Al-AlusiAs‑Sajdah · 32:5–10

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

As-Sajdah 32:5–10

32:5Page 415

يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ يَعۡرُجُ إِلَيۡهِ فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥٓ أَلۡفَ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ ٥

He arranges [each] matter from the heaven to the earth; then it will ascend to Him in a Day, the extent of which is a thousand years of those which you count.

﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ قِيلَ: أيْ أمْرَ الدُّنْيا وشُؤُونَها، وأصْلُ التَّدْبِيرِ النَّظَرُ في دابِرِ الأمْرِ والتَّفَكُّرُ فِيهِ لِيَجِيءَ مَحْمُودَ العاقِبَةِ، وهو في حَقِّهِ عَزَّ وجَلَّ مَجازٌ عَنْ إرادَةِ الشَّيْءِ عَلى وجْهِ الإتْقانِ ومُراعاةِ الحِكْمَةِ، والفِعْلُ مُضَمَّنٌ مَعْنى الإنْزالِ، والجارّانِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ﴾ مُتَعَلِّقانِ بِهِ، (ومِنَ) ابْتِدائِيَّةٌ، (وإلى) انْتِهائِيَّةٌ، أيْ يُرِيدُهُ تَعالى عَلى وجْهِ الإتْقانِ ومُراعاةِ الحِكْمَةِ مُنَزِّلًا لَهُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، وإنْزالُهُ مِنَ السَّماءِ بِاعْتِبارِ أسْبابِهِ، فَإنَّ أسْبابَهُ سَماوِيَّةٌ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وغَيْرِهِمْ، ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ﴾ أيْ يَصْعَدُ ويَرْتَفِعُ ذَلِكَ الأمْرُ بَعْدَ تَدْبِيرِهِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا العُرُوجُ مَجازٌ عَنْ ثُبُوتِهِ في عِلْمِهِ تَعالى، أيْ تَعَلَّقَ عِلْمُهُ سُبْحانَهُ بِهِ تَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا بِأنْ يَعْلَمَهُ جَلَّ وعَلا مَوْجُودًا بِالفِعْلِ، أوْ عَنْ كِتابَتِهِ في صُحُفِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ القائِمِينَ بِأمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ مَوْجُودًا كَذَلِكَ، ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ أيْ في بُرْهَةٍ مُتَطاوِلَةٍ مِنَ الزَّمانِ فَلَيْسَ المُرادُ حَقِيقَةَ العَدَدِ، وعَبَّرَ عَنِ المُدَّةِ المُتَطاوِلَةِ بِالألْفِ لِأنَّها مُنْتَهى المَراتِبِ وأقْصى الغاياتِ، ولَيْسَ مَرْتَبَةٌ فَوْقَها إلّا ما يَتَفَرَّعُ مِنها مِن أعْدادِ مَراتِبِها، والفِعْلانِ مُتَنازِعانِ في الجارِّ والمَجْرُورِ، وقَدْ أُعْمِلَ الثّانِي مِنهُما فِيهِ، فَتُفِيدُ الآيَةُ طُولَ امْتِدادِ الزَّمانِ بَيْنَ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ سُبْحانَهُ بِوُجُودِ الحَوادِثِ في أوْقاتِها مُتْقَنَةً مُراعًى فِيها الحِكْمَةُ، وبَيْنَ وُجُودِها كَذَلِكَ، وظاهِرُها يَقْتَضِي أنَّ وُجُودَها لا يَتَوَقَّفُ عَلى تَعَلُّقِ الإرادَةِ مَرَّةً أُخْرى، بَلْ يَكْفِي فِيهِ التَّعَلُّقُ السّابِقُ، وقِيلَ: ( في يَوْمٍ ) مُتَعَلِّقٌ (بِيَعْرُجُ)، ولَيْسَ الفِعْلانِ مُتَنازِعَيْنِ فِيهِ، والمُرادُ بِعُرُوجِ الأمْرِ إلَيْهِ بَعْدَ تَدْبِيرِهِ سُبْحانَهُ إيّاهُ وُصُولُ خَبَرِ وُجُودِهِ بِالفِعْلِ، كَما دَبَّرَ جَلَّ وعَلا بِواسِطَةِ المَلَكِ، وعَرْضُهُ ذَلِكَ في حَضْرَةٍ قَدْ أعَدَّها سُبْحانَهُ لِلِاخْتِبارِ، بِما هو جَلَّ جَلالُهُ أعْلَمُ بِهِ إظْهارًا لِكَمالِ عَظَمَتِهِ تَبارَكَ وتَعالى، وعَظِيمِ سَلْطَنَتِهِ جَلَّتْ سَلْطَنَتُهُ وهَذا كَعَرْضِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أعْمالَ العِبادِ الوارِدِ في الأخْبارِ، وألْفُ سَنَةٍ عَلى حَقِيقَتِها، وهي مَسافَةُ ما بَيْنَ الأرْضِ، ومُحَدَّبِ السَّماءِ الدُّنْيا بِالسَّيْرِ المَعْهُودِ لِلْبَشَرِ، فَإنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، وثُخْنُ السَّماءِ كَذَلِكَ، كَما جاءَ في الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ، والمَلَكُ يَقْطَعُ ذَلِكَ في زَمانٍ يَسِيرٍ، فالكَلامُ عَلى التَّشْبِيهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يُرِيدُ تَعالى الأمْرَ مُتْقَنًا مُراعًى فِيهِ الحِكْمَةُ بِأسْبابٍ سَماوِيَّةٍ نازِلَةٍ آثارُها وأحْكامُها إلى الأرْضِ، فَيَكُونُ كَما أرادَ سُبْحانَهُ، فَيَعْرُجُ ذَلِكَ الأمْرُ مَعَ المَلَكِ، ويَرْتَفِعُ خَبَرُهُ إلى حَضْرَتِهِ سُبْحانَهُ في زَمانٍ هو كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ، وقِيلَ: العُرُوجُ إلَيْهِ تَعالى صُعُودُ خَبَرِ الأمْرِ مَعَ المَلَكِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ كَما هو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، والضَّحّاكِ والفِعْلانِ مُتَنازِعانِ في ( يَوْمٍ )، والمُرادُ أنَّهُ زَمانُ تَدْبِيرِ الأمْرِ، لَوْ دَبَّرَهُ البَشَرُ، وزَمانُ العُرُوجِ لَوْ كانَ مِنهم أيْضًا

صفحة 121

وإلّا فَزَمانُ التَّدْبِيرِ والعُرُوجِ يَسِيرٌ، وقِيلَ: المَعْنى: يُدَبِّرُ أمْرَ الدُّنْيا بِإظْهارِهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَيَنْزِلُ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، ثُمَّ يَرْجِعُ المَلَكُ أوِ الأمْرُ مَعَ المَلَكِ إلَيْهِ تَعالى في زَمانٍ هو نَظَرًا لِلنُّزُولِ والعُرُوجِ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ، وأُرِيدَ بِهِ مِقْدارُ ما بَيْنَ الأرْضِ ومُقَعَّرِ سَماءِ الدُّنْيا ذَهابًا وإيابًا، والظّاهِرُ أنَّ ( يُدَبِّرُ ) عَلَيْهِ مُضَمَّنٌ مَعْنى الإنْزالِ، والجارّانِ مُتَعَلِّقانِ بِهِ، لا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ فَيَنْزِلُ بِهِ المَلَكُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ كَما قِيلَ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ضَمِيرَ ( إلَيْهِ ) لِلسَّماءِ، وهي قَدْ تُذَكَّرُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المُزَّمِّلُ: 18]، وقِيلَ: المَعْنى يُدَبِّرُ سُبْحانَهُ أمْرَ الدُّنْيا كُلِّها مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ لِكُلِّ يَوْمٍ مِن أيّامِ الرَّبِّ جَلَّ شَأْنُهُ، وهو ألْفُ سَنَةٍ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [الحَجُّ: 47]، ثُمَّ يَصِيرُ إلَيْهِ تَعالى، ويُثْبِتُ عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ ويَكْتُبُ في صُحُفِ مَلائِكَتِهِ جَلَّ وعَلا كُلَّ وقْتٍ مِن أوْقاتِ هَذِهِ المُدَّةِ ما يَرْتَفِعُ مِن ذَلِكَ الأمْرِ، ويَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ إلى أنْ تَبْلُغَ المُدَّةُ آخِرَها، ثُمَّ يُدَبِّرُ أيْضًا لِيَوْمٍ آخَرَ، وهَلُمَّ جَرّا، إلى أنَّ تَقُومَ السّاعَةُ، ويُشِيرَ إلى هَذا ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: إنَّهُ تَعالى يُدَبِّرُ ويُلْقِي إلى المَلائِكَةِ أُمُورَ ألْفِ سَنَةٍ مِن سِنِينِنا، وهو اليَوْمُ عِنْدَهُ تَعالى، فَإذا فَرَغَتْ ألْقى إلَيْهِمْ مِثْلَها، وعَلَيْهِ الأمْرُ بِمَعْنى الشَّأْنِ، والجارّانِ مُتَعَلِّقانِ بِهِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ حالٍ مِنهُ، ولا تَضْمِينَ في ( يُدَبِّرُ )، والعُرُوجُ إلَيْهِ تَعالى مَجازٌ عَنْ ثُبُوتِهِ، وكَتْبِهِ في صُحُفِ المَلائِكَةِ، ( وألْفَ سَنَةٍ )، عَلى ظاهِرِهِ، ( وفي يَوْمٍ ) يَتَعَلَّقُ بِالفِعْلَيْنِ، وأُعْمِلَ الثّانِي كَأنَّهُ قِيلَ: يُدَبِّرُ الأمْرَ لِيَوْمٍ مِقْدارُهُ كَذا، ثُمَّ يُعْرَجُ إلَيْهِ تَعالى فِيهِ كَما تَقُولُ: قَصَدْتُ ونَظَرْتُ في الكِتابِ، أيْ قَصَدْتُ إلى الكِتابِ، ونَظَرْتُ فِيهِ، ولا يُمْنَعُ اخْتِلافُ الصِّلَتَيْنِ مِنَ التَّنازُعِ، وتَكْرارُ التَّدْبِيرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ العُدُولُ إلى المُضارِعِ مَعَ أنَّ الأمْرَ ماضٍ كَأنَّهُ قِيلَ: يُجَدِّدُ هَذا الأمْرَ مُسْتَمِرًّا، وقِيلَ: المَعْنى يُدَبِّرُ أمْرَ الدُّنْيا مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ، ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ تَعالى ذَلِكَ الأمْرُ كُلُّهُ أيْ يَصِيرُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لِيَحْكُمَ فِيهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وعَلَيْهِ الأمْرُ بِمَعْنى الشَّأْنِ، والجارّانِ مُتَعَلِّقانِ بِهِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ حالٍ لَهُ كَما في سابِقِهِ، والعُرُوجُ إلَيْهِ تَعالى الصَّيْرُورَةُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، لا لِيُثْبِتَ في صُحُفِ المَلائِكَةِ بَلْ لِيَحْكُمَ جَلَّ وعَلا فِيهِ.

( وفي يَوْمٍ ) مُتَعَلِّقٌ بِالعُرُوجِ ولا تَنازُعَ، والمُرادُ بِيَوْمٍ مِقْدارُهُ كَذا يَوْمُ القِيامَةِ، ولا يُنافِي هَذا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المَعارِجُ: 4]، بِناءً عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ فِيهِ، لِتَفاوُتِ الِاسْتِطالَةِ عَلى حَسَبِ الشِّدَّةِ، أوْ لِأنَّ ثَمَّ خَمْسِينَ مَوْطِنًا، كُلُّ مَوْطِنٍ ألْفُ سَنَةٍ، وقِيلَ: المَعْنى: يَنْزِلُ الوَحْيُ مَعَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَيْهِ تَعالى ما كانَ مِن قَبُولِهِ، أوْ رَدِّهِ مَعَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في يَوْمٍ مِقْدارُ مَسافَةِ السَّيْرِ فِيهِ ألْفُ سَنَةٍ، وهو ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ هُبُوطًا وصُعُودًا، فالأمْرُ عَلَيْهِ مُرادٌ بِهِ الوَحْيُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ﴾ [غافِرٌ: 15]، والعُرُوجُ إلَيْهِ تَعالى عِبارَةٌ عَنْ خَبَرِ القَبُولِ والرَّدِّ مَعَ عُرُوجِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والتَّدْبِيرِ والعُرُوجِ في اليَوْمِ، لَكِنْ عَلى التَّوَسُّعِ والتَّوْزِيعِ، فالفِعْلانِ مُتَنازِعانِ في الظَّرْفِ، ولَكِنْ لا اخْتِلافَ في الصِّلَةِ، ولا تُنافِي الآيَةُ عَلى هَذا قَوْلَهُ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ بِناءً عَلى الوَجْهِ الآخَرِ فِيهِ، وسَتَعْرِفُهُما إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، لِأنَّ العُرُوجَ فِيهِ إلى العَرْشِ، وفِيها إلى السَّماءِ الدُّنْيا، وكِلاهُما عُرُوجٌ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى التَّجَوُّزِ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالأمْرِ المَأْمُورُ بِهِ مِنَ الطّاعاتِ والأعْمالِ الصّالِحاتِ، والمَعْنى: يُنْزِلُ سُبْحانَهُ ذَلِكَ مُدَبَّرًا مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، ثُمَّ لا يُعْمَلُ بِهِ، ولا يَصْعَدُ إلَيْهِ تَعالى ذَلِكَ المَأْمُورُ بِهِ خالِصًا يَرْتَضِيهِ إلّا في مُدَّةٍ مُتَطاوِلَةٍ لِقِلَّةِ الخُلَّصِ مِنَ العِبادِ، وعَلَيْهِ ( يُدَبِّرُ ) مُضَمَّنٌ مَعْنى الإنْزالِ، (ومِن وإلى) مُتَعَلِّقانِ بِهِ، ومَعْنى العُرُوجِ الصُّعُودُ كَما في قَوْلِهِ

صفحة 122

تَعالى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطِرٌ: 10]، والغَرَضُ مِنَ الألِفِ اسْتِطالَةُ المُدَّةِ، والمَعْنى اسْتِقْلالُ عِبادَةِ الخُلَّصِ، واسْتِطالَةُ مُدَّةِ ما بَيْنَ التَّدْبِيرِ والوُقُوعِ، ( وثُمَّ ) لِلِاسْتِبْعادِ، واسْتُدِلَّ لِهَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ تَعالى إثْرَ ذَلِكَ: ( قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ ) [الأعْرافُ: 10، المُؤْمِنُونَ: 78، السَّجْدَةُ: 9]، لِأنَّ الكَلامَ بَعْضُهُ مَرْبُوطٌ بِالبَعْضِ، وقِلَّةُ الشُّكْرِ مَعَ وُجُودِ تِلْكَ الإنْعاماتِ دالَّةٌ عَلى الِاسْتِقْلالِ المَذْكُورِ.

وقِيلَ: المَعْنى: يُدَبِّرُ أُمُورَ الشَّمْسِ في طُلُوعِها مِنَ المَشْرِقِ، وغُرُوبِها في المَغْرِبِ، ومَدارِها في العالَمِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، وزَمانِ طُلُوعِها إلى أنْ تَغْرُبَ، وتَرْجِعَ إلى مَوْضِعِها مِنَ الطُّلُوعِ مِقْدارُهُ في المَسافَةِ ألْفُ سَنَةٍ، وهي تَقْطَعُ ذَلِكَ في يَوْمٍ ولَيْلَةٍ. هَذا ما قالُوهُ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ في بَيانِ المُرادِ مِنها، ولا يَخْفى عَلى ذِي لُبٍّ تَكَلُّفُ أكْثَرِ هَذِهِ الأقْوالِ، ومُخالَفَتُهُ لِلظّاهِرِ جَدًّا، وهي بَيْنَ يَدَيْكَ فاخْتَرْ لِنَفْسِكَ ما يَحْلُو، ويَظْهَرُ لِي أنَّ المُرادَ بِالسَّماءِ جِهَةُ العُلُوِّ، مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ﴾ [المُلْكِ: 16]، وبِعُرُوجِ الأمْرِ إلَيْهِ تَعالى صُعُودُ خَبَرِهِ، كَما سُمِعَتْ عَنِ الجَماعَةِ، ( وفي يَوْمٍ ) مُتَعَلِّقٌ بِالعُرُوجِ بِلا تَنازُعٍ، وأقُولُ: إنَّ الآيَةَ مِنَ المُتَشابِهِ وأعْتَقِدُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُدَبِّرُ أُمُورَ الدُّنْيا وشُؤُونَها، ويُرِيدُها مُتْقَنَةً، وهو سُبْحانَهُ مُسْتَوٍ عَلى عَرْشِهِ، وذَلِكَ هو التَّدْبِيرُ مِن جِهَةِ العُلُوِّ، ثُمَّ يَصْعَدُ خَبَرُ ذَلِكَ مَعَ المَلَكِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، إظْهارًا لِمَزِيدِ عَظَمَتِهِ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ، وعَظِيمِ سَلْطَنَتِهِ عَظُمَتْ سَلْطَنَتُهُ، إلى حِكَمٍ هو جَلَّ وعَلا أعْلَمُ بِها، وكُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنًى لائِقٍ بِهِ تَعالى، مُجامِعٍ لِلتَّنْزِيهِ، مُبايِنٍ لِلتَّشْبِيهِ، حَسْبَما يَقُولُهُ السَّلَفُ في أمْثالِهِ، وقَوْلُ بَعْضِهِمُ: العَرْشُ مَوْضِعُ التَّدْبِيرِ، وما دُونَهُ مَوْضِعُ التَّفْصِيلِ، وما دُونَ السَّماواتِ مَوْضِعُ التَّصْرِيفِ، فِيهِ رائِحَةٌ ما مِمّا ذَكَرْنا، وأمّا تَقْدِيرُ يَوْمِ العُرُوجِ هُنا بِألْفِ سَنَةٍ، وفي آيَةٍ أُخْرى بِخَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، فَقَدْ كَثُرَ الكَلامُ في تَوْجِيهِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ بَعْضٌ مِنهُ.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي مُلَيْكَةَ قالَ: دَخَلْتُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنا وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَيْرُوزَ مَوْلى عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَسَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ فَكَأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ اتَّهَمَهُ، فَقالَ: ما يَوْمٌ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ؟ فَقالَ: إنَّما سَألْتُكَ لِتُخْبِرَنِي، فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: هُما يَوْمانِ ذَكَرَهُما اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ، اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِهِما، وأكْرَهُ أنْ أقُولَ في كِتابِ اللَّهِ ما لا أعْلَمُ، فَضَرَبَ الدَّهْرُ مِن ضَرَباتِهِ حَتّى جَلَسْتُ إلى ابْنِ المُسَيِّبِ، فَسَألَهُ عَنْهُما إنْسانٌ، فَلَمْ يُخْبِرْ ولَمْ يَدْرِ، فَقُلْتُ: ألا أُخْبِرُكَ بِما سَمِعْتُ مِنَ ابْنِ عَبّاسٍ؟ قالَ: بَلى، فَأخْبَرْتُهُ، فَقالَ لِلسّائِلِ: هَذا ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أبى أنْ يَقُولَ فِيهِما، وهو أعْلَمُ مِنِّي.

وبَعْضُ المُتَصَوِّفَةِ يُسَمُّونَ اليَوْمَ المُقَدَّرَ بِألْفِ سَنَةٍ بِاليَوْمِ الرُّبُوبِيِّ، واليَوْمَ المُقَدَّرَ بِخَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ بِاليَوْمِ الإلَهِيِّ، ومُحْيِي الدِّينِ قُدِّسَ سِرُّهُ يُسَمِّي الأوَّلَ يَوْمَ الرَّبِّ، والثّانِيَ يَوْمَ المَعارِجِ، وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ، وأيّامًا أُخَرَ، كَيَوْمِ الشَّأْنِ، ويَوْمِ المِثْلِ، ويَوْمِ القَمَرِ، ويَوْمِ الشَّمْسِ، ويَوْمِ زُحَلَ، وأيّامِ سائِرِ السَّيّارَةِ، ويَوْمِ الحَمَلِ، وأيّامِ سائِرِ البُرُوجِ في الفُتُوحاتِ. وقَدْ سَألْتُ رَئِيسَ الطّائِفَةِ الكَشْفِيَّةِ الحادِثَةِ في عَصْرِنا في كَرْبَلاءَ عَنْ مَسْألَةٍ، فَكَتَبَ في جَوابِها ما كَتَبَ، واسْتَطْرَدَ بَيانَ إطْلاقاتِ اليَوْمِ، وعَدَّ مِن ذَلِكَ أرْبَعَةً وسِتِّينَ إطْلاقًا، مِنها إطْلاقُهُ عَلى اليَوْمِ الرُّبُوبِيِّ، وإطْلاقُهُ عَلى اليَوْمِ الإلَهِيِّ، وأطالَ الكَلامَ في ذَلِكَ المَقامِ، ولَعَلَّنا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى نَنْقُلُ لَكَ مِنهُ شَيْئًا مُعْتَدًّا بِهِ في مَوْضِعٍ آخَرَ، وسَنَذْكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى أيْضًا تَمامَ الكَلامِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المَعارِجُ: 4]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمّا تَعُدُّونَ﴾ صِفَةُ ( ألْفَ )، أوْ صِفَةُ ( سَنَةٍ) .

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «يُعْرَجُ» بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والأصْلُ يُعْرَجُ بِهِ، فَحُذِفَ الجارُّ واسْتَتَرَ الضَّمِيرُ. وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ «ثُمَّ يَعْرُجُ المَلائِكَةُ» إلَيْهِ بِزِيادَةِ المَلائِكَةِ، قالَ أبُو حَيّانَ: ولَعَلَّهُ تَفْسِيرٌ مِنهُ لِسُقُوطِهِ في سَوادِ المُصْحَفِ.

صفحة 123

وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ «يَعُدُّونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ.

32:6Page 415

ذَٰلِكَ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٦

That is the Knower of the unseen and the witnessed, the Exalted in Might, the Merciful,

﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الذّاتُ المَوْصُوفُ بِتِلْكَ الصِّفاتِ المُقْتَضِيَةِ لِلْقُدْرَةِ التّامَّةِ والحِكْمَةِ العامَّةِ ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ أيْ كُلِّ ما غابَ عَنِ الخَلْقِ، ﴿والشَّهادَةِ﴾ أيْ كُلِّ ما شاهَدَهُ الخَلْقُ، فَيُدَبِّرُ سُبْحانَهُ ذَلِكَ عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ، وقِيلَ: الغَيْبُ الآخِرَةُ والشَّهادَةُ الدُّنْيا ﴿العَزِيزُ﴾ الغالِبُ عَلى أمْرِهِ ﴿الرَّحِيمُ﴾ لِلْعِبادِ، وفِيهِ إيماءٌ بِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ مُتَفَضِّلٌ فِيما يَفْعَلُ جَلَّ وعَلا، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، والأوْصافُ الثَّلاثَةُ بَعْدَهُ أخْبارٌ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ خَبَرًا، والأخِيرانِ نَعْتانِ لِلْأوَّلِ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِخَفْضِ الأوْصافِ الثَّلاثَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الأمْرِ، مَرْفُوعُ المَحَلِّ عَلى أنَّهُ فاعِلُ ( يَعْرُجُ )، والأوْصافُ مَجْرُورَةٌ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن ضَمِيرِ ( إلَيْهِ )، وقَرَأ أبُو زَيْدٍ النَّحْوِيُّ بِخَفْضِ الوَصْفَيْنِ الأخِيرَيْنِ عَلى أنَّ ( ذَلِكَ ) إشارَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى مَرْفُوعُ المَحَلِّ عَلى الِابْتِداءِ، ( وعالِمُ ) خَبَرُهُ، والوَصْفانِ مَجْرُورانِ عَلى البَدَلِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ.

32:7Page 415

ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقَهُۥۖ وَبَدَأَ خَلۡقَ ٱلۡإِنسَٰنِ مِن طِينٖ ٧

Who perfected everything which He created and began the creation of man from clay.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ خَبَرٌ رابِعٌ أوْ نَعْتٌ ثالِثٌ، أوْ نُصِبَ عَلى المَدْحِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو الَّذِي، وكَوْنَ ( العَزِيزُ ) مُبْتَدَأً، ( والرَّحِيمُ ) صِفَتَهُ، وهَذا خَبَرَهُ، وجُمْلَةَ ( خَلَقَهُ )، في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةِ ( شَيْءٍ )، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبِ صِفَةِ ( كُلَّ )، واحْتِمالُ الِاسْتِئْنافِ بَعِيدٌ، أيْ حَسَّنَ سُبْحانَهُ كُلَّ مَخْلُوقٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ، لِأنَّهُ ما مِن شَيْءٍ مِنها إلّا وهو مُرَتَّبٌ عَلى ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ واسْتَدْعَتْهُ المَصْلَحَةُ، فَجَمِيعُ المَخْلُوقاتِ حَسَنَةٌ، وإنْ تَفاوَتَتْ في مَراتِبِ الحُسْنِ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التِّينُ: 4]، ونَفى التَّفاوُتَ في خَلْقِهِ تَعالى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ [المُلْكُ: 3]، عَلى مَعْنًى سَتَعْرِفُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى غَيْرَ مُنافٍ لِما ذُكِرَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: عَلِمَ كَيْفَ يَخْلُقُهُ مِن قَوْلِهِ: قِيمَةُ المَرْءِ ما يُحْسِنُ، وحَقِيقَتُهُ يُحْسِنُ مَعْرِفَتَهُ، أيْ يَعْرِفُهُ مَعْرِفَةً حَسَنَةً بِتَحْقِيقٍ وإيقانٍ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

وقَرَأ العَرَبِيّانِ، وابْنُ كَثِيرٍ «خَلْقَهُ» بِسُكُونِ اللّامِ، فَقِيلَ: هو بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ( كُلَّ )، والضَّمِيرُ المُضافُ إلَيْهِ لَهُ، وهو باقٍ عَلى المَعْنى المَصْدَرِيِّ، وقِيلَ: هو بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، أوْ بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى، وهو بِمَعْنى المَخْلُوقِ، وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ ثانٍ (لِأحْسَنَ) عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى أعْطى، أيْ أعْطى سُبْحانَهُ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ اللّائِقَ بِهِ بِطَرِيقِ الإحْسانِ والتَّفَضُّلِ، وقِيلَ: هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، ( وكُلَّ شَيْءٍ ) المَفْعُولُ الثّانِي، وضَمِيرُهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ عَلى تَضْمِينِ الإحْسانِ مَعْنى الإلْهامِ كَما قالَ الفَرّاءُ، أوِ التَّعْرِيفُ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، والمَعْنى، ألْهَمَ أوْ عَرَّفَ خَلْقَهُ كُلَّ شَيْءٍ مِمّا يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، فَيَؤُولُ إلى مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: 50].

واخْتارَ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ ما ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ في الكِتابِ أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ (لِأحْسَنَ) مِن مَعْناهُ، والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النَّمْلُ: 88]، ( وعْدَ اللَّهِ ) [النِّساءُ: 122 وغَيْرُها]، ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ﴾ أيْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ﴿مِن طِينٍ﴾ أوْ بَدَأ خَلْقَ هَذا الجِنْسِ المَعْرُوفِ ( مِن طِينٍ ) حَيْثُ بَدَأ خَلْقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ خَلْقًا مُنْطَوِيًا عَلى فِطْرَةِ سائِرِ أفْرادِ الجِنْسِ انْطِواءً إجْمالِيًّا مِنهُ، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ «بَدا» بِالألِفِ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ، قالَ في البَحْرِ:

ولَيْسَ القِياسُ في هَدَأ هَدا بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ألِفًا بَلْ قِياسُ هَذِهِ الهَمْزَةِ التَّسْهِيلُ بَيْنَ بَيْنَ، عَلى أنَّ الأخْفَشَ حَكى في قَرَأْتُ قَرَيْتُ، قِيلَ: وهي لُغَةُ الأنْصارِ، فَهم يَقُولُونَ في بَدَأ بَدِيَ بِكَسْرِ عَيْنِ الكَلِمَةِ وياءٍ بَعْدَها، وطَيِّئُ يَقُولُونَ في فِعْلِ هَذا نَحْوَ بَقِيَ بَقى كَرَمى، فاحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ قِراءَةُ الزُّهْرِيِّ عَلى هَذِهِ اللُّغَةِ بِأنْ يَكُونَ الأصْلُ بَدِيَ، ثُمَّ صارَ بَدا، وعَلى

صفحة 124

لُغَةِ الأنْصارِ، قالَ ابْنُ رَواحَةَ:

بِاسْمِ الإلَهِ وبِهِ بَدِينا ولَوْ عَبَدْنا غَيْرَهُ شَقِينا

32:8Page 415

ثُمَّ جَعَلَ نَسۡلَهُۥ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن مَّآءٖ مَّهِينٖ ٨

Then He made his posterity out of the extract of a liquid disdained.

﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ أيْ ذُرِّيَّتَهُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَنْسَلُّ، وتَنْفَصِلُ مِنهُ ﴿مِن سُلالَةٍ﴾ أيْ خُلاصَةٍ وأصْلُها ما يُسَلُّ ويَخْلُصُ بِالتَّصْفِيَةِ، ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ مُمْتَهَنٍ، لا يُعْتَنى بِهِ، وهو المَنِيُّ.

32:9Page 415

ثُمَّ سَوَّىٰهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِۦۖ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ ٩

Then He proportioned him and breathed into him from His [created] soul1 and made for you hearing and vision and hearts [i.e., intellect]; little are you grateful.

﴿ثُمَّ سَوّاهُ﴾ عَدَّلَهُ بِتَكْمِيلِ أعْضائِهِ في الرَّحِمِ وتَصْوِيرِها عَلى ما يَنْبَغِي، وأصْلُ التَّسْوِيَةِ جَعْلُ الأجْزاءِ مُتَساوِيَةً، ( وثُمَّ ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتَبِيِّ، أوِ الذِّكْرِيِّ، ﴿ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ أضافَ الرُّوحَ إلَيْهِ تَعالى تَشْرِيفًا لَهُ، كَما فِي: بَيْتِ اللَّهِ تَعالى، وناقَةِ اللَّهِ تَعالى، وإشْعارًا بِأنَّهُ خَلْقٌ عَجِيبٌ، وصُنْعٌ بَدِيعٌ، وقِيلَ: أضافَهُ لِذَلِكَ إيماءً إلى أنَّ لَهُ شَأْنًا لَهُ مُناسَبَةٌ ما إلى حَضْرَةِ الرُّبُوبِيَّةِ.

ومِن هُنا قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: مَن عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ، ونَفْخُ الرُّوحِ قِيلَ: مَجازٌ عَنْ جَعْلِها مُتَعَلِّقَةً بِالبَدَنِ، وهو أوْفَقُ بِمَذْهَبِ القائِلِينَ بِتَجَرُّدِ الرُّوحِ وأنَّها غَيْرُ داخِلَةٍ في البَدَنِ مِنَ الفَلاسِفَةِ، وبَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ كَحُجَّةِ الإسْلامِ الغَزالِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، وقِيلَ: هو عَلى حَقِيقَتِهِ، والمُباشِرُ لَهُ المَلَكُ المُوَكَّلُ عَلى الرَّحِمِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ القائِلُونَ بِأنَّ الرُّوحَ جِسْمٌ لَطِيفٌ كالهَواءِ، سارَ في البَدَنِ سَرَيانَ ماءِ الوَرْدِ في الوَرْدِ والنّارِ في الجَمْرِ، وهو الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ ظَواهِرُ الأخْبارِ، وأقامَ العَلّامَةُ ابْنُ القَيِّمِ عَلَيْهِ نَحْوَ مِائَةِ دَلِيلٍ.

﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ التِفاتٌ إلى الخِطابِ لا يَخْفى مَوْقِعُ ذِكْرِهِ بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ، وتَشْرِيفُهُ بِخِلْعَةِ الخِطابِ حِينَ صَلَحَ لِلْخِطابِ، والجَعْلُ إبْداعِيٌّ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، والتَّقَدُّمُ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ، والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، مَعَ ما فِيهِ مِن نَوْعِ طُولٍ يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وتَقْدِيمُ السَّمْعِ لِكَثْرَةِ فَوائِدِهِ، فَإنَّ أكْثَرَ أُمُورِ الدِّينِ لا تُعْلَمُ إلّا مِن جِهَتِهِ، وأُفْرِدَ لِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ.

وقِيلَ: لِلْإيماءِ إلى أنَّ مُدْرِكَهُ نَوْعٌ واحِدٌ، وهو الصَّوْتُ بِخِلافِ البَصَرِ، فَإنَّهُ يُدْرِكُ الضَّوْءَ واللَّوْنَ والشَّكْلَ والحَرَكَةَ والسُّكُونَ، وبِخِلافِ الفُؤادِ فَإنَّهُ يُدْرِكُ مُدْرَكاتِ الحَواسِّ بِواسِطَتِها، وزِيادَةٌ عَلى ذَلِكَ، أيْ خَلَقَ لِمَنفَعَتِكم تِلْكَ المَشاعِرَ لِتَعْرِفُوا أنَّها مَعَ كَوْنِها في أنْفُسِها نِعَمًا جَلِيلَةً لا يُقادَرُ قَدْرَها وسائِلُ إلى التَّمَتُّعِ بِسائِرِ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ الفائِضَةِ عَلَيْكُمْ، وتَشْكُرُوها بِأنْ تَصْرِفُوا كُلًّا مِنها إلى ما خُلِقَ هو لَهُ، فَتُدْرِكُوا بِسَمْعِكُمُ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةَ النّاطِقَةَ بِالتَّوْحِيدِ والبَعْثِ وبِأبْصارِكُمُ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ الشّاهِدَةِ بِهِما، وتَسْتَدِلُّوا بِأفْئِدَتِكم عَلى حَقِّيَّتِهِما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ بَيانٌ لِكُفْرِهِمْ بِتِلْكَ النِّعَمِ بِطَرِيقِ الِاعْتِراضِ التَّذْيِيلِيِّ، والقِلَّةُ بِمَعْنى النَّفْيِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ ما بَعْدَهُ.

ونُصِبَ الوَصْفُ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ وقَعَ مَعْمُولًا (لِتَشْكُرُونَ)، أيْ شُكْرًا قَلِيلًا تَشْكُرُونَ، أوْ زَمانًا قَلِيلًا تَشْكُرُونَ.

واسْتَظْهَرَ الخَفاجِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ كَوْنَ الجُمْلَةِ حالِيَّةً لا اعْتِراضِيَّةً.

32:10Page 415

وَقَالُوٓاْ أَءِذَا ضَلَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ أَءِنَّا لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدِۭۚ بَلۡ هُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمۡ كَٰفِرُونَ ١٠

And they say, "When we are lost [i.e., disintegrated] within the earth, will we indeed be [recreated] in a new creation?" Rather, they are, in the meeting with their Lord, disbelievers.

﴿وقالُوا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أباطِيلِهِمْ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ إيذانًا بِأنَّ ما ذُكِرَ مِن عَدَمِ شُكْرِهِمْ تِلْكَ النِّعَمِ مُوجِبٌ لِلْإعْراضِ عَنْهُمْ، وتَعْدِيدِ جِناياتِهِمْ لِغَيْرِهِمْ بِطَرِيقِ المُباثَّةِ، ورُوِيَ أنَّ القائِلَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ فَضَمِيرُ الجَمْعِ لِرِضا الباقِينَ بِقَوْلِهِ ﴿أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ أيْ ضِعْنا فِيها بِأنْ صِرْنا تُرابًا مَخْلُوطًا بِتُرابِها بِحَيْثُ لا نَتَمَيَّزُ مِنهُ، فَهو مِن ضَلَّ المَتاعُ إذا ضاعَ، أوْ غِبْنا فِيها بِالدَّفْنِ، وإنْ لَمْ نَصِرْ تُرابًا، وإلَيْهِ ذَهَبَ قُطْرُبٌ، وأنْشَدَ قَوْلَ النّابِغَةِ يَرْثِي النُّعْمانَ بْنَ المُنْذِرِ:

وآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ وغُودِرَ بِالجُولانِ حَزْمٌ ونائِلُ

صفحة 125

وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو رَجاءٍ، وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ «ضَلِلْنا» بِكَسْرِ اللّامِ، ويُقالُ: ضَلَّ يَضِلُّ كَضَرَبَ يَضْرِبُ، وضَلَّ يَضِلُّ كَعَلِمَ يَعْلَمُ، وهُما بِمَعْنًى، والأوَّلُ اللُّغَةُ المَشْهُورَةُ الفَصِيحَةُ وهي لُغَةُ نَجْدٍ، والثّانِي لُغَةُ أهْلِ العالِيَةِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: (ضُلِلْنا) بِضَمِّ الضّادِ المُعْجَمَةِ وكَسْرِ اللّامِ، ورُوِيَتْ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.

وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ، وأبانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ العاصِي: «صَلَلْنا» بِالصّادِّ المُهْمَلَةِ وفَتْحِ اللّامِ، ونُسِبَتْ إلى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ. وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وعَنِ الحَسَنِ: أنَّهُ كَسَرَ اللّامَ، ويُقالُ فِيهِ نَحْوُ ما يُقالُ في ضَلَّ بِالضّادِ المُعْجَمَةِ، وزِيادَةِ أصَلَّ بِالهَمْزَةِ كَأفْعَلَ، قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى صِرْنا بَيْنَ الصِّلَةِ، وهي الأرْضُ اليابِسَةُ الصُّلْبَةُ كَأنَّها مِنَ الصَّلِيلِ، لِأنَّ اليابِسَ الصُّلْبَ إذا انْشَقَّ يَكُونُ لَهُ صَلِيلٌ. وقِيلَ: أنْتَنّا مِنَ الصِّلَةِ، وهو النَّتْنُ، وقِيلَ لِلْأرْضِ الصِّلَةُ لِأنَّها اسْتُ الدُّنْيا، وتَقُولُ العَرَبُ ضَعِ الصِّلَةَ عَلى الصِّلَةِ، وقالَ النَّحّاسُ: لا نَعْرِفُ في اللُّغَةِ صَلَلْنا، ولَكِنْ يُقالُ: أصَلَّ اللَّحْمُ وصَلَّ، وأخَمَّ وخَمَّ إذا نَتَنَ، وهَذا غَرِيبٌ مِنهُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «إذا» بِتَرْكِ الِاسْتِفْهامِ، والمُرادُ الإخْبارُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّهَكُّمِ، والعامِلُ في «إذا» ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وهو نُبْعَثُ، أوْ يُجَدَّدُ خَلْقُنا، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ هو العامِلَ لِمَكانِ الِاسْتِفْهامِ، وإنْ وُكِّلَ مِنهُما لا يَعْمَلُ ما بَعْدَهُ فِيما قَبْلَهُ، ويُعْتَبَرُ ما ذُكِرَ مِن نُبْعَثُ أوْ يُجَدَّدُ خَلْقُنا جَوابًا (لِإذا)، إذا اعْتُبِرَتْ شَرْطِيَّةً لا ظَرْفِيَّةً مَحْضَةً، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والمُرادُ تَأْكِيدُ الإنْكارِ لا إنْكارُ التَّأْكِيدِ، كَما هو المُتَبادِرُ مِن تَقْدِيمِها عَلى أداتِهِ، فَإنَّها مُؤَخَّرَةٌ عَنْها في الِاعْتِبارِ، وتَقْدِيمُها عَلَيْها لِقُوَّةِ اقْتِضائِها الصَّدارَةَ.

وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ «إنّا» بِتَرْكِ الِاسْتِفْهامِ عَلى نَحْوِ ما ذُكِرَ آنِفًا، ﴿بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ عَنْ بَيانِ كُفْرِهِمْ بِالبَعْثِ إلى بَيانِ ما هو أبْلَغُ، وأشْنَعُ مِنهُ، وهو كُفْرُهم بِلِقاءِ مَلائِكَةِ رَبِّهِمْ عِنْدَ المَوْتِ، وما يَكُونُ بَعْدَهُ جَمِيعًا، وقِيلَ: هو إضْرابٌ وتَرَقٍّ مِنَ التَّرَدُّدِ في البَعْثِ واسْتِبْعادِهِ إلى الجَزْمِ بِجَحْدِهِ بِناءً عَلى أنَّ لِقاءَ الرَّبِّ كِنايَةٌ عَنِ البَعْثِ، ولا يَضُرُّ فِيهِ عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ كَوْنُ الِاسْتِفْهامِ السّابِقِ إنْكارِيًّا، وهو يُؤَوَّلُ إلى الجَحْدِ، فَتَأمَّلْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском