Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Ahzab 33:10–15
33:10Page 419
إِذۡ جَآءُوكُم مِّن فَوۡقِكُمۡ وَمِنۡ أَسۡفَلَ مِنكُمۡ وَإِذۡ زَاغَتِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلۡقُلُوبُ ٱلۡحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠ ١٠
[Remember] when they came at you from above you and from below you, and when eyes shifted [in fear], and hearts reached the throats, and you assumed about Allāh [various] assumptions.
﴿إذْ جاءُوكُمْ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿إذْ جاءَتْكُمْ﴾ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ (بِتَعْمَلُونَ) أوْ (بِبَصِيرًا)، ﴿مِن فَوْقِكُمْ﴾ مِن أعْلى الوادِي مِن جِهَةِ المَشْرِقِ، والإضافَةُ إلَيْهِمْ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، والجائِي مِن ذَلِكَ بَنُو غَطَفانَ، ومَن تابَعَهم مِن أهْلِ نَجْدٍ، وبَنُو قُرَيْظَةَ، وبَنُو النَّضِيرِ ﴿ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ مِن أسْفَلِ الوادِي مِن قِبَلِ المَغْرِبِ، والجائِي مِن ذَلِكَ قُرَيْشٌ ومَن شايَعَهم مِنَ الأحابِيشِ، وبَنِي كِنانَةَ، وأهْلِ تِهامَةَ، وقِيلَ: الجائِي مِن فَوْقُ بَنُو قُرَيْظَةَ، ومِن أسْفَلُ قُرَيْشٌ، وأسَدٌ، وغَطَفانُ، وسُلَيْمٌ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن فَوْقُ ومِن أسْفَلُ كِنايَةً عَنِ الإحاطَةِ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ كَأنَّهُ قِيلَ: إذْ جاؤُوكم مُحِيطِينَ
صفحة 157
بِكُمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [العَنْكَبُوتُ: 55]، ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ التَّذْكِيرِ أيْ حِينَ مالَتِ الأبْصارُ عَنْ سُنَنِها، وانْحَرَفَتْ عَنْ مُسْتَوى نَظَرِها حَيْرَةً ودَهْشَةً.
وقالَ الفَرّاءُ: أيْ حِينَ مالَتْ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَلَمْ تَلْتَفِتْ إلّا إلى عَدُوِّها، ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ أيْ خافَتْ خَوْفًا شَدِيدًا، وفَزِعَتْ فَزَعًا عَظِيمًا، لِأنَّها تَحَرَّكَتْ عَنْ مَوْضِعِها، وتَوَجَّهَتْ إلى الحَناجِرِ لِتَخْرُجَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: إنَّ القُلُوبَ لَوْ تَحَرَّكَتْ وزالَتْ خَرَجَتْ نَفْسُهُ، ولَكِنْ إنَّما هو الفَزَعُ فالكَلامُ عَلى المُبالَغَةِ، وقِيلَ: القَلْبُ عِنْدَ الغَضَبِ يَنْدَفِعُ، وعِنْدَ الخَوْفِ يَجْتَمِعُ، فَيَتَقَلَّصُ بِالحَنْجَرَةِ، وقَدْ يُفْضِي إلى أنْ يَسُدَّ مَخْرَجَ النَّفَسِ، فَلا يَقْدِرُ المَرْءُ أنْ يَتَنَفَّسَ، ويَمُوتُ خَوْفًا، وقِيلَ: إنَّ الرِّئَةَ تَنْتَفِخُ مِن شِدَّةِ الفَزَعِ والغَضَبِ والغَمِّ الشَّدِيدِ، وإذا انْتَفَخَتْ رَبَتْ، وارْتَفَعَ القَلْبُ بِارْتِفاعِها إلى رَأْسِ الحَنْجَرَةِ، ومِن ثَمَّ قِيلَ لِلْجَبانِ: انْتَفَخَ سَحْرُهُ، وإلى حَمْلِ الكَلامِ عَلى الحَقِيقَةِ ذَهَبَ قَتادَةُ.
أخْرَجَ عَنْهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: أيْ شَخَصَتْ عَنْ مَكانِها، فَلَوْلا أنَّهُ ضاقَ الحُلْقُومُ عَنْها أنْ تَخْرُجَ لَخَرَجَتْ.
وفِي مُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «قُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ مِن شَيْءٍ نَقُولُهُ، فَقَدْ بَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ؟ قالَ: (نَعَمِ، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَتَنا، وآمِن رَوْعاتِنا)، قالَ: فَضَرَبَ اللَّهُ تَعالى وُجُوهَ أعْدائِهِ بِالرِّيحِ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالرِّيحِ».
والخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ لِمَن يُظْهِرُ الإيمانَ عَلى الإطْلاقِ، والظُّنُونُ جَمْعُ الظَّنِّ، وهو مَصْدَرٌ شامِلٌ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ، وإنَّما جُمِعَ لِلدِّلالَةِ عَلى تَعَدُّدِ أنْواعِهِ، وقَدْ جاءَ كَذَلِكَ في أشْعارِهِمْ، أنْشَدَ أبُو عَمْرٍو في كِتابِ الألْحانِ:
إذا الجَوْزاءُ أرْدَفَتِ الثُّرَيّا ظَنَنْتُ بِآلِ فاطِمَةَ الظَّنُونا
أيْ تَظُنُّونَ بِاللَّهِ تَعالى أنْواعَ الظُّنُونِ المُخْتَلِفَةِ، فَيَظُنُّ المُخْلِصُونَ مِنكُمُ الثّابِتُونَ في ساحَةِ الإيمانِ أنْ يُنْجِزَ سُبْحانَهُ وعْدَهُ في إعْلاءِ دِينِهِ، ونُصْرَةِ نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ويُعْرِبُ عَنْ ذَلِكَ ما سَيُحْكى عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ: ﴿هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ الآيَةَ، أوْ أنْ يَمْتَحِنَهم فَيَخافُونَ أنْ تَزِلَّ أقْدامُهُمْ، فَلا يَتَحَمَّلُونَ ما نَزَلَ بِهِمْ، وهَذا لا يُنافِي الإخْلاصَ والثَّباتَ كَما لا يَخْفى، ويَظُنُّ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما حُكِيَ عَنْهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ﴾ الآيَةَ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: ظُنُونٌ مُخْتَلِفَةٌ ظَنَّ المُنافِقُونَ أنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابَهُ يُسْتَأْصَلُونَ، وأيْقَنَ المُؤْمِنُونَ أنَّ ما وعَدَ اللَّهُ ورَسُولُهُ حَقٌّ وأنَّهُ سَيَظْهَرُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، وقَدْ يُخْتارُ أنَّ الخِطابَ لِلْمُؤْمِنِينَ ظاهِرًا وباطِنًا واخْتِلافُ ظُنُونِهِمْ بِسَبَبِ أنَّهم يَظُنُّونَ تارَةً أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ سَيَنْصُرُهم عَلى الكُفّارِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُمُ اسْتِيلاءٌ عَلَيْهِمْ أوَّلًا، وتارَةً أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ سَيَنْصُرُ الكُفّارَ عَلَيْهِمْ، فَيَسْتَوْلُونَ عَلى المَدِينَةِ، ثُمَّ يَنْصُرُهم عَلَيْهِمْ بَعْدُ، وأُخْرى أنَّهُ سُبْحانَهُ سَيَنْصُرُ الكُفّارَ بِحَيْثُ يَسْتَأْصِلُونَهم وتَعُودُ الجاهِلِيَّةُ، أوْ بِسَبَبِ أنَّ بَعْضَهم يَظُنُّ هَذا وبَعْضَهم يَظُنُّ ذاكَ وبَعْضَهم يَظُنُّ ذَلِكَ. ويُلْتَزَمُ أنَّ الظَّنَّ الَّذِي لا يَلِيقُ بِحالِ المُؤْمِنِ كانَ مِن خَواطِرِ النَّفْسِ الَّتِي أوْجَبَها الخَوْفُ الطَّبِيعِيُّ، ولَمْ يُمْكِنِ البَشَرُ دَفْعَها، ومِثْلُها عَفْوٌ، أوْ يُقالُ: ظُنُونُهُمُ المُخْتَلِفَةُ هي ظَنُّ النَّصْرِ بِدُونِ نَيْلِ العَدُوِّ مِنهم شَيْئًا، وظَنُّهُ بَعْدَ النَّيْلِ، وظَنُّ الِامْتِحانِ، وعَلى هَذا لا يَحْتاجُ إلى الِاعْتِذارِ، وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ( زاغَتْ ) وصِيغَةُ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، والدِّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، وكُتِبَ ﴿الظُّنُونا﴾ وكَذا أمْثالُهُ مِنَ المَنصُوبِ المُعَرَّفِ
صفحة 158
بِألْ، كالسَّبِيلا والرَّسُولا في المُصْحَفِ بِألِفٍ في آخِرِهِ، فَحَذَفَها أبُو عَمْرٍو وقْفًا ووَصْلًا، وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ يَحْذِفُونَها وصْلًا خاصَّةً، ويُثْبِتُها باقِي السَّبْعَةِ في الحالَيْنِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ، والحُذّاقُ أنْ يُوقَفَ عَلى نَحْوِ هَذِهِ الكَلِمَةِ بِالألِفِ، ولا تُوصَلُ فَتُحْذَفُ أوْ تُثْبَتُ، لِأنَّ حَذْفَها مُخالِفٌ لِما اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ مَصاحِفُ الأمْصارِ، ولِأنَّ إثْباتَها في الوَصْلِ مَعْدُومٌ في لِسانِ العَرَبِ نَظْمِهِمْ ونَثْرِهِمْ لا في اضْطِرارٍ، ولا في غَيْرِهِ، أمّا إثْباتُها في الوَقْفِ فَفِيهِ اتِّباعُ الرَّسْمِ ومُوافَقَةٌ لِبَعْضِ مَذاهِبِ العَرَبِ، لِأنَّهم يُثْبِتُونَ هَذِهِ الألِفَ في قَوافِي أشْعارِهِمْ ومَصارِيعِها، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ:
أقَلى اللَّوْمَ عاذِلٌ والعِتابا
والفَواصِلُ في الكَلامِ كالمَصارِيعِ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: إنَّ رُؤُوسَ الآيِ تُشَبَّهُ بِالقَوافِي مِن حَيْثُ كانَتْ مَقاطِعَ كَما كانَتِ القَوافِي مَقاطِعَ.
33:11Page 419
هُنَالِكَ ٱبۡتُلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَزُلۡزِلُواْ زِلۡزَالٗا شَدِيدٗا ١١
There the believers were tested and shaken with a severe shaking.
﴿هُنالِكَ﴾ ظَرْفُ مَكانٍ، ويُسْتَعْمَلُ لِلزَّمانِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَجازٌ وهو أنْسَبُ هُنا، وأيًّا ما كانَ، فَهو ظَرْفٌ لِما بَعْدَهُ، لا (لِتَظُنُّونَ) كَما قِيلَ، أيْ في ذَلِكَ الزَّمانِ الهائِلِ، أوْ في ذَلِكَ المَكانِ المُدْحَضِ، ﴿ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ أيِ اخْتَبَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى، والكَلامُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ، والمُرادُ عامَلَهم سُبْحانَهُ وتَعالى مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ، فَظَهَرَ المُخْلِصُ مِنَ المُنافِقِ، والرّاسِخُ مِنَ المُتَزَلْزِلِ، وابْتِلاؤُهم عَلى ما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ بِالجُوعِ، وعَلى ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ بِشِدَّةِ الحِصارِ، عَلى ما قِيلَ بِالصَّبْرِ عَلى الإيمانِ.
﴿وزُلْزِلُوا زِلْزالا شَدِيدًا﴾ أيِ اضْطَرَبُوا اضْطِرابًا شَدِيدًا مِن شِدَّةِ الفَزَعِ وكَثْرَةِ الأعْداءِ، وعَنِ الضَّحّاكِ «أنَّهم زُلْزِلُوا عَنْ أماكِنِهِمْ حَتّى لَمْ يَكُنْ لَهم إلّا مَوْضِعُ الخَنْدَقِ»، وقِيلَ: أيْ حُرِّكُوا إلى الفِتْنَةِ فَعُصِمُوا.
وقَرَأ أحْمَدُ بْنُ مُوسى اللُّؤْلُئِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو «زِلْزِلُوا» بِكَسْرِ الزّايِ، قالَهُ ابْنُ خالَوَيْهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَنْ أبِي عَمْرٍو إشْمامُ زايِ (زُلْزِلُوا) وكَأنَّهُ عَنى إشْمامَها الكَسْرَ، ووَجْهُ الكَسْرِ أنَّهُ إتْباعُ حَرَكَةِ الزّايِ الأُولى لِحَرَكَةِ الثّانِيَةِ، ولَمْ يَعْتَدَّ بِالسّاكِنِ كَما لَمْ يَعْتَدَّ بِهِ مَن قالَ: مِنتِنٌ، بِكَسْرِ المِيمِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ التّاءِ، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِن أنْتَنَ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وعِيسى «زَلْزالًا» بِفَتْحِ الزّايِ، ومَصْدَرُ فَعْلَلَ مِنَ المُضاعَفِ يَجُوزُ فِيهِ الفَتْحُ والكَسْرُ نَحْوُ قَلْقَلَ قَلْقالًا، وقَدْ يُرادُ بِالمَفْتُوحِ اسْمُ الفاعِلِ نَحْوُ: صَلْصالٍ بِمَعْنى مُصَلْصِلٍ، فَإنْ كانَ مِن غَيْرِ المُضاعَفِ فَما سُمِعَ مِنهُ عَلى فَعْلالٍ مَكْسُورُ الفاءِ نَحْوُ: سَرْهَفَهُ سَرْهافًا، ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ( إذْ زاغَتِ ) وصِيغَةُ المُضارِعِ لِما مَرَّ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ القَوْلِ واسْتِحْضارِ صُورَتِهِ.
﴿والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ظاهِرُ العَطْفِ أنَّهم قَوْمٌ لَمْ يَكُونُوا مُنافِقِينَ فَقِيلَ: هم قَوْمٌ كانَ المُنافِقُونَ يَسْتَمِيلُونَهم بِإدْخالِ الشُّبْهَةِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: قَوْمٌ كانُوا ضُعَفاءَ الِاعْتِقادِ لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِالإسْلامِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِمُ المُنافِقِينَ أنْفُسَهُمْ، والعَطْفُ لِتَغايُرِ الوَصْفِ كَقَوْلِهِ: إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ.
﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ مِنَ الظَّفَرِ وإعْلاءِ الدِّينِ ﴿إلا غُرُورًا﴾ أيْ وعْدَ غُرُورٍ، وقِيلَ: أيْ قَوْلًا باطِلًا، وفي البَحْرِ: أيْ أمْرًا يَغُرُّنا ويُوقِعُنا فِيما لا طاقَةَ لَنا بِهِ.
رُوِيَ «أنَّ الصَّحابَةَ بَيْنَما يَحْفِرُونَ الخَنْدَقَ عَرَضَتْ لَهم صَخْرَةٌ بَيْضاءُ مُدَوَّرَةٌ شَدِيدَةٌ جِدًّا، لا تَدْخُلُ فِيها المَعاوِلُ، فَشَكَوْا إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأخَذَ المِعْوَلَ مِن سَلْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَضَرَبَها ضَرْبَةً دَعَّها وبَرَقَتْ مِنها بَرْقَةً أضاءَ مِنها ما بَيْنَ لابَتَيِ المَدِينَةِ حَتّى لَكَأنَّ
صفحة 159
مِصْباحًا في جَوْفِ لَيْلٍ مُظْلِمٍ فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكَبَّرَ المُسْلِمُونَ، ثُمَّ ضَرَبَها الثّانِيَةَ فَصَدَعَها وبَرَقَتْ مِنها بَرْقَةً أضاءَ مِنها ما بَيْنَ لابَتَيْها، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَبَّرَ المُسْلِمُونَ، ثُمَّ ضَرَبَها الثّالِثَةَ فَكَسَرَها، وبَرَقَتْ بَرْقَةً أضاءَ مِنها ما بَيْنَ لابَتَيْها، فَكَبَّرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكَبَّرَ المُسْلِمُونَ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أضاءَ لِي في الأُولى قُصُورُ الحِيرَةِ، ومَدائِنُ كِسْرى، كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، فَأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها، وأضاءَ لِي الثّانِيَةَ قُصُورُ الحُمْرِ مِن أرْضِ الرُّومِ كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، وأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها، وأضاءَ لِي في الثّالِثَةِ قُصُورُ صَنْعاءَ، كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، وأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها، فَأبْشِرُوا بِالنَّصْرِ، فاسْتَبْشَرَ المُسْلِمُونَ، وقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ يُدْعى مُعْتِبَ بْنَ قُشَيْرٍ وكانَ مُنافِقًا: أيَعِدُنا مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَفْتَحَ لَنا مَدائِنَ اليَمَنِ وبِيضَ المَدائِنِ وقُصُورَ الرُّومِ، وأحَدُنا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَقْضِيَ حاجَتَهُ إلّا قُتِلَ، هَذا واللَّهِ الغُرُورُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في هَذا» .
33:12Page 419
وَإِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ إِلَّا غُرُورٗا ١٢
And [remember] when the hypocrites and those in whose hearts is disease said, "Allāh and His Messenger did not promise us except delusion,"
﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ﴾ إلَخْ.
وفِي رِوايَةٍ قالَ المُنافِقُونَ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ: ألا تَعْجَبُونَ يُحَدِّثُكم ويَعِدُكم ويُمَنِّيكُمُ الباطِلَ أنَّهُ يُبْصِرُ مِن يَثْرِبَ قُصُورَ الحِيرَةِ ومَدائِنَ كِسْرى، وأنَّها تُفْتَحُ لَكُمْ، وأنْتُمْ تَحْفِرُونَ الخَنْدَقَ، ولا تَسْتَطِيعُونَ أنْ تَبْرُزُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ﴿إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ﴾ ووَجْهُ الجَمْعِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ القائِلَ واحِدٌ أنَّ الباقِينَ راضُونَ بِذَلِكَ، قابَلُوهُ مِنهُ، والظّاهِرُ أنَّ نِسْبَةَ الوَعْدِ إلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ مِنَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ لا يَعْتَقِدُونَ اتِّصافَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالرِّسالَةِ، ولا أنَّ الوَعْدَ وعْدُ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ كانَتْ مِن بابِ المُماشاةِ، أوِ الِاسْتِهْزاءِ، وإنْ كانَتْ قَدْ وقَعَتْ مِن غَيْرِهِمْ فَهي بِالتَّبَعِيَّةِ لَهم.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وُقُوعُ ما ذُكِرَ في الحِكايَةِ لا في كَلامِهِمْ، ويُسْتَأْنَسُ لَهُ بِما وقَعَ في بَعْضِ الآثارِ، وبَعْضُهم بَحَثَ عَنْ إطْلاقِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: إنَّهُ في الحِكايَةِ لا في كَلامِهِمْ، كَما يَشْهَدُ بِذَلِكَ ما رُوِيَ عَنْ مُعْتِبٍ، أوْ هو تَقِيَّةٌ لا اسْتِهْزاءٌ، لِأنَّهُ لا يَصِحُّ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ المُنافِقِينَ فَتَأمَّلْ، ولا تَغْفُلْ.
33:13Page 419
وَإِذۡ قَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ يَٰٓأَهۡلَ يَثۡرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمۡ فَٱرۡجِعُواْۚ وَيَسۡتَـٔۡذِنُ فَرِيقٞ مِّنۡهُمُ ٱلنَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوۡرَةٞ وَمَا هِيَ بِعَوۡرَةٍۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارٗا ١٣
And when a faction of them said, "O people of Yathrib,1 there is no stability for you [here], so return [home]." And a party of them asked permission of the Prophet, saying, "Indeed, our houses are exposed [i.e., unprotected]," while they were not exposed. They did not intend except to flee.
﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ قالَ السُّدِّيُّ:
هم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنُ سَلُولَ وأصْحابُهُ، وقالَ مُقاتِلٌ: هم بَنُو سَلِمَةَ، وقالَ أوْسُ بْنُ رُومانَ: هم أوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ وأصْحابُهُ بَنُو حارِثَةَ، وضَمِيرُ ( مِنهم ) لِلْمُنافِقِينَ أوْ لِلْجَمِيعِ ﴿يا أهْلَ يَثْرِبَ﴾ هو اسْمُ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: اسْمُ بُقْعَةٍ وقَعَتِ المَدِينَةُ في ناحِيَةٍ مِنها، وقِيلَ: اسْمُ أرْضِها، وهو عَلَيْها مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ، ووَزْنِ الفِعْلِ، أوِ التَّأْنِيثِ، ولا يَنْبَغِي تَسْمِيَةُ المَدِينَةِ بِذَلِكَ.
أخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(مَن سَمّى المَدِينَةَ يَثْرِبَ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ تَعالى هي طابَةُ هي طابَةُ هي طابَةُ )».
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «(لا تَدْعُونَها يَثْرِبَ، فَإنَّها طَيْبَةُ )، يَعْنِي المَدِينَةَ، (ومَن قالَ: يَثْرِبُ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ تَعالى ثَلاثَ مَرّاتٍ، هي طَيْبَةُ هي طَيْبَةُ هي طَيْبَةُ )».
وفِي الحَواشِي الخَفاجِيَّةِ: أنَّ تَسْمِيَتَها بِهِ مَكْرُوهَةٌ كَراهَةً تَنْزِيهِيَّةً، وذُكِرَ في وجْهِ ذَلِكَ أنَّ هَذا الِاسْمَ يُشْعِرُ بِالتَّثْرِيبِ، وهو اللَّوْمُ والتَّعْبِيرُ.
وقالَ الرّاغِبُ: التَّثْرِيبُ التَّقْرِيعُ بِالذَّنْبِ والثَّرْبُ شَحْمَةٌ رَقِيقَةٌ، ويَثْرِبُ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ مِن هَذا البابِ، والياءُ تَكُونُ فِيهِ زائِدَةً انْتَهى، وقِيلَ: يَثْرِبُ اسْمُ رَجُلٍ مِنَ العَمالِقَةِ، وبِهِ سُمِّيَتِ المَدِينَةُ، وكانَ يُقالُ لَها: أثْرَبُ أيْضًا، ونَقَلَ الطَّبَرْسِيُّ عَنِ الشَّرِيفِ المُرْتَضى أنَّ لِلْمَدِينَةِ أسْماءً مِنها يَثْرِبُ، وطَيْبَةُ، وطابَةُ، والدّارُ، والسَّكِينَةُ، وجائِزَةُ، والمَحْبُورَةُ، والمَحَبَّةُ، والمَحْبُوبَةُ، والعَذْراءُ، والمَرْحُومَةُ، والقاصِمَةُ، ويَنْدَدُ انْتَهى، وكَأنَّ القائِلِينَ اخْتارُوا يَثْرِبَ مِن
صفحة 160
بَيْنِ الأسْماءِ مُخالَفَةً لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لِما عَلِمُوا مِن كَراهِيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِهَذا الِاسْمِ مِن بَيْنِها، ونِداؤُهم أهْلَ المَدِينَةِ بِعُنْوانِ أهْلِيَّتِهِمْ لَها تَرْشِيحٌ لِما بَعْدُ مِنَ الأمْرِ بِالرُّجُوعِ إلَيْها ﴿لا مُقامَ لَكُمْ﴾ أيْ لا مَكانَ إقامَةٍ أوْ لا إقامَةَ لَكم أيْ لا يَنْبَغِي أوْ لا يُمْكِنُ لَكُمُ الإقامَةُ ها هُنا.
وقالَ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والنَّخَعِيُّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ، وطَلْحَةُ وأكْثَرُ السَّبْعَةِ «لا مَقامَ» بِفَتْحِ المِيمِ، وهو يَحْتَمِلُ أيْضًا المَكانَ أيْ لا مَكانَ قِيامٍ، والمَصْدَرَ أيْ لا قِيامَ لَكُمْ، والمَعْنى عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ ﴿فارْجِعُوا﴾ أيْ إلى مَنازِلِكم بِالمَدِينَةِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أسْلَمَ لَكم مِنَ القَتْلِ أوْ لِيَكُونَ لَكم عِنْدَ هَذِهِ الأحْزابِ يَدٌ، قِيلَ:
ومُرادُهم أمْرُهم بِالفِرارِ عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ ما بَعْدُ، لَكِنَّهم عَبَّرُوا عَنْهُ بِالرُّجُوعِ تَرْوِيجًا لِمَقالَتِهِمْ، وإيذانًا بِأنَّهُ لَيْسَ مِن قَبِيلِ الفِرارِ المَذْمُومِ، وقِيلَ: المَعْنى لا مُقامَ لَكم في دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ فارْجِعُوا إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ، أوْ فارْجِعُوا عَمّا بايَعْتُمُوهُ عَلَيْهِ، وأسْلِمُوهُ إلى أعْدائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ لا مُقامَ لَكم بَعْدَ اليَوْمِ في يَثْرِبَ، أوْ نَواحِيها لِغَلَبَةِ الأعْداءِ فارْجِعُوا كُفّارًا لِيَتَسَنّى لَكُمُ المُقامُ فِيها لِارْتِفاعِ العَداوَةِ حِينَئِذٍ.
وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا خافُوا مِن قَتْلِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إيّاهم بَعْدَ غَلَبَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَيْثُ ظَهَرَ أنَّهم مُنافِقُونَ فَقالُوا: ﴿لا مُقامَ لَكُمْ﴾ عَلى مَعْنى لا مُقامَ لَكم مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأنَّهُ إنْ غُلِبَ قَتَلَكم فارْجِعُوا عَمّا بايَعْتُمُوهُ عَلَيْهِ وأسْلِمُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ فارْجِعُوا عَنِ الإسْلامِ، واتَّفِقُوا مَعَ الأحْزابِ، أوْ لَيْسَ لَكم مَحَلُّ إقامَةٍ في الدُّنْيا أصْلًا إنْ بَقِيتُمْ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ فارْجِعُوا عَمّا بايَعْتُمُوهُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى آخِرِهِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، وأنْسَبُ بِما بَعْدَهُ، وبَعْضُ هَذِهِ الأوْجُهِ بَعِيدٌ جِدًّا كَما لا يَخْفى.
﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ عَطْفٌ عَلى ( قالَتْ )، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِما مَرَّ مِنَ اسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، والمُسْتَأْذِنُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بَنُو حارِثَةَ بْنِ الحارِثِ، قِيلَ: أرْسَلُوا أوْسَ بْنَ قَيْظِيٍّ أحَدَهم لِلِاسْتِئْذانِ، وقالَ السُّدِّيُّ: جاءَ هو ورَجُلٌ آخَرُ مِنهم يُدْعى أبا عُرابَةَ بْنَ أوْسٍ، وقِيلَ: المُسْتَأْذِنُ بَنُو حارِثَةَ، وبَنُو سَلِمَةَ اسْتَأْذَنُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الرُّجُوعِ مُمْتَثِلِينَ بِأمْرِ أُولَئِكَ القائِلِينَ: يا أهْلَ يَثْرِبَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ﴾ بَدَلٌ مِن ( يَسْتَأْذِنُ ) أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ، أوِ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ عَنْ كَيْفِيَّةِ الِاسْتِئْذانِ ﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ ذَلِيلَةُ الحِيطانِ يُخافُ عَلَيْها السُّرّاقُ، كَما نُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ، وقالَ الرّاغِبُ: أيْ مُتَخَرَّقَةٌ مُمْكَنَةٌ لِمَن أرادَها، وقالَ الكَلْبِيُّ: أيْ خالِيَةٌ مِنَ الرِّجالِ ضائِعَةٌ، وقالَ قَتادَةُ: قاصِيَةٌ يُخْشى عَلَيْها العَدُوُّ، وأصْلُها عَلى ما قِيلَ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى الخَلَلِ، ووُصِفَ بِها مُبالَغَةً، وتَكُونُ صِفَةً لِلْمُؤَنَّثِ والمُذَكَّرِ والمُفْرَدِ وغَيْرِهِ، كَما هو شَأْنُ المَصادِرِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ صِفَةً مُشَبَّهَةً عَلى أنَّها مُخَفَّفُ عَوِرَةٍ بِكَسْرِ الواوِ، كَما قَرَأ بِذَلِكَ هُنا وفِيما بَعْدُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو يَعْمَرَ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو طالُوتَ، وابْنُ مِقْسَمٍ، وإسْماعِيلُ بْنُ سُلَيْمانَ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ مِن عَوِرَتِ الدّارُ إذا اخْتَلَّتْ، قالَ ابْنُ جِنِّي: صِحَّةُ الواوِ عَلى هَذا شاذَّةٌ، والقِياسُ قَلْبُها ألِفًا فَيُقالُ: عارَةٌ، كَما يُقالُ: كَبْشٌ صافٌ، ونَعْجَةٌ صافَةٌ، ويَوْمٌ راحٌ ورَجُلٌ مالٌ، والأصْلٌ صَوْفٌ وصَوْفَةٌ ورَوْحٌ ومَوْلٌ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ القِياسَ إنَّما يَقْتَضِي القَلْبَ إذا وقَعَ القَلْبُ في الفِعْلِ، وعَوِرَ هُنا قَدْ صَحَّتْ عَيْنُهُ حَمْلًا عَلى اعْوَرَّ المُشَدَّدِ، ورَجَّحَ كَوْنَها مَصْدَرًا وصْفٌ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ بِأنَّهُ الأنْسَبُ بِمَقامِ الِاعْتِذارِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ تَصْدِيرُ
صفحة 161
مَقالَتِهِمْ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ، لَكِنْ يَنْبَغِي أنْ يُقالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما هي بِعَوْرَةٍ﴾ إذا أُجْرِيَ فِيهِ هَذا اللَّفْظُ كَما أُجْرِيَ فِيما قَبْلَهُ أنَّ المُرادَ المُبالَغَةُ في النَّفْيِ عَلى نَحْوِ ما قِيلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فُصِّلَتْ: 46] والواوُ فِيهِ لِلْحالِ أيْ يَقُولُونَ ذَلِكَ والحالُ أنَّها لَيْسَتْ كَذَلِكَ، ﴿إنْ يُرِيدُونَ﴾ أيْ ما يُرِيدُونَ بِالِاسْتِئْذانِ ﴿إلا فِرارًا﴾ أيْ هَرَبًا مِنَ القِتالِ ونُصْرَةَ المُؤْمِنِينَ قالَهُ جَماعَةٌ، قِيلَ: فِرارٌ مِنَ الدِّينِ.
33:14Page 419
وَلَوۡ دُخِلَتۡ عَلَيۡهِم مِّنۡ أَقۡطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلۡفِتۡنَةَ لَأٓتَوۡهَا وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلَّا يَسِيرٗا ١٤
And if they had been entered upon from all its [surrounding] regions and fitnah [i.e., disbelief] had been demanded of them, they would have done it and not hesitated over it except briefly.
﴿ولَوْ دُخِلَتْ﴾ أيِ البُيُوتُ كَما هو الظّاهِرُ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى هَؤُلاءِ القائِلِينَ، وأُسْنِدَ الدُّخُولُ إلى بُيُوتِهِمْ، وأُوقِعَ عَلَيْهِمْ لِما أنَّ المُرادَ فَرْضُ دُخُولِها، وهم فِيها لا فَرْضُ دُخُولِها مُطْلَقًا كَما هو المَفْهُومُ لَوْ لَمْ يُذْكَرِ الجارُّ والمَجْرُورُ ولا فَرْضُ الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ مُطْلَقًا كَما هو المَفْهُومُ، لَوْ أُسْنِدَ الجارُّ والمَجْرُورُ وفاعِلُ الدُّخُولِ الدّاخِلُ مِن أهْلِ الفَسادِ مَن كانَ، أيْ لَوْ دَخَلَ كُلُّ مَن أرادَ الدُّخُولَ مِن أهْلِ الدَّعارَةِ والفَسادِ بُيُوتَهُمْ، وهم فِيها، ﴿مِن أقْطارِها﴾ جَمْعُ قُطْرٍ بِمَعْنى النّاحِيَةِ والجانِبِ، ويُقالُ: قُتْرٌ بِالتّاءِ لُغَةٌ فِيهِ، أيْ مِن جَمِيعِ جَوانِبِها، وذَلِكَ بِأنْ تَكُونَ مُخْتَلَّةً بِالكُلِّيَّةِ، وهَذا داخِلٌ في المَفْرُوضِ، فَلا يُخالِفُ قَوْلَهُ تَعالى: ( وما هي بِعَوْرَةٍ ثُمَّ سُئلُوا ) أيْ طُلِبَ مِنهم مِن جِهَةِ طائِفَةٍ أُخْرى عِنْدَ تِلْكَ النّازِلَةِ والرَّجْفَةِ الهائِلَةِ ﴿الفِتْنَةَ﴾ أيِ القِتالَ كَما قالَ الضَّحّاكُ ﴿لآتَوْها﴾ أيْ لَأعْطَوْها أُولَئِكَ السّائِلِينَ، كَأنَّهُ شَبَّهَ الفِتْنَةَ والمَطْلُوبُ اتِّباعُهم فِيها بِأمْرٍ نَفِيسٍ يُطْلَبُ مِنهم بَذْلُهُ ونَزَّلَ إطاعَتَهم واتِّباعَهم بِمَنزِلَةِ بَذْلِ ما سَألُوهُ وإعْطائِهِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ «لَأتَوْها» بِالقَصْرِ أيْ لَفَعَلُوها، ﴿وما تَلَبَّثُوا بِها﴾ أيْ بِالفِتْنَةِ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ أيْ ما لَبِثُوها وما أخَّرُوها، ﴿إلا يَسِيرًا﴾ أيْ إلّا تَلْبُّثًا يَسِيرًا، أوْ إلّا زَمانًا يَسِيرًا، وهو مِقْدارُ ما يَأْخُذُونَ فِيهِ سِلاحَهم عَلى ما قِيلَ، وقِيلَ: مِقْدارُ ما يُجِيبُونَ السُّؤالَ فِيهِ، وكِلاهُما عِنْدِي مِن بابِ التَّمْثِيلِ، والمُرادُ أنَّهم لَوْ سَألَهم غَيْرُكَ القِتالَ وهم في أشَدِّ حالٍ وأعْظَمِ بِلْبالٍ لَأسْرَعُوا جِدًّا فَضْلًا عَنِ التَّعَلُّلِ بِاخْتِلالِ البُيُوتِ مَعَ سَلامَتِها، كَما فَعَلُوا الآنَ. والحاصِلُ أنَّ طَلَبَهُمُ الإذْنَ في الرُّجُوعِ لَيْسَ لِاخْتِلالِ بُيُوتِهِمْ بَلْ لِنِفاقِهِمْ وكَراهَتِهِمْ نُصْرَتَكَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى: ولَوْ دُخِلَتِ المَدِينَةُ مِن أقْطارِها واشْتَدَّ الحَرْبُ الحَقِيقِيُّ ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ والحَرْبَ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَطارُوا إلَيْها، ولَمْ يَتَلَبَّثُوا في بُيُوتِهِمْ لِحِفْظِها إلّا يَسِيرًا، قِيلَ: قَدْرَ ما يَأْخُذُونَ سِلاحَهُمُ انْتَهى، فَضَمِيرَ ( دُخِلَتْ ) عِنْدَهُ عائِدٌ عَلى المَدِينَةِ، وباءُ ( بِها ) لِلظَّرْفِيَّةِ كَما هو ظاهِرُ كَلامِهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ سَبَبِيَّةً، والمَعْنى عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ ولَمْ يَتَلَبَّثُوا بِسَبَبِ حِفْظِها، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْمُلابَسَةِ أيْضًا، والضَّمِيرُ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ لِلْبُيُوتِ، وفِيهِ تَفْكِيكُ الضَّمائِرِ.
وعَنِ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ ( الفِتْنَةُ ) الشِّرْكُ، وفي مَعْناهُ ما قِيلَ: هي الرِّدَّةُ والرُّجُوعُ إلى إظْهارِ الكُفْرِ، وجَعَلَ بَعْضُهم ضَمِيرَيْ ( دُخِلَتْ، وبِها ) لِلْمَدِينَةِ، وزَعَمَ أنَّ المَعْنى: ولَوْ دُخِلَتِ المَدِينَةُ عَلَيْهِمْ مِن جَمِيعِ جَوانِبِها، ثُمَّ سُئِلُوا الرُّجُوعَ إلى إظْهارِ الكُفْرِ والشِّرْكِ لَفَعَلُوا، وما لَبِثُوا بِالمَدِينَةِ بَعْدَ إظْهارِ كُفْرِهِمْ إلّا يَسِيرًا، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُهْلِكُهم أوْ يُخْرِجُهم بِالمُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: ضَمِيرُ ( دُخِلَتْ ) لِلْبُيُوتِ أوْ لِلْمَدِينَةِ، وضَمِيرُ ( بِها ) لِلْفِتْنَةِ، بِمَعْنى الشِّرْكِ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ، والمَعْنى: ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ ثُمَّ سُئِلُوا الشِّرْكَ لَأشْرَكُوا، وما أخَّرُوهُ إلّا يَسِيرًا، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ قَتادَةَ أيْ لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ ثُمَّ سُئِلُوا الشِّرْكَ لَأعْطَوْهُ طَيِّبَةً بِهِ أنْفُسُهُمْ، وما تَحَبَّسُوا بِهِ إلّا يَسِيرًا، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الباءُ
صفحة 162
لِغَيْرِ ذَلِكَ، وقِيلَ: فاعِلُ الدُّخُولِ أُولَئِكَ العَساكِرُ المُتَحَزِّبَةُ، والوُجُوهُ المُحْتَمَلَةُ في الآيَةِ كَثِيرَةٌ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى تَأمُّلٌ. وما ذَكَرْناهُ أوَّلًا هو الأظْهَرُ فِيما أرى. وقَرَأ الحَسَنُ «سُولُوا» بِواوٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ السِّينِ المَضْمُومَةِ قالُوا: وهي مِن سالَ يُسالُ كَخافَ يَخافُ، لُغَةٌ في سَألَ المَهْمُوزِ العَيْنِ، وحَكىأبُو زَيْدٍ هُما يَتَساوَلانِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أصْلُها الهَمْزَ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (سُولُوا) عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ في ضُرِبَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ضَرَبَ، ثُمَّ سَهَّلَ الهَمْزَةَ بِإبْدالِها واوًا عَلى قَوْلِ مَن قالَ في بُؤْسٍ بُوسٍ، بِإبْدالِ الهَمْزَةِ واوًا لِضَمِّ ما قَبْلَها. وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والأعْمَشِ «سِيلُوا» بِكَسْرِ السِّينِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ نَحْوَ قِيلَ، وقَرَأ مُجاهِدٌ «سُويِلُوا» بِواوٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ السِّينِ المَضْمُومَةِ، وياءٍ مَكْسُورَةٍ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ.
33:15Page 419
وَلَقَدۡ كَانُواْ عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبۡلُ لَا يُوَلُّونَ ٱلۡأَدۡبَٰرَۚ وَكَانَ عَهۡدُ ٱللَّهِ مَسۡـُٔولٗا ١٥
And they had already promised Allāh before not to turn their backs [i.e., flee]. And ever is the promise to Allāh [that about which one will be] questioned.
﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ هَؤُلاءِ هُمُ الفَرِيقُ المُسْتَأْذِنُونَ، وهم بَنُو حارِثَةَ عِنْدَ الأكْثَرِينَ. وقِيلَ: هم بَنُو سَلِمَةَ كانُوا قَدْ جَبُنُوا يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ تابُوا وعاهَدُوا يَوْمَئِذٍ قَبْلَ يَوْمِ الخَنْدَقِ أنْ لا يَفِرُّوا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم قَوْمٌ عاهَدُوا بِمَكَّةَ لَيْلَةَ العَقَبَةِ أنْ يَمْنَعُوهُ ﷺ مِمّا يَمْنَعُونَ مِنهُ أنْفُسَهُمْ، وقِيلَ: أُناسٌ غابُوا عَنْ وقْعَةِ بَدْرٍ فَحَزِنُوا عَلى ما فاتَهم مِمّا أعْطى أهْلَ بَدْرٍ مِنَ الكَرامَةِ فَقالُوا: لَئِنْ أشْهَدَنا اللَّهُ تَعالى قِتالًا لَنُقاتِلَنَّ، (وعاهَدَ) أُجْرِيَ مَجْرى اليَمِينِ لِذَلِكَ تَلَقّى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ وجاءَ بِصِيغَةِ الغَيْبَةِ عَلى المَعْنى، ولَوْ جاءَ كَما لَفَظُوا بِهِ لَكانَ التَّرْكِيبُ لا تُوَلّى الأدْبارُ، وتَوْلِيَةُ الأدْبارِ كِنايَةٌ عَنِ الفِرارِ والِانْهِزامِ، فَإنَّ الفارَّ يُوَلِّي دُبُرَهُ مَن فَرَّ مِنهُ، ﴿وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولا﴾ عَنِ الوَفاءِ بِهِ مُجازًى عَلَيْهِ، وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي عَلى ما في مَجْمَعِ البَيانِ لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ، وقِيلَ: أيْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مَسْؤُولًا عَنِ الوَفاءِ بِهِ، أوْ مَسْؤُولًا مُقْتَضًى حَتّى يُوَفّى بِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences