Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Luqman 31:16–19
31:16Page 412
يَٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٖ فَتَكُن فِي صَخۡرَةٍ أَوۡ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَوۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَأۡتِ بِهَا ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٞ ١٦
[And Luqmān said], "O my son, indeed if it [i.e., a wrong] should be the weight of a mustard seed and should be within a rock or [anywhere] in the heavens or in the earth, Allāh will bring it forth. Indeed, Allāh is Subtle1 and Aware.
﴿يا بُنَيَّ﴾ إلَخْ، رُجُوعٌ إلى القِصَّةِ بِذِكْرِ بَقِيَّةِ ما أُرِيدَ حِكايَتُهُ مِن وصايا لُقْمانَ إثْرَ تَقْرِيرِ ما في مَطْلَعِهِ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ، وتَأْكِيدِهِ بِالِاعْتِراضِ، ﴿إنَّها﴾ أيِ الخَصْلَةُ مِنَ الإساءَةِ والإحْسانِ لِفَهْمِها مِنَ السِّياقِ. وقِيلَ: وهو كَما تَرى، إنَّها أيِ الَّتِي سَألْتَ عَنْها، فَقَدْ رُوِيَ أنَّ لُقْمانَ سَألَهُ ابْنُهُ: أرَأيْتَ الحَبَّةَ تَقَعُ في مَغاصِ البَحْرِ أيَعْلَمُها اللَّهُ تَعالى؟ فَقالَ: يا بُنَيَّ، إنَّها أيِ الَّتِي سَألْتَ عَنْها، ﴿إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ أيْ إنْ تَكُنْ مَثَلًا في الصِّغَرِ كَحَبَّةِ الخَرْدَلِ، والمِثْقالُ ما يُقَدَّرُ بِهِ غَيْرُهُ لِتَساوِي ثِقَلِهِما، وهو في العُرْفِ مَعْلُومٌ.
وقَرَأ نافِعٌ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ «مِثْقالُ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْقِصَّةِ، ( وتَكُ ) مُضارِعُ كانَ التّامَّةِ، والتَّأْنِيثُ لِإضافَةِ الفاعِلِ إلى المُؤَنَّثِ كَما في قَوْلِ الأعْشى:
وتَشْرَقُ بِالقَوْلِ الَّذِي قَدْ أذَعْتَهُ كَما شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَّمِ
أوْ لِتَأْوِيلِهِ بِالزِّنَةِ، أوِ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ، ﴿فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أوْ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ﴾ أيْ فَتَكُنْ مَعَ كَوْنِها في أقْصى غاياتِ الصِّغَرِ، والقَماءَةِ في أخْفى مَكانٍ، وأحْرَزِهِ، كَجَوْفِ الصَّخْرَةِ، أوْ حَيْثُ كانَتْ في العالَمِ العُلْوِيِّ، أوِ السُّفْلِيِّ، وقِيلَ: في أخْفى مَكانٍ، وأحْرَزِهِ كَجَوْفِ الصَّخْرَةِ، أوْ أعْلاهُ، كَمُحَدَّبِ السَّماواتِ، أوْ أسْفَلِهِ، كَمُقَعَّرِ الأرْضِ، ولا يَخْفى أنَّهُ لا دِلالَةَ في النَّظْمِ عَلى تَخْصِيصِ المُحَدَّبِ والمُقَعَّرِ، ولَعَلَّ المَقامَ يَقْتَضِيهِ إذِ المَقْصُودُ المُبالَغَةُ.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ( في السَّماواتِ ) لا يَأْبى ذَلِكَ، لِأنَّها ذُكِرَتْ بِحَسَبِ المَكانِيَّةِ أوْ لِلْمُشاكَلَةِ، أوْ هي بِمَعْنى عَلى، وعَبَّرَ بِها لِلدِّلالَةِ عَلى التَّمَكُّنِ، ومَعَ هَذا الظّاهِرِ ما تَقَدَّمَ، وفي البَحْرِ: أنَّهُ بَدَأ بِما يَتَعَقَّلُهُ السّامِعُ أوَّلًا، وهو كَيْنُونَةُ الشَّيْءِ في صَخْرَةٍ، وهو ما صَلُبَ مِنَ الحَجَرِ، وعَسُرَ الإخْراجُ مِنهُ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِالعالَمِ العُلْوِيِّ، وهو أغْرَبُ لِلسّامِعِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِما يَكُونُ مَقَرَّ الأشْياءِ لِلشّاهِدِ، وهو الأرْضُ، وقِيلَ: إنَّ خَفاءَ الشَّيْءِ وصُعُوبَةَ نَيْلِهِ بِطُرُقٍ بِغايَةِ صِغَرِهِ، ويُبْعِدُهُ عَنِ الرّائِي، وبِكَوْنِهِ في ظُلْمَةٍ، وبِاحْتِجاجِهِ، فَمِثْقالُ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ إشارَةٌ إلى غايَةِ الصِّغَرِ، ( وفي صَخْرَةٍ ) إشارَةٌ إلى الحِجابِ، ( وفي السَّماواتِ ) إشارَةٌ إلى البُعْدِ، ( وفي الأرْضِ ) إشارَةٌ إلى الظُّلْمَةِ، فَإنَّ جَوْفَ الأرْضِ أشَدُّ الأماكِنِ ظُلْمَةً، أوْ يُقالُ: فَلَيْسَ المُرادُ بِصَخْرَةٍ صَخْرَةً مُعَيَّنَةً، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيِّ أنَّ هَذِهِ الصَّخْرَةَ هي الَّتِي عَلَيْها الأرْضُ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الأرْضَ عَلى نُونٍ، والنُّونُ عَلى بَحْرٍ، والبَحْرُ عَلى صَخْرَةٍ خَضْراءَ، خُضْرَةُ الماءِ مِنها، والصَّخْرَةُ عَلى قَرْنِ ثَوْرٍ، وذَلِكَ الثَّوْرُ عَلى الثَّرى، ولا يَعْلَمُ ما تَحْتَ الثَّرى إلّا اللَّهُ تَعالى.
وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الصَّخْرَةَ بِهَذِهِ الصَّخْرَةِ، وقِيلَ: هي صَخْرَةٌ في الرِّيحِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكُلُّ ذَلِكَ ضَعِيفٌ
صفحة 89
لا يَثْبُتُ سَنَدُهُ، وإنَّما مَعْنى الكَلامِ المُبالَغَةُ، والِانْتِهاءُ في التَّفْهِيمِ، أيْ إنَّ قُدْرَتَهُ عَزَّ وجَلَّ تَنالُ ما يَكُونُ في تَضاعِيفِ صَخْرَةٍ، وما يَكُونُ في السَّماءِ وما يَكُونُ في الأرْضِ اهـ، والأقْوى عِنْدِي وضْعُ هَذِهِ الأخْبارِ، ونَحْوِها، فَلَيْسَتِ الأرْضُ إلّا في حِجْرِ الماءِ، ولَيْسَ الماءُ إلّا في جَوْفِ الهَواءِ، ويَنْتَهِي الأمْرُ إلى عَرْشِ الرَّحْمَنِ جَلَّ وعَلا، والكُلُّ في كَفِّ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وقَرَأ عَبْدُ الرَّحِيمِ الجَزَرِيُّ ( فَتَكِنَّ )، بِكَسْرِ الكافِ، وشَدِّ النُّونِ وفَتْحِها، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي فَجَّةَ البَعْلَبَكِّيُّ «فَتُكَنَّ» بِضَمِّ التّاءِ، وفَتْحِ الكافِ، والنُّونِ مُشَدَّدَةً، وقَرَأ قَتادَةُ «فَتَكِنْ» بِفَتْحِ التّاءِ، وكَسْرِ الكافِ، وسُكُونِ النُّونِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ الجَزَرِيِّ أيْضًا، والفِعْلُ في جَمِيعِ ما ذُكِرَ مِن وكَنَ الطّائِرُ إذا اسْتَقَرَّ في وكْنَتِهِ، أيْ عُشِّهِ، فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ كَما في المِشْفَرِ، والضَّمِيرُ لِلْمُحَدَّثِ عَنْهُ فِيما سَبَقَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلِابْنِ، والمَعْنى: إنْ تَخْتَفِ، أوْ تُخْفَ وقْتَ الحِسابِ يُحْضِرْكَ اللَّهُ تَعالى، ولا يَخْفى أنَّهُ غَيْرُ مُلائِمٍ لِلْجَوابِ، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَأْتِ بِها اللَّهُ﴾ أيْ يُحْضِرُها، فَيُحاسِبُ عَلَيْها، وهَذا إمّا عَلى ظاهِرِهِ، أوِ المُرادُ يَجْعَلُها كالحاضِرِ المُشاهِدِ لِذِكْرِها والِاعْتِرافِ بِها، ﴿إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ يَصِلُ عِلْمُهُ تَعالى إلى كُلِّ خَفِيٍّ ﴿خَبِيرٌ﴾ عالِمٌ بِكُنْهِهِ.
وعَنْ قَتادَةَ: لَطِيفٌ بِاسْتِخْراجِها خَبِيرٌ بِمُسْتَقَرِّها، وقِيلَ: ذُو لُطْفٍ بِعِبادِهِ فَيَلْطُفُ بِالإتْيانِ بِها بِأحَدِ الخَصْمَيْنِ، خَبِيرٌ عالِمٌ بِخَفايا الأشْياءِ، وهو كَما تَرى، والجُمْلَةُ عِلَّةٌ مُصَحِّحَةٌ لِلْإتْيانِ بِها، أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَباحٍ اللَّخْمِيِّ: إنَّهُ لَمّا وعَظَ لُقْمانُ ابْنَهُ، وقالَ: ﴿إنَّها إنْ تَكُ﴾ الآيَةَ، أخَذَ حَبَّةً مِن خَرْدَلٍ فَأتى بِها إلى اليَرْمُوكِ، وهو وادٍ في الشّامِ، فَألْقاها في عُرْضِهِ، ثُمَّ مَكَثَ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ ذَكَرَها، وبَسَطَ يَدَهُ فَأقْبَلَ بِها ذُبابٌ حَتّى وضَعَها في راحَتِهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، وبَعْدَ ما أمَرَهُ بِالتَّوْحِيدِ الَّذِي هو أوَّلُ ما يَجِبُ عَلى المُكَلَّفِ في ضِمْنِ النَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ، ونَبَّهَهُ عَلى كَمالِ عِلْمِهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ أمَرَهُ بِالصَّلاةِ الَّتِي هي أكْمَلُ العِباداتِ تَكْمِيلًا مِن حَيْثُ العَمَلُ بَعْدَ تَكْمِيلِهِ مِن حَيْثُ الِاعْتِقادُ، فَقالَ مُسْتَمِيلًا لَهُ:
31:17Page 412
يَٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱنۡهَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ ١٧
O my son, establish prayer, enjoin what is right, forbid what is wrong, and be patient over what befalls you. Indeed, [all] that is of the matters [requiring] resolve.1
﴿يا بُنَيَّ أقِمِ الصَّلاةَ﴾ تَكْمِيلًا لِنَفْسِكَ، ويُرْوى أنَّهُ قالَ لَهُ: يا بُنَيَّ إذا جاءَ وقْتُ الصَّلاةِ فَلا تُؤَخِّرْها لِشَيْءٍ صَلِّها، واسْتَرِحْ مِنها، فَإنَّها دَيْنٌ، وصَلِّ في جَماعَةٍ، ولَوْ عَلى رَأْسِ زُجٍّ، ﴿وأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ تَكْمِيلًا لِغَيْرِكَ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مَعْرُوفًا ومُنْكَرًا مُعَيَّنَيْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: وأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ يَعْنِي التَّوْحِيدَ، وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ يَعْنِي الشِّرْكَ، ﴿واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ﴾ مِنَ الشَّدائِدِ والمِحَنِ، لا سِيَّما فِيما أمَرْتَ بِهِ مِن إقامَةِ الصَّلاةِ، والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، واحْتِياجُ الأخِيرَيْنِ لِلصَّبْرِ عَلى ما ذُكِرَ ظاهِرٌ، والأوَّلُ لِأنَّ إتْمامَ الصَّلاةِ والمُحافَظَةَ عَلَيْها قَدْ يَشُقُّ، ولِذا قالَ تَعالى: ﴿وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلا عَلى الخاشِعِينَ﴾ [البَقَرَةُ: 45]، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ في أمْرِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، يَقُولُ: إذا أمَرْتَ بِمَعْرُوفٍ أوْ نَهَيْتَ عَنْ مُنْكَرٍ، وأصابَكَ في ذَلِكَ أذًى وشِدَّةٌ فاصْبِرْ عَلَيْهِ ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ أيِ الصَّبْرَ عَلى ما أصابَكَ عِنْدَ ابْنِ جُبَيْرٍ، وهو يُناسِبُ إفْرادَ اسْمِ الإشارَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الفَضْلِ، أوِ الإشارَةَ إلى الصَّبْرِ، وإلى سائِرِ ما أُمِرَ بِهِ، والإفْرادُ لِلتَّأْوِيلِ بِما ذُكِرَ وأمْرِ البُعْدِ عَلى ما سَمِعْتَ، ﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيْ مِمّا عَزَمَهُ اللَّهُ تَعالى، وقَطَعَهُ قَطْعَ إيجابٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ
صفحة 90
ابْنِ جُرَيْجٍ، والعَزْمُ بِهَذا المَعْنى مِمّا يُنْسَبُ إلى اللَّهِ تَعالى، ومِنهُ ما ورَدَ مِن عَزَماتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
والمُرادُ بِهِ هُنا المَعْزُومُ إطْلاقًا لِلْمَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ، والإضافَةُ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، أيِ الأُمُورِ المَعْزُومَةِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ العَزْمُ بِمَعْنى الفاعِلِ، أيْ عازِمِ الأُمُورِ مِن عَزْمِ الأمْرِ، أيْ جَدَّ فَعَزَمَ الأُمُورَ مِن بابِ الإسْنادِ المَجازِيِّ كَمَكْرِ اللَّيْلِ لا مِن بابِ الإضافَةِ عَلى مَعْنى فِي، وإنْ صَحَّ، وقِيلَ: يُرِيدُ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ وعَزائِمِ أهْلِ الحَزْمِ السّالِكِينَ طَرِيقَ النَّجاةِ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ أرادَ مِن لازِماتِ الأُمُورِ الواجِبَةِ، ونَقَلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ العَزْمَ هو الحَزْمُ بِلُغَةِ هُذَيْلٍ، والحَزْمُ والعَزْمُ أصْلانِ، وما قالَهُ المُبَرِّدُ مِن أنَّ العَيْنَ قُلِبَتْ حاءً لَيْسَ بِشَيْءٍ لِاطِّرادِ تَصارِيفِ كُلٍّ مِنَ اللَّفْظَيْنِ، فَلَيْسَ أحَدُهُما أصْلًا لِلْآخَرِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ بِما سَبَقَ وفِيهِ اعْتِناءٌ بِشَأْنِهِ.
31:18Page 412
وَلَا تُصَعِّرۡ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٖ ١٨
And do not turn your cheek [in contempt] toward people1 and do not walk through the earth exultantly. Indeed, Allāh does not like everyone self-deluded and boastful.
﴿ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ أيْ لا تُمِلْهُ عَنْهُمْ، ولا تُوَلِّهِمْ صَفْحَةَ وجْهِكَ كَما يَفْعَلُهُ المُتَكَبِّرُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وجَماعَةٌ وأنْشَدُوا:
وكُنّا إذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ أقَمْنا لَهُ مِن مَيْلِهِ فَتَقَوَّما
فَهُوَ مِنَ الصَّعَرِ بِمَعْنى الصَّيْدِ، وهو داءٌ يَعْتَرِي البَعِيرَ فَيَلْوِي مِنهُ عُنُقَهُ، ويُسْتَعارُ لِلتَّكَبُّرِ كالصَّعَرِ، وقالَ ابْنُ خُوَيْزِمَندادَ: نُهِيَ أنْ يَذِلَّ نَفْسَهُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ، فَيَلْوَيَ عُنُقَهُ، ورُجِّحَ الأوَّلُ بِأنَّهُ أوْفَقُ بِما بَعْدُ، ولامُ ( لِلنّاسِ ) تَعْلِيلِيَّةٌ، والمُرادُ: ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِأجْلِ الإعْراضِ عَنِ النّاسِ أوْ صِلَةٍ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ «تُصاعِرْ» بِألِفٍ بَعْدَ الصّادِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ (تُصْعِرْ) مُضارِعِ أصْعَرَ، والكُلُّ واحِدٌ مِثْلُ عَلاهُ، وعالاهُ، وأعْلاهُ.
﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ﴾ الَّتِي هي أحَطُّ الأماكِنِ مَنزِلَةً ﴿مَرَحًا﴾ أيْ فَرَحًا وبَطَرًا، مَصْدَرٌ وقَعَ مَوْقِعَ الحالِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ لِتَأْوِيلِهِ بِالوَصْفِ، أوْ تَمْرَحُ مَرَحًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، أوْ لِأجْلِ المَرَحِ، عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، وقُرِئَ (مَرِحًا) بِكَسْرِ الرّاءِ عَلى أنَّهُ وصْفٌ في مَوْضِعِ الحالِ، ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ أوْ مُوجِبِهِ، والمُخْتالُ مِنَ الخُيَلاءِ، وهو التَّبَخْتُرُ في المَشْيِ كِبْرًا، وقالَ الرّاغِبُ: التَّكَبُّرُ عَنْ تَخَيُّلِ فَضِيلَةٍ تَراءَتْ لِلْإنْسانِ مِن نَفْسِهِ، ومِنهُ تُؤَوَّلُ لَفْظُ الخَيْلِ لِما قِيلَ: إنَّهُ لا يَرْكَبُ أحَدٌ فَرَسًا إلّا وجَدَ في نَفْسِهِ نَخْوَةً، والفَخُورُ مِنَ الفَخْرِ، وهو المُباهاةُ في الأشْياءِ الخارِجَةِ عَنِ الإنْسانِ كالمالِ والجاهِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ تَعْدادُ الشَّخْصِ ما أعْطاهُ لِظُهُورِ أنَّهُ مُباهاةٌ بِالمالِ، وعَنْ مُجاهِدٍ: تَفْسِيرُ الفَخُورِ بِمَن يُعَدِّدُ ما أعْطى، ولا يَشْكُرُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، وفي الآيَةِ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ لَفٌّ ونَشْرٌ مَعْكُوسٌ حَيْثُ قالَ: المُخْتالُ مُقابِلٌ لِلْماشِي مَرَحًا، وكَذَلِكَ الفَخُورُ لِلْمُصَعِّرِ خَدَّهُ كِبْرًا، وذَلِكَ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ عَلى ما قِيلَ، ولا يَأْبى ذَلِكَ كَوْنُ الوَصِيَّةِ لَمْ تَكُنْ بِاللِّسانِ العَرَبِيِّ، كَما لا يَخْفى.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ لَفٌّ ونَشْرٌ مُرَتَّبٌ فَإنَّ الِاخْتِيالَ يُناسِبُ الكِبْرَ والعَجَبَ، وكَذا الفَخْرُ يُناسِبُ المَشْيَ مَرَحًا.
والكَلامُ عَلى رَفْعِ الإيجابِ الكُلِّيِّ، والمُرادُ السَّلْبُ الكُلِّيُّ، وجُوِّزَ أنْ يَبْقى عَلى ظاهِرِهِ، وصِيغَةُ ( فَخُورٍ ) لِلْفاصِلَةِ، ولِأنَّ ما يُكْرَهُ مِنَ الفَخْرِ كَثْرَتُهُ، فَإنَّ القَلِيلَ مِنهُ يَكْثُرُ وُقُوعُهُ، فَلَطَفَ اللَّهُ تَعالى بِالعَفْوِ عَنْهُ، وهَذا كَما لَطَفَ بِإباحَةِ اخْتِيالِ المُجاهِدِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، وإباحَةِ الفَخْرِ بِنَحْوِ المالِ لِمَقْصِدٍ حَسَنٍ.
31:19Page 412
وَٱقۡصِدۡ فِي مَشۡيِكَ وَٱغۡضُضۡ مِن صَوۡتِكَۚ إِنَّ أَنكَرَ ٱلۡأَصۡوَٰتِ لَصَوۡتُ ٱلۡحَمِيرِ ١٩
And be moderate in your pace and lower your voice; indeed, the most disagreeable of sounds is the voice of donkeys."
﴿واقْصِدْ في مَشْيِكَ﴾ بَعْدَ الِاجْتِنابِ عَنِ المَرَحِ فِيهِ، أيْ تَوَسَّطْ فِيهِ بَيْنَ الدَّبِيبِ والإسْراعِ مِنَ القَصْدِ، وهو الِاعْتِدالُ، وجاءَ في عِدَّةِ رِواياتٍ إلّا أنَّ في أكْثَرِها مَقالًا يُخْرِجُها عَنْ صَلاحِيَّةِ الِاحْتِجاجِ بِها، كَما لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ شَرْحَ الجامِعِ الصَّغِيرِ لِلْمُناوِيِّ
صفحة 91
عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««سُرْعَةُ المَشْيِ تُذْهِبُ بَهاءَ المُؤْمِنِ»»
أيْ هَيْبَتَهُ وجَمالَهُ، أيْ تُورِثُهُ حَقارَةً في أعْيُنِ النّاسِ، وكَأنَّ ذَلِكَ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى الخِفَّةِ، وهَذا أقْرَبُ مِن قَوْلِالمُناوِيِّ لِأنَّها تُتْعِبُ فَتُغَيِّرُ البَدَنَ والهَيْئَةَ.
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كانُوا يَنْهَوْنَ عَنْ خَبَبِ اليَهُودِ ودَبِيبِ النَّصارى، ولَكِنْ مَشْيًا بَيْنَ ذَلِكَ، وما في النِّهايَةِ مِن أنَّ عائِشَةَ نَظَرَتْ إلى رَجُلٍ كادَ يَمُوتُ تَخافُتًا، فَقالَتْ: ما لِهَذا؟ فَقِيلَ: إنَّهُ مِنَ القُرّاءِ، فَقالَتْ: كانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سَيِّدَ القُرّاءِ، وكانَ إذا مَشى أسْرَعَ، وإذا قالَ أسْمَعَ، وإذا ضَرَبَ أوْجَعَ. فالمُرادُ بِالإسْراعِ فِيهِ ما فَوْقَ دَبِيبِ المُتَماوِتِ، وهو الَّذِي يُخْفِي صَوْتَهُ، ويُقِلُّ حَرَكاتِهِ مِمّا يَتَزَيّا بِزِيِّ العُبّادِ، كَأنَّهُ يَتَكَلَّفُ في اتِّصافِهِ بِما يُقَرِّبُهُ مِن صِفاتِ الأمْواتِ لِيُوهِمَ أنَّهُ ضَعُفَ مِن كَثْرَةِ العِبادَةِ، فَلا يُنافِي الآيَةَ، وكَذا ما ورَدَ في صِفَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذْ يَمْشِي كَأنَّما يَنْحَطُّ مِن صَبَبٍ، وكَذا لا يُنافِيها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ [الفُرْقانُ: 63]، إذْ لَيْسَ الهَوْنُ فِيهِ المَشْيُ كَدَبِيبِ النَّمْلِ، وذَكَرَ بَعْضُ الأفاضِلِ أنَّ المَذْمُومَ اعْتِيادُ الإسْراعِ بِالإفْراطِ فِيهِ، وقالَ السَّخاوِيُّ: مَحَلُّ ذَمِّ الإسْراعِ ما لَمْ يَخْشَ مِن بُطْءِ السَّيْرِ تَفْوِيتُ أمْرٍ دِينِيٍّ، لَكِنْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الإسْراعَ المُذْهِبَ لِلْخُشُوعِ لِإدْراكِ الرَّكْعَةِ مَعَ الإمامِ مَثَلًا مِمّا قالُوا: إنَّهُ مِمّا لا يَنْبَغِي، فَلا تَغْفُلْ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ القَصْدَ في المَشْيِ التَّواضُعُ فِيهِ، وقِيلَ: جُعِلَ البَصَرُ مَوْضِعَ القَدَمِ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ: وقُرِئَ. «وأقْصِدْ» بِقَطْعِ الهَمْزَةِ ونَسَبَها ابْنُ خالَوَيْهِ لِلْحِجازِيِّ مِن أقْصَدَ الرّامِي إذا سَدَّدَ سَهْمَهُ نَحْوَ الرَّمِيَّةِ، ووَجَّهَهُ إلَيْها لِيُصِيبَها، أيْ سَدِّدْ في مَشْيِكَ، والمُرادُ امْشِ مَشْيًا حَسَنًا، وكَأنَّهُ أُرِيدَ التَّوَسُّطُ بِهِ بَيْنَ المَشْيَيْنِ السَّرِيعِ والبَطِيءِ فَتَتَوافَقُ القِراءَتانِ، ﴿واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ أيِ انْقُصْ مِنهُ، واقْصُرْ مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ يَغُضُّ مِن فُلانٍ، إذا قَصَرَ بِهِ، وضَعَ مِنهُ، وحَطَّ مِن دَرَجَتِهِ. وفي البَحْرِ: الغَضُّ رَدُّ طُمُوحِ الشَّيْءِ كالصَّوْتِ، والنَّظَرِ، ويُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ:
فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِن نُمَيْرٍ
ومُتَعَدِّيًا بِمِن كَما هو ظاهِرُ قَوْلِ الجَوْهَرِيِّ: غَضَّ مِن صَوْتِهِ. والظّاهِرُ إنَّ ما في الآيَةِ مِنَ الثّانِي، وتَكَلَّفَ بَعْضُهم جَعْلَ مِن فِيها لِلتَّبْعِيضِ، وادَّعى آخَرُ كَوْنَها زائِدَةً في الإثْباتِ، وكانَتِ العَرَبُ تَفْتَخِرُ بِجَهارَةِ الصَّوْتِ، وتَمْدَحُ بِهِ في الجاهِلِيَّةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
جَهِيرُ الكَلامِ جَهِيرُ العُطاسِ ∗∗∗ جَهِيرُ الرَّواءِ جَهِيرُ النِّعَمْ
ويَخْطُو عَلى العَمِّ خَطْوَ الظَّلِيمِ ∗∗∗ ويَعْلُو الرِّجالَ بِخَلْقٍ عَمَمْ
والحِكْمَةُ في غَضِّ الصَّوْتِ المَأْمُورِ بِهِ أنَّهُ أوْفَرُ لِلْمُتَكَلِّمِ، وأبْسَطُ لِنَفْسِ السّامِعِ وفَهْمِهِ، ﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ﴾ أيْ أقْبَحَها، يُقالُ: وجْهٌ مُنْكَرٌ أيْ قَبِيحٌ قالَ في البَحْرِ: وهو أفْعَلُ بُنِيَ مِن فِعْلِ المَفْعُولِ كَقَوْلِهِمْ: أشْغَلُ مِن ذاتِ النِّحْيَيْنِ، وبِناؤُهُ مِن ذَلِكَ شاذٌّ، وقالَ بَعْضٌ: أيْ أصْعَبَها عَلى السَّمْعِ وأوْحَشَها مِن نَكُرَ بِالضَّمِّ نَكارَةً، ومِنهُ ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القَمَرُ: 6]، أيْ أمْرٍ صَعْبٍ لا يُعْرَفُ، والمُرادُ بِالأصْواتِ أصْواتُ الحَيَواناتِ، أيْ إنَّ أنْكَرَ أصْواتِ الحَيَواناتِ ﴿لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ جَمْعُ حِمارٍ كَما صَرَّحَ بِهِ أهْلُ اللُّغَةِ، ولَمْ يُخالِفْ فِيهِ غَيْرُ السُّهَيْلِيِّ قالَ: إنَّهُ فَعِيلٌ اسْمُ جَمْعٍ، كالعَبِيدِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى اسْمِ الجَمْعِ الجَمْعُ عِنْدَ اللُّغَوِيِّينَ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالغَضِّ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ حَيْثُ شُبِّهَ الرّافِعُونَ أصْواتَهم بِالحَمِيرِ، وهم مَثَلٌ في الذَّمِّ البَلِيغِ والشَّتِيمَةِ، ومُثِّلَتْ أصْواتُهم بِالنُّهاقِ الَّذِي أوَّلُهُ زَفِيرٌ
صفحة 92
وآخِرُهُ شَهِيقٌ، ثُمَّ أُخْلِيَ الكَلامُ مِن لَفْظِ التَّشْبِيهِ، وأُخْرِجَ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ، وفي ذَلِكَ مِنَ المُبالَغَةِ في الذَّمِّ والتَّهْجِينِ والإفْراطِ في التَّثْبِيطِ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ والتَّرْغِيبِ عَنْهُ ما فِيهِ، وإفْرادُ الصَّوْتِ مَعَ جَمْعِ ما أُضِيفَ هو إلَيْهِ لِلْإشارَةِ إلى قُوَّةِ تَشابُهِ أصْواتِ الحَمِيرِ حَتّى كَأنَّها صَوْتٌ واحِدٌ، هو أنْكَرُ الأصْواتِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ ذَلِكَ لِما أنَّ المُرادَ لَيْسَ بَيانَ حالِ صَوْتِ كُلِّ واحِدٍ مِن آحادِ هَذا الجِنْسِ حَتّى يُجْمَعَ، بَلْ بَيانَ صَوْتِ هَذا الجِنْسِ مِن بَيْنِ أصْواتِ سائِرِ الأجْناسِ. قِيلَ: فَعَلى هَذا كانَ المُناسِبُ لِصَوْتِ الحِمارِ بِتَوْحِيدِ المُضافِ إلَيْهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الجَمْعِ التَّتْمِيمُ والمُبالَغَةُ في التَّنْفِيرِ، فَإنَّ الصَّوْتَ إذا تَوافَقَتْ عَلَيْهِ الحَمِيرُ كانَ أنْكَرَ. وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّهُ يُوهِمُ أنَّ الأنْكَرِيَّةَ في التَّوافُقِ دُونَ الِانْفِرادِ، وهو لا يُناسِبُ المَقامَ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يُلْتَفَتُ إلى مِثْلِ هَذا التَّوَهُّمِ، وقِيلَ: لَمْ يُجْمَعِ الصَّوْتُ المُضافُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وهو لا يُثَنّى، ولا يُجْمَعُ ما لَمْ تُقْصَدِ الأنْواعُ كَما في ﴿أنْكَرَ الأصْواتِ﴾ فَتَأمَّلْ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ مِن كَلامِ لُقْمانَ لِابْنِهِ تَنْفِيرًا لَهُ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ، وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى وانْتَهَتْ وصِيَّةُ لُقْمانَ بِقَوْلِهِ:
﴿واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ رَدَّ سُبْحانَهُ بِهِ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانُوا يَتَفاخَرُونَ بِجَهارَةِ الصَّوْتِ، ورَفْعِهِ مَعَ أنَّ ذَلِكَ يُؤْذِي السّامِعَ، ويَقْرَعُ الصِّماخَ بِقُوَّةٍ، ورُبَّما يَخْرُقُ الغِشاءَ الَّذِي هو داخِلَ الأُذُنِ، وبَيَّنَ عَزَّ وجَلَّ أنَّ مَثَلَهم في رَفْعِ أصْواتِهِمْ مَثَلُ الحَمِيرِ، وأنَّ مَثَلَ أصْواتِهِمُ الَّتِي يَرْفَعُونَها مَثَلُ نُهاقِها في الشِّدَّةِ مَعَ القُبْحِ المُوحِشِ، وهَذا الَّذِي يَلِيقُ أنْ يُجْعَلَ وجْهَ شَبَهٍ، لا الخُلُوُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى كَما يُتَوَهَّمُ بِناءً عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، قالَ: صِياحُ كُلِّ شَيْءٍ تَسْبِيحُهُ إلّا الحِمارَ لِما أنَّ وجْهَ الشَّبَهِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ صِفَةً ظاهِرَةً، وخُلُوُّ صَوْتِ الحِمارِ عَنِ الذِّكْرِ لَيْسَ كَذَلِكَ، عَلى أنّا لا نُسَلِّمُ صِحَّةَ هَذا الخَبَرِ، فَإنَّ فِيهِ ما فِيهِ. ومِثْلُهُ ما شاعَ بَيْنَ الجَهَلَةِ مِن أنَّ نَهِيقَ الحِمارِ لَعْنٌ لِلشِّيعَةِ الَّذِينَ لا يَزالُونَ يَنْهَقُونَ بِسَبِّ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، ومِثْلُ هَذا مِنَ الخُرافاتِ الَّتِي يَمُجُّها السَّمْعُ ما عَدا سَمْعَ طَوِيلِ الأُذُنَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالغَضِّ مِنَ الصَّوْتِ الغَضُّ مِنهُ عِنْدَ التَّكَلُّمِ والمُحاوَرَةِ، وقِيلَ: الغَضُّ مِنَ الصَّوْتِ مُطْلَقًا فَيَشْمَلُ الغَضَّ مِنهُ عِنْدَ العُطاسِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ عِنْدَهُ إنْ أمْكَنَهُ عَدَمُ الرَّفْعِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ما يَقْتَضِيهِ، ثُمَّ إنَّ الغَضَّ مَمْدُوحٌ إنْ لَمْ يَدْعُ داعٍ شَرْعِيٍّ إلى خِلافِهِ، وأرْدَفَ الأمْرَ بِالقَصْدِ في المَشْيِ بِالأمْرِ بِالغَضِّ مِنَ الصَّوْتِ لِما أنَّهُ كَثِيرًا ما يُتَوَصَّلُ إلى المَطْلُوبِ بِالصَّوْتِ بَعْدَ العَجْزِ عَنِ التَّوَصُّلِ إلَيْهِ بِالمَشْيِ كَذا قِيلَ، هَذا وأبْعَدَ بَعْضُهم في الكَلامِ عَلى هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ فَقالَ: إنَّ الأوَّلَ إشارَةٌ إلى التَّوَسُّطِ في الأفْعالِ، والثّانِيَ إشارَةٌ إلى الِاحْتِرازِ مِن فُضُولِ الكَلامِ، والتَّوَسُّطِ في الأقْوالِ، وجُعِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ إلَخْ، إشارَةً إلى إصْلاحِ الضَّمِيرِ، وهو كَما تَرى.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «أصْواتُ الحَمِيرِ» بِالجَمْعِ بِغَيْرِ لامِ التَّأْكِيدِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences