Al-AlusiAs‑Sajdah · 32:22–30

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

As-Sajdah 32:22–30

32:22Page 417

وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَآۚ إِنَّا مِنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُنتَقِمُونَ ٢٢

And who is more unjust than one who is reminded of the verses of his Lord; then he turns away from them? Indeed We, from the criminals, will take retribution.

﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها﴾ بَيانٌ إجْمالِيٌّ لِمَن قابَلَ آياتِ اللَّهِ تَعالى بِالإعْراضِ بَعْدَ بَيانِ حالِ مَن قابَلَها بِالسُّجُودِ والتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ، وكَلِمَةُ ( ثُمَّ ) لِاسْتِبْعادِ الإعْراضِ عَنْها عَقْلًا مَعَ غايَةِ وُضُوحِها وإرْشادِها إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ، كَما في قَوْلِ جَعْفَرِ بْنِ عُلَيَّةَ الحارِثِيِّ:

ولا يَكْشِفُ الغَمّاءَ إلّا ابْنُ حُرَّةٍ يَرى غَمَراتِ المَوْتِ ثُمَّ يَزُورُها

والمُرادُ أنَّ ذَلِكَ أظْلَمُ مِن كُلِّ ظالِمٍ، ﴿إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ قِيلَ: أيْ مِن كُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِالإجْرامِ، وكَسْبِ الأُمُورِ المَذْمُومَةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ المَثابَةِ، ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾ فَكَيْفَ مِمَّنْ هو أظْلَمُ مِن كُلِّ ظالِمٍ وأشَدُّ جُرْمًا مِن كُلِّ جارِمٍ، فَفي الجُمْلَةِ إثْباتُ الِانْتِقامِ مِنهُ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ.

صفحة 137

وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالمُجْرِمِ المُعْرِضُ المَذْكُورُ وقَدْ أُقِيمَ المُظْهَرُ مَقامَ المُضْمَرِ الرّاجِعِ إلى ( مَن )، بِاعْتِبارِ مَعْناها، وكانَ الأصْلُ: إنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ لِيُؤْذِنَ بِأنَّ عِلَّةَ الِانْتِقامِ ارْتِكابُ هَذا المُعْرِضِ مِثْلَ هَذا الجُرْمِ العَظِيمِ: وفَسَّرَ البَغَوِيُّ المُجْرِمِينَ هُنا بِالمُشْرِكِينَ. وقالَ الطِّيبِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بَعْدَ حِكايَتِهِ: ولا ارْتِيابَ أنَّ الكَلامَ في ذَمِّ المُعْرِضِينَ، وهَذا الأُسْلُوبُ أذَمُّ، لِأنَّهُ يُقِرُّ أنَّ الكافِرَ إذا وُصِفَ بِالظُّلْمِ، والإجْرامِ حُمِلَ عَلى نِهايَةِ كُفْرِهِ وغايَةِ تَمَرُّدِهِ، لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ كالخاتِمَةِ لِأحْوالِ المُكَذِّبِينَ القائِلِينَ: ( أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ) [السَّجْدَةُ: 3 وغَيْرُها]، والتَّخَلُّصُ إلى قِصَّةِ الكَلِيمِ مَسْلاةٌ لِقَلْبِ الحَبِيبِ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى آخِرِ ما ذَكَرَهُ فَلْيُراجَعْ.

32:23Page 417

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَلَا تَكُن فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآئِهِۦۖ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٢٣

And We certainly gave Moses the Scripture, so do not be in doubt over his meeting.1 And We made it [i.e., the Torah] guidance for the Children of Israel.

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ أيْ جِنْسَ الكِتابِ، ﴿فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ﴾ أيْ شَكٍّ. وقَرَأ الحَسَنُ «مُرْيَةٍ» بِضَمِّ المِيمِ، ﴿مِن لِقائِهِ﴾ أيْ لِقائِكَ ذَلِكَ الجِنْسِ عَلى أنَّ لِقاءَ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، وفاعِلُهُ مَحْذُوفٌ، وهو ضَمِيرُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والضَّمِيرُ المَذْكُورُ لِلْكِتابِ المُرادِ بِهِ الجِنْسُ، وإيتاءُ ذَلِكَ الجِنْسِ بِاعْتِبارِ إيتاءِ التَّوْراةِ، ولِقاؤُهُ بِاعْتِبارِ لِقاءِ القُرْآنِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النَّمْلُ: 6]، وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسْراءُ: 13]، وحَمَلَ بَعْضُهُمُ ( الكِتابَ ) عَلى العَهْدِ، أيِ الكِتابَ المَعْهُودَ وهو التَّوْراةُ، ولَمّا لَمْ يَصِحَّ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَيْهِ ظاهِرًا لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُلَقَّ عَيْنَ ذَلِكَ الكِتابِ قِيلَ:

الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ لِقاءِ مِثْلِهِ أوْ عَلى الِاسْتِخْدامِ، أوْ أنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى القُرْآنِ المَفْهُومِ مِنهُ، ولا يَخْفى ما في كُلٍّ مِنَ البُعْدِ، والمَعْنى إنّا آتَيْنا مُوسى مِثْلَ ما آتَيْناكَ مِنَ الكِتابِ، ولَقَّيْناهُ مِنَ الوَحْيِ مِثْلَ ما لَقَّيْناكَ مِنَ الوَحْيِ، فَلا تَكُنْ في شَكٍّ مِن أنَّكَ لَقِيتَ مِثْلَهُ ونَظِيرَهُ، وخُلاصَةُ ما تُؤْذِنُ بِهِ الفاءُ التَّفْرِيعِيَّةُ أنَّ مَعْرِفَتَكَ بِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أُوتِيَ التَّوْراةَ يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ سَبَبًا لِإزالَةِ الرَّيْبِ عَنْكَ في أمْرِ كِتابِكَ، ونَهْيُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ أنْ يَكُونَ في شَكٍّ المَقْصُودُ مِنهُ نَهْيُ أُمَّتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والتَّعْرِيضُ بِمَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ، وقِيلَ: المَصْدَرُ مُضافٌ إلى الفاعِلِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ هو ضَمِيرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أيْ مِن لِقائِهِ إيّاكَ ووُصُولِهِ إلَيْكَ، وفي التَّعْبِيرِ بِاللِّقاءِ دُونَ الإيتاءِ مِن تَعْظِيمِ شَأْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما لا يَخْفى عَلى المُتَدَبِّرِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ التَّعْبِيرَ بِهِ عَلى الوَجْهِ السّابِقِ مُؤْذِنٌ بِالتَّعْظِيمِ أيْضًا لَكِنْ مِن حَيْثِيَّةٍ أُخْرى فَتَدَبَّرْ.

وقِيلَ: الكِتابُ التَّوْراةُ، وضَمِيرُ ﴿لِقائِهِ﴾ عائِدٌ إلَيْهِ مِن غَيْرِ تَقْدِيرِ مُضافٍ، ولا ارْتِكابِ اسْتِخْدامٍ، (ولِقاءٌ) مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ، وفاعِلُهُ مُوسى، أيْ مِن لِقاءِ مُوسى الكِتابَ، أوْ مُضافٌ إلى فاعِلِهِ ومَفْعُولُهُ مُوسى، أيْ مِن لِقاءِ الكِتابِ مُوسى، ووُصُولِهِ إلَيْهِ، فالفاءُ مِثْلُها في قَوْلِهِ:

لَيْسَ الجَمالُ بِمِئْزَرٍ فاعْلَمْ وإنْ رُدِّيتَ بُرْدا

دَخَلَتْ عَلى الجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ بَدَلَ الواوِ اهْتِمامًا بِشَأْنِها، وعَنِ الحَسَنِ: أنَّ ضَمِيرَ ( لِقائِهِ ) عائِدٌ عَلى ما تَضَمَّنَهُ الكَلامُ مِنَ الشِّدَّةِ والمِحْنَةِ الَّتِي لَقِيَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى هَذا العِبْءَ الَّذِي أنْتَ بِسَبِيلِهِ، فَلا تَمْتَرِ أنَّكَ تَلْقى ما لَقِيَ هو مِنَ الشِّدَّةِ والمِحْنَةِ بِالنّاسِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وأبْعَدُ مِنهُ بِمَراحِلَ ما قِيلَ:

الضَّمِيرُ لِمَلَكِ المَوْتِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ أيْضًا، بَلْ يَنْبَغِي أنْ يَجِلَّ كَلامُ اللَّهِ تَعالى عَنْ مِثْلِ هَذا التَّخْرِيجِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: أيْ مِن لِقاءِ مُوسى، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ

صفحة 138

عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ قالَ كَذَلِكَ فَقِيلَ لَهُ:

أوَلَقِيَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُوسى؟ قالَ: نَعَمْ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مَن قَبْلِكَ مَن رُسُلِنا﴾ [الزُّخْرُفُ: 45]، وأرادَ بِذَلِكَ لِقاءَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إيّاهُ لَيْلَةَ الإسْراءِ كَما ذُكِرَ في الصَّحِيحَيْنِ، وغَيْرِهِما، ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ وجَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ، وقالَهُ المُبَرِّدُ حِينَ امْتَحَنَ الزَّجّاجَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وكانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ﴾ عَلى هَذا وعْدَهُ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِلِقاءِ مُوسى، وتَكُونُ الآيَةُ نازِلَةً قَبْلَ الإسْراءِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ بِالفاءِ بَدَلَ الواوِ، كَما سَمِعْتَ آنِفًا.

وجَعْلُها مُفَرَّعَةً عَلى ما قَبْلَها غَيْرُ ظاهِرٍ، وبِهَذا اعْتَرَضَ بَعْضُهم عَلى هَذا التَّفْسِيرِ، وبِالفِرارِ إلى الإعْراضِ سَلامَةٌ مِنَ الِاعْتِراضِ، وكَأنِّي بِكَ تُرَجِّحُهُ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ مِن بَعْضِ الجِهاتِ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ، ﴿وجَعَلْناهُ﴾ أيِ الكِتابَ الَّذِي آتَيْناهُ مُوسى، وقالَ قَتادَةُ أيْ وجَعَلْنا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿هُدًى﴾ أيْ هادِيًا مِنَ الضَّلالَةِ ﴿لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ خُصُّوا بِالذِّكْرِ لِما أنَّهم أكْثَرُ المُنْتَفِعِينَ بِهِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ لَمْ يَتَعَبَّدْ بِما في كِتابِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَدُ إسْماعِيلَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

32:24Page 417

وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا لَمَّا صَبَرُواْۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ ٢٤

And We made from among them leaders guiding by Our command when they were patient and [when] they were certain of Our signs.

﴿وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً﴾ قالَ قَتادَةُ: رُؤَساءَ في الخَيْرِ سِوى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: هُمُ الأنْبِياءُ الَّذِينَ كانُوا في بَنِي إسْرائِيلَ ﴿يَهْدُونَ﴾ بَقِيَّتَهم بِما في تَضاعِيفِ الكِتابِ مِنَ الحِكَمِ والأحْكامِ إلى طَرِيقِ الحَقِّ، أوْ يَهْدُونَهم إلى ما فِيهِ مِن دِينِ اللَّهِ تَعالى وشَرائِعِهِ عَزَّ وجَلَّ بِأمْرِنا إيّاهم بِأنْ يَهْدُوا، عَلى أنَّ الأمْرَ واحِدُ الأوامِرِ، وهَذا عَلى القَوْلِ بِأنَّهم أنْبِياءُ ظاهِرٌ، وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّهم لَيْسُوا بِأنْبِياءَ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ أمْرُهُ تَعالى إيّاهم بِذَلِكَ عَلى حَدِّ أمْرِ عُلَماءِ هَذِهِ الأُمَّةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ الآيَةَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الأمْرُ واحِدَ الأُمُورِ، والمُرادُ يَهْدُونَ بِتَوْفِيقِنا، ﴿لَمّا صَبَرُوا﴾ قالَ قَتادَةُ: عَلى تَرْكِ الدُّنْيا، وجَوَّزَ غَيْرُهُ أنْ يَكُونَ المُرادُ لَمّا صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ الطّاعَةِ، ومُقاساةِ الشَّدائِدِ في نُصْرَةِ الدِّينِ، ( ولَمّا ) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هي الَّتِي فِيها مَعْنى الجَزاءِ نَحْوُ: لَمّا أكْرَمْتَنِي أكْرَمْتُكَ، أيْ لَمّا صَبَرُوا جَعَلْنا أئِمَّةً، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هي الَّتِي بِمَعْنى الحِينِ الخالِيَةِ عَنْ مَعْنى الجَزاءِ، والظّاهِرُ أنَّها حِينَئِذٍ ظَرْفٌ لِجَعَلْنا، أيْ أئِمَّةً حِينَ صَبَرُوا، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَها ظَرْفًا لِيَهْدُونَ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ورُوَيْسٌ ( لِما ) بِكَسْرِ اللّامِ، وتَخْفِيفِ المِيمِ عَلى أنَّ اللّامَ لِلتَّعْلِيلِ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ لِصَبْرِهِمْ، وهو مُتَعَلِّقٌ (بِجَعَلْنا)، أوْ (بِيَهْدُونَ). وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ أيْضًا «بِما» بِالباءِ السَّبَبِيَّةِ، وما المَصْدَرِيَّةِ، أيْ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ، ﴿وكانُوا بِآياتِنا﴾ الَّتِي في تَضاعِيفِ الكِتابِ، وقِيلَ: المُرادُ بِها ما يَعُمُّ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةَ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُوقِنُونَ﴾ أيْ كانُوا يُوقِنُونَ بِها لِإمْعانِهِمْ فِيها النَّظَرَ لا بِغَيْرِها مِنَ الأُمُورِ الباطِلَةِ، وهو تَعْرِيضٌ بِكَفَرَةِ أهْلِ مَكَّةَ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ( صَبَرُوا )، فَتَكُونُ داخِلَةً في حَيِّزِ ( لَمّا )، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى ( جَعَلْنا )، وأنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ( صَبَرُوا) .

والمُرادُ كَذَلِكَ: لَنَجْعَلَنَّ الكِتابَ الَّذِي آتَيْناكَهُ، أوْ لَنَجْعَلَنَّكَ هُدًى لِأُمَّتِكَ ولَنَجْعَلَنَّ مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ مِثْلَ تِلْكَ الهِدايَةِ.

32:25Page 417

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ٢٥

Indeed, your Lord will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.

﴿إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ﴾ أيْ يَقْضِي ﴿بَيْنَهُمْ﴾ قِيلَ: بَيْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأُمَمِهِمْ،

صفحة 139

وقِيلَ: بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والمُشْرِكِينَ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فَيُمَيِّزُ سُبْحانَهُ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ، ﴿فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ مِن أُمُورِ الدِّينِ.

32:26Page 417

أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٍۚ أَفَلَا يَسۡمَعُونَ ٢٦

Has it not become clear to them how many generations We destroyed before them, [as] they walk among their dwellings? Indeed in that are signs; then do they not hear?

﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مَنَوِيٍّ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، ويُناسِبُ المَعْطُوفَ مَعْنًى عَلى ما اخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وفِعْلُ الهِدايَةِ إمّا مِن قَبِيلِ: فُلانٌ يُعْطِي، في أنَّ المُرادَ إيقاعُ نَفْسِ الفِعْلِ بِلا مُلاحَظَةِ المَفْعُولِ، وإمّا بِمَعْنى التَّبْيِينِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، والفاعِلُ ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى ما في الذِّهْنِ، ويُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن القُرُونِ﴾ وكَمْ في مَحَلِّ نَصْبٍ (بِأهْلَكْنا) أيْ أغِفَلُوا، ولَمْ يَفْعَلِ الهِدايَةَ لَهُمْ، أوْ ولَمْ يُبَيِّنْ لَهم مَآلَ أمْرِهِمْ أوْ طَرِيقَ الحَقِّ كَثْرَةُ مَن أهْلَكْنا، أوْ كَثْرَةُ إهْلاكِ مَن أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ الماضِيَةِ مِثْلِ عادٍ، وثَمُودَ، وقَوْمِ لُوطٍ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( كَمْ ) فاعِلًا لِصَدارَتِها كَما نَصَّ عَلى ذَلِكَ الزَّجّاجُ حاكِيًا لَهُ عَنِ البَصْرِيِّينَ، وقالَ الفَرّاءُ: كَمْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ (بِيَهْدِ) كَأنَّكَ قُلْتَ: أوَلَمْ يَهْدِ لَهُمُ القُرُونُ الهالِكَةُ فَيَتَّعِظُوا، ولا أنْ يَكُونَ مَحْذُوفًا، لِأنَّ الفاعِلَ لا يُحْذَفُ إلّا في مَواضِعَ مَخْصُوصَةٍ لَيْسَ هَذا مِنها، ولا مُضْمَرًا عائِدًا إلى ما بَعْدُ، لِأنَّهُ يَلْزَمُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلى مُتَأخِّرٍ لَفْظًا، ورُتْبَةً في غَيْرِ مَحَلِّ جَوازِهِ، ولا الجُمْلَةُ نَفْسُها لِأنَّها لا تَقَعُ فاعِلًا عَلى الصَّحِيحِ إلّا إذا قُصِدَ لَفْظُها نَحْوُ: تَعْصِمُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ الدِّماءُ والأمْوالُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ضَمِيرَهُ تَعالى شَأْنُهُ لَسَبْقِ ذِكْرِهِ سُبْحانَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( إنَّ رَبَّكَ ) إلَخْ، وأُيِّدَ بِقِراءَةِ زَيْدٍ «نَهْدِ لَهُمْ» بِنُونِ العَظَمَةِ، قالَ الخَفاجِيُّ: والفِعْلُ بِكم عَنِ المَفْعُولِ وهو مَضْمُونُ الجُمْلَةِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى العِلْمِ، فَلا تَغْفُلْ.

﴿يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ﴾ أيْ يَمُرُّونَ في مَتاجِرِهِمْ عَلى دِيارِهِمْ وبِلادِهِمْ ويُشاهِدُونَ آثارَ هَلاكِهِمْ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( لَهُمْ)، وقِيلَ: مِنَ ( القُرُونِ)، والمَعْنى: أهْلَكْناهم حالَ غَفْلَتِهِمْ، وقِيلَ: مُسْتَأْنَفَةٌ بَيانٌ لِوَجْهِ هِدايَتِهِمْ.

وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ «يُمَشُّونَ» بِالتَّشْدِيدِ عَلى أنَّهُ تَفْعِيلٌ مِنَ المَشْيِ لِلتَّكْثِيرِ، ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ فِيما ذُكِرَ مِن إهْلاكِنا لِلْأُمَمِ الخالِيَةِ العاتِيَةِ، أوْ في مَساكِنِهِمْ ﴿لآياتٍ﴾ عَظِيمَةً في أنْفُسِها كَثِيرَةً في عَدَدِها، ﴿أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ هَذِهِ الآياتِ سَماعَ تَدَبُّرٍ واتِّعاظٍ.

32:27Page 417

أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلۡمَآءَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡجُرُزِ فَنُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعٗا تَأۡكُلُ مِنۡهُ أَنۡعَٰمُهُمۡ وَأَنفُسُهُمۡۚ أَفَلَا يُبۡصِرُونَ ٢٧

Have they not seen that We drive water [in clouds] to barren land and bring forth thereby crops from which their livestock eat and [they] themselves? Then do they not see?

﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ الكَلامَ فِيهِ كالكَلامِ في ﴿أوَلَمْ يَهْدِ﴾ أيِ أعَمُوا ولَمْ يُشاهِدُوا ﴿أنّا نَسُوقُ الماءَ﴾ بِسَوْقِ السَّحابِ الحامِلِ لَهُ، وقِيلَ: نَسُوقُ نَفْسَ الماءِ بِالسُّيُولِ، وقِيلَ: بِإجْرائِهِ في الأنْهارِ، ومِنَ العُيُونِ ﴿إلى الأرْضِ الجُرُزِ﴾ أيِ الَّتِي جُرِزَ نَباتُها، أيْ قُطِعَ إمّا لِعَدَمِ الماءِ وإمّا لِأنَّهُ رَعْيٌ وأُزِيلَ كَما في الكَشّافِ.

وفِي مَجْمَعِ البَيانِ: الأرْضُ الجُرُزُ اليابِسَةُ الَّتِي لَيْسَ فِيها نَباتٌ لِانْقِطاعِ الأمْطارِ عَنْها مِن قَوْلِهِمْ: سَيْفٌ جَرّازٌ، أيْ قَطّاعٌ لا يُبْقِي شَيْئًا إلّا قَطَعَهُ، وناقَةٌ جَرّازٌ إذا كانَتْ تَأْكُلُ كُلَّ شَيْءٍ فَلا تُبْقِي شَيْئًا إلّا قَطَعَتْهُ بِفِيها، ورَجُلٌ جَرُوزٌ أيْ أكُولٌ، قالَ الرّاجِزُ:

خِبٌّ جَرُوزٌ وإذا جاعَ بَكى

وقالَ الرّاغِبُ: الجُرُزُ مُنْقَطِعُ النَّباتِ مِن أصْلِهِ، وأرْضٌ مَجْرُوزَةٌ أُكِلَ ما عَلَيْها، وفي مَثَلٍ: لا تَرْضى شانِئَةٌ إلّا بِجَرُوزَةٍ، أيْ بِالِاسْتِئْصالِ، والجارِزُ الشَّدِيدُ مِنَ السُّعالِ، تُصُوِّرَ مِنهُ مَعْنى الجُرُزِ وهو القَطْعُ بِالسَّيْفِ اهـ، ويُفْهَمُ مِمّا قالَهُ أنَّ الجُرُزَ يُطْلَقُ عَلى ما انْقَطَعَ نَباتُهُ لِكَوْنِهِ لَيْسَ

صفحة 140

مِن شَأْنِهِ الإنْباتُ كالسِّباخِ، وهو غَيْرُ مُناسِبٍ هُنا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الأرْضُ المُتَّصِفَةُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، أيُّ أرْضٍ كانَتْ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ أنَّها قُرًى بَيْنَ اليَمَنِ والشّامِ.

وأخْرَجَ هو وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها أرْضٌ بِاليَمَنِ، وإلى عَدَمِ التَّعْيِينِ ذَهَبَ مُجاهِدٌ، أخْرَجَ عَنْهُ جَماعَةٌ أنَّهُ قالَ: الأرْضُ الجُرُزُ هي الَّتِي لا تُنْبِتُ، وهي أبْيَنُ ونَحْوُها مِنَ الأرْضِ، وقُرِئَ «الجُرْزِ» بِسُكُونِ الرّاءِ، وضَمِيرُ ( بِهِ ) لِلْماءِ، والكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ عِنْدَ السَّلَفِ الصّالِحِ، وقالَتِ الأشاعِرَةُ: المُرادُ فَنُخْرِجُ عِنْدَهُ، والزَّرْعُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ وعُبِّرَ بِهِ عَنِ المَزْرُوعِ، والمُرادُ بِهِ ما يَخْرُجُ بِالمَطَرِ مُطْلَقًا، فَيَشْمَلُ الشَّجَرَ وغَيْرَهُ، ولِذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿تَأْكُلُ مِنهُ﴾ أيْ مِن ذَلِكَ الزَّرْعِ ﴿أنْعامُهُمْ﴾ كالتِّبْنِ والقَصِيلِ والوَرَقِ، وبَعْضِ الحُبُوبِ المَخْصُوصَةِ بِها، ﴿وأنْفُسُهُمْ﴾ كالبُقُولِ والحُبُوبِ الَّتِي يَقْتاتُها الإنْسانُ، وفي البَحْرِ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالزَّرْعِ النَّباتُ المَعْرُوفُ، وخُصَّ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ، ولِأنَّهُ أعْظَمُ ما يُقْصَدُ مِنَ النَّباتِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ النَّباتُ مُطْلَقًا، وقَدَّمَ الأنْعامَ لِأنَّ انْتِفاعَها مَقْصُورٌ عَلى ذَلِكَ، والإنْسانُ قَدْ يَتَغَذّى بِغَيْرِهِ، ولِأنَّ أكْلَها مِنهُ مُقَدَّمٌ لِأنَّها تَأْكُلُهُ قَبْلَ أنْ يُثْمِرَ، ويُخْرِجَ سُنْبُلَهُ، وقِيلَ: لِيَتَرَقّى مِنَ الأدْنى إلى الأشْرَفِ، وهم بَنُو آدَمَ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وأبُو بَكْرٍ في رِوايَةٍ «يَأْكُلُ» بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، ﴿أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ أيْ ألا يُبْصِرُونَ فَلا يُبْصِرُونَ ذَلِكَ لِيَسْتَدِلُّوا بِهِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى، وفَضْلِهِ عَزَّ وجَلَّ، وجُعِلَتِ الفاصِلَةُ هُنا ( يُبْصِرُونَ ) لِأنَّ ما قَبْلَهُ مَرْئِيٌّ وفِيما قَبْلَهُ ( يَسْمَعُونَ ) لِأنَّ ما قَبْلَهُ مَسْمُوعٌ، وقِيلَ: تَرَقِّيًا إلى الأعْلى في الِاتِّعاظِ مُبالَغَةً في التَّذْكِيرِ، ورَفْعِ العُذْرِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ «تُبْصِرُونَ» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ.

32:28Page 417

وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡفَتۡحُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٨

And they say, "When will be this conquest,1 if you should be truthful?"

﴿ويَقُولُونَ﴾ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ ﴿مَتى هَذا الفَتْحُ﴾ أيِ الفَصْلُ لِلْخُصُومَةِ بَيْنَكم وبَيْنَنا، وكَأنَّ هَذا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وقِيلَ: أيِ النَّصْرُ عَلَيْنا، أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: قالَ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: إنَّ لَنا يَوْمًا يُوشِكُ أنْ نَسْتَرِيحَ فِيهِ، ونَنْتَقِمَ فِيهِ فَقالَ المُشْرِكُونَ: مَتى هَذا الفَتْحُ إلَخْ، فَنَزَلَتْ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ في أنَّ اللَّهَ تَعالى هو يَفْصِلُ بَيْنَ المُحِقِّينَ والمُبْطِلِينَ، وقِيلَ: في أنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْصُرُكم عَلَيْنا.

32:29Page 417

قُلۡ يَوۡمَ ٱلۡفَتۡحِ لَا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِيمَٰنُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ٢٩

Say, [O Muḥammad], "On the Day of Conquest the belief of those who had disbelieved will not benefit them, nor will they be reprieved."

﴿قُلْ﴾ تَبْكِيتًا لَهم وتَحْقِيقًا لِلْحَقِّ ﴿يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: يَوْمُ الفَتْحِ يَوْمُ القِيامَةِ، وهو كَما في البَحْرِ: مَنصُوبٌ (بِلا يَنْفَعُ)، والمُرادُ بِالَّذِينِ كَفَرُوا إمّا أُولَئِكَ القائِلُونَ المُسْتَهْزِءُونَ، فالإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِتَسْجِيلِ كُفْرِهِمْ، وبَيانِ عِلَّةِ الحُكْمِ، وإمّا ما يَعُمُّهم وغَيْرَهُمْ، وحِينَئِذٍ يُعْلَمُ حُكْمُ أُولَئِكَ المُسْتَهْزِئِينَ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ( ولا هم يُنْظَرُونَ ) اسْتِمْرارُ النَّفْيِ الظّاهِرِ أنَّ الجُمْلَةَ عَطْفٌ عَلى ( لا يَنْفَعُ ) إلَخْ، والقَيْدُ مُعْتَبَرٌ فِيها، وظاهِرُ سُؤالِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿مَتى هَذا الفَتْحُ﴾ يَقْتَضِي الجَوابَ بِتَعْيِينِ اليَوْمِ المَسْؤُولِ عَنْهُ، إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ غَرَضُهم في السُّؤالِ عَنْ وقْتِ الفَتْحِ اسْتِعْجالًا مِنهم عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ أُجِيبُوا عَلى حَسَبِ ما عُرِفَ مِن غَرَضِهِمْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: لا تَسْتَعْجِلُوا بِهِ، ولا تَسْتَهْزِئُوا، فَكَأنِّي بِكُمْ، وقَدْ حَصَلْتُمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وآمَنتُمْ فَلَمْ يَنْفَعْكُمُ الإيمانُ واسْتَنْظَرْتُمْ في إدْراكِ العَذابِ فَلَمْ تُنْظَرُوا، وهَذا قَرِيبٌ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ

صفحة 141

هَذا، وتَفْسِيرُ ﴿يَوْمَ الفَتْحِ﴾ بِيَوْمِ القِيامَةِ ظاهِرٌ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِالفَتْحِ الفَصْلُ لِلْخُصُومَةِ، فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ ولا يَكادُ يَتَسَنّى عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِهِ النَّصْرُ عَلى أُولَئِكَ القائِلِينَ إذا كانُوا عانِينَ بِهِ النَّصْرَ والغَلَبَةَ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا كَما هو ظاهِرٌ مِمّا سَمِعْتَ عَنْ مُجاهِدٍ، وعَلَيْهِ قِيلَ: المُرادُ بِيَوْمِ الفَتْحِ يَوْمُ بَدْرٍ، أخْرَجَ ذَلِكَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقِيلَ: يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، واسْتَشْكَلَ كِلا القَوْلَيْنِ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهُمْ﴾ ظاهِرٌ في عَدَمِ قَبُولِ الإيمانِ مِنَ الكافِرِ يَوْمَئِذٍ مَعَ أنَّهُ آمَنَ ناسٌ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقُبِلَ مِنهُمْ، وكَذا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ.

وأُجِيبَ بِأنَّ المَوْصُولَ عَلى كُلٍّ مِنهُما عِبارَةٌ عَنِ المَقْتُولِينَ في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى الكُفْرِ، فَمَعْنى (لا يَنْفَعُهم إيمانُهُمْ) أنَّهم لا إيمانَ لَهم حَتّى يَنْفَعَهُمْ، فَهو عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ.

سَواءٌ أُرِيدَ بِهِمْ قَوْمٌ مَخْصُوصُونَ اسْتَهْزَؤُوا أمْ لا، وسَواءٌ عُطِفَ قَوْلُهُ تَعالى: ( ولا هم يُنْظَرُونَ ) عَلى المُقَيَّدِ، أوْ عَلى المَجْمُوعِ فَتَأمَّلْ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ، وأيْضًا كَوْنُ يَوْمِ الفَتْحِ يَوْمَ بَدْرٍ بَعِيدٌ عَنْ كَوْنِ السُّورَةِ مَكِّيَّةً، وكَذا كَوْنُهُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، ويُبْعِدُ هَذا أيْضًا قِلَّةُ المَقْتُولِينَ في ذَلِكَ اليَوْمِ جِدًّا، تَدَبَّرْ.

32:30Page 417

فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَٱنتَظِرۡ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ ٣٠

So turn away from them and wait. Indeed, they are waiting.

﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ولا تُبالِ بِتَكْذِيبِهِمْ، واسْتِهْزائِهِمْ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ذَلِكَ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَخْفى أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ الإعْراضُ عَنْ مُناظَرَتِهِمْ لِعَدَمِ نَفْعِها، أوْ تَخْصِيصُهُ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ، فَلا يَتَعَيَّنُ النَّسْخُ.

﴿وانْتَظِرْ﴾ النُّصْرَةَ عَلَيْهِمْ وهَلاكَهُمْ، ﴿إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ قالَ الجُمْهُورُ: أيِ الغَلَبَةَ عَلَيْكُمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التَّوْبَةُ: 52]، وقِيلَ: الأظْهَرُ أنْ يُقالَ: إنَّهم مُنْتَظِرُونَ هَلاكَهم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ الآيَةَ، ويَقْرُبُ مِنهُ ما قِيلَ: وانْتَظِرْ عَذابَنا لَهم إنَّهم مُنْتَظِرُونَ أيْ هَذا حُكْمُهُمْ، وإنْ كانُوا لا يَشْعُرُونَ، فَإنَّ اسْتِعْجالَهُمُ المَذْكُورَ وعُكُوفَهم عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي في حُكْمِ انْتِظارِهِمُ العَذابَ المُتَرَتِّبَ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ، وقَرَأ اليَمانِيُّ «مُنْتَظِرُونَ» بِفَتْحِ الظّاءِ اسْمَ مَفْعُولٍ عَلى مَعْنى أنَّهم أحِقّاءُ أنْ يُنْتَظَرَ هَلاكُهُمْ، أوْ أنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَنْتَظِرُونَهُ، والمُرادُ أنَّهم هالِكُونَ لا مَحالَةَ هَذا.

* * *

«ومِن بابِ الإشارَةِ» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي الِالتِفاتُ إلى الأسْبابِ، والِاعْتِمادُ عَلَيْها، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ تَدْبِيرَ العِبادِ عِنْدَ تَدْبِيرِهِ عَزَّ وجَلَّ لا أثَرَ لَهُ، فَطُوبى لِمَن رُزِقَ الرِّضا، بِتَدْبِيرِ اللَّهِ تَعالى، واسْتَغْنى عَنْ تَدْبِيرِهِ، ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ فِيهِ إرْشادٌ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَسْتَقْبِحَ شَيْئًا مِنَ المَخْلُوقاتِ.

وقَدْ حُكِيَ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ بَصَقَ عَلى كَلْبٍ أجْرَبَ، فَأنْطَقَ اللَّهُ تَعالى الكَلْبَ فَقالَ: يا نُوحُ أعِبْتَنِي أمْ عِبْتَ خالِقِي، فَناحَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِذَلِكَ زَمانًا طَوِيلًا.

فالأشْياءُ كُلُّها حَسَنَةٌ كُلٌّ في بابِهِ والتَّفاوُتُ إضافِيٌّ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِي أحْسَنَ﴾ إلَخْ، إشارَةٌ إلى التَّنَقُّلِ في أطْوارِ الحُسْنِ والعُرُوجِ في مَعارِجِهِ فَكَمْ بَيْنَ الطِّينِ والإنْسانِ السَّمِيعِ البَصِيرِ العالِمِ فَإنَّ الإنْسانَ مِشْكاةُ أنْوارِ الذّاتِ والصِّفاتِ، والطِّينُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَلا شَيْءٍ ﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ

صفحة 142

وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ إشارَةٌ إلى حالِ كامِلِي الإيمانِ، وعُلُوِّ شَأْنِ السُّجُودِ والتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ والتَّواضُعِ لِعَظَمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا﴾ إشارَةٌ إلى سَهَرِهِمْ في مُناجاةِ مَحْبُوبِهِمْ، ومُلاحَظَةِ جَلالِهِ وجَمالِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ أيْ مِنَ المَعارِفِ وأنْواعِ الفَيُوضاتِ، ﴿يُنْفِقُونَ﴾ إشارَةٌ إلى تَكْمِيلِهِمْ لِلْغَيْرِ بَعْدَ كَمالِهِمْ في أنْفُسِهِمْ، وذَكَرَ القَوْمُ أنَّ العَذابَ الأدْنى الحِرْصُ عَلى الدُّنْيا، والعَذابَ الأكْبَرَ العَذابُ عَلى ذَلِكَ.

وقالَ بَعْضُهُمُ: الأوَّلُ التَّعَبُ في طَلَبِ الدُّنْيا، والثّانِي شَتاتُ السِّرِّ، وقِيلَ: الأوَّلُ حِرْمانُ المَعْرِفَةِ، والثّانِي الِاحْتِجابُ عَنْ مُشاهَدَةِ المَعْرُوفِ، وقِيلَ: الأوَّلُ الهَوانُ والثّانِي الخِذْلانُ، ﴿وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ المُرْشِدُ عَلَيْهِ مِنَ الأوْصافِ، وهو الصَّبْرُ عَلى مَشاقِّ العِباداتِ، وأنْواعِ البَلِيّاتِ، وحَبْسِ النَّفْسِ عَنْ مَلاذِّ الشَّهَواتِ، والإيقانُ بِالآياتِ، فَمَن يَدَّعِي الإرْشادَ وهو غَيْرُ مُتَّصِفٍ بِما ذُكِرَ فَهو ضالٌّ مُضَلَّلٌ، ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي الإعْراضُ عَنِ المُنْكِرِينَ المُسْتَهْزِئِينَ بِالعارِفِينَ، والسّالِكِينَ إذا لَمْ يَنْجَعْ فِيهِمُ الإرْشادُ والنَّصِيحَةُ، وإلى أنَّهم هالِكُونَ لا مَحالَةَ، فَإنَّ الإنْكارَ الَّذِي لا يُعْذَرُ صاحِبُهُ سُمٌّ قاتِلٌ وسَهْمٌ هَدَفُهُ المُقاتِلُ، نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنَ الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ بِحُرْمَةِ حَبِيبِهِ الأكْرَمِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском