Al-AlusiLuqman · 31:12–15

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Luqman 31:12–15

31:12Page 412

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا لُقۡمَٰنَ ٱلۡحِكۡمَةَ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِلَّهِۚ وَمَن يَشۡكُرۡ فَإِنَّمَا يَشۡكُرُ لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٞ ١٢

And We had certainly given Luqmān wisdom [and said], "Be grateful to Allāh." And whoever is grateful is grateful for [the benefit of] himself. And whoever denies [His favor] - then indeed, Allāh is Free of need and Praiseworthy.

﴿ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ بُطْلانِ الشِّرْكِ بِالنَّقْلِ بَعْدَ الإشارَةِ إلى بُطْلانِهِ بِالعَقْلِ.

ولُقْمانُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ لا عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ اللَّقَمِ، وهو عَلى ما قِيلَ: ابْنُ باعُوراءَ قالَ وهْبٌ: وكانَ ابْنَ أُخْتِ أيُّوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ ابْنَ خالَتِهِ، وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ السُّهَيْلِيُّ: هو ابْنُ عَنْقا بْنِ سَرُّونَ، وقِيلَ: كانَ مِن أوْلادِ آزَرَ، وعاشَ ألْفَ سَنَةٍ، وأدْرَكَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأخَذَ مِنهُ العِلْمَ، وكانَ يُفْتِي قَبْلَ مَبْعَثِهِ، فَلَمّا بُعِثَ قَطَعَ الفَتْوى، فَقِيلَ لَهُ فَقالَ: ألا أكْتَفِي إذا كُفِيتُ، وقِيلَ: كانَ قاضِيًا في بَنِي إسْرائِيلَ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الواقِدِيِّ إلّا أنَّهُ قالَ: وكانَ زَمانُهُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ، وعِيسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقالَ عِكْرِمَةُ، والشَّعْبِيُّ

صفحة 83

كانَ نَبِيًّا، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ كانَ في زَمَنِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا. واخْتُلِفَ فِيهِ، أكانَ حُرًّا أوْ عَبْدًا؟ والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ كانَ عَبْدًا. واخْتَلَفُوا فَقِيلَ:

كانَ حَبَشِيًّا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ.

وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وذَكَرَ مُجاهِدٌ في وصْفِهِ أنَّهُ كانَ غَلِيظَ الشَّفَتَيْنِ مُصَفَّحَ القَدَمَيْنِ، وقِيلَ: كانَ نُوبِيًّا مُشَقَّقَ الرِّجْلَيْنِ ذا مَشافِرَ، وجاءَ ذَلِكَ في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ المُسَيِّبِ، ومُجاهِدٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: قُلْتُ لِجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: ما انْتَهى إلَيْكم مِن شَأْنِ لُقْمانَ ؟ قالَ: كانَ قَصِيرًا أفْطَسَ مِنَ النُّوبَةِ، وأخْرَجَ هُوَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ أنَّهُ قالَ: إنَّ لُقْمانَ كانَ أسْوَدَ مِن سُودانِ مِصْرَ ذا مَشافِرَ أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى الحِكْمَةَ، ومَنَعَهُ النُّبُوَّةَ. واخْتُلِفَ فِيما كانَ يُعانِيهِ مِنَ الأشْغالِ، فَقالَ خالِدُ بْنُ الرَّبِيعِ: كانَ نَجّارًا بِالرّاءِ، وفي مَعانِي الزَّجّاجِ: كانَ نَجّادًا بِالدّالِ، وهو عَلى وزْنِ كَتّانٍ مَن يُعالِجُ الفَرْشَ والوَسائِدَ ويَخِيطُهُما.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ أنَّهُ كانَ خَيّاطًا، وهو أعَمُّ مِنَ النَّجّادِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ كانَ راعِيًا، وقِيلَ: كانَ يَحْتَطِبُ لِمَوْلاهُ كُلَّ يَوْمٍ حُزْمَةً، ولا وُثُوقَ لِي بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ الأخْبارِ، وإنَّما نَقَلْتُها تَأسِّيًا بِمَن نَقَلَها مِنَ المُفَسِّرِينَ الأخْيارِ، غَيْرَ أنِّي أخْتارُ أنَّهُ كانَ رَجُلًا صالِحًا حَكِيمًا، ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا.

( والحِكْمَةُ ) عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: العَقْلُ والفَهْمُ والفِطْنَةُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّها العَقْلُ، والفِقْهُ، والإصابَةُ في القَوْلِ، وقالَ الرّاغِبُ: هي مَعْرِفَةُ المَوْجُوداتِ، وفِعْلُ الخَيْراتِ، وقالَ الإمامُ: هي عِبارَةٌ عَنْ تَوْفِيقِ العَمَلِ بِالعِلْمِ، ثُمَّ قالَ: وإنْ أرَدْنا تَحْدِيدًا بِما يَدْخُلُ فِيهِ حِكْمَةُ اللَّهِ تَعالى فَنَقُولُ: حُصُولُ العَمَلِ عَلى وفْقِ المَعْلُومِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: هي المَنطِقُ الَّذِي يَتَّعِظُ بِهِ، ويَتَنَبَّهُ، ويَتَناقَلُهُ النّاسُ لِذَلِكَ، وقِيلَ: إتْقانُ الشَّيْءِ عِلْمًا وعَمَلًا، وقِيلَ: كَمالٌ حاصِلٌ بِاسْتِكْمالِ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ بِاقْتِباسِ العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ، واكْتِسابِ المَلَكَةِ التّامَّةِ عَلى الأفْعالِ الفاضِلَةِ عَلى قَدْرِ طاقَتِها، وفَسَّرَها كَثِيرٌ مِنَ الحُكَماءِ بِمَعْرِفَةِ حَقائِقِ الأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ. ولَهم تَفْسِيراتٌ أُخَرُ، وما لَها وما عَلَيْها مِنَ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ مَذْكُورانِ في كُتُبِهِمْ، ومِن حِكْمَتِهِ قَوْلُهُ لِابْنِهِ: أيْ بُنَيَّ، إنَّ الدُّنْيا بَحْرٌ عَمِيقٌ، وقَدْ غَرِقَ فِيها ناسٌ كَثِيرٌ، فاجْعَلْ سَفِينَتَكَ فِيها تَقْوى اللَّهِ تَعالى، وحَشَوْها الإيمانَ، وشِراعَها التَّوَكُّلَ عَلى اللَّهِ تَعالى، لَعَلَّكَ أنْ تَنْجُوَ، ولا أُراكَ ناجِيًا، وقَوْلُهُ: مَن كانَ لَهُ مِن نَفْسِهِ واعِظٌ كانَ لَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حافِظٌ، ومَن أنْصَفَ النّاسَ مِن نَفْسِهِ زادَهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ عِزًّا، والذُّلُّ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى أقْرَبُ مِنَ التَّعَزُّزِ بِالمَعْصِيَةِ، وقَوْلُهُ: ضَرْبُ الوالِدِ لِوَلَدِهِ كالسِّمادِ لِلزَّرْعِ، وقَوْلُهُ: يا بُنَيَّ إيّاكَ والدَّيْنَ، فَإنَّهُ ذُلُّ النَّهارِ، وهَمُّ اللَّيْلِ، وقَوْلُهُ يا بُنَيَّ ارْجُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ رَجاءً لا يُجْرِيكَ عَلى مَعْصِيَتِهِ تَعالى، وخِفِ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَوْفًا لا يُؤْيِسَكَ مِن رَحْمَتِهِ تَعالى شَأْنُهُ، وقَوْلُهُ: مَن كَذَبَ ذَهَبَ ماءُ وجْهِهِ، ومَن ساءَ خُلُقُهُ كَثُرَ غَمُّهُ، ونَقْلُ الصُّخُورِ مِن مَواضِعِها أيْسَرُ مِن إفْهامِ مَن لا يَفْهَمُ، وقَوْلُهُ: يا بُنَيَّ حَمَلْتُ الجَنْدَلَ والحَدِيدَ وكُلَّ شَيْءٍ ثَقِيلٍ فَلَمْ أحْمِلْ شَيْئًا هو أثْقَلُ مِن جارِ السُّوءِ، وذُقْتُ المَرارَ فَلَمْ أذُقْ شَيْئًا هو أمَرُّ مِنَ الفَقْرِ، يا بُنَيَّ لا تُرْسِلْ رَسُولَكَ جاهِلًا، فَإنْ لَمْ تَجِدْ حَكِيمًا فَكُنْ رَسُولَ نَفْسِكَ، يا بُنَيَّ إيّاكَ والكَذِبَ، فَإنَّهُ شَهِيٌّ كَلَحْمِ العُصْفُورِ عَمّا قَلِيلٍ يَغْلِي صاحِبُهُ، يا بُنَيَّ احْضُرِ الجَنائِزَ ولا تَحْضُرِ العُرْسَ، فَإنَّ الجَنائِزَ تُذَكِّرُكَ الآخِرَةَ والعُرْسَ يُشَهِّيكَ الدُّنْيا، يا بُنَيَّ لا تَأْكُلْ شِبَعًا عَلى شِبَعٍ، فَإنَّ إلْقاءَكَ إيّاهُ لِلْكَلْبِ خَيْرٌ مِن أنْ تَأْكُلَهُ، يا بُنَيَّ لا تَكُنْ حُلْوًا فَتُبْلَعَ، ولا مُرًّا فَتُلْفَظَ، وقَوْلُهُ لِابْنِهِ: لا يَأْكُلْ طَعامَكَ إلّا الأتْقِياءُ، وشاوِرْ في أمْرِكَ العُلَماءَ، وقَوْلُهُ: لا خَيْرَ في أنْ تَتَعَلَّمَ

صفحة 84

ما لَمْ تَعْلَمْ، ولَمّا تَعْمَلُ بِما قَدْ عَلِمْتَ فَإنَّ مِثْلَ ذَلِكَ رَجُلٌ احْتَطَبَ حَطَبًا فَحَمَلَ حُزْمَةً وذَهَبَ يَحْمِلُها فَعَجَزَ عَنْها، فَضَمَّ إلَيْها أُخْرى، وقَوْلُهُ: يا بُنَيَّ إذا أرَدْتَ أنْ تُؤاخِيَ رَجُلًا فَأغْضِبْهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإنْ أنْصَفَكَ عِنْدَ غَضَبِهِ، وإلّا فاحْذَرْهُ، وقَوْلُهُ: لِتَكُنْ كَلِمَتُكَ طَيِّبَةً، ولْيَكُنْ وجْهُكَ بَسْطًا تَكُنْ أحَبَّ إلى النّاسِ مِمَّنْ يُعْطِيهِمُ العَطاءَ، وقَوْلُهُ: يا بُنَيَّ أنْزِلْ نَفْسَكَ مِن صاحِبِكَ مَنزِلَةَ مَن لا حاجَةَ لَهُ بِكَ، ولا بُدَّ لَكَ مِنهُ، يا بُنَيَّ كُنْ كَمَن لا يَبْتَغِي مَحْمَدَةَ النّاسِ، ولا يَكْسِبُ ذَمَّهُمْ، فَنَفْسُهُ مِنهُ في عَناءٍ، والنّاسُ مِنهُ في راحَةٍ، وقَوْلُهُ: يا بُنَيَّ امْتَنِعْ بِما يَخْرُجُ مِن فِيكَ فَإنَّكَ ما سَكَتَّ سالِمٌ، وإنَّما يَنْبَغِي لَكَ مِنَ القَوْلِ ما يَنْفَعُكَ.

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى، ﴿أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ أيْ أيِ اشْكُرْ، عَلى أنَّ ( أنْ ) تَفْسِيرِيَّةٌ، وما بَعْدَها تَفْسِيرٌ لِإيتاءِ الحِكْمَةِ، وفِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ، سَواءٌ كانَ بِإلْهامٍ، أوْ وحْيٍ، أوْ تَعْلِيمٍ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِلْحِكْمَةِ بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَهُ الأمْرُ، وجَعَلَ الزَّجّاجُ ( أنْ ) مَصْدَرِيَّةً بِتَقْدِيرِ اللّامِ التَّعْلِيلِيَّةِ، ولا يَفُوتُ مَعْنى الأمْرِ كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ.

وحَكى سِيبَوَيْهِ: كَتَبْتُ إلَيْهِ بِأنْ قُمْ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ (بِآياتِنا)، وجُوِّزَ كَوْنُها مَصْدَرِيَّةً بِلا تَقْدِيرٍ، عَلى أنَّ المَصْدَرَ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الحِكْمَةِ، وهو بَعِيدٌ، ﴿ومَن يَشْكُرْ﴾ إلَخِ، اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مُوجِبٌ لِلِامْتِثالِ بِالأمْرِ أيْ ومَن يَشْكُرُ لَهُ تَعالى ﴿فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ لِأنَّ نَفْعَهُ مِنِ ارْتِباطِ القَيْدِ واسْتِجْلابِ المَزِيدِ والفَوْزِ بِجَنَّةِ الخُلُودِ مَقْصُورَةٌ عَلَيْها، ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَلا يَحْتاجُ إلى الشُّكْرِ لِيَتَضَرَّرَ بِكُفْرِ مَن كَفَرَ ﴿حَمِيدٌ﴾ حَقِيقٌ بِالحَمْدِ، وإنْ لَمْ يَحْمَدْهُ أحَدٌ، أوْ مَحْمُودٌ بِالفِعْلِ يَنْطِقُ بِحَمْدِهِ تَعالى جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ بِلِسانِ الحالِ، فَحَمِيدٌ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَحْمُودٍ عَلى الوَجْهَيْنِ، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِكَوْنِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مَشْكُورًا لِما أنَّ الحَمْدَ مُتَضَمِّنٌ لِلشُّكْرِ بَلْ هو رَأْسُهُ كَما قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««الحَمْدُ رَأْسُ الشُّكْرِ، لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ تَعالى عَبْدٌ لَمْ يَحْمَدْهُ»»

فَإثْباتُهُ لَهُ تَعالى إثْباتٌ لِلشُّكْرِ لَهُ قَطْعًا، وفي اخْتِيارِ صِيغَةِ المُضِيِّ في هَذا الشِّقِّ قِيلَ: إشارَةٌ إلى قُبْحِ الكُفْرانِ، وأنَّهُ لا يَنْبَغِي إلّا أنْ يُعَدَّ في خَبَرِ كانَ، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى أنَّهُ كَثِيرٌ مُتَحَقِّقٌ بِخِلافِ الشُّكْرِ، ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سَبَأٌ: 13]، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ قامَ مَقامَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ( فَإنَّ اللَّهَ ) إلَخْ، وكانَ الأصْلُ: ومَن كَفَرَ فَإنَّما يَكْفُرُ عَلى نَفْسِهِ، لِأنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ، وحاصِلُهُ، ومَن كَفَرَ فَضَرَرُ كُفْرِهِ عائِدٌ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ لا يَحْتاجُ إلى الشُّكْرِ لِيَتَضَرَّرَ سُبْحانَهُ بِالكُفْرِ، مَحْمُودٌ بِحَسَبِ الِاسْتِحْقاقِ أوْ بِنُطْقِ ألْسِنَةِ الحالِ، فَكِلا الوَصْفَيْنِ مُتَعَلِّقاتٌ بِالشِّقِّ الثّانِي، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( غَنِيٌّ ) تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ) وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿حَمِيدٌ﴾ تَعْلِيلًا لِلْجَوابِ المُقَدَّرِ لِلشَّرْطِ بِقَرِينَةِ مُقابِلِهِ، وهُوَ: فَإنَّما يَكْفُرُ عَلى نَفْسِهِ، وأنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنهُما مُتَعَلِّقًا بِكُلٍّ مِنهُما، ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ التَّكَلُّفِ الَّذِي لَمْ يُدْعَ إلَيْهِ، ولَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ فَتَدَبَّرْ.

31:13Page 412

وَإِذۡ قَالَ لُقۡمَٰنُ لِٱبۡنِهِۦ وَهُوَ يَعِظُهُۥ يَٰبُنَيَّ لَا تُشۡرِكۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ ١٣

And [mention, O Muḥammad], when Luqmān said to his son while he was instructing him, "O my son, do not associate [anything] with Allāh. Indeed, association [with Him] is great injustice."

﴿وإذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ﴾ تارانَ عَلى ما قالَ الطَّبَرِيُّ، والقُتَيْبِيُّ، وقِيلَ: ماثانُ بِالمُثَلَّثَةِ، وقِيلَ: أنْعَمُ، وقِيلَ: أشْكَمُ، وهُما بِوَزْنِ أفْعَلَ، وقِيلَ: مَشْكَمُ، بِالمِيمِ بَدَلَ الهَمْزَةِ، ( وإذْ ) مَعْمُولٌ لِـ(اذْكُرْ) مَحْذُوفًا، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا (لِآتَيْنا)، والتَّقْدِيرُ: وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ إذْ قالَ، واخْتُصِرَ لِدِلالَةِ المُقَدَّمِ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ يَعِظُهُ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، والوَعْظُ - كَما قالَ الرّاغِبُ - زَجْرٌ مُقْتَرِنٌ بِتَخْوِيفٍ، وقالَ الخَلِيلُ: هو التَّذْكِيرُ بِالخَيْرِ فِيما يَرِقُّ لَهُ القَلْبُ، ﴿يا بُنَيَّ﴾ تَصْغِيرُ إشْفاقٍ ومَحَبَّةٍ لا تَصْغِيرُ تَحْقِيرٍ:

صفحة 85

ولَكِنْ إذا ما حُبُّ شَيْءٍ تَوَلَّعَتْ بِهِ أحْرُفُ التَّصْغِيرِ مِن شِدَّةِ الوَجْدِ

وقالَ آخَرُ:

ما قُلْتُ حُبَيْبِي مِنَ التَّحْقِيرِ ∗∗∗ بَلْ يَعْذُبُ اسْمُ الشَّيْءِ بِالتَّصْغِيرِ

وقَرَأ البَزِّيُّ هُنا «يا بُنَيْ» بِالسُّكُونِ، وفِيما بَعْدُ «يا بُنَيِّ إنَّها» بِكَسْرِ الياءِ، و﴿يا بُنَيَّ أقِمِ﴾ [لُقْمانُ: 17]، بِفَتْحِها، وقُنْبُلٌ بِالسُّكُونِ في الأُولى، والثّالِثَةِ، والكَسْرِ في الوُسْطى، وحَفْصٌ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ بِالفَتْحِ في الثَّلاثَةِ عَلى تَقْدِيرِ يا بُنَيًّا، والِاجْتِزاءِ بِالفَتْحَةِ عَنِ الألِفِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالكَسْرِ فِيها، ﴿لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ قِيلَ: كانَ ابْنُهُ كافِرًا ولِذا نَهاهُ عَنِ الشِّرْكِ، فَلَمْ يَزَلْ يَعِظُهُ حَتّى أسْلَمَ، وكَذا قِيلَ في امْرَأتِهِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في نَعْتِ الخائِفِينَ عَنِ الفَضْلِ الرَّقاشِيِّ قالَ: ما زالَ لُقْمانُ يَعِظُ ابْنَهُ حَتّى ماتَ.

وأخْرَجَ عَنْ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ الكِنْدِيِّ قالَ: وضَعَ لُقْمانُ جِرابًا مِن خَرْدَلٍ، وجَعَلَ يَعِظُ ابْنَهُ مَوْعِظَةً، ويُخْرِجُ خَرْدَلَةً، فَنَفَدَ الخَرْدَلُ فَقالَ: يا بُنَيَّ لَقَدْ وعَظْتُكَ مَوْعِظَةً لَوْ وعَظْتُها جَبَلًا لَتَفَطَّرَ، فَتَفَطَّرَ ابْنُهُ، وقِيلَ: كانَ مُسْلِمًا، والنَّهْيُ عَنِ الشِّرْكِ تَحْذِيرٌ لَهُ عَنْ صُدُورِهِ مِنهُ في المُسْتَقْبَلِ، والظّاهِرُ أنَّ الباءَ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، ومَن وقَفَ عَلى ( لا تُشْرِكْ ) جَعَلَ الباءَ لِلْقَسَمِ، أيْ أُقْسِمُ بِاللَّهِ تَعالى ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ والظّاهِرُ أنَّ هَذا مِن كَلامِ لُقْمانَ، ويَقْتَضِيهِ كَلامُ مُسْلِمٍ في صَحِيحِهِ، والكَلامُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، أوِ الِانْتِهاءِ عَنِ الشِّرْكِ، وقِيلَ: هو خَيْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ مُنْقَطِعٌ عَنْ كَلامِلُقْمانَ مُتَّصِلٌ بِهِ في تَأْكِيدِ المَعْنى، وكَوْنُ الشِّرْكِ ظُلْمًا لِما فِيهِ مِن وضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وكَوْنُهُ عَظِيمًا لِما فِيهِ مِنَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ مَن لا نِعْمَةَ إلّا مِنهُ سُبْحانَهُ ومَن لا نِعْمَةَ لَهُ.

31:14Page 412

وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ وَهۡنًا عَلَىٰ وَهۡنٖ وَفِصَٰلُهُۥ فِي عَامَيۡنِ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيۡكَ إِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ ١٤

And We have enjoined upon man [care] for his parents. His mother carried him, [increasing her] in weakness upon weakness, and his weaning is in two years. Be grateful to Me and to your parents; to Me is the [final] destination.

﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ إلَخْ، كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ اعْتُرِضَ بِهِ عَلى نَهْجِ الِاسْتِطْرادِ في أثْناءِ وصِيَّةِ لُقْمانَ تَأْكِيدًا لِما فِيهِ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الإشْراكِ، فَهو مِن كَلامِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يَقُلْهُ سُبْحانَهُ لِلُقْمانَ، وقِيلَ: هو مِن كَلامِهِ تَعالى، قالَهُ جَلَّ وعَلا لَهُ، وكَأنَّهُ قِيلَ: قُلْنا لَهُ: اشْكُرْ، وقُلْنا لَهُ: وصَّيْنا الإنْسانَ إلَخْ، وفي البَحْرِ: لَمّا بَيَّنَ لُقْمانُ لِابْنِهِ أنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ ونَهاهُ عَنْهُ كانَ ذَلِكَ حَثًّا عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الطّاعَةَ أيْضًا تَكُونُ لِلْأبَوَيْنِ، وبَيَّنَ السَّبَبَ في ذَلِكَ، فَهو مِن كَلامِ لُقْمانَ مِمّا وصّى بِهِ ابْنَهُ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِذَلِكَ، وكِلا القَوْلَيْنِ كَما تَرى، والمَعْنى: وأمَرْنا الإنْسانَ بِرِعايَةِ والِدَيْهِ، ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا﴾ أيْ ضَعْفًا ﴿عَلى وهْنٍ﴾ أيْ ضَعْفٍ، والمَصْدَرُ حالٌ مِن ( أُمُّهُ ) بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ ذاتَ وهْنٍ، وجُوِّزَ جَعْلُهُ نَفْسُهُ حالًا مُبالَغَةً لَكِنَّهُ مُخالِفٌ لِلْقِياسِ، إذِ القِياسُ في الحالِ كَوْنُهُ مُشْتَقًّا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ تَهِنُ وهْنًا، والجُمْلَةُ حالٌ مِن ( أُمُّهُ ) أيْضًا. وأيًّا ما كانَ، فالمُرادُ تَضْعُفُ ضَعْفًا مُتَزايِدًا بِازْدِيادِ ثِقَلِ الحَمْلِ إلى مُدَّةِ الطَّلْقِ، وقِيلَ: ضَعْفًا مُتَتابِعًا وهو ضَعْفُ الحَمْلِ، وضَعْفُ الطَّلْقِ، وضَعْفُ النِّفاسِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في ( حَمَلَتْهُ ) العائِدِ عَلى ( الإنْسانَ )، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: ﴿وهْنًا﴾ الوَلَدُ، ﴿عَلى وهْنٍ﴾ الوالِدَةُ وضَعْفُها، والمُرادُ أنَّها حَمَلَتْهُ حالَ كَوْنِهِ ضَعِيفًا عَلى ضَعِيفٍ مِثْلِهِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّها حَمَلَتْهُ حالَ كَوْنِهِ مُتَزايِدَ الضَّعْفِ لِيُقالَ أنَّ ضَعْفَهُ لا يَتَزايَدُ، بَلْ يَنْقُصُ. وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ: ( وهَنًا عَلى وهَنٍ ) بِفَتْحِ الهاءِ فِيهِما، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِن بابِ تَحْرِيكِ العَيْنِ، إذا كانَتْ حَرْفَ حَلْقٍ كالشَّعْرِ والشَّعَرِ، عَلى القِياسِ المُطَّرِدِ عِنْدَ الكُوفِيِّ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ جِنِّي، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرَ وهِنَ بِكَسْرِ الهاءِ يُوهَنُ بِفَتْحِها، فَإنَّ مَصْدَرَهُ جاءَ كَذَلِكَ، وهَذا كَما يُقالُ: تَعِبَ يَتْعَبُ تَعَبًا، كَما قِيلَ، وكَلامُ صاحِبِ القامُوسِ ظاهِرٌ في عَدَمِ

صفحة 86

اخْتِصاصِ أحَدِ المَصْدَرَيْنِ بِأحَدِ الفِعْلَيْنِ قالَ:

الوَهْنُ الضَّعْفُ في العَمَلِ، ويُحَرَّكُ، والفِعْلُ كَوَعَدَ ووَرِثَ وكَرُمَ.

﴿وفِصالُهُ﴾ أيْ فِطامُهِ، وتَرْكُ إرْضاعِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ، ويَعْقُوبُ «وفَصْلُهُ» وهو أعَمُّ مِنَ الفِصالِ، والفِصالُ ها هُنا أوْقَعُ مِنَ الفَصْلِ، لِأنَّهُ مَوْقِعٌ يَخْتَصُّ بِالرَّضاعِ، وإنْ رَجَعا إلى أصْلٍ واحِدٍ عَلى ما قالَهُ الطِّيبِيُّ، ﴿فِي عامَيْنِ﴾ أيْ في انْقِضاءِ عامَيْنِ، أيْ في أوَّلِ زَمانِ انْقِضائِهِما، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ مُدَّةَ الرَّضاعِ عامانِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الإمامُ الشّافِعِيُّ، والإمامُ أحْمَدُ، وأبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ، وهو مُخْتارُ الطَّحاوِيِّ. ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ، وذَهَبَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ إلى أنَّ مُدَّةَ الرَّضاعِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ ثَلاثُونَ شَهْرًا، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحْقافُ: 15]، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ شَيْئَيْنِ، وضَرَبَ لَهُما مُدَّةً فَكانَتْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِكَمالِها، كالأجَلِ المَضْرُوبِ لِلدَّيْنَيْنِ عَلى شَخْصَيْنِ بِأنْ قالَ: أجَّلْتُ الدَّيْنَ الَّذِي لِي عَلى فُلانٍ والدَّيْنَ الَّذِي لِي عَلى فُلانٍ سَنَةً، فَإنَّهُ يُفْهَمُ أنَّ السَّنَةَ بِكَمالِها لِكُلٍّ، أوْ عَلى شَخْصٍ بِأنْ قالَ لِفُلانٍ عَلَيَّ ألْفُ دِرْهَمٍ وعَشَرَةُ أقْفِزَةٍ إلى سَنَةٍ، فَصَدَّقَهُ المُقِرُّ لَهُ في الأجَلِ، فَإذا مَضَتِ السَّنَةُ يَتِمُّ أجَلُهُما جَمِيعًا، إلّا أنَّهُ قامَ النَّقْصُ في أحَدِهِما أعْنِي مُدَّةَ الحَمْلِ، لِقَوْلِ عائِشَةَ الَّذِي لا يُقالُ مِثْلُهُ إلّا سَماعًا: الوَلَدُ لا يَبْقى في بَطْنِ أُمِّهِ أكْثَرَ مِن سَنَتَيْنِ، ولَوْ بِقَدْرِ فَلَكَةِ مِغْزَلٍ، فَتَبْقى مُدَّةُ الفِصالِ عَلى ظاهِرِها، وما ذُكِرَ هُنا أقَلُّ مُدَّتِهِ وفِيهِ بَحْثٌ، ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ تَفْسِيرٌ (لِوَصَّيْنا) كَما اخْتارَهُ النَّحّاسُ، فَأنْ تَفْسِيرِيَّةٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً بِتَقْدِيرِ لامِ التَّعْلِيلِ قَبْلَها، وهو مُتَعَلِّقٌ (بِوَصَّيْنا) وبِلا تَقْدِيرٍ عَلى أنْ يَكُونَ المَصْدَرُ بَدَلًا مِن – والِدَيْهِ - بَدَلَ الِاشْتِمالِ، وعَلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ: وصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ بِشُكْرِهِما، وذَكَرَ شُكْرَ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ صِحَّةَ شُكْرِهِما تَتَوَقَّفُ عَلى شُكْرِهِ عَزَّ وجَلَّ، كَما قِيلَ في عَكْسِهِ: «(لا يَشْكُرُ اللَّهَ تَعالى مَن لا يَشْكُرُ النّاسَ)،» ولِذا قَرَنَ بَيْنَهُما في الوَصِيَّةِ، وفي هَذا مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ، وأمّا القَوْلُ بِأنَّ الأمْرَ يَأْبى التَّفْسِيرَ، والتَّعْلِيلَ، والبَدَلِيَّةَ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ قَرِيبًا، وعَلى الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ﴾ – إلى - ﴿عامَيْنِ﴾ اعْتِراضًا مُؤَكِّدًا لِلتَّوْصِيَةِ في حَقِّ الأُمِّ خُصُوصًا، لِذِكْرِ ما قاسَتْهُ في تَرْبِيَتِهِ وحَمْلِهِ، ولِذا قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما في حَدِيثٍ صَحِيحٍ رَواهُ التِّرْمِذِيُّ، وأبُو داوُدَ، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ «لِمَن سَألَهُ عَمَّنْ يَبَرُّهُ: أُمُّكَ، وأجابَهُ عَنْ سُؤالِهِ بِهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ».

وعَنْ بَعْضِ العَرَبِ أنَّهُ حَمَلَ أُمَّهُ إلى الحَجِّ عَلى ظَهْرِهِ، وهو يَقُولُ في حُدائِهِ:

أحْمِلُ أُمِّي وهي الحَمّالَهْ تُرْضِعُنِي الدَّرَّةَ والعُلالَهْ

ولا يُجازى والِدٌ فِعالَهْ

ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ مَن قالَ:

لِأُمِّكَ حَقٌّ لَوْ عَلِمْتَ كَبِيرُ

كَثِيرُكَ يا هَذا لَدَيْهِ يَسِيرُ ∗∗∗ فَكَمْ لَيْلَةٍ باتَتْ بِثِقْلِكَ تَشْتَكِي

لَها مِن جَرّاها أنَّةٌ وزَفِيرُ ∗∗∗ وفي الوَضْعِ لَوْ تَدْرِي عَلَيْها مَشَقَّةٌ

فَمِن غُصَصٍ لَها الفُؤادُ يَطِيرُ ∗∗∗ وكَمْ غَسَلَتْ عَنْكَ الأذى بِيَمِينِها

وما حِجْرُها إلّا لَدَيْكَ سَرِيرُ ∗∗∗ وتَفْدِيكَ مِمّا تَشْتَكِيهِ بِنَفْسِها

ومِن ثَدْيِها شِرْبٌ لَدَيْكَ نَمِيرُ ∗∗∗ وكَمْ مَرَّةٍ جاعَتْ وأعْطَتْكَ قُوتَها حُنُوًّا وإشْفاقًا وأنْتَ صَغِيرُ

فَآهًا لِذِي عَقْلٍ ويُتَّبِعُ الهَوى ∗∗∗ وآهًا لِأعْمى القَلْبِ وهو بَصِيرُ

فَدُونَكَ فارْغَبْ في عَمِيمِ دُعائِها ∗∗∗ فَأنْتَ لِما تَدْعُو بِهِ لَفَقِيرُ

واخْتُلِفَ في المُرادِ بِالشُّكْرِ المَأْمُورِ بِهِ، فَقِيلَ هو الطّاعَةُ، وفِعْلُ ما يُرْضِي كالصَّلاةِ والصِّيامِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى

صفحة 87

وكالصِّلَةِ والبِرِّ بِالنِّسْبَةِ إلى الوالِدَيْنِ، وعَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: (مَن صَلّى الصَّلَواتِ الخَمْسَ فَقَدْ شَكَرَ اللَّهَ تَعالى، ومَن دَعا لِوالِدَيْهِ في أدْبارِها فَقَدْ شَكَرَهُما)، ولَعَلَّ هَذا بَيانٌ لِبَعْضِ أفْرادِ الشُّكْرِ، ﴿إلَيَّ المَصِيرُ﴾ تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ أيْ إلى الرُّجُوعِ لا إلى غَيْرِي، فَأُجازِيكَ عَلى ما صَدَرَ عَنْكَ مِمّا يُخالِفُ أمْرِي.

31:15Page 412

وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَاۖ وَصَاحِبۡهُمَا فِي ٱلدُّنۡيَا مَعۡرُوفٗاۖ وَٱتَّبِعۡ سَبِيلَ مَنۡ أَنَابَ إِلَيَّۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٥

But if they endeavor to make you associate with Me that of which you have no knowledge,1 do not obey them but accompany them in [this] world with appropriate kindness and follow the way of those who turn back to Me [in repentance]. Then to Me will be your return, and I will inform you about what you used to do.

﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ﴾ أيْ بِاسْتِحْقاقِهِ الإشْراكَ، أوْ بِشَرِكَتِهِ لَهُ تَعالى في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِلْمٌ﴾، (وما) مَفْعُولُ ( تُشْرِكَ ) كَما اخْتارَهُ ابْنُ الحاجِبِ، ثُمَّ قالَ: ولَوْ جُعِلَ ( تُشْرِكَ ) بِمَعْنى تَكْفُرَ، وجُعِلَتْ (ما) نَكِرَةً، أوْ بِمَعْنى الَّذِي بِمَعْنى كُفْرًا، أوِ الكُفْرِ، وتَكُونُ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ لَكانَ وجْهًا حَسَنًا، والكَلامُ عَلَيْهِ أيْضًا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: وإنْ جاهَدَكَ الوالِدانِ عَلى أنْ تَكْفُرَ بِي كُفْرًا لَيْسَ لَكَ أوِ الكُفْرَ الَّذِي لَيْسَ لَكَ بِصِحَّتِهِ، أوْ بِحَقِّيَّتِهِ عِلْمٌ ﴿فَلا تُطِعْهُما﴾ في ذَلِكَ، والمُرادُ اسْتِمْرارُ نَفْيِ العِلْمِ لا نَفْيُ اسْتِمْرارِهِ، فَلا يَكُونُ الإشْراكُ إلّا تَقْلِيدًا. وفي الكَشّافِ أرادَ سُبْحانَهُ بِنَفْيِ العِلْمِ نَفْيَ ما يُشْرَكُ، أيْ لا تُشْرِكْ بِي ما لَيْسَ بِشَيْءٍ، يُرِيدُ عَزَّ وجَلَّ الأصْنامَ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ [العَنْكَبُوتُ: 42]، وجَعَلَهُ الطِّيبِيُّ عَلى ذَلِكَ مِن بابِ نَفْيِ الشَّيْءِ بِنَفْيِ لازِمِهِ، وذَلِكَ أنَّ العِلْمَ تابِعٌ لِلْمَعْلُومِ، فَإذا كانَ الشَّيْءُ مَعْدُومًا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ مَوْجُودًا، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ المُنِيرِ أنَّهُ عَلَيْهِ مِن بابِ:

عَلَيَّ لاحِبٌ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ

أيْ ما لَيْسَ بِإلَهٍ، فَيَكُونُ لَكَ عِلْمٌ بِإلَهِيَّتِهِ، وفي الكَشْفِ: أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ أرادَ أنَّهُ بُولِغَ في نَفْيِ الشَّرِيكِ حَتّى جُعِلَ كَلاشَيْءٍ، ثُمَّ بُولِغَ حَتّى ما لا يَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ عِلْمٌ، والمَعْدُومُ يَصِحُّ أنْ يُعْلَمَ، ويَصِحُّ أنْ يُقالَ إنَّهُ شَيْءٌ، فَأُدْخِلَ في سِلْكِ المَجْهُولِ مُطْلَقًا، ولَيْسَ مِن قَبِيلِ نَفْيِ العِلْمِ لِنَفْيِ وُجُودِهِ، وهَذا تَقْرِيرٌ حَسَنٌ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ مِنهُ يَظْهَرُ تَرْجِيحُ هَذا المَسْلَكِ في هَذا المَقامِ عَلى أُسْلُوبِ:

ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ

اهـ، فافْهَمْ، ولا تَغْفُلْ، ﴿وصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾ أيْ صِحابًا مَعْرُوفًا يَرْتَضِيهِ الشَّرْعُ، ويَقْتَضِيهِ الكَرَمُ والمُرُوءَةُ، كَإطْعامِهِما، وإكْسائِهِما وعَدَمِ جَفائِهِما، وانْتِهارِهِما، وعِيادَتِهِما إذا مَرِضا، ومُواراتِهِما إذا ماتا، وذَكَرَ ( في الدُّنْيا ) لِتَهْوِينِ أمْرِ الصُّحْبَةِ، والإشارَةِ إلى أنَّها في أيّامٍ قَلائِلَ وشِيكَةِ الِانْقِضاءِ فَلا يَضُرُّ تَحَمُّلُ مَشَقَّتِها لِقِلَّةِ أيّامِها وسُرْعَةِ انْصِرامِها، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الرِّفْقَ بِهِما في الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ دُونَ الدِّينِيَّةِ.

وقِيلَ: ذَكَرَهُ لِمُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: «ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ»، ﴿واتَّبِعْ سَبِيلَ مَن أنابَ﴾ أيْ رَجَعَ ( إلَيَّ ) بِالتَّوْحِيدِ والإخْلاصِ بِالطّاعَةِ، وحاصِلُهُ: اتَّبِعْ سَبِيلَ المُخْلِصِينَ لا سَبِيلَهُما، ﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أيْ رُجُوعُكَ ورُجُوعُهُما، وزادَ بَعْضُهُما مَن أنابَ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ تَغْلِيبٌ لِلْخِطابِ عَلى الغَيْبَةِ،﴿فَأُنَبِّئُكُمْ﴾ عِنْدَ رُجُوعِكم ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِأنْ أُجازِيَ كُلًّا مِنكم بِما صَدَرَ عَنْهُ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، والآيَةُ نَزَلَتْ في سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ أخْرَجَ أبُو يَعْلى، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ «أنَّ سَعْدَ بْنَ أبِي وقّاصٍ قالَ: أُنْزِلَتْ فِيَّ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وإنْ جاهَداكَ﴾ الآيَةَ، كُنْتُ رَجُلًا بَرًّا بِأُمِّي، فَلَمّا أسْلَمْتُ قالَتْ: يا سَعْدُ، وما هَذا الَّذِي أراكَ قَدْ أحْدَثْتَ؟ لَتَدَعَنَّ دِينَكَ هَذا، أوْ لا آكُلُ، ولا أشْرَبُ حَتّى أمُوتَ فَتُعَيَّرَ بِي، فَيُقالُ: يا قاتِلَ أُمِّهِ، قُلْتُ: لا تَفْعَلِي يا أُمَّهْ، فَإنِّي لا أدَعُ دِينِي هَذا لِشَيْءٍ، فَمَكَثَتْ يَوْمًا ولَيْلَةً لا تَأْكُلُ فَأصْبَحَتْ قَدْ جَهِدَتْ، فَمَكَثَتْ يَوْمًا ولَيْلَةً لا تَأْكُلُ، فَأصْبَحَتْ قَدِ اشْتَدَّ جَهْدُها، فَلَمّا رَأيْتُ ذَلِكَ، قُلْتُ: يا أُمَّهْ، تَعْلَمِينَ واللَّهِ لَوْ كانَتْ لَكِ مِائَةُ نَفْسٍ، فَخَرَجَتْ نَفْسًا نَفْسًا

صفحة 88

ما تَرَكْتُ دِينِي هَذا لِشَيْءٍ، فَإنْ شِئْتِ فَكُلِي، وإنْ شِئْتِ لا تَأْكُلِي، فَلَمّا رَأتْ ذَلِكَ أكَلَتْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ هَذِهِ وما قَبْلَها أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ﴾ الآيَةَ، نَزَلَتا فِيهِ، قِيلَ: ولِكَوْنِ النُّزُولِ فِيهِ قِيلَ: (مَن أنابَ) بِتَوْحِيدِ الضَّمِيرِ حَيْثُ أُرِيدَ بِذَلِكَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَإنَّ إسْلامَ سَعْدٍ كانَ بِسَبَبِ إسْلامِهِ.

وأخْرَجَ الواحِدِيُّ، عَنْ عَطاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّهُ يُرِيدُ (بِمَن أنابَ) أبا بَكْرٍ وذَلِكَ أنَّهُ «حِينَ أسْلَمَ رَآهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، وعُثْمانُ، وطَلْحَةُ، والزُّبَيْرُ، فَقالُوا لِأبِي بَكْرٍ: آمَنتَ، وصَدَّقْتَ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؟ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: نَعَمْ، فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَآمَنُوا، وصَدَّقُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى يَقُولُ لِسَعْدٍ: ﴿واتَّبِعْ سَبِيلَ مَن أنابَ إلَيَّ﴾ يَعْنِي أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ،» وابْنُ جُرَيْجٍ يَقُولُ كَما أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ المُنْذِرِ (مَن أنابَ) مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وغَيْرُ واحِدٍ يَقُولُ: هو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والمُؤْمِنُونَ، والظّاهِرُ هو العُمُومُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском