Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
As-Sajdah 32:16–21
32:16Page 416
تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ١٦
Their sides part [i.e., they arise] from [their] beds; they supplicate their Lord in fear and aspiration, and from what We have provided them, they spend.1
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَقِيَّةِ مَحاسِنِهِمْ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالِيَّةً، أوْ خَبَرًا ثانِيًا لِلْمُبْتَدَإ، والتَّجافِي البُعْدُ والِارْتِفاعُ والجُنُوبُ جَمْعُ جَنْبٍ الشُّقُوقُ، وذَكَرَ
صفحة 131
الرّاغِبُ أنَّ أصْلَ الجَنْبِ الجارِحَةُ، ثُمَّ يُسْتَعارُ في النّاحِيَةِ الَّتِي تَلِيها كَعادَتِهِمْ في اسْتِعارَةِ سائِرِ الجَوارِحِ لِذَلِكَ نَحْوِ اليَمِينِ والشِّمالِ، ( والمَضاجِعُ ) جَمْعُ المَضْجَعِ أماكِنُ الِاتِّكاءِ لِلنَّوْمِ، أيْ تَتَنَحّى وتَرْتَفِعُ جُنُوبُهم عَنْ مَواضِعِ النَّوْمِ، وهَذا كِنايَةٌ عَنْ تَرْكِهِمُ النَّوْمَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ يَصِفُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ:
نَبِيٌّ تَجافى جَنْبُهُ عَنْ فِراشِهِ إذا اسْتَثْقَلَتْ بِالمُشْرِكِينَ المَضاجِعُ
والمَشْهُورُ أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ التَّجافِي القِيامُ لِصَلاةِ النَّوافِلِ بِاللَّيْلِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، ومالِكٍ، والأوْزاعِيِّ، وغَيْرِهِمْ. وفي الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ ما يَشْهَدُ لَهُ،
أخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ في كِتابِ الصَّلاةِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: ««كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في سَفَرٍ، فَأصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنهُ، ونَحْنُ نَسِيرُ، فَقُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ ويُباعِدُنِي مِنَ النّارِ؟ قالَ: لَقَدْ سَألْتَ عَنْ عَظِيمٍ، وإنَّهُ يَسِيرٌ عَلى مَن يَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، تَعْبُدُ اللَّهَ ولا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وتُقِيمُ الصَّلاةَ، وتُؤْتِي الزَّكاةَ، وتَصُومُ رَمَضانَ، وتَحُجُّ البَيْتَ، ثُمَّ قالَ: ألا أدُلَّكَ عَلى أبْوابِ الخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ والصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ، وصَلاةُ الرَّجُلِ في جَوْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ حَتّى بَلَغَ (يَعْمَلُونَ)»» الحَدِيثَ.
وقالَ أبُو الدَّرْداءِ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ: هو أنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ العِشاءَ والصُّبْحَ في جَماعَةٍ، وعَنِ الحَسَنِ، وعَطاءٍ: هو أنْ لا يَنامَ الرَّجُلُ حَتّى يُصَلِّيَ العِشاءَ، أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ قالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ نَزَلَتْ في انْتِظارِ الصَّلاةِ الَّتِي تُدْعى العَتَمَةَ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ قالَ فِيها: «نَزَلَتْ فِينا مَعاشِرَ الأنْصارِ، كُنّا نُصَلِّي المَغْرِبَ، فَلا نَرْجِعُ إلى رِحالِنا حَتّى نُصَلِّيَ العِشاءَ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ،» وقِيلَ: هو أنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ المَغْرِبَ، ويُصَلِّيَ بَعْدَها إلى العَشاءِ، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، وابْنُ عَدِيٍّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ قالَ: «سَألْتُ أنَسَ بْنَ مالِكٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ قالَ: كانَ قَوْمٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ يُصَلُّونَ المَغْرِبَ، ويُصَلُّونَ بَعْدَها إلى عِشاءِ الآخِرَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ،» وقالَ قَتادَةُ، وعِكْرِمَةُ: هو أنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ، واسْتَدَلَّ لَهُ بِما أخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسى قالَ: كانَ ناسٌ مِنَ الأنْصارِ يُصَلُّونَ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: تَتَجافى جُنُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى كُلَّما اسْتَيْقَظُوا ذَكَرُوا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، إمّا في الصَّلاةِ، وإمّا في قِيامٍ، أوْ قُعُودٍ، أوْ عَلى جُنُوبِهِمْ، لا يَزالُونَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى، ورَوى نَحْوَهُ هو ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، والجُمْهُورُ عَوَّلُوا عَلى ما هو المَشْهُورُ، وفي فَضْلِ التَّهَجُّدِ ما لا يُحْصى مِنَ الأخْبارِ، وأفْضَلُهُ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ ما كانَ في الأسْحارِ.
( يَدْعُونَ رَبَّهم ) حالٌ مِن ضَمِيرِ ( جُنُوبُهم )، وقَدْ أُضِيفَ إلَيْهِ ما هو جُزْءٌ، وجُوِّزَ عَلى احْتِمالِ كَوْنِ جُمْلَةِ ﴿تَتَجافى﴾ إلَخْ حالِيَّةً أنْ تَكُونَ حالًا ثانِيَةً مِمّا جُعِلَتْ تِلْكَ حالًا مِنهُ، وعَلى احْتِمالِ كَوْنِها خَبَرًا ثانِيًا لِلْمُبْتَدَإ، أنْ تَكُونَ خَبَرًا ثالِثًا، وجُوِّزَ كَوْنُها مُسْتَأْنَفَةً، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِدُعائِهِمْ رَبَّهم سُبْحانَهُ المَعْنى المُتَبادِرُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الصَّلاةُ، ﴿خَوْفًا﴾ أيْ خائِفِينَ مِن سُخْطِهِ تَعالى، وعَذابِهِ عَزَّ وجَلَّ وعَدَمِ قَبُولِ عِبادَتِهِمْ، ﴿وطَمَعًا﴾
صفحة 132
فِي رَحْمَتِهِ تَبارَكَ وتَعالى، فالمَصْدَرانِ حالانِ مِن ضَمِيرِ ( يَدْعُونَ )، وجُوِّزَ أنْ يَكُونا مَصْدَرَيْنِ لِمُقَدَّرٍ، أيْ يَخافُونَ خَوْفًا ويَطْمَعُونَ طَمَعًا، وتَكُونُ الجُمْلَةُ حِينَئِذٍ حالًا، وأنْ يَكُونا مَفْعُولًا لَهُ، ولا يَخْفى أنَّ الآيَةَ عَلى الحالِيَّةِ أمْدَحُ.
﴿ومِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ إيّاهُ مِنَ المالِ ﴿يُنْفِقُونَ﴾ في وُجُوهِ الخَيْرِ.
32:17Page 416
فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٧
And no soul knows what has been hidden for them of comfort for eyes [i.e., satisfaction] as reward for what they used to do.
﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ﴾ أيْ كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ لا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ فَضْلًا عَمَّنْ عَداهُمْ، فَإنَّ النَّكِرَةَ في سِياقِ النَّفْيِ تَعُمُّ. والفاءُ سَبَبِيَّةٌ أوْ فَصِيحَةٌ أيْ: أُعْطَوْا فَوْقَ رَجائِهِمْ، فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ﴿ما أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ أيْ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ عُدِّدَتْ نُعُوتُهُمُ الجَلِيلَةُ ﴿مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ أيْ ما تَقَرُّ بِهِ أعْيُنٌ، وفي إضافَةِ القُرَّةِ إلى الأعْيُنِ عَلى الإطْلاقِ لا إلى أعْيُنِهِمْ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما أُخْفِيَ لَهم في غايَةِ الحُسْنِ والكَمالِ.
ورَوى الشَّيْخانِ، وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ««أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، بَلْهَ ما أطْلَعْتُكم عَلَيْهِ، اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ)»»
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّهُ لَمَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ: «لَقَدْ أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لِلَّذِينِ تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ ما لَمْ تَرَ عَيْنٌ، ولَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، ولَمْ يَخْطُرْ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ» ولا يَعْلَمُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وأنَّهُ لَفي القُرْآنِ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ)،﴾ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ جُوزُوا جَزاءً بِسَبَبِ ما كانُوا يَعْمَلُونَهُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، (فَجَزاءً) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ.
وجُوِّزَ جَعْلُها حالِيَّةً، وقِيلَ: يَجُوزُ جَعْلُهُ مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ﴾ عَلى مَعْنى مُنِعَتِ العِلْمَ لِلْجَزاءِ، أوْ لِأُخْفِيَ، فَإنَّ إخْفاءَهُ لِعُلُوِّ شَأْنِهِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: أخْفى القَوْمُ أعْمالًا في الدُّنْيا، فَأخْفى اللَّهُ تَعالى لَهم ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، أيْ أخْفى ذَلِكَ لِيَكُونَ الجَزاءُ مِن جِنْسِ العَمَلِ.
وفِي الكَشْفِ أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ﴾ رابِطَةٌ لِلْأحَقِّ بِالسّابِقِ، وأصْلُهُ فَلا يَعْلَمُونَ، والعُدُولُ لِتَعْظِيمِ الجَزاءِ، وعَدَمِ ذِكْرِ الفاعِلِ في ( أُخْفِيَ ) تَرْشِيحٌ لَهُ، لِأنَّ جازِيَهُ مَن هو العَظِيمُ وحْدَهُ، فَلا يَذْهَبُ، وهَلْ إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ اهـ، فَتَأمَّلْ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، ويَعْقُوبُ، والأعْمَشُ «أخْفِي» بِسُكُونِ الياءِ فِعْلًا مُضارِعًا لِلْمُتَكَلِّمِ، وابْنُ مَسْعُودٍ «نَخْفِي» بِنُونِ العَظَمَةِ، والأعْمَشُ أيْضًا «أخْفَيْتُ» بِالإسْنادِ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وحْدَهُ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ( أخْفى ) فِعْلًا ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.
(وما) في جَمِيعِ ذَلِكَ اسْمٌ مَوْصُولٌ مَفْعُولُ ( تَعْلَمُ )، والعِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ، والعائِدُ الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ النّائِبُ عَنِ الفاعِلِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وضَمِيرُهُ مَحْذُوفٌ عَلى غَيْرِها، وقالَ أبُو البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) اسْتِفْهامِيَّةً، ومَوْضِعُها رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، ( وأُخْفِيَ لَهم ) خَبَرُهُ عَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَ الياءَ، وعَلى قِراءَةِ مَن سَكَّنَها، وجَعْلُ ( أُخْفِيَ ) مُضارِعًا يَكُونُ (ما) في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِأخْفى، (ويَعْلَمُ) مِنهُ حالُها عَلى سائِرِ القِراءاتِ، وإذا كانَتِ اسْتِفْهامِيَّةً يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ، وأنْ يَكُونَ عَلى ظاهِرِهِ، فَيَتَعَدّى لِمَفْعُولَيْنِ تَسُدُّ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ مَسَدَّهُما، وعَلى كُلٍّ مِنَ احْتِمالَيِ المَوْصُولِيَّةِ والِاسْتِفْهامِيَّةِ فالإيهامُ لِلتَّعْظِيمِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو الدَّرْداءِ، وأبُو هُرَيْرَةَ وعَوْنٌ، والعُقَيْلِيُّ «مِن قُرّاتِ» عَلى الجَمْعِ بِالألِفِ والتّاءِ، وهي رِوايَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأبِي جَعْفَرٍ، والأعْمَشِ، وجَمْعُ المَصْدَرِ أوِ اسْمِهِ لِاخْتِلافِ أنْواعِ القُرَّةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ.
صفحة 133
32:18Page 416
أَفَمَن كَانَ مُؤۡمِنٗا كَمَن كَانَ فَاسِقٗاۚ لَّا يَسۡتَوُۥنَ ١٨
Then is one who was a believer like one who was defiantly disobedient? They are not equal.
﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا﴾ أيْ أبَعْدَ ظُهُورِ ما بَيْنَهُما مِنَ التَّبايُنِ البَيِّنِ يُتَوَهَّمُ كَوْنُ المُؤْمِنِ الَّذِي حُكِيَتْ أوْصافُهُ الفاضِلَةُ كالفاسِقِ الَّذِي ذُكِرَتْ أحْوالُهُ القَبِيحَةُ العاطِلَةُ، وأصْلُ الفِسْقِ الخُرُوجُ مِن فَسَقَتِ الثَّمَرَةُ إذا خَرَجَتْ مِن قِشْرِها، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الخُرُوجِ عَنِ الطّاعَةِ، وأحْكامِ الشَّرْعِ مُطْلَقًا، فَهو أعَمُّ مِنَ الكُفْرِ، وقَدْ يُخَصُّ بِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [النُّورُ: 55]، وكَما هُنا لِمُقابَلَتِهِ بِالمُؤْمِنِ مَعَ ما سَتَسْمَعُهُ بَعْدُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ﴿لا يَسْتَوُونَ﴾ التَّصْرِيحُ بِهِ مَعَ إفادَةِ الإنْكارِ لِنَفْيِ المُشابَهَةِ بِالمَرَّةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ، وبِناءِ التَّفْصِيلِ الآتِي عَلَيْهِ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى (مَن) كَما أنَّ الإفْرادُ فِيما سَبَقَ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِاثْنَيْنِ وهُما المُؤْمِنُ والكافِرُ، والتَّثْنِيَةُ جَمْعٌ.
32:19Page 416
أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡمَأۡوَىٰ نُزُلَۢا بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٩
As for those who believed and did righteous deeds, for them will be the Gardens of Refuge as accommodation for what they used to do.
﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى﴾ تَفْصِيلٌ لِمَراتِبِ الفَرِيقَيْنِ بَعْدَ نَفْيِ اسْتِوائِهِما، وقِيلَ: بَعْدَ ذِكْرِ أحْوالِهِما في الدُّنْيا، وأُضِيفَتِ الجِنانُ إلى المَأْوى لِأنَّها المَأْوى، والمَسْكَنُ الحَقِيقِيُّ، والدُّنْيا مَنزِلٌ مُرْتَحَلٌ عَنْهُ، لا مَحالَةَ، وقِيلَ: المَأْوى عَلَمٌ لِمَكانٍ مَخْصُوصٍ مِنَ الجِنانِ كَعَدْنٍ، وقِيلَ: جَنَّةُ المَأْوى لِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّها تَأْوِي إلَيْها أرْواحُ الشُّهَداءِ، ورُوِيَ أنَّها عَنْ يَمِينِ العَرْشِ، ولا يَخْفى ما في جَعْلِهِ عَلَمًا مِنَ البُعْدِ، وأيًّا ما كانَ فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ فِيهِ رَمْزٌ إلى ما ذُكِرَ مِن تَجافِيهِمْ عَنْ مَضاجِعِهِمُ الَّتِي هي مَأْواهم في الدُّنْيا.
وقَرَأ طَلْحَةُ «جَنَّةُ المَأْوى» بِالإفْرادِ، ﴿نُزُلا﴾ أيْ ثَوابًا، وهو في الأصْلِ ما يُعَدُّ لِلنّازِلِ مِنَ الطَّعامِ، والشَّرابِ، والصِّلَةِ، ثُمَّ عَمَّ كَلَّ عَطاءٍ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ( جَنّاتُ )، والعامِلُ فِيهِ الظَّرْفُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ نازِلٍ فَيَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ ( الَّذِينَ آمَنُوا )، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ «نُزْلًا» بِإسْكانِ الزّايِ كَما في قَوْلِهِ:
وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ ضافَنا جَعَلْنا القَنا والمُرْهَفاتِ لَهُ نُزْلا
﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ بِسَبَبِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ عَلى أنَّ (ما) مَوْصُولَةٌ، والعائِدَ مَحْذُوفٌ، والباءَ سَبَبِيَّةٌ، وكَوْنُ ذَلِكَ سَبَبًا بِمُقْتَضى فَضْلِهِ تَعالى ووَعْدِهِ عَزَّ وجَلَّ، فَلا يُنافِي حَدِيثَ ««لا يَدْخُلُ أحَدُكُمُ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ»» ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْمُقابَلَةِ، والمُعارَضَةِ، كَعَلى في نَحْوِ: بِعْتُكَ الدّارَ عَلى ألْفِ دِرْهَمٍ، أيْ فَلَهم ذَلِكَ عَلى الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَهُ.
32:20Page 416
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمۡ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ٢٠
But as for those who defiantly disobeyed, their refuge is the Fire. Every time they wish to emerge from it, they will be returned to it while it is said to them, "Taste the punishment of the Fire which you used to deny."
﴿وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ أيْ خَرَجُوا عَنِ الطّاعَةِ، فَكَفَرُوا، وارْتَكَبُوا المَعاصِيَ، ﴿فَمَأْواهُمُ﴾ أيْ فَمَسْكَنُهم ومَحَلُّهُمُ ﴿النّارُ )،﴾ وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ المَأْوى صارَ مُتَعارَفًا فِيما يَكُونُ مَلْجَأً لِلشَّخْصِ، ومُسْتَراحًا يَسْتَرِيحُ إلَيْهِ مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ، ولَوْ وهْمًا، فَإذا أُرِيدَ هُنا يَكُونُ في الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ( فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ ) [آلُ عِمْرانَ: 21، التَّوْبَةُ: 34، الِانْشِقاقُ: 24]، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْتِعْمالُ ذَلِكَ مِن بابِ المُشاكَلَةِ، لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ في أحَدِ القِسْمَيْنِ (فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى) ذَكَرَ في الآخَرِ ( فَمَأْواهُمُ النّارُ)، ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ كَوْنِ النّارِ مَأْواهُمْ، والكَلامُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكَهْفُ: 77] عَلى ما قِيلَ، والمَعْنى كُلَّما شارَفُوا الخُرُوجَ مِنها، وقَرُبُوا مِنهُ أُعِيدُوا فِيها ودُفِعُوا إلى قَعْرِها.
فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم يَضْرِبُهم لَهَبُ النّارِ فَيَرْتَفِعُونَ إلى أعْلاها حَتّى إذا قَرُبُوا مِن بابِها، وأرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها، يَضْرِبُهُمُ اللَّهَبُ فَيَهْوُونَ إلى قَعْرِها، وهَكَذا يُفْعَلُ بِهِمْ أبَدًا.
وقِيلَ: الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ، إلّا أنَّ فِيهِ حَذْفًا أيْ
صفحة 134
كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها فَخَرَجُوا مِن مُعْظَمِها أُعِيدُوا فِيها، ويُشِيرُ إلى أنَّ الخُرُوجَ مِن مُعْظَمِها قَوْلُهُ تَعالى: ( فِيها ) دُونَ إلَيْها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ هُنا عِبارَةً عَنْ خُلُودِهِمْ فِيها، وأيًّا ما كانَ، لا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ [البَقَرَةُ: 167]، ﴿وقِيلَ لَهُمْ﴾ تَشْدِيدًا عَلَيْهِمْ، وزِيادَةً في غَيْظِهِمْ.
﴿ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ﴾ أيْ بِعَذابِ النّارِ ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ عَلى الِاسْتِمْرارِ في الدُّنْيا، وأُظْهِرَتِ النّارُ مَعَ تَقَدُّمِها قَبْلُ لِزِيادَةِ التَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ، وتَعْظِيمِ الأمْرِ، وذَكَرابْنُ الحاجِبِ في أمالِيهِ وجْهًا آخَرَ لِلْإظْهارِ وهو أنَّ الجُمْلَةَ الواقِعَةَ بَعْدَ القَوْلِ حِكايَةٌ لِما يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ إرادَتِهِمُ الخُرُوجَ مِنَ النّارِ، فَلا يُناسِبُ ذَلِكَ وضْعُ الضَّمِيرِ إذْ لَيْسَ القَوْلُ حِينَئِذٍ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ ذِكْرُ النّارِ، وإنَّما ذَكَرَها سُبْحانَهُ قَبْلُ إخْبارًا عَنْ أحْوالِهِمْ، ونَظَرَ فِيهِ الطِّيبِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بِأنَّ هَذا القَوْلَ داخِلٌ أيْضًا في حَيِّزِ الإخْبارِ لِعَطْفِهِ عَلى ( أُعِيدُوا ) الواقِعِ جَوابًا لِكُلَّما، فَكَما جازَ الإضْمارُ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ جازَ فِيهِ أيْضًا، إنْ لَمْ يُقْصَدْ زِيادَةُ التَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ.
ورُدَّ بِأنَّ المانِعَ أنَّهُ حِكايَةٌ لِما يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، والأصْلُ في الحِكايَةِ أنْ تَكُونَ عَلى وفْقِ المَحْكِيِّ عَنْهُ، دُونَ تَغْيِيرٍ ولا إضْمارٍ في المَحْكِيِّ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ ذِكْرِ النّارِ فِيهِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ قَدْ يُناقَشُ فِيهِ بِأنَّ مُرادَهُ أنَّهُ يَجُوزُ رِعايَةُ المَحْكِيِّ، والحِكايَةِ، وكَما أنَّ الأصْلَ رِعايَةُ المَحْكِيِّ الأصْلُ الإضْمارُ إذا تَقَدَّمَ الذِّكْرُ، فَلا بُدَّ مِن مُرَجِّحٍ.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: أرادَ ابْنُ الحاجِبِ أنَّ الإظْهارَ هو المُناسِبُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ نَظَرًا إلى ذاتِها، ونَظَرًا إلى سِياقِها، أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّها تُقالُ مِن غَيْرِ تَقَدُّمِ ذِكْرِ النّارِ، وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّ سِياقَ الآيَةِ لِلتَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ وتَعْظِيمِ الأمْرِ، وفي الإظْهارِ مِن ذَلِكَ ما لَيْسَ في الإضْمارِ، وهَذا بَعِيدٌ مِن أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ نَظَرُ الطِّيبِيِّ، والإنْصافُ أنَّ كُلًّا مِنَ الإضْمارِ والإظْهارِ جائِزٌ، وأنَّهُ رَجَّحَ الإظْهارَ اقْتِضاءُ السِّياقِ لِذَلِكَ، ونُقِلَ عَنِ الرّاغِبِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقامَ في هَذِهِ الآيَةِ مَقامُ الضَّمِيرِ حَيْثُ ذُكِرَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في دُرَّةِ التَّنْزِيلِ: إنَّهُ تَعالى قالَ ها هُنا ﴿ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ وقالَ سُبْحانَهُ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [سَبَأٌ: 42]، فَذَكَّرَ جَلَّ وعَلا ها هُنا، وأنَّثَ سُبْحانَهُ هُناكَ، والسِّرُّ في ذَلِكَ أنَّ النّارَ ها هُنا وقَعَتْ مَوْقِعَ الضَّمِيرِ، والضَّمِيرُ لا يُوصَفُ، فَأُجْرِيَ الوَصْفُ عَلى العَذابِ المُضافِ إلَيْها، وهو مُذَكَّرٌ، وفي تِلْكَ الآيَةِ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُ النّارِ في سِياقِها، فَلَمْ تَقَعِ النّارُ مَوْقِعَ الضَّمِيرِ فَأُجْرِيَ الوَصْفُ عَلَيْها، وهي مُؤَنَّثَةٌ دُونَ العَذابِ، فَتَأمَّلْ.
32:21Page 417
وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٢١
And We will surely let them taste the nearer punishment1 short of the greater punishment that perhaps they will return [i.e., repent].
﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى﴾ أيِ الأقْرَبِ، وقِيلَ: الأقَلِّ، وهو عَذابُ الدُّنْيا، فَإنَّهُ أقْرَبُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ وأقَلُّ مِنهُ، واخْتُلِفَ في المُرادِ بِهِ، فَرَوى النَّسائِيُّ وجَماعَةٌ وصَحَّحَهُ الحاكِمُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ سُنُونَ أصابَتْهُمْ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّخَعِيِّ، ومُقاتِلٍ، ورَوى الطَّبَرانِيُّ وآخَرُونَ وصَحَّحَهُ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا أنَّهُ ما أصابَهم يَوْمَ بَدْرٍ. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِلَفْظٍ هو القَتْلُ بِالسَّيْفِ، نَحْوَ يَوْمِ بَدْرٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ القَتْلُ والجُوعُ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ، وأبُو عَوانَةَ في صَحِيحِهِ، وغَيْرُهم عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: هو مَصائِبُ الدُّنْيا، والرُّومُ، والبَطْشَةُ، والدُّخانُ، وفي لَفْظِ مُسْلِمٍ: أوِ الدُّخانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هو مَصائِبُ الدُّنْيا وأسْقامُها وبَلاياها، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ وعَنِ الضَّحّاكِ، وابْنِ زَيْدٍ بِلَفْظِ: مَصائِبُ الدُّنْيا في الأنْفُسِ والأمْوالِ، وفي مَعْناهُ ما أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنْ أبِي إدْرِيسَ الخَوْلانِيِّ قالَ: سَألْتُ عُبادَةَ بْنَ الصّامِتِ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَنُذِيقَنَّهُمْ﴾ الآيَةَ فَقالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْها فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هي المَصائِبُ والأسْقامُ والآصارُ عَذابٌ لِلْمُسْرِفِ
صفحة 135
فِي الدُّنْيا دُونَ عَذابِ الآخِرَةِ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَما هي لَنا؟ قالَ: زَكاةٌ وطَهُورٌ،» وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ الحُدُودُ.
وأخْرَجَ هُنا عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ فَسَّرَهُ بِعَذابِ القَبْرِ، وحُكِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا ﴿دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ﴾ هو عَذابُ يَوْمِ القِيامَةِ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وغَيْرِهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا خِلافَ في أنَّهُ ذَلِكَ، وفي التَّحْرِيرِ: إنَّ أكْثَرَهم عَلى أنَّ العَذابَ الأكْبَرَ عَذابُ يَوْمِ القِيامَةِ في النّارِ، وقِيلَ: هو القَتْلُ، والسَّبْيُ، والأسْرُ.
وعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ خُرُوجُ المَهْدِيِّ بِالسَّيْفِ انْتَهى.
وعَلَيْهِما يُفَسَّرُ العَذابُ الأدْنى بِالسِّنِينَ، أوِ الأسْقامِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَكُونُ أدْنى مِمّا ذُكِرَ، وعَنْ بَعْضِ أهْلِ البَيْتِ تَفْسِيرُهُ بِالدّابَّةِ والدَّجّالِ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما عَلَيْهِ الأكْثَرُ.
وإنَّما لَمْ يَقُلِ الأصْغَرُ في مُقابَلَةِ ( الأكْبَرِ )، أوِ الأبْعَدُ في مُقابَلَةِ ( الأدْنى )، لِأنَّ المَقْصُودَ هو التَّخْوِيفُ والتَّهْدِيدُ، وذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ بِالقُرْبِ، لا بِالصِّغَرِ، وبِالكِبَرِ لا بِالبُعْدِ، قالَهُ النَّيْسابُورِيُّ مُلَخِّصًا لَهُ مِن كَلامِ الإمامِ، وكَذا أوْجَبَ أبُو حَيّانَ إلّا أنَّهُ قالَ: إنَّ الأدْنى يَتَضَمَّنُ الأصْغَرَ لِأنَّهُ مُنْقَضٍ بِمَوْتِ المُعَذَّبِ، والأكْبَرَ يَتَضَمَّنُ الأبْعَدَ لِأنَّهُ واقِعٌ في الآخِرَةِ فَحَصَلَتِ المُقابَلَةُ مِن حَيْثُ التَّضَمُّنُ، وصَرَّحَ بِما هو آكَدُ في التَّخْوِيفِ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ لَعَلَّ مَن بَقِيَ مِنهم يَتُوبُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ لَعَلَّهم يُرِيدُونَ الرُّجُوعَ ويَطْلُبُونَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ [السَّجْدَةُ: 12]، وسُمِّيَتْ إرادَةُ الرُّجُوعِ رُجُوعًا كَما سُمِّيَتْ إرادَةُ القِيامِ قِيامًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائِدَةُ: 6]، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ «يُرْجَعُونَ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ انْتَهى.
وهُوَ عَلى ما حُكِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، فَيَتَعَلَّقُ ( لَعَلَّهم ) إلَخْ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى﴾ كَما في الأوَّلِ، إلّا أنَّ الرُّجُوعَ هُنالِكَ التَّوْبَةُ، وها هُنا الرُّجُوعُ إلى الدُّنْيا، ويَكُونُ مِن بابِ ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القَصَصُ: 8]، أوْ يَكُونُ التَّرَجِّي راجِعًا إلَيْهِمْ، ووَجْهُ دِلالَةِ القِراءَةِ المَذْكُورَةِ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يَصِحُّ الحَمْلُ فِيها عَلى التَّوْبَةِ، والظّاهِرُ التَّفْسِيرُ المَأْثُورُ، والقِراءَةُ لا تَأْباهُ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلَيْهِمْ لَعَلَّهم يُرْجِعُهم ذَلِكَ العَذابُ عَنِ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، و(لَعَلَّ) لِتَرَجِّي المُخاطَبِينَ كَما فَسَّرَها بِذَلِكَ سِيبَوَيْهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُها هُنا بِكَيْ، وكَأنَّ المُرادَ كَيْ نُعَرِّضَهم بِذَلِكَ لِلتَّوْبَةِ، وجَعَلَها الزَّمَخْشَرِيُّ لِتَرَجِّيهِ سُبْحانَهُ، ولِاسْتِحالَةِ حَقِيقَةِ ذَلِكَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ حَمَلَهُ عَلى إرادَتِهِ تَعالى، وأوْرَدَ عَلى ذَلِكَ سُؤالًا أجابَ عَنْهُ عَلى مَذْهَبِهِ في الِاعْتِزالِ، فَلا تَلْتَفِتْ إلَيْهِ، هَذا والآياتُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا﴾ إلى هُنا نَزَلَتْ في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، والوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ أخِي عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِأُمِّهِ أرْوى بِنْتِ كَرِيزِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ.
أخْرَجَ أبُو الفَرَجِ الأصْفَهانِيُّ في كِتابِ الأغانِي، والواحِدِيُّ، وابْنُ عَدِيٍّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والخَطِيبُ، وابْنُ عَساكِرَ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ الوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: أنا أحَدُّ مِنكَ سِنانًا، وأبْسَطُ مِنكَ لِسانًا، وأمْلَأُ لِلْكَتِيبَةِ مِنكَ، فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: اسْكُتْ، فَإنَّما أنْتَ فاسِقٌ، فَنَزَلَتْ ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا﴾ إلَخْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَ ذَلِكَ، وأخْرَجَ هَذا أيْضًا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، والوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، ولَمْ يَذْكُرْ ما جَرى.
وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، ورَجُلٍ مِن قُرَيْشٍ ولَمْ يُسَمِّهِ.
وفِي الكَشّافِ رُوِيَ في نُزُولِها «أنَّهُ شَجَرَ بَيْنَ عَلِيٍّ رَضِيَ
صفحة 136
اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، والوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ يَوْمَ بَدْرٍ كَلامٌ، فَقالَ لَهُ الوَلِيدُ: اسْكُتْ، فَإنَّكَ صَبِيٌّ أنا أشَبُّ مِنكَ شَبابًا، وأجْلَدُ مِنكَ جَلَدًا، وأذْرَبُ مِنكَ لِسانًا، وأحَدُّ مِنكَ سِنانًا، وأشْجَعُ مِنكَ جِنانًا، وأمْلَأُ مِنكَ حَشْوًا في الكَتِيبَةِ، فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: اسْكُتْ، فَإنَّكَ فاسِقٌ، فَنَزَلَتْ».
ولَمْ نَرَهُ بِهَذا اللَّفْظِ مُسْنَدًا، وقالَ الخَفاجِيُّ: قالَ ابْنُ حَجَرٍ: إنَّهُ غَلَطٌ فاحِشٌ، فَإنَّ الوَلِيدَ لَمْ يَكُنْ يَوْمَ بَدْرٍ رَجُلًا، بَلْ كانَ طِفْلًا، لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ حُضُورُ بَدْرٍ وصُدُورُ ما ذُكِرَ.
ونَقَلَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ عَنِ الشَّيْخِ ولِيِّ الدِّينِ: هو غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، فَإنَّ الوَلِيدَ يَصْغُرُ عَنْ ذَلِكَ، وأقُولُ: بَعْضُ الأخْبارِ تَقْتَضِي أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَوْلُودًا يَوْمَ بَدْرٍ أوْ كانَ صَغِيرًا جِدًّا، أخْرَجَ أبُو داوُدَ في السُّنَنِ مِن طَرِيقِ ثابِتِ بْنِ الحَجّاجِ عَنْ أبِي مُوسى عَبْدِ اللَّهِ الهَمْدانِيِّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «لَمّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَكَّةَ جَعَلَ أهْلُ مَكَّةَ يَأْتُونَهُ بِصِبْيانِهِمْ، فَيَمْسَحُ عَلى رُؤُوسِهِمْ فَأُتِيَ بِي إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنا مُخَلَّقٌ، فَلَمْ يَمَسَّنِي مِن أجْلِ الخَلُوقِ،» إلّا أنَّ ابْنَ عَبْدِ البَرِّ قالَ: إنَّ أبا مُوسى مَجْهُولٌ، وأيْضًا ذَكَرَ الزُّبَيْرُ، وغَيْرُهُ مِن أهْلِ العِلْمِ بِالسِّيَرِ أنَّ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ لَمّا خَرَجَتْ مُهاجِرَةً إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الهُدْنَةِ سَنَةَ سَبْعٍ خَرَجَ أخَواها الوَلِيدُ وعُمارَةُ لِيَرُدّاها، وهو ظاهِرٌ في أنَّهُ لَمْ يَكُنْ صَبِيًّا يَوْمَ الفَتْحِ، إذْ مَن يَكُونُ كَذَلِكَ كَيْفَ يَكُونُ مِمَّنْ خَرَجَ لِيَرُدَّ أُخْتَهُ قَبْلَ الفَتْحِ، وبَعْضُ الأخْبارِ تَقْتَضِي أنَّهُ كانَ رَجُلًا يَوْمَ بَدْرٍ، فَقَدْ ذَكَرَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في كِتابِهِ الإصابَةَ أنَّهُ قَدِمَ في فِداءِ ابْنِ عَمِّ أبِيهِ الحارِثِ بْنِ أبِي وجْرَةَ بْنِ أبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، وكانَ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ، فافْتَداهُ بِأرْبَعَةِ آلافٍ، وقالَ: حَكاهُ أهْلُ المَغازِي، ولَمْ يَتَعَقَّبْهُ بِشَيْءٍ، وسَوْقُ كَلامِهِ ظاهِرٌ في ارْتِضائِهِ، ووَجْهُ اقْتِضائِهِ ذَلِكَ أنَّ ما تَعاطاهُ مِن أفْعالِ الرِّجالِ دُونَ الصِّبْيانِ، وهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ حَجَرٍ يُخالِفُ ما ذَكَرَهُ عَنْهُ الخَفاجِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ مِمّا مَرَّ آنِفًا، ولا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صَغِيرًا ذَلِكَ اليَوْمَ صِغَرًا يُمْكِنُ مَعَهُ عادَةً الحُضُورُ، فَحَضَرَ، وجَرى ما جَرى لِأنَّ وصْفَهُ بِالفِسْقِ بِمَعْنى الكُفْرِ والوَعِيدِ عَلَيْهِ بِما سَمِعْتَ في الآياتِ مَعَ كَوْنِهِ دُونَ البُلُوغِ مِمّا لا يَكادُ يَذْهَبُ إلَيْهِ إلّا مَن يَلْتَزِمُ أنَّ التَّكْلِيفَ بِالإيمانِ إذْ ذاكَ كانَ مَشْرُوطًا بِالتَّمْيِيزِ، ولا أنْ يُقالَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِصَّةُ بَعْدَ إسْلامِهِ، وقَدْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ فاسِقٌ وهو مُسْلِمٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحُجُراتُ: 6]، فَقَدْ قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: لا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ بِتَأْوِيلِ القُرْآنِ إنَّها نَزَلَتْ فِيهِ، حَيْثُ إنَّهُ ﷺ بَعَثَهُ مُصَدِّقًا إلى بَنِي المُصْطَلِقِ فَعادَ، وأخْبَرَ أنَّهُمُ ارْتَدُّوا، ومَنَعُوا الصَّدَقَةَ، ولَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ، لِأنَّ الفِسْقَ ها هُنا بِمَعْنى الكُفْرِ، وهُناكَ لَيْسَ كَذَلِكَ، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ القَوْلَ بِأنَّها نَزَلَتْ في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ والوَلِيدِ لِكَلامٍ جَرى يَوْمَ بَدْرٍ يَقْتَضِي أنَّها مَدَنِيَّةٌ، والمُخْتارُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ خِلافُهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences