّ وجَلَّ، ولا يَضُرُّ عَدَمُ جِهادِهِمْ بِالسَّيْفِ عِنْدَ النُّزُولِ، وهَذا في المُناسَبَةِ أوْجَهُ فِيما أرى مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ الجَلالُ، فَتَأمَّلْ.
﷽
﴿الم﴾ الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي مَرَّ في أمْثالِهِ مِنَ الفَواتِحِ الكَرِيمَةِ، ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ هي قَبِيلَةٌ عَظِيمَةٌ مِن ولَدِ رُومِيِّ بْنِ يُونانَ بْنِ عِلْجانَ بْنِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: مِن ولَدِ يافانَ بْنِ يافِثَ، وقِيلَ: مِن ولَدِ رَعُوِيلَ بْنِ عِيصِ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ الجَوْهَرِيُّ: مِن ولَدِ رُومِ بْنِ عِيصٍ المَذْكُورِ، صارَتْ لَها وقْعَةٌ مَعَ فارِسَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَغَلَبَتْها، وقَهَرَتْها فارِسُ.
30:3Page 404
فِيٓ أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ وَهُم مِّنۢ بَعۡدِ غَلَبِهِمۡ سَيَغۡلِبُونَ ٣
In the nearest land.1 But they, after their defeat, will overcome
﴿فِي أدْنى الأرْضِ﴾ أيْ أقْرَبِها.
والمُرادُ بِالأرْضِ أرْضُ الرُّومِ عَلى أنَّ (ألْ) نائِبَةٌ مَنابَ الضَّمِيرِ المُضافِ إلَيْهِ، والأقْرَبِيَّةُ بِالنَّظَرِ إلى أهْلِ مَكَّةَ، لِأنَّ الكَلامَ مَعَهُمْ، أوِ المُرادُ بِها أرْضُ مَكَّةَ ونَواحِيها، لِأنَّها الأرْضُ المَعْهُودَةُ عِنْدَهُمْ، والأقْرَبِيَّةُ بِالنَّظَرِ إلى الرُّومِ، أوِ المُرادُ بِالأرْضِ أرْضُ الرُّومِ لِذِكْرِهِمْ، والأقْرَبِيَّةُ بِالنَّظَرِ إلى عَدُوِّهِمْ أعْنِي فارِسَ لِحَدِيثِ المَغْلُوبِيَّةِ، وقَدْ جاءَ مِن طُرُقٍ عَدِيدَةٍ أنَّ الحَرْبَ وقَعَ بَيْنَ أذْرُعاتٍ وبُصْرى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ: بِالأُرْدُنِّ وفِلَسْطِينَ، وقالَ مُجاهِدٌ: بِالجَزِيرَةِ يَعْنِي الجَزِيرَةَ العُمَرِيَّةَ لا جَزِيرَةَ العَرَبِ، وجُعِلَ كُلُّ قَوْلٍ مُوافِقًا لِوَجْهٍ مِنَ الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ عَلى التَّرْتِيبِ، وصَحَّحَ ابْنُ حَجَرٍ القَوْلَ الأوَّلَ.
وقَرَأ الكَلْبِيُّ «فِي أدانِي الأرْضِ»، ﴿وهُمْ﴾ أيِ الرُّومُ ﴿مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ أيْ غَلَبِ فارِسَ إيّاهم عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ، أوْ إلى نائِبِ فاعِلِهِ إنْ كانَ مَصْدَرًا لِمَجْهُولٍ، ورَجَّحَهُ بَعْضُهم بِمُوافَقَتِهِ لِلنَّظْمِ الجَلِيلِ.
وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ومُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ «غَلْبِهِمْ» بِسُكُونِ اللّامِ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ «غِلابِهِمْ» عَلى وزْنِ كِتابٍ، والكُلُّ مَصادِرُ غَلَبَ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ وفي ذَلِكَ تَأْكِيدٌ لِما يُفْهَمُ مِنَ السِّينِ، ولِكَوْنِ مَغْلُوبِهِمْ مَن كانَ غالِبَهُمْ، وفي بِناءِ الجُمْلَةِ عَلى الضَّمِيرِ تَقْوِيَةٌ لِلْحُكْمِ أيْ سَيَغْلِبُونَ فارِسَ البَتَّةَ.
30:4Page 404
فِي بِضۡعِ سِنِينَۗ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ مِن قَبۡلُ وَمِنۢ بَعۡدُۚ وَيَوۡمَئِذٖ يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٤
Within three to nine years. To Allāh belongs the command [i.e., decree] before and after. And that day the believers will rejoice
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ(سَيَغْلِبُونَ) أيْضًا.
والبِضْعُ ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى العَشَرَةِ عَنِ الأصْمَعِيِّ، وفي المُجْمَلِ ما بَيْنَ الواحِدِ إلى التِّسْعَةِ، وقِيلَ: «هُوَ ما فَوْقَ الخَمْسِ ودُونَ العَشْرِ»، وقالَ المُبَرِّدُ: ما بَيْنَ العَقْدَيْنِ في جَمِيعِ الأعْدادِ.
رُوِيَ «أنَّ فارِسَ غَزَوُا الرُّومَ، فَوافَوْهم بِأذْرُعاتٍ وبُصْرى فَغَلَبُوا عَلَيْهِمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابَهُ، وهم بِمَكَّةَ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وكانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَكْرَهُ أنْ يَظْهَرَ الأُمِّيُّونَ مِنَ المَجُوسِ عَلى أهْلِ الكِتابِ مِنَ الرُّومِ، وفَرِحَ الكُفّارُ بِمَكَّةَ وشَمِتُوا، فَلَقُوا أصْحابَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: إنَّكم أهْلُ كِتابٍ والنَّصارى أهْلُ كِتابٍ، وقَدْ ظَهَرَ إخْوانُنا مِن أهْلِ فارِسَ عَلى إخْوانِكم مِن أهْلِ الكِتابِ، وإنَّكم إنْ قاتَلْتُمُونا لَنَظْهَرَنَّ عَلَيْكُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ الآياتِ، فَخَرَجَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى الكُفّارِ فَقالَ: أفَرِحْتُمْ بِظُهُورِ إخْوانِكم
صفحة 18
عَلى إخْوانِنا، فَلا تَفْرَحُوا، ولا يُقِرَّنَّ اللَّهُ تَعالى عَيْنَكُمْ، فَواللَّهِ لَيَظْهَرَنَّ الرُّومُ عَلى فارِسَ، أخْبَرَنا بِذَلِكَ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقامَ إلَيْهِ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، فَقالَ: كَذَبْتَ، فَقالَ لَهُ: أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أنْتَ أكْذَبُ يا عَدُوَّ اللَّهِ، تَعالى، تَعالَ أُناحِبُكَ، عَشْرُ قَلائِصَ مِنِّي وعَشْرُ قَلائِصَ مِنكَ، فَإنْ ظَهَرَتِ الرُّومُ عَلى فارِسَ غَرِمْتَ، وإنْ ظَهَرَتْ فارِسُ غَرِمْتُ إلى ثَلاثِ سِنِينَ، فَناحَبَهُ، ثُمَّ جاءَ أبُو بَكْرٍ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَأخْبَرَهُ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ما هَكَذا ذَكَرْتُ، إنَّما البِضْعُ ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ، فَزايِدْهُ في الخَطَرِ، ومادِّهِ في الأجَلِ، فَخَرَجَ أبُو بَكْرٍ فَلَقِيَ أُبَيًّا، فَقالَ: لَعَلَّكَ نَدِمْتَ؟ قالَ: لا، تَعالَ أُزايِدُكَ في الخَطَرِ، وأُمادُّكَ في الأجَلِ، فاجْعَلْها مِائَةَ قَلُوصٍ إلى تِسْعِ سِنِينَ، قالَ: قَدْ فَعَلْتُ، فَلَمّا أرادَ أبُو بَكْرٍ الهِجْرَةَ طَلَبَ مِنهُ أُبَيٌّ كَفِيلًا بِالخَطَرِ، إنْ غَلَبَ، فَكَفَلَ بِهِ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَلَمّا أرادَ أُبَيٌّ الخُرُوجَ إلى أُحُدٍ طَلَبَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِالكَفِيلِ، فَأعْطاهُ كَفِيلًا، وماتَ أُبَيٌّ مِن جُرْحٍ جَرَحَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وظَهَرَتِ الرُّومُ عَلى فارِسَ لَمّا دَخَلَتِ السَّنَةُ السّابِعَةُ».
وجاءَ في الرِّواياتِ أنَّهم ظَهَرُوا عَلَيْهِمْ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ «أنَّهُ لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ ظَهَرَتِ الرُّومُ عَلى فارِسَ، فَأخَذَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ الخَطَرَ مِن ورَثَةِ أُبَيٍّ، وجاءَ بِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: تَصَدَّقْ بِهِ».
وفِي رِوايَةِ أبِي يَعْلى، وابْنِ أبِي حاتِمٍ، وابْنِ مَرْدُوَيْهِ، وابْنِ عَساكِرَ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ««هَذا السُّحْتُ تَصَدَّقْ بِهِ»».
واسْتُشْكِلَ بِأنَّهُ إنْ كانَ ذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ القِمارِ كَما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ قَتادَةَ، والتِّرْمِذِيِّ، وصَحَّحَهُ عَنْ نِيارِ بْنِ مُكْرَمٍ السُّلَمِيِّ، وهو الظّاهِرُ، لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وتَحْرِيمُ الخَمْرِ والمَيْسِرِ مِن آخِرِ القُرْآنِ نُزُولًا، فَما وجْهُ كَوْنِهِ سُحْتًا؟ وإنْ كانَ بَعْدَ التَّحْرِيمِ، فَكَيْفَ يُؤْمَرُ بِالتَّصَدُّقِ بِالحَرامِ الغَيْرِ المُخْتَلِطِ بِغَيْرِهِ، وصاحِبُهُ مَعْلُومٌ، وفي مِثْلِ ذَلِكَ يَجِبُ رَدُّ المالِ عَلَيْهِ، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ مالٌ حَرْبِيٌّ والحادِثَةُ وقَعَتْ بِمَكَّةَ، وهي قَبْلَ الفَتْحِ دارُ حَرْبٍ، والعُقُودُ الفاسِدَةُ تَجُوزُ فِيها عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ، ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الرَّحْمَةُ لَمْ يَظْهَرْ قَوْلُهُ سُحْتًا، وكَأنِّي بِكَ تَمْنَعُ صِحَّةَ هَذِهِ الرِّوايَةِ وإذا لَمْ تَثْبُتْ صِحَّتُها يَبْقى الأمْرُ بِالتَّصَدُّقِ، وحِينَئِذٍ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِمَصْلَحَةٍ رَآها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهو تَصَدُّقٌ بِحَلالٍ، أمّا إذا كانَ ذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ القِمارِ كَما هو المُعَوَّلُ عَلَيْهِ فَظاهِرٌ، وأمّا إنْ كانَ بَعْدَ التَّحْرِيمِ فَلِأنَّ أبا حَنِيفَةَ، ومُحَمَّدًا قالا بِجَوازِ العُقُودِ الفاسِدَةِ في دارِ الحَرْبِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والكُفّارِ، واحْتَجّا عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ بِما وقَعَ مِن أبِي بَكْرٍ في هَذِهِ القِصَّةِ، وقَدْ تَظافَرَتِ الرِّواياتُ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ المُناحَبَةَ، وإنَّما أنْكَرَ عَلَيْهِ التَّأْجِيلَ بِثَلاثِ سِنِينَ، وأرْشَدَهُ إلى أنْ يُزايِدَهُمْ، ورُبَّما يُقالُ عَلى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ: إنَّ السُّحْتَ لَيْسَ بِمَعْنى الحَرامِ، بَلْ بِمَعْنى ما يَكُونُ سَبَبًا لِلْعارِ والنَّقْصِ في المُرُوءَةِ حَتّى كَأنَّهُ يُسْحِتُها أيْ يَسْتَأْصِلُها كَما في قَوْلِهِ ﷺ: ««كَسْبُ الحَجّامِ سُحْتٌ»» فَقَدْ قالَ الرّاغِبُ: إنَّ هَذا لِكَوْنِهِ ساحِتًا لِلْمُرُوءَةِ لا لِلدِّينِ، فَكَأنَّهُ ﷺ رَأى أنَّ تَمَوُّلَ ذَلِكَ وإنْ كانَ حَلالًا مُخِلٌّ بِمُرُوءَةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَأطْلَقَ عَلَيْهِ السُّحْتَ، ولا يَأْبى ذَلِكَ إذْنُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في المُناحَبَةِ، لِما أنَّها لا تَضُرُّ بِالمُرُوءَةِ أصْلًا، وفِيها مِن إظْهارِ اليَقِينِ بِصِدْقِ ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ما فِيها، وكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ثِقَةٍ مِن صَلاحِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وأنَّهُ إذا أمَرَهُ بِالتَّصَدُّقِ بِما يَأْخُذُهُ ونَهاهُ عَنْ تَمَوُّلِهِ لَمْ يُخالِفْهُ، وقِيلَ: السُّحْتُ هُنا بِمَعْنى ما لا شَيْءَ عَلى مَنِ اسْتَهْلَكَهُ، وهو أحَدُ إطْلاقاتِهِ كَما في النِّهايَةِ، والمُرادُ: هَذا الَّذِي لا شَيْءَ عَلَيْكَ إذا اسْتَهْلَكْتَهُ، وتَصَرَّفْتَ فِيهِ حَسْبَما تَشاءُ تَصَدَّقْ بِهِ، كَأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ
صفحة 19
بَعْدَ أنْ أخْبَرَ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِأنَّهُ لا مانِعَ لَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ حَسْبَما يُرِيدُ، أرْشَدَهُ إلى ما هو الأوْلى والأحْرى، فَقالَ: تَصَدَّقْ بِهِ، وهو كَما تَرى، وقِيلَ: إنَّ السُّحْتَ كَما في النِّهايَةِ يَرِدُ في الكَلامِ بِمَعْنى الحَرامِ مَرَّةً، وبِمَعْنى المَكْرُوهِ أُخْرى، ويُسْتَدَلُّ عَلى ذَلِكَ بِالقَرائِنِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ في الخَبَرِ إذا صَحَّ فِيهِ بِمَعْنى المَكْرُوهِ، إذِ الأمْرُ بِالتَّصَدُّقِ يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الحَرامِ، فَيَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ بِمَعْنى المَكْرُوهِ، وفِيهِ نَظَرٌ، وأمّا تَفْسِيرُ السُّحْتِ بِالحَرامِ، والتِزامُ القَوْلِ بِجَوازِ التَّصَدُّقِ بِالحَرامِ لِهَذا الخَبَرِ فَمِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ أصْلًا، فَتَأمَّلْ. وكانَتْ كِلْتا الغَلَبَتَيْنِ في سَلْطَنَةِ خَسِرُو بَرْوِيزَ، قالَ في رَوْضَةِ الصَّفا ما تَرْجَمَتُهُ: إنَّهُ لَمّا مَضى مِن سَلْطَنَةِ خَسِرُو أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً غَدَرَ الرُّومِيُّونَ بِمَلِكِهِمْ، وقَتَلُوهُ مَعَ ابْنِهِ بِناطُوسَ وهَرَبَ ابْنُهُ الآخَرُ إلى خِسْرُو فَجَهَّزَ مَعَهُ ثَلاثَةَ رُؤَساءَ أُولِي قَدْرٍ رَفِيعٍ مَعَ عَسْكَرٍ عَظِيمٍ، فَدَخَلُوا بِلادَ الشّامِ وفِلَسْطِينَ وبَيْتَ المَقْدِسِ، وأسَرُوا مَن فِيها مِنَ الأساقِفَةِ وغَيْرِهِمْ، وأرْسَلُوا إلى خِسْرُو الصَّلِيبَ الَّذِي كانَ مَدْفُونًا عِنْدَهم في تابُوتٍ مِن ذَهَبٍ، وكَذَلِكَ اسْتَوْلَوْا عَلى الإسْكَنْدَرِيَّةِ وبِلادِ النُّوبَةِ إلى أنْ وصَلُوا إلى نَواحِي القُسْطَنْطِينِيَّةِ، وأكْثَرُوا الخَرابَ وجَهِدُوا عَلى إطاعَةِ الرُّومِيِّينَ لِابْنِ قَيْصَرَ، فَلَمْ تَحْصُلْ، قِيلَ: إنَّ الرُّومِيِّينَ جَعَلُوا عَلَيْهِمْ حاكِمًا شَخْصًا اسْمُهُ هِرَقْلُ وكانَ سُلْطانًا عادِلًا يَخافُ اللَّهَ تَعالى، فَلَمّا رَأى تَخْرِيبَ فارِسَ قَدْ شاعَ في بِلادِ الرُّومِ مِنَ النَّهْبِ والقَتْلِ، تَضَرَّعَ، وبَكى، وسَألَ اللَّهَ تَعالى تَخْلِيصَ الرُّومِيِّينَ، فَصادَفَ دُعاؤُهُ هَدَفَ الإجابَةِ، فَرَأى في لَيالِيَ مُتَعَدِّدَةٍ في مَنامِهِ أنَّهُ قَدْ جِيءَ إلَيْهِ بِخِسْرُو في عُنُقِهِ سِلْسِلَةٌ، وقِيلَ لَهُ: عَجِّلْ بِمُحارَبَةِ بِرْوِيزَ لِأنَّهُ يَكُونُ لَكَ الظَّفَرُ والنُّصْرَةُ، فَجَمَعَ هِرَقْلُ عَسْكَرَهُ بِسَبَبِ تِلْكَ الرُّؤْيا، وتَوَجَّهَ مِن قُسْطَنْطِينِيَّةَ إلى نُصَيْبِينَ، فَسَمِعَ خَسِرُو فَجَهَّزَ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا مَعَ أمِيرٍ مِن أُمَرائِهِ، فَقابَلَهم هِرَقْلُ فَكَسَرَهُمْ، وقَتَلَ مِنهم تِسْعَةَ آلافٍ مَعَ رُؤَسائِهِمْ.
وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ: أنَّهم رَبَطُوا خُيُولَهم بِالمَدائِنِ، ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ سَبَبَ ظُهُورِ الرُّومِ عَلى فارِسَ أنَّ كِسْرى بَعَثَ إلى أمِيرِهِ شَهْرَيارَ وهو الَّذِي ولّاهُ عَلى مُحارَبَةِ الرُّومِ: أنِ اقْتُلْ أخاكَ فَرْخانَ لِمَقالَةٍ قالَها، وهو قَوْلُهُ: لَقَدْ رَأيْتُنِي جالِسًا عَلى سَرِيرِ كِسْرى، فَلَمْ يَقْتُلْهُ، فَبَعَثَ إلى فارِسَ: إنِّي قَدْ عَزَلْتُ شَهْرَيارَ ووَلَّيْتُ أخاهُ فَرْخانَ، فاطَّلَعَ فَرْخانُ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ، فَرَدَّ المُلْكَ إلى أخِيهِ، وكَتَبَ شَهْرَيارُ إلى قَيْصَرَ مَلِكِ الرُّومِ فَتَعاوَنا عَلى كِسْرى، فَغَلَبَتِ الرُّومُ فارِسَ، وجاءَ الخَبَرُ، فَفَرِحَ المُسْلِمُونَ، وكانَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ الباهِرَةِ الشّاهِدَةِ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ، وكَوْنِ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، لِما في ذَلِكَ مِنَ الإخْبارِ عَنِ الغَيْبِ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى العَلِيمُ الخَبِيرُ، وقَدْ صَحَّ أنَّهُ أسْلَمَ عِنْدَ ذَلِكَ ناسٌ كَثِيرٌ. وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، والحَسَنُ، ومُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ «غَلَبَتِ الرُّومُ» عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، (وسَيُغْلَبُونَ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والمَعْنى عَلى ما قِيلَ: إنَّ الرُّومَ غَلَبُوا عَلى رِيفِ الشّامِ، وسَيَغْلِبُهُمُ المُسْلِمُونَ، وقَدْ غَزاهُمُ المُسْلِمُونَ في السَّنَةِ التّاسِعَةِ مِن نُزُولِ الآيَةِ، فَفَتَحُوا بَعْضَ بِلادِهِمْ، وإضافَةُ «غَلَبٍ» عَلَيْهِ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ، ووُفِّقَ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ بِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ مَرَّةًبِمَكَّةَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، ومَرَّةً يَوْمَ بَدْرٍ كَما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ.
وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: الصَّوابُ أنْ يَبْقى نُزُولُها عَلى ظاهِرِهِ، ويُرادَ بِغَلَبِ المُسْلِمِينَ إيّاهم ما كانَ في غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، وكانَتْ في جُمادى الأُولى سَنَةَ ثَمانٍ، وذَلِكَ قَرِيبٌ مِنَ التّارِيخِ الَّذِي ذَكَرُوهُ لِنُزُولِ الآيَةِ أوَّلًا، ولا حاجَةَ إلى تَعَدُّدِ النُّزُولِ، فَإنَّهُ يَجُوزُ تَخالُفُ مَعْنى القِراءَتَيْنِ، إذا لَمْ يَتَناقَضا، وكَوْنُ فَرِيقٍ غالِبًا ومَغْلُوبًا في زَمانَيْنِ غَيْرُ مُتَدافِعٍ، فَتَأمَّلِ، انْتَهى.
ولا يَخْفى عَلى مَن سَبَرَ السِّيَرَ أنَّ هَذا مِمّا لا يَكادُ يَتَسَنّى، لِأنَّ الرُّومَ لَمْ يَغْلِبْهُمُ المُسْلِمُونَ في تِلْكَ الغَزْوَةِ، بَلِ انْصَرَفُوا عَنْهم بَعْدَ أنْ أُصِيبُوا بِجَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ، وزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ، وعَبّادِ بْنِ قَيْسٍ في
صفحة 20
آخَرِينَ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ، كالمَغْلُوبِينَ، بَلْ ذَكَرَ ابْنُ هِشامٍ أنَّهم «لَمّا أتَوُا المَدِينَةَ جَعَلَ النّاسُ يَحْثُونَ عَلى الجَيْشِ التُّرابَ ويَقُولُونَ: يا فُرّارُ، فَرَرْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَيْسُوا بِالفُرّارِ، ولَكِنَّهُمُ الكُرّارُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى»»
ورُوِيَ «أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قالَتْ لِامْرَأةِ سَلَمَةَ بْنِ هِشامِ بْنِ العاصِ بْنِ المُغِيرَةِ: ما لِي لا أرى سَلَمَةَ يَحْضُرُ الصَّلاةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ومَعَ المُسْلِمِينَ؟ فَقالَتْ: واللَّهِ ما يَسْتَطِيعُ أنْ يَخْرُجَ كُلَّما خَرَجَ صاحَ بِهِ النّاسُ: يا فُرّارُ، فَرَرْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ حَتّى قَعَدَ في بَيْتِهِ، ولَمْ يَخْرُجْ، وذَكَرَ أبْياتًا لِقَيْسٍ اليَعْمُرِيِّ يَعْتَذِرُ فِيها مِمّا صَنَعَ يَوْمَئِذٍ، وصَنَعَ النّاسُ، وقَدْ تَضَمَّنَتْ كَما قالَ بَيانٌ أنَّ القَوْمَ حاجَزُوا، وكَرِهُوا المَوْتَ، وأنَّ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ انْحازَ بِمَن مَعَهُ،» عَلى أنَّ فِيما ذُكِرَ أنَّهُ الصَّوابُ بَحْثًا بَعْدُ، فَلَعَلَّ الأوَّلَ في التَّوْفِيقِ إذا صَحَّتْ هَذِهِ القِراءَةُ ما ذُكِرَ أوَّلًا، فَتَأمَّلْ.
وفِي البَحْرِ: كانَ شَيْخُنا الأُسْتاذُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ يَحْكِي عَنْ أبِي الحَكَمِ بْنِ بَرَّجانَ أنَّهُ اسْتَخْرَجَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ - إلى- ﴿سِنِينَ﴾ افْتِتاحَ المُسْلِمِينَ بَيْتَ المَقْدِسِ مُعَيِّنًا زَمانَهُ ويَوْمَهُ، وكانَ إذْ ذاكَ بَيْتُ المَقْدِسِ قَدْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ النَّصارى، وإنَّ ابْنَ بَرَّجانَ ماتَ قَبْلَ الوَقْتِ الَّذِي عَيَّنَهُ لِلْفَتْحِ، وإنَّهُ بَعْدَ مَوْتِهِ بِزَمانٍ افْتَتَحَهُ المُسْلِمُونَ في الوَقْتِ الَّذِي عَيَّنَهُ أبُو الحَكَمِ، وكانَ أبُو جَعْفَرٍ يَعْتَقِدُ في أبِي الحَكَمِ هَذا أنَّهُ كانَ يَتَطَلَّعُ عَلى أشْياءَ مِنَ المُغَيَّباتِ يَسْتَخْرِجُها مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى انْتَهى، واسْتِخْراجُ بَعْضِ العارِفِينَ كَمُحْيِي الدِّينِ قُدِّسَ سِرُّهُ، والعِراقِيِّ، وغَيْرِهِمُ المُغَيَّباتِ مِنَ القُرْآنِ العَظِيمِ أمْرٌ شَهِيرٌ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى قَواعِدَ حِسابِيَّةٍ، وأعْمالٍ حَرْفِيَّةٍ لَمْ يَرِدْ شَيْءٌ مِنها عَنْ سَلَفِ الأُمَّةِ، ولا حَجْرَ عَلى فَضْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وكِتابُ اللَّهِ تَعالى فَوْقَ ما يَخْطُرُ لِلْبَشَرِ، وقَدْ سُئِلَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: هَلْ أسَرَّ إلَيْكم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَيْئًا كَتَمَهُ عَنْ غَيْرِكم فَقالَ: لا، إلّا أنْ يُؤْتِيَ اللَّهُ تَعالى عَبْدًا فَهْمًا في كِتابِهِ.
هَذا، ونَسْألُ اللَّهَ سُبْحانَهُ أنْ يُوَفِّقَنا لِفَهْمِ أسْرارِ كِتابِهِ، بِحُرْمَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابِهِ.
﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ هَذِهِ الحالَةِ، ومِن بَعْدِها، وهو حاصِلُ ما قِيلَ، أيْ مِن قَبْلِ كَوْنِهِمْ غالِبِينَ، وهو وقْتُ كَوْنِهِمْ مَغْلُوبِينَ، ومِن بَعْدِ كَوْنِهِمْ مَغْلُوبِينَ، وهو وقْتُ كَوْنِهِمْ غالِبِينَ، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِلتَّخْصِيصِ، والمَعْنى أنَّ كُلًّا مِن كَوْنِهِمْ مَغْلُوبِينَ أوَّلًا وغالِبِينَ آخِرًا لَيْسَ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ، وقَضائِهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ [آلُ عِمْرانَ: 140]، وقَرَأ أبُو السِّمالِ، والجَحْدَرِيُّ عَنِ العُقَيْلِيِّ «مِن قَبْلٍ ومِن بَعْدٍ» بِالكَسْرِ والتَّنْوِينِ فِيهِما، فَلَيْسَ هُناكَ مُضافٌ إلَيْهِ مُقَدَّرٌ أصْلًا عَلى المَشْهُورِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِلَّهِ الأمْرُ قَبْلًا وبَعْدًا، أيْ في زَمانٍ مُتَقَدِّمٍ، وفي زَمانٍ مُتَأخِّرٍ، وحَذَفَ بَعْضُهُمُ المَوْصُوفَ، وذَكَرَ السَّكّاكِيُّ أنَّ المُضافَ إلَيْهِ مُقَدَّرٌ في مِثْلِ ذَلِكَ أيْضًا، والتَّنْوِينَ عِوَضٌ عَنْهُ، وجَوَّزَ الفَرّاءُ الكَسْرَ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ خَطَأٌ، لِأنَّهُ إمّا أنْ لا يُقَدَّرَ فِيهِ الإضافَةُ، فَيُنَوَّنُ أوْ يُقَدَّرُ فَيُبْنى عَلى الضَّمِّ، وأمّا تَقْدِيرُ لَفْظِهِ قِياسًا عَلى قَوْلِهِ: بَيْنَ ذِراعَيْ وجَبْهَةِ الأسَدِ، فَقِياسٌ مَعَ الفارِقِ، لِذِكْرِهِ فِيهِ بُعْدٌ، وما نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ كَذَلِكَ، وقالَ النَّحّاسُ لِلْفَرّاءِ في كِتابِهِ: في القُرْآنِ أشْياءُ كَثِيرَةُ الغَلَطِ، مِنها أنَّهُ زَعَمَ أنَّهُ يَجُوزُ «مِن قَبْلِ ومِن بَعْدِ» بِالكَسْرِ بِلا تَنْوِينٍ، وإنَّما يَجُوزُ «مِن قَبْلٍ ومِن بَعْدٍ» عَلى أنَّهُما نَكِرَتانِ أيْ مِن مُتَقَدِّمٍ، ومِن مُتَأخِّرٍ، وذَهَبَ إلى قَوْلِ الفَرّاءِ ابْنُ هِشامٍ في بَعْضِ كُتُبِهِ، وحَكى الكِسائِيُّ عَنْ بَعْضِ بَنِي أسَدٍ: «لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلٍ ومِن بَعْدُ» عَلى أنَّ الأوَّلَ مَخْفُوضٌ مُنَوَّنٌ، والثّانِي مَضْمُومٌ بِلا تَنْوِينٍ.
﴿ويَوْمَئِذٍ﴾ أيْ ويَوْمَ إذْ يَغْلِبُ الرُّومُ فارِسَ ﴿يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ وتَغْلِيبِهِ مَن لَهُ كِتابٌ عَلى مَن لا كِتابَ لَهُ
صفحة 21
وغِيظَ مَن شَمِتَهم مِن كُفّارِ مَكَّةَ، وكَوْنُ ذَلِكَ مِمّا يُتَفاءَلُ بِهِ لِغَلَبَةِ المُؤْمِنِينَ عَلى الكُفّارِ، وقِيلَ: نَصَرَ اللَّهُ تَعالى صِدْقَ المُؤْمِنِينَ فِيما أخْبَرُوا بِهِ المُشْرِكِينَ مِن غَلَبَةِ الرُّومِ عَلى فارِسَ، وقِيلَ: نَصْرُهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ ولّى بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا، وفَرَّقَ بَيْنَ كَلِمَتِهِمْ حَتّى تَناقَضُوا وتَحارَبُوا، وقَلَّلَ كُلٌّ مِنهُما شَوْكَةَ الآخَرِ، وعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّهُ وافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وفِيهِ مِن نَصْرِ اللَّهِ تَعالى العَزِيزِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وفَرَحِهِمْ بِذَلِكَ ما لا يَخْفى، والأوَّلُ أنْسَبُ لِقَوْلِهِ تَعالى:
30:5Page 404
بِنَصۡرِ ٱللَّهِۚ يَنصُرُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٥
In the victory of Allāh.1 He gives victory to whom He wills, and He is the Exalted in Might, the Merciful.
﴿يَنْصُرُ مَن يَشاءُ﴾ أيْ مَن يَشاءُ أنْ يَنْصُرَهُ مِن عِبادِهِ عَلى عَدُوِّهِ، ويُغَلِّبُهُ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ والظّاهِرُ أنَّ (يَوْمَ) مُتَعَلِّقٌ بِيَفْرَحُ، وكَذا بِـ ( نَصْرِ ) وجُوِّزَ تَعَلُّقُ (يَوْمَ) بِهِ، وكَذا جُوِّزَ تَعَلُّقُ بِـ ( نَصْرِ ) بِالمُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: ( يَوْمَئِذٍ ) عَطْفٌ عَلى قَبْلُ أوْ بَعْدُ، كَأنَّهُ حَصَرَ الأزْمِنَةَ الثَّلاثَةَ الماضِيَ والمُسْتَقْبَلَ والحالَ ثُمَّ ابْتَدَأ الإخْبارَ بِفَرَحِ المُؤْمِنِينَ ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ المُبالِغُ في العِزَّةِ والغَلَبَةِ، فَلا يُعْجِزُهُ مَن شاءَ أنْ يَنْصُرَ عَلَيْهِ كائِنًا مَن كانَ ﴿الرَّحِيمُ﴾ المُبالِغُ في الرَّحْمَةِ فَيَنْصُرُ مَن يَشاءُ أنْ يَنْصُرَهُ أيَّ فَرِيقٍ كانَ، والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ هُنا هي الدُّنْيَوِيَّةُ، أمّا عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ فَظاهِرٌ لِأنَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ لا يَسْتَحِقُّ الرَّحْمَةَ الأُخْرَوِيَّةَ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ، فَلِأنَّ المُسْلِمِينَ وإنْ كانُوا مُسْتَحِقِّينَ لَها، لَكِنَّ المُرادَ ها هُنا نَصْرُهُمُ الَّذِي هو مِن آثارِ الرَّحْمَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وتَقْدِيمُ وصْفِ ( العَزِيزُ ) لِتَقَدُّمِهِ في الِاعْتِبارِ.
30:6Page 405
وَعۡدَ ٱللَّهِۖ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٦
[It is] the promise of Allāh. Allāh does not fail in His promise, but most of the people do not know.
﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ ويُقالُ لَهُ المُؤَكِّدُ لِنَفْسِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ في مَعْنى الوَعْدِ، وعامِلُهُ مَحْذُوفٌ وُجُوبًا، كَأنَّهُ قِيلَ: وعَدَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ وعْدًا، ﴿لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ أيَّ وعْدٍ كانَ، مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا والآخِرَةِ، لِما في خَلْقِهِ مِنَ النَّقْصِ المُسْتَحِيلِ عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلتَّعْلِيلِ الحُكْمِيِّ وتَفْخِيمِهِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَعْنى المَصْدَرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنهُ فَيَكُونُ كالمَصْدَرِ المَوْصُوفِ، كَأنَّهُ سُبْحانَهُ يَقُولُ: وعْدَ اللَّهُ تَعالى وعْدًا غَيْرَ مُخْلَفٍ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ تَعالى لا يُخْلِفُ وعْدَهُ لِجَهْلِهِمْ بِشُؤُونِهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ فِيما يَجِبُ لَهُ جَلَّ شَأْنُهُ، وما يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، أوْ لا يَعْلَمُونَ ما سَبَقَ مِن شُؤُونِهِ جَلَّ وعَلا، وقِيلَ: لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا أوْ لَيْسُوا مِن أُولِي العِلْمِ حَتّى يَعْلَمُوا ذَلِكَ
30:7Page 405
يَعۡلَمُونَ ظَٰهِرٗا مِّنَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ عَنِ ٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ غَٰفِلُونَ ٧
They know what is apparent of the worldly life, but they, of the Hereafter, are unaware.
﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وهو ما يُحِسُّونَ بِهِ مِن زَخارِفِها ومَلاذِّها، وسائِرِ أحْوالِها المُوافِقَةِ لِشَهَواتِهِمُ المُلائِمَةِ لِأهْوائِهِمُ المُسْتَدْعِيَةِ لِانْهِماكِهِمْ فِيها، وعُكُوفِهِمْ عَلَيْها.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: يَعْلَمُونَ مَنافِعَها ومَضارَّها، ومَتى يَزْرَعُونَ ومَتى يَحْصُدُونَ، وكَيْفَ يَجْمَعُونَ، وكَيْفَ يَبْنُونَ، أيْ ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا لا يَكُونُ لَهم مِنهُ أثَرٌ في الآخِرَةِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ قَتادَةَ، وعِكْرِمَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: بَلَغَ مِن حِذْقِ أحَدِهِمْ بِأمْرِ دُنْياهُ أنَّهُ يَقْلِبُ الدِّرْهَمَ عَلى ظُفْرِهِ، فَيُخْبِرُكُ بِوَزْنِهِ، وما يُحْسِنُ يُصَلِّي، وقالَ الكِرْمانِيُّ: كُلُّ ما يُعْلَمُ بِأوائِلِ الرَّوِيَّةِ فَهو الظّاهِرُ، وما يُعْلَمُ بِدَلِيلِ العَقْلِ، فَهو الباطِنُ، وقِيلَ: هو هُنا التَّمَتُّعُ بِزَخارِفِها والتَّنَعُّمُ بِمَلاذِّها، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُما لَيْسا مِمّا عَلِمُوهُ مِنها، بَلْ مِن أفْعالِهِمُ المُرَتَّبَةِ عَلى عِلْمِهِمْ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ الظّاهِرَ هو ما عَلِمُوهُ مِن قِبَلِ الكَهَنَةِ، مِمّا تَسْتَرِقُهُ الشَّياطِينُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، وأيًّا ما كانَ، فالظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالظّاهِرِ مُقابِلُ الباطِنِ، وتَنْوِيهٌ لِلتَّحْقِيرِ والتَّخْسِيسِ، أيْ يَعْلَمُونَ ظاهِرًا حَقِيرًا خَسِيسًا، وقِيلَ: هو بِمَعْنى الزّائِلِ الذّاهِبِ كَما في قَوْلِ الهُذَلِيِّ:
صفحة 22
وعَيَّرَها الواشُونَ أنِّي أُحِبُّها وتِلْكَ شَكاةٌ ظاهِرٌ عَنْكَ عارُها
أيْ يَعْلَمُونَ أمْرًا زائِلًا لا بَقاءَ لَهُ، ولا عاقِبَةَ مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا ﴿وهم عَنِ الآخِرَةِ﴾ الَّتِي هي الغايَةُ القُصْوى والمَطْلَبُ الأسْنى ﴿هم غافِلُونَ﴾ لا تَخْطُرُ بِبالِهِمْ، فَكَيْفَ يَتَفَكَّرُونَ فِيها، وفِيما يُؤَدِّي إلى مَعْرِفَتِها مِنَ الدُّنْيا وأحْوالِها، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ( يَعْلَمُونَ ) وإيرادُها اسْمِيَّةً لِلدِّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ غَفْلَتِهِمْ ودَوامِها، ( وهُمُ ) الثّانِيَةُ تَكْرِيرٌ لِلْأُولى، وتَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ لَها دافِعٌ لِلتَّجَوُّزِ وعَدَمِ الشُّمُولِ، والفَصْلُ بِمَعْمُولِ الخَبَرِ وإنْ كانَ خِلافَ الظّاهِرِ، لَكِنْ حَسَّنَهُ وُقُوعُ الفَصْلِ في التَّلَفُّظِ، والِاعْتِناءُ بِالآخِرَةِ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ ( وغافِلُونَ ) خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ ( هُمُ ) الأُولى، وجُمْلَةُ ( يَعْلَمُونَ ) إلَخْ، بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ ( لا يَعْلَمُونَ ) عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ، فَإنَّ الجاهِلَ الَّذِي لا يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ أوْ لا يَعْلَمُ شُؤُونَهُ تَعالى السّابِقَةَ، ولا يَتَفَكَّرُ في ذَلِكَ هو الَّذِي قَصُرَ نَظَرُهُ عَلى ظاهِرِ الحَياةِ الدُّنْيا، والمُصَحِّحُ لِلْبَدَلِيَّةِ اتِّحادُ ما صَدَقا عَلَيْهِ، والنُّكْتَةُ المُرَجِّحَةُ لَهُ جَعْلُ عِلْمِهِمْ والجَهْلِ سَواءً، بِحَسَبِ الظّاهِرِ، وجُمْلَةُ ﴿وهم عَنِ الآخِرَةِ﴾ إلَخْ، مُنادٍ عَلى تَمَكُّنِ غَفْلَتِهِمْ عَنِ الآخِرَةِ المُحَقِّقَةِ لِمُقْتَضى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ تَقْرِيرًا لِجَهالَتِهِمْ وتَشْبِيهًا لَهم بِالبَهائِمِ المَقْصُورِ إدْراكُها عَلى ظَواهِرِ الدُّنْيا الخَسِيسَةِ دُونَ أحْوالِها الَّتِي هي مِن مَبادِئِ العِلْمِ بِأُمُورِ الآخِرَةِ. واخْتارَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ أنَّ جُمْلَةَ ( يَعْلَمُونَ ) إلَخِ، اسْتِئْنافِيَّةٌ لِبَيانِ مُوجِبِ جَهْلِهِمْ بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ تَعالى حَقٌّ، وأنَّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ الأمْرَ مِن قَبْلُ، ومِن بَعْدُ، وأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ يَنْصُرُ المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ ولَعَلَّهُ الأظْهَرُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences