Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Luqman 31:29–32
31:29Page 414
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِيٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٢٩
Do you not see [i.e., know] that Allāh causes the night to enter the day and causes the day to enter the night and has subjected the sun and the moon, each running [its course] for a specified term, and that Allāh, of whatever you do, is Aware?
﴿ألَمْ تَرَ﴾ قِيلَ: خِطابٌ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ ﷺ، وقِيلَ: عامٌّ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ، وهو الأوْفَقُ لِما سَبَقَ، وما لَحِقَ، أيْ ألَمْ تَعْلَمْ.
صفحة 102
﴿أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارِ في اللَّيْلَ﴾ أيْ يُدْخِلُ كُلَّ واحِدٍ مِنها في الآخَرِ، ويُضِيفُهُ سُبْحانَهُ إلَيْهِ، فَيَتَفاوَتُ بِذَلِكَ حالُهُ زِيادَةً ونُقْصانًا، وعَدَلَ عَنْ يُولِجُ أحَدَ المَلَوَيْنِ في الآخَرِ مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ لِلدِّلالَةِ عَلى اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنهُما في الدِّلالَةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، وقَدَّمَ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ لِمُناسَبَتِهِ لِعالَمِ الإمْكانِ المُظْلِمِ مِن حَيْثُ إمْكانُهُ الذّاتِيِّ، وفي بَعْضِ الآثارِ: «كانَ العالَمُ في ظُلْمَةِ فَرْشِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ مِن نُورِهِ،» وهَذا الإيلاجُ إنَّما هو في هَذا العالَمِ لَيْسَ عِنْدَ رَبِّكَ صَباحٌ ولا مَساءٌ، وقَدَّمَ الشَّمْسَ عَلى القَمَرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ مَعَ تَقْدِيمِ اللَّيْلِ الَّذِي فِيهِ سُلْطانُ القَمَرِ عَلى النَّهارِ الَّذِي فِيهِ سُلْطانُ الشَّمْسِ لِأنَّها كالمَبْدَإ لِلْقَمَرِ، ولِأنَّ تَسْخِيرَها لِغايَةِ عِظَمِها أعْظَمُ مِن تَسْخِيرِ القَمَرِ، وأيْضًا آثارُ ذَلِكَ التَّسْخِيرِ أعْظَمُ مِن آثارِ تَسْخِيرِهِ، وقالَ الإمامُ في تَعْلِيلِ تَقْدِيمِ كُلٍّ عَلى ما قُدِّمَ عَلَيْهِ: لِأنَّ الأنْفُسَ تَطْلُبُ سَبَبَ المُقَدَّمِ أكْثَرَ مِمّا تَطْلُبُ سَبَبَ المُؤَخَّرِ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِما بَيَّنَ، ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أوْلى لا سِيَّما إذا صَحَّ أنَّ نُورَ القَمَرِ مُسْتَفادٌ مِن ضِياءِ الشَّمْسِ، وعُطِفَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( سَخَّرَ ) عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ( يُولِجُ )، والِاخْتِلافُ بَيْنَهُما صِيغَةٌ لِما أنَّ إيلاجَ أحَدِ المَلَوَيْنِ في الآخَرِ مُتَجَدِّدٌ في كُلِّ حِينٍ، وأمّا التَّسْخِيرُ فَأمْرٌ لا تَعَدُّدَ فِيهِ، ولا تَجَدُّدَ، وإنَّما التَّعَدُّدُ، والتَّجَدُّدُ في آثارِهِ كَما يُشِيرُ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلٌّ )،﴾ أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ ﴿يَجْرِي﴾ يَسِيرُ سَيْرًا سَرِيعًا مُسْتَمِرًّا ﴿إلى أجَلٍ﴾ أيْ مُنْتَهًى لِلْجَرْيِ ﴿مُسَمًّى﴾ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى وقَدَّرَهُ لِذَلِكَ، وهو كَما قالَ الحَسَنُ: يَوْمُ القِيامَةِ، فَإنَّهُ لا يَنْقَطِعُ جَرْيُ النَّيِّرَيْنِ وتَبْطُلُ حَرَكَتُهُما إلّا في ذَلِكَ اليَوْمِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا الجَرْيَ هو هَذِهِ الحَرَكَةُ الَّتِي يُشاهِدُها كُلُّ ذِي بَصَرٍ مِن أهْلِ المَعْمُورَةِ، وهي عِنْدَ الفَلاسِفَةِ بِواسِطَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ، فَإنَّ حَرَكَتَهُ كَذَلِكَ، وبِها حَرَكَةُ سائِرِ الأفْلاكِ، وما فِيها مِنَ الكَواكِبِ، ويُسَمّى حَرَكَةَ الكُلِّ، والحَرَكَةَ اليَوْمِيَّةَ، والحَرَكَةَ السَّرِيعَةَ، والحَرَكَةَ الأُولى، والحَرَكَةَ عَلى خِلافِ التَّوالِي، والحَرَكَةَ الشَّرْقِيَّةَ، وبَعْضُهم يُسَمِّيها الحَرَكَةَ الغَرْبِيَّةَ، وقِيلَ: ما يَعُمُّ هَذِهِ الحَرَكَةَ وحَرَكَتَهُما الخاصَّةَ بِهِما، وهي حَرَكَتُهُما بِواسِطَةِ فَلَكَيْهِما عَلى التَّوالِي مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ، وهي لِلْقَمَرِ أسْرَعُ مِنها لِلشَّمْسِ، ولَيْسَ في العَقْلِ الصَّرِيحِ والنَّقْلِ الصَّحِيحِ ما يَأْبى إثْباتَ هاتَيْنِ الحَرَكَتَيْنِ لِكُلٍّ مِنَ النَّيِّرَيْنِ، كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ العارِفِ، ومُنْتَهى هَذا الجَرْيِ العامِّ لِهاتَيْنِ الحَرَكَتَيْنِ يَوْمُ القِيامَةِ أيْضًا، والجُمْلَةُ عَلى تَقْدِيرِ عُمُومِ الخِطابِ اعْتِراضٌ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ لِبَيانِ الواقِعِ بِطَرِيقِ الِاسْتِطْرادِ، وعَلى تَقْدِيرِ اخْتِصاصِهِ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ، فَإنَّ جَرْيَهُما إلى يَوْمِ القِيامَةِ مِن جُمْلَةِ ما في حَيِّزِ رُؤْيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ جَرْيُهُما عِبارَةٌ عَنْ حَرَكَتِهِما الخاصَّةِ بِهِما، والأجَلُ المُسَمّى لِجَرْيِ الشَّمْسِ آخِرُ السَّنَةِ المُسَمّاةِ بِالسَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ، وهي زَمانُ مُفارَقَةِ الشَّمْسِ أيَّةَ نُقْطَةٍ تُفْرَضُ مِن فَلَكِ البُرُوجِ إلى عَوْدِها إلَيْها بِحَرَكَتِها الخاصَّةِ، وجَعَلُوا ابْتِداءَها مِن حِينِ حُلُولِ الشَّمْسِ رَأْسَ الحَمَلِ، ومُدَّتُها عِنْدَ بَعْضٍ ثَلاثُمِائَةٍ وخَمْسَةٌ وسِتُّونَ يَوْمًا بِلَيْلَتِهِ، ورُبْعُ يَوْمٍ كَذَلِكَ، وعِنْدَ بَطْلَيْمُوسَ ثَلاثُمِائَةٍ وخَمْسَةٌ وسِتُّونَ يَوْمًا بِلَيْلَتِهِ، وخَمْسُ ساعاتٍ وخَمْسَةٌ وخَمْسُونَ دَقِيقَةً واثْنَتا عَشْرَةَ ثانِيَةً، وعِنْدَ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ ثَلاثُمِائَةٍ وخَمْسَةٌ وسِتُّونَ يَوْمًا، وخَمْسُ ساعاتٍ وسِتٌّ وأرْبَعُونَ دَقِيقَةً، وأرْبَعٌ وعِشْرُونَ ثانِيَةً، وعِنْدَ الحَكِيمِ مُحْيِي الدِّينِ الكَسْرُ الزّائِدُ خَمْسُ ساعاتٍ ودَقِيقَةٌ، وبِالرَّصْدِ الجَدِيدِ الَّذِي تَوَلّاهُ الطُّوسِيُّ بِمَراغَةَ خَمْسُ ساعاتٍ وتِسْعٌ وأرْبَعُونَ دَقِيقَةً، ووُجِدَ بِرَصْدِ سَمَرْقَنْدَ أزْيَدَ مِن هَذا بِرُبْعِ دَقِيقَةٍ، وأمّا الِاصْطِلاحِيَّةُ فاعْتَبَرَها بَعْضٌ كالرُّومِ والأقْدَمِينَ مِنَ الفُرْسِ ثَلاثَمِائَةٍ وخَمْسَةً وسِتُّونَ يَوْمًا بِلَيْلَتِهِ، ورُبْعَ يَوْمٍ كَذَلِكَ، وأخَذَ الكَسْرُ رُبْعًا تامًّا إلّا أنَّ الرُّومَ يَجْعَلُونَ ثَلاثَ سِنِينَ
صفحة 103
ثَلاثَمِائَةٍ وخَمْسَةً وسِتِّينَ، ويَكْبِسُونَ في الرّابِعَةِ بِيَوْمٍ، والفُرْسُ كانُوا يَكْسِبُونَ في مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً بِشَهْرٍ، واعْتَبَرَها بَعْضٌ آخَرُ كالقِبْطِ، والمُسْتَعْمِلِينَ لِتارِيخِ الفُرْسِ مِنَ المُحْدَثِينَ ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ يَوْمًا بِلَيْلَتِهِ، وأُسْقِطَ الكَسْرُ رَأْسًا، ولِجَرْيِ القَمَرِ آخِرَ الشَّهْرِ القَمَرِيِّ الحَقِيقِيِّ وهو زَمانُ مُفارَقَةِ القَمَرِ، أيْ وضْعٌ يُعَرَّضُ لَهُ مِنَ الشَّمْسِ إلى عَوْدِهِ إلَيْهِ، وجَعَلُوا ابْتِداءَهُ مِنَ اجْتِماعِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وزَمانَ ما بَيْنَ الِاجْتِماعَيْنِ المُتَتالِيَيْنِ (كط لا ن) مِنَ الأيّامِ ودَقائِقِها وثَوانِيها تَقْرِيبًا، وأمّا الشَّهْرُ الغَيْرُ الحَقِيقِيُّ فالمُعْتَبَرُ فِيهِ الهِلالُ ويَخْتَلِفُ زَمانُ ما بَيْنَ الهِلالَيْنِ، كَما هو مَعْرُوفٌ.
قِيلَ: وعَلى هَذا فالجُمْلَةُ بَيانٌ لِحُكْمِ تَسْخِيرِهِما، أوْ تَنْبِيهٌ عَلى كَيْفِيَّةِ إيلاجِ أحَدِ المَلَوَيْنِ في الآخَرِ، وكَوْنُ ذَلِكَ بِحَسَبِ اخْتِلافِ جَرَيانِ الشَّمْسِ عَلى مَداراتِها اليَوْمِيَّةِ، فَكُلَّما كانَ جَرَيانُها مُتَوَجِّهًا إلى سَمْتِ الرَّأْسِ تَزْدادُ القَوْسُ الَّتِي فَوْقَ الأرْضِ كِبَرًا، فَيَزْدادُ النَّهارُ طُولًا بِانْضِمامِ بَعْضِ أجْزاءِ اللَّيْلِ إلَيْهِ إلى أنْ يَبْلُغَ المَدارَ الَّذِي هو أقْرَبُ المَداراتِ إلى سَمْتِ الرَّأْسِ، وذَلِكَ عِنْدَ بُلُوغِها إلى رَأْسِ السَّرَطانِ، ثُمَّ تَرْجِعُ مُتَوَجِّهَةً إلى التَّباعُدِ عَنْ سَمْتِ الرَّأْسِ، فَلا تَزالُ القِسِيُّ الَّتِي فَوْقَ الأرْضِ تَزْدادُ صِغَرًا، فَيَزْدادُ النَّهارُ قِصَرًا بِانْضِمامِ بَعْضِ أجْزائِهِ إلى اللَّيْلِ إلى أنْ يَبْلُغَ المَدارَ الَّذِي هو أبْعَدُ المَداراتِ اليَوْمِيَّةِ عَنْ سَمْتِ الرَّأْسِ، وذَلِكَ عِنْدَ بُلُوغِها رَأْسَ الجَدْيِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا مَدْخَلَ لِجَرَيانِ القَمَرِ في الإيلاجِ، فالتَّعَرُّضُ لَهُ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ يُبْعِدُ هَذا الوَجْهَ، ولَعَلَّ الأظْهَرَ عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِ جَرْيِهِما عِبارَةً عَنْ حَرَكَتِهِما الخاصَّةِ بِهِما أنْ يُجْعَلَ الأجَلُ المُسَمّى عِبارَةً عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ، أوْ يُجْعَلَ عِبارَةً عَنْ آخِرِ السَّنَةِ والشَّهْرِ المَعْرُوفَيْنِ عِنْدَ العَرَبِ فَتَأمَّلْ، وجَرى يَتَعَدّى بِإلى تارَةً وبِاللّامِ أُخْرى، وتَعْدِيَتُهُ بِالأوَّلِ بِاعْتِبارِ كَوْنِ المَجْرُورِ غايَةً، وبِالثّانِي بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ غَرَضًا، فَتَكُونُ اللّامُ لامَ تَعْلِيلٍ، أوْ عاقِبَةٍ، وجَعَلَها الزَّمَخْشَرِيُّ لِلِاخْتِصاصِ، ولِكُلٍّ وجْهٌ، ولَمْ يَظْهَرْ لِي وجْهُ اخْتِصاصِ هَذا المَقامِ بِإلى وغَيْرِهِ بِاللّامِ. وقالَ النَّيْسابُورِيُّ: وجْهُ ذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ صُدِّرَتْ بِالتَّعْجِيبِ فَناسَبَ التَّطْوِيلُ، وهو كَما تَرى فَتَدَبَّرْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ﴾ إلَخْ، داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الرُّؤْيَةِ عَلى تَقْدِيرِي خُصُوصَ الخِطابِ وعُمُومَهُ، فَإنَّ مَن شاهَدَ مِثْلَ ذَلِكَ الصُّنْعِ الرّائِقِ والتَّدْبِيرِ اللّائِقِ لا يَكادُ يَغْفُلُ عَنْ كَوْنِ صانِعِهِ عَزَّ وجَلَّ مُحِيطًا بِجَلائِلِ أعْمالِهِ ودَقائِقِها، وقَرَأ عَيّاشٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو «بِما يَعْمَلُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ.
31:30Page 414
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِ ٱلۡبَٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ ٣٠
That is because Allāh is the True Reality, and that what they call upon1 other than Him is falsehood, and because Allāh is the Most High, the Grand.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَضَمَّنَتْهُ الآياتُ وأشارَتْ إلَيْهِ مِن سَعَةِ العِلْمِ، وكَمالِ القُدْرَةِ واخْتِصاصِ البارِي تَعالى شَأْنُهُ بِها ﴿بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وحْدَهُ الثّابِتُ المُتَحَقِّقُ في ذاتِهِ أيِ الواجِبُ الوُجُودِ.
﴿وأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ إلَهًا ﴿الباطِلُ﴾ المَعْدُومُ في حَدِّ ذاتِهِ، وهو المُمْكِنُ الَّذِي لا يُوجَدُ إلّا بِغَيْرِهِ، وهو الواجِبُ تَعالى شَأْنُهُ ﴿وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ﴾ عَلى الأشْياءِ ﴿الكَبِيرُ﴾ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ سُبْحانَهُ شَرِيكٌ أوْ يَتَّصِفَ جَلَّ وعَلا بِنَقْصٍ لا بِشَيْءٍ أعْلى مِنهُ تَعالى شَأْنُهُ شَأْنًا وأكْبَرَ سُلْطانًا، ووَجْهُ سَبَبِيَّةِ الأوَّلِ لِما ذُكِرَ أنَّ كَوْنَهُ تَعالى وحْدَهُ واجِبُ الوُجُودِ في ذاتِهِ يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ هو سُبْحانَهُ وحْدَهُ المُوجِدَ لِسائِرِ المَصْنُوعاتِ البَدِيعَةِ الشَّأْنِ، فَيَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وحْدَهُ، والإيجابُ قَدْ أُبْطِلَ في الأُصُولِ، ومَن صَدَرَتْ عَنْهُ جَمِيعُ هاتِيكَ المَصْنُوعاتِ لا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ كامِلَ العِلْمِ عَلى ما بُيِّنَ في الكَلامِ، ووَجْهُ سَبَبِيَّةِ الثّالِثِ لِذَلِكَ أنَّ كَوْنَهُ تَعالى وحْدَهُ عَلِيًّا عَلى جَمِيعِ الأشْياءِ مُتَسَلِّطًا عَلَيْها مُتَنَزِّهًا عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ سُبْحانَهُ شَرِيكٌ أوْ يَتَّصِفَ بِنَقْصٍ عَزَّ وجَلَّ يَسْتَلْزِمُ
صفحة 104
كَوْنَهُ تَعالى وحْدَهُ واجِبَ الوُجُودِ في ذاتِهِ، وقَدْ سَمِعْتَ الكَلامَ فِيهِ، وأمّا وجْهُ سَبَبِيَّةِ كَوْنِ ما يَدْعُونَهُ مِن دُونِهِ إلَهًا باطِلًا مُمْكِنًا في ذاتِهِ لِذَلِكَ، فَهو أنَّ إمْكانَهُ عَلى عُلُوِّ شَأْنِهِ عِنْدَهم عَلى ما عَداهُ مِمّا لَمْ يَعْتَقِدُوا إلَهِيَّتَهُ يَسْتَلْزِمُ إمْكانَ غَيْرِهِ مِمّا سِوى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، لِأنَّ ما فِيهِ مِمّا يَدُلُّ عَلى إمْكانِهِ مَوْجُودٌ في ذَلِكَ حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ، ومَتى كانَ ما يَدْعُونَهُ إلَهًا مِن دُونِهِ تَعالى وغَيْرِهِ مِمّا سِوى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مُمْكِنًا انْحَصَرَ وُجُوبُ الوُجُودِ في اللَّهِ تَعالى فَيَكُونُ جَلَّ وعَلا وحْدَهُ واجِبَ الوُجُودِ في ذاتِهِ، وقَدْ عَلِمْتَ إفادَتَهُ لِلْمَطْلُوبِ، وكَأنَّهُ إنَّما قِيلَ: إنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطِلُ دُونَ أنَّ ما سِواهُ الباطِلُ مَثَلًا نَظِيرَ قَوْلِ لَبِيدٍ:
ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ
تَنْصِيصًا عَلى فَظاعَةِ ما هم عَلَيْهِ، واسْتِلْزَمُ ذَلِكَ إمْكانَ ما سِوى اللَّهِ تَعالى مِنَ المَوْجُوداتِ مِن بابِ أوْلى بِناءً عَلى ما يَزْعُمُ المُشْرِكُونَ في آلِهَتِهِمْ مِن عُلُوِّ الشَّأْنِ، ولَمْ يَكْتَفِ في بَيانِ السَّبَبِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ ) بَلْ عَطَفَ عَلَيْهِ ما عَطَفَ مَعَ أنَّهُ مِمّا يَعُودُ إلَيْهِ، وتُشْعِرُ تِلْكَ الجُمْلَةُ بِهِ إظْهارًا لِكَمالِ العِنايَةِ بِالمَطْلُوبِ، وبِما يُفِيدُهُ مَنطُوقُ المَعْطُوفِ مِن بُطْلانِ الشَّرِيكِ، وكَوْنِهِ تَعالى هو العَلِيُّ الكَبِيرُ.
وقِيلَ: أيُّ ذَلِكَ الِاتِّصافِ بِما تَضَمَّنَتْهُ الآياتُ مِن عَجائِبِ القُدْرَةِ، والحِكْمَةِ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو الإلَهُ الثّابِتُ إلَهِيَّتُهُ، وأنَّ مَن دُونَهُ سُبْحانَهُ باطِلُ الإلَهِيَّةِ، وإنَّ اللَّهَ تَعالى هو العَلِيُّ الشَّأْنِ الكَبِيرُ السُّلْطانِ، ومَدارُ أمْرِ السَّبَبِيَّةِ عَلى كَوْنِهِ سُبْحانَهُ هو الثّابِتُ الإلَهِيَّةِ، وبَيَّنَ ذَلِكَ الطِّيبِيُّ بِأنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ أنَّ مَن كانَ إلَهًا كانَ قادِرًا خالِقًا عالِمًا إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الكَمالِ، ثُمَّ قالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ كالفَذْلَكَةِ لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ﴾ إلى هَذا المَقامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ كالفَذْلَكَةِ لِتِلْكَ الفَواصِلِ المَذْكُورَةِ هُنالِكَ كُلِّها.
ولَعَلَّ ما قَدَّمْنا أوْلى بِالِاعْتِبارِ، وقالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ في الِاعْتِراضِ عَلى ذَلِكَ: أنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ حَقِّيَّتَهُ تَعالى وعُلُوَّهُ وكِبْرِياءَهُ وإنْ كانَتْ صالِحَةً لِمَناطِيَّةِ ما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ، لَكِنَّ بُطْلانَ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ لا دَخْلَ لَهُ في المَناطِيَّةِ قَطْعًا فَلا مَساغَ لِنَظْمِهِ في سِلْكِ الأسْبابِ بَلْ هو تَعْكِيسٌ لِلْأمْرِ ضَرُورَةَ أنَّ الصِّفاتِ المَذْكُورَةَ هي المُقْتَضِيَةُ لِبُطْلانِها، لا أنَّ بُطْلانَها يَقْتَضِيها انْتَهى، وفِيهِ تَأمُّلٌ، والعَجَبُ مِنهُ أنَّهُ ذَكَرَ مِثْلَ ما اعْتَرَضَ عَلَيْهِ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الحَجِّ، ولَمْ يَتَعَقَّبْهُ بِشَيْءٍ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى ذَلِكَ، أيْ ما تُلِيَ مِنَ الآياتِ الكَرِيمَةِ بِسَبَبِ بَيانِ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ إلَهِيَّتُهُ فَقَطْ، ولِأجْلِهِ لِكَوْنِها ناطِقَةً بِحَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ، ولِأجْلِ بَيانِ بُطْلانِ إلَهِيَّةِ ما يَدَّعُونَ مِن دُونِهِ لِكَوْنِها شاهِدَةً شَهادَةً بَيِّنَةً لا رَيْبَ فِيها، ولِأجْلِ بَيانِ أنَّهُ تَعالى هو المُرْتَفِعُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ المُتَسَلِّطُ عَلَيْهِ فَإنَّ ما في تَضاعِيفِ تِلْكَ الآياتِ الكَرِيمَةِ مُبَيِّنٌ لِاخْتِصاصِ العُلُوِّ والكِبْرِياءِ بِهِ أيَّ بَيانٍ، وهو وجْهٌ لا تَكَلُّفَ فِيهِ سِوى اعْتِبارِ حَذْفِ مُضافٍ، كَما لا يَخْفى، وكَأنَّهُ إنَّما قِيلَ هُنا: وأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطِلُ بِدُونِ ضَمِيرِ الفَصْلِ، وفي سُورَةِ الحَجِّ: ﴿وأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هو الباطِلُ،﴾ بِتَوْسِيطِ ضَمِيرِ الفَصْلِ لِما أنَّ الحَطَّ عَلى المُشْرِكِينَ وآلِهَتِهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ دُونَ الحَطِّ عَلَيْهِمْ في تِلْكَ السُّورَةِ.
وقالَ النَّيْسابُورِيُّ في ذَلِكَ: إنَّ آيَةَ الحَجِّ وقَعَتْ بَيْنَ عَشْرِ آياتٍ كُلُّ آيَةٍ مُؤَكَّدَةٌ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ، فَناسَبَ ذَلِكَ تَوْسِيطُ الضَّمِيرِ بِخِلافِ ما هُنا، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: تَقَدَّمَ في تِلْكَ السُّورَةِ ذِكْرُ الشَّيْطانِ مَرّاتٍ، فَلِهَذا ذُكِرَتْ تِلْكَ المُؤَكِّداتُ بِخِلافِ هَذِهِ السُّورَةِ فَإنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ الشَّيْطانِ فِيها نَحْوَ ذِكْرِهِ هُناكَ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ،
صفحة 105
وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ «تَدْعُونَ» بِتاءِ الخِطابِ.
31:31Page 414
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱلۡفُلۡكَ تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِنِعۡمَتِ ٱللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنۡ ءَايَٰتِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ ٣١
Do you not see that ships sail through the sea by the favor of Allāh that He may show you of His signs? Indeed in that are signs for everyone patient and grateful.
﴿ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ اسْتِشْهادٌ آخَرُ عَلى باهِرِ قُدْرَتِهِ جَلَّ وعَلا وغايَةِ حِكْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وشُمُولِ إنْعامِهِ تَبارَكَ وتَعالى، والمُرادُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى إحْسانُهُ سُبْحانَهُ في تَهْيِئَةِ أسْبابِ الجَرْيِ مِنَ الرِّيحِ، وتَسْخِيرِها، فالباءُ لِلتَّعْدِيَةِ كَما فِي: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ، أوْ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِتَجْرِي.
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِنِعْمَتِهِ تَعالى ما أنْعَمَ جَلَّ شَأْنُهُ بِهِ بِما تَحْمِلُهُ الفُلْكُ مِنَ الطَّعامِ والمَتاعِ ونَحْوِهِ، فالباءُ لِلْمُلابَسَةِ والمُصاحَبَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ الفُلْكِ، أيْ تَجْرِي مَصْحُوبَةً بِنِعْمَتِهِ تَعالى، وقَرَأ مُوسى بْنُ الزُّبَيْرِ «الفُلُكَ» بِضَمِّ اللّامِ ومِثْلُهُ مَعْرُوفٌ في فُعُلٍ مَضْمُومِ الفاءِ.
حُكِيَ عَنْ عِيسى بْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: ما سُمِعَ فُعْلٌ بِضَمِّ الفاءِ، وسُكُونِ العَيْنِ إلّا وقَدْ سُمِعَ فِيهِ فُعُلٌ بِضَمِّ العَيْنِ.
وفِي الكَشّافِ: كُلُّ فُعْلٍ يَجُوزُ فِيهِ فُعُلٌ، كَما يَجُوزُ في كُلِّ فَعْلٍ فَعَلٌ، وجُعِلَ ضَمُّ العَيْنِ لِلْإتْباعِ، وإسْكانُها لِلتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ الأعْرَجُ، والأعْمَشُ، وابْنُ يَعْمَرَ «بِنِعْماتِ اللَّهِ» بِكَسْرِ النُّونِ وسُكُونِ العَيْنِ جَمْعًا بِالألِفِ والتّاءِ، وهو جَمْعُ نِعْمَةٍ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ، ويَجُوزُ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ في كُلِّ جَمْعٍ مِثْلِهِ تَسْكِينُ العَيْنِ عَلى الأصْلِ، وكَسْرُها إتْباعًا لِلْفاءِ وفَتْحُها تَخْفِيفًا.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «بِنَعَماتِ اللَّهِ» بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ العَيْنِ جَمْعًا لِنَعْمَةٍ بِفَتْحِ النُّونِ، وهي اسْمٌ لِلتَّنَعُّمِ، وقِيلَ: بِمَعْنى النِّعْمَةِ بِالكَسْرِ، ﴿لِيُرِيَكم مِن آياتِهِ﴾ أيْ بَعْضَ دَلائِلِ أُلُوهِيَّتِهِ تَعالى ووَحْدَتِهِ سُبْحانَهُ وقُدْرَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ وعِلْمُهُ عَزَّ وجَلَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ، أيْ أنَّ فِيما ذُكِرَ لَآياتٍ عَظِيمَةً في ذاتِها كَثِيرَةً في عَدَدِها لِكُلِّ مُبالِغٍ في الصَّبْرِ عَلى بَلائِهِ سُبْحانَهُ ومُبالِغٍ في الشُّكْرِ عَلى نَعْمائِهِ جَلَّ شَأْنُهُ.
( وصَبّارٍ شَكُورٍ ) كِنايَةٌ عَنِ المُؤْمِنِ مِن بابِ: حَيٌّ مُسْتَوِي القامَةِ عَرِيضُ الأظْفارِ، فَإنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ الإنْسانِ لِأنَّ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ عُمْدَتا الإيمانِ، لِأنَّهُ وجَمِيعُ ما يُتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، إمّا تَرْكٌ لِلْمَأْلُوفِ غالِبًا، وهو بِالصَّبْرِ، أوْ فِعْلٌ لِما يُتَقَرَّبُ بِهِ، وهو شُكْرٌ لِعُمُومِهِ، فِعْلُ القَلْبِ والجَوارِحِ واللِّسانِ، ولِذا ورَدَ: «(الإيمانُ نِصْفانِ نِصْفٌ صَبْرٌ ونِصْفٌ شُكْرٌ)،» وذِكْرُ الوَصْفَيْنِ بَعْدَ الفُلْكِ فِيهِ أتَمُّ مُناسَبَةٍ، لِأنَّ الرّاكِبَ فِيهِ لا يَخْلُو عَنِ الصَّبْرِ والشُّكْرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالصَّبّارِ كَثِيرُ الصَّبْرِ عَلى التَّعَبِ في كَسْبِ الأدِلَّةِ مِنَ الأنْفُسِ والآفاقِ وإلّا فَلا اخْتِصاصَ لِلْآياتِ بِمَن تَعِبَ مُطْلَقًا، وكِلا الوَصْفَيْنِ بُنِيا بِناءَ مُبالَغَةٍ، وفَعّالٌ عَلى ما في البَحْرِ أبْلَغُ مِن فَعُولٍ لِزِيادَةِ حُرُوفِهِ، قِيلَ: وإنَّما اخْتِيرَ زِيادَةُ المُبالَغَةِ في الصَّبْرِ إيماءً إلى أنَّ قَلِيلَهُ لِشِدَّةِ مَرارَتِهِ، وزِيادَةِ ثِقَلِهِ عَلى نَفْسِ كَثِيرٍ.
31:32Page 414
وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوۡجٞ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ فَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا كُلُّ خَتَّارٖ كَفُورٖ ٣٢
And when waves come over them like canopies, they supplicate Allāh, sincere to Him in religion [i.e., faith]. But when He delivers them to the land, there are [some] of them who are moderate [in faith]. And none rejects Our signs except everyone treacherous and ungrateful.
﴿وإذا غَشِيَهم مَوْجٌ﴾ أيْ عَلاهم وغَطّاهم مِنَ الغِشاءِ بِمَعْنى الغِطاءِ مِن فَوْقُ، وهو المُناسِبُ هُنا، وقِيلَ: أيْ أتاهم مِنَ الغَشَيانِ بِمَعْنى الإتْيانِ، وضَمِيرُ ﴿غَشِيَهُمْ﴾ إنِ اتَّحَدَ بِضَمِيرِ المُخاطَبِينَ قَبْلَهُ فَفي الكَلامِ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ وإلّا فَلا التِفاتَ، والمَوْجُ ما يَعْلُو مِن غَوارِبِ الماءِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ واحِدُهُ مَوْجَةٌ وتَنْكِيرُهُ لِلتَّعْظِيمِ، والتَّكْثِيرِ، ولِذا أُفْرِدَ مَعَ جَمْعِ المُشَبَّهِ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كالظُّلَلِ﴾ وهو جَمْعُ ظُلَّةٍ كَغُرْفَةٍ وغُرَفٍ وقُرْبَةٍ وقُرَبٍ، والمُرادُ بِها ما أظَلَّ مِن سَحابٍ أوْ جَبَلٍ أوْ غَيْرِهِما.
وقالَ الرّاغِبُ: الظُّلَّةُ السَّحابَةُ تُظِلُّ، وأكْثَرَ ما يُقالُ فِيما يُسْتَوْخَمُ ويُكْرَهُ، وفَسَّرَ قَتادَةُ الظِّلَّ هُنا بِالسَّحابِ،
صفحة 106
وبَعْضُهم بِالجِبالِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «كالظِّلالِ» وهو جَمْعُ ظُلَّةٍ أيْضًا كَعُلْبَةٍ وعِلابٍ، وجُفْرَةٍ وجِفارٍ، (وإذا) ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿دَعَوُا﴾ أيْ دَعَوُا ﴿اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ إذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ، وإنَّما فَعَلُوا ذَلِكَ حِينَئِذٍ لِزَوالِ ما يُنازِعُ الفِطْرَةِ مِنَ الهَوى، والتَّقْلِيدِ بِما دَهاهم مِنَ الخَوْفِ الشَّدِيدِ.
﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ سالِكُ القَصْدِ أيِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ لا يَعْدِلُ عَنْهُ لِغَيْرِهِ، وأصْلُهُ اسْتِقامَةُ الطَّرِيقِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَيْهِ مُبالَغَةً، والمُرادُ بِالطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ التَّوْحِيدُ مَجازًا فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَمِنهم مُقِيمٌ عَلى التَّوْحِيدِ، وقَوْلُ الحَسَنِ: أيُّ مُؤْمِنٍ يَعْرِفُ حَقَّ اللَّهِ تَعالى في هَذِهِ النِّعْمَةِ يَرْجِعُ إلى هَذا، وقِيلَ: مُقْتَصِدٌ مِنَ الِاقْتِصادِ بِمَعْنى التَّوَسُّطِ والِاعْتِدالِ.
والمُرادُ حِينَئِذٍ عَلى ما قِيلَ: مُتَوَسِّطٌ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ مُوفٍ بِما عاهَدَ عَلَيْهِ اللَّهَ تَعالى في البَحْرِ، وتَفْسِيرُهُ بِمُوفٍ بِعَهْدِهِ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ويَدْخُلُ في هَذا البَعْضِ عَلى هَذا المَعْنى عِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ.
فَقَدْ رَوى السُّدِّيُّ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أبِيهِ قالَ: «لَمّا كانَ فَتْحُ مَكَّةَ أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ النّاسَ أنْ يَكُفُّوا عَنْ قَتْلِ أهْلِها إلّا أرْبَعَةَ نَفَرٍ مِنهُمْ، قالَ: اقْتُلُوهم وإنْ وجَدْتُمُوهم مُتَعَلِّقِينَ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، عِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ، وقَيْسُ بْنُ ضُبابَةَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي سَرْحٍ.
فَأمّا عِكْرِمَةُ فَرَكِبَ البَحْرَ، فَأصابَتْهم رِيحٌ عاصِفَةٌ، فَقالَ أهْلُ السَّفِينَةِ: أخْلِصُوا، فَإنَّ آلِهَتَكم لا تُغْنِي عَنْكم شَيْئًا ها هُنا، فَقالَ عِكْرِمَةُ: لَئِنْ لَمْ يُنْجِنِي في البَحْرِ إلّا الإخْلاصُ ما يُنْجِنِي في البَرِّ غَيْرُهُ. اللَّهُمَّ إنَّ لَكَ عَلَيَّ عَهْدًا إنْ أنْتَ عافَيْتَنِي مِمّا أنا فِيهِ أنْ آتِيَ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى أضَعَ يَدِي في يَدِهِ فَلَأجِدَنَّهُ عَفُوًّا كَرِيمًا، فَجاءَ وأسْلَمَ،» وقِيلَ: مُتَوَسِّطٌ في الكُفْرِ لِانْزِجارِهِ بِما شاهَدَهُ بَعْضَ الِانْزِجارِ.
وقِيلَ: مُتَوَسِّطٌ في الإخْلاصِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ في البَحْرِ، فَإنَّ الإخْلاصَ الحادِثَ عِنْدَ الخَوْفِ قَلَّما يَبْقى لِأحَدٍ عِنْدَ زَوالِ الخَوْفِ. وأيًّا ما كانَ، فالظّاهِرُ أنَّ المُقابِلَ لِقَسَمِ المُقْتَصِدِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلا كُلُّ خَتّارٍ﴾ والآيَةُ دَلِيلُ ابْنِ مالِكٍ ومَن وافَقَهُ عَلى جَوازِ دُخُولِ الفاءِ في جَوابِ لَمّا، ومَن لَمْ يُجَوِّزْ قالَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ انْقَسَمُوا قِسْمَيْنِ، فَمِنهم مُقْتَصِدٌ، ومِنهم جاحِدٌ، والخَتّارُ مِنَ الخَتْرِ، وهو أشَدُّ الغَدْرِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: إنَّكَ لا تَمُدُّ لَنا شِبْرًا مِن غَدْرٍ إلّا مَدَدْنا لَكَ باعًا مِن غَدْرٍ، وبِنَحْوِ ذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لِابْنِ الأزْرَقِ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
لَقَدْ عَلِمَتْ واسْتَيْقَنَتْ ذاتُ نَفْسِها بِأنْ لا تَخافَ الدَّهْرَ صَرْمِي ولا خَتْرِي
ونَحْوُهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ:
وإنَّكَ لَوْ رَأيْتَ أبا عُمَيْرٍ ∗∗∗ مَلَأْتَ يَدَيْكَ مِن غَدْرٍ وخَتْرِ
وفِي مُفْرَداتِ الرّاغِبِ: الخَتْرُ غَدْرٌ يَخْتُرُ فِيهِ الإنْسانُ أيْ يَضْعُفُ، ويُكْسَرُ لِاجْتِهادِهِ فِيهِ، أيْ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا ويَكْفُرُ بِها إلّا كُلُّ غَدّارٍ أشَدَّ الغَدْرِ، لِأنَّ كُفْرَهُ نَقْضٌ لِلْعَهْدِ الفِطْرِيِّ، وقِيلَ: لِأنَّهُ نَقْضٌ لِما عاهَدَ اللَّهَ تَعالى عَلَيْهِ في البَحْرِ مِنَ الإخْلاصِ لَهُ عَزَّ وجَلَّ، ﴿كَفُورٍ﴾ مُبالِغٌ في كُفْرانِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى، ( وخَتّارٌ ) مُقابِلٌ لِصَبّارٍ
صفحة 107
لِأنَّ مَن غَدَرَ لَمْ يَصْبِرْ عَلى العَهْدِ، وكَفُورٌ مُقابِلٌ لِشَكُورٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences