Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Ahzab 33:33–36, continued
وغايَةُ ما في البابِ أنَّ كَوْنَ أُولَئِكَ الأشْخاصِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مَحْفُوظَيْنِ مِنَ الرِّجْسِ والذُّنُوبِ بَعْدَ تَعَلُّقِ الإرادَةِ بِإذْهابِ رِجْسِهِمْ يَثْبُتُ بِالآيَةِ ولَكِنْ هَذا أيْضًا عَلى أُصُولِ أهْلِ السُّنَّةِ لا عَلى أُصُولِ الشِّيعَةِ لِأنَّ وُقُوعَ مُرادِهِ تَعالى غَيْرُ لازِمٍ عِنْدَهم لِإرادَتِهِ عَزَّ وجَلَّ مُطْلَقًا وبِالجُمْلَةِ لَوْ كانَتْ إفادَةُ مَعْنى العِصْمَةِ مَقْصُودَةً لَقِيلَ هَكَذا إنَّ اللَّهَ أذْهَبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ وطَهَّرَكم تَطْهِيرًا، وأيْضًا لَوْ كانَتْ مُفِيدَةً لِلْعِصْمَةِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الصَّحابَةُ لا سِيَّما الحاضِرِينَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ قاطِبَةً مَعْصُومِينَ لِقَوْلِهِ تَعالى فِيهِمْ: ﴿ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكم ولِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [اَلْمائِدَةِ: 6] بَلْ لَعَلَّ هَذا أفْيَدُ لِما فِيهِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ فَإنَّ وُقُوعَ هَذا الإتْمامِ لا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الحِفْظِ عَنِ المَعاصِي وشَرِّ الشَّيْطانِ اه.
وقَرَّرَ الطَّبَرْسِيُّ وجْهَ الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى العِصْمَةِ بِأنَّ ﴿إنَّما﴾ لَفْظَةٌ مُحَقِّقَةٌ لِما أثْبَتَ بَعْدَها نافِيَةٌ لِما لَمْ يُثْبِتْ، فَإذا قِيلَ: إنَّما لَكَ عِنْدِي دِرْهَمٌ أفادَ أنَّهُ لَيْسَ لِلْمُخاطَبِ عِنْدَهُ سِوى دِرْهَمٍ فَتُفِيدُ الآيَةُ تَحَقُّقَ الإرادَةِ ونَفْيَ غَيْرِها، والإرادَةُ لا تَخْلُو مِن أنْ تَكُونَ هي الإرادَةَ المَحْضَةَ أوِ الإرادَةَ الَّتِي يَتْبَعُها التَّطْهِيرُ، وإذْهابُ الرِّجْسِ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإرادَةَ المَحْضَةَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدْ أرادَ مِن كُلِّ مُكَلَّفٍ ذَلِكَ بِالإرادَةِ المَحْضَةِ فَلا اِخْتِصاصَ لَها بِأهْلِ البَيْتِ دُونَ سائِرِ المُكَلَّفِينَ، ولِأنَّ هَذا القَوْلَ يَقْتَضِي المَدْحَ والتَّعْظِيمَ لَهم بِلا رَيْبٍ ولا مَدْحٍ في الإرادَةِ المُجَرَّدَةِ فَتَعَيَّنَ إرادَةُ الإرادَةِ بِالمَعْنى الثّانِي، وقَدْ عُلِمَ أنَّ مَن عَدا أهْلِ الكِساءِ غَيْرُ مُرادٍ فَتَخْتَصُّ العِصْمَةُ بِهِمُ اه. وهو كَما تَرى، عَلى أنَّهُ قَدْ ورَدَ في كُتُبِ الشِّيعَةِ ما يَدُلُّ عَلى عَدَمِ عِصْمَةِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وهو أفْضَلُ مِن ضَمِّهِ الكِساءَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَفي نَهْجِ البَلاغَةِ أنَّهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ لِأصْحابِهِ: لا تَكُفُّوا عَنْ مَقالَةٍ بِحَقٍّ أوْ مَشُورَةٍ بِعَدْلٍ فَإنِّي لَسْتُ بِفَوْقِ أنْ أُخْطِئَ ولا آمَنُ مِن ذَلِكَ في فِعْلِي إلّا أنْ يُلْقِيَ اللَّهُ تَعالى في نَفْسِي ما هو أمْلَكُ بِهِ مِنِّي، وفِيهِ أيْضًا كانَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ يَقُولُ في دُعائِهِ: اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي ما تَقَرَّبْتُ بِهِ إلَيْكَ وخالَفَهُ قَلْبِي، وقَصْدُ التَّعْلِيمِ كَما في بَعْضِ الأدْعِيَةِ النَّبَوِيَّةِ بَعِيدٌ كَذا قِيلَ، فَتَدَبَّرْ ولا تَغْفُلْ.
وفَسَّرَ بَعْضُ أهْلِ السُّنَّةِ الإرادَةَ هاهُنا بِالمَحَبَّةِ، قالُوا: لِأنَّهُ لَوْ أُرِيدَ بِها الإرادَةُ الَّتِي يَتَحَقَّقُ عِنْدَها الفِعْلُ لَكانَ كُلٌّ مِن أهْلِ البَيْتِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَحْفُوظًا مِن كُلِّ ذَنَبٍ والمَشاهِدُ خِلافُهُ، والتَّخْصِيصُ بِأهْلِ الكِساءِ وسائِرِ الأئِمَّةِ الِاثْنَيْ عَشَرَ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامِيَّةُ المُدَّعُونَ عِصْمَتَهم مِمّا لا يَقُومُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عِنْدَنا، والمَدْحُ جاءَ مِن جِهَةِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِمْ وإفادَتِهِمْ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعالى لَهم هَذا الأمْرَ الجَلِيلَ الشَّأْنَ ومُخاطَبَتِهِ سُبْحانَهُ إيّاهم بِذَلِكَ وجَعْلِهِ قُرْآنًا يُتْلى إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وقَدْ يُسْتَدَلُّ عَلى كَوْنِ الإرادَةِ هاهُنا بِالمَعْنى المَذْكُورِ دُونَ المَعْنى المَشْهُورِ الَّذِي يَتَحَقَّقُ عِنْدَهُ الفِعْلُ بِأنَّهُ ﷺ «قالَ حِينَ أدْخَلَ عَلِيًّا وفاطِمَةَ والحَسَنَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم تَحْتَ الكِساءِ «اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي فَأذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وطَهِّرْهم تَطْهِيرًا»» فَإنَّهُ أيُّ حاجَةٍ لِلدُّعاءِ لَوْ كانَ ذَلِكَ مُرادًا بِالإرادَةِ بِالمَعْنى المَشْهُورِ وهَلْ هو الِادِّعاءُ بِحُصُولٍ واجِبِ الحُصُولِ.
واسْتَدَلَّ بِهَذا بَعْضُهم عَلى عَدَمِ نُزُولِ الآيَةِ في حَقِّهِمْ وإنَّما أدْخَلَهم ﷺ في أهْلِ البَيْتِ
صفحة 19
المَذْكُورِ في الآيَةِ بِدُعائِهِ الشَّرِيفِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا يَخْلُو جَمِيعُ ما ذُكِرَ عَنْ بَحْثٍ، واَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ المُرادَ بِأهْلِ البَيْتِ مَن لَهم مَزِيدُ عَلاقَةٍ بِهِ ﷺ ونِسْبَةٍ قَوِيَّةٍ قَرِيبَةٍ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِحَيْثُ لا يَقْبُحُ عُرْفًا اِجْتِماعُهم وسُكْناهم مَعَهُ ﷺ في بَيْتٍ واحِدٍ ويَدْخُلُ في ذَلِكَ أزْواجُهُ والأرْبَعَةُ أهْلُ الكِساءِ وعَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَعَ ما لَهُ مِنَ القَرابَةِ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ نَشَأ في بَيْتِهِ وحِجْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَمْ يُفارِقْهُ وعامَلَهُ كَوَلَدِهِ صَغِيرًا أوْ صاهَرَهُ وآخاهُ كَبِيرًا.
والإرادَةُ عَلى مَعْناها الحَقِيقِيِّ المُسْتَتْبَعِ لِلْفِعْلِ، والآيَةُ لا تَقُومُ دَلِيلًا عَلى عِصْمَةِ أهْلِ بَيْتِهِ ﷺ وعَلَيْهِمْ وسَلَّمَ المَوْجُودِينَ حِينَ نُزُولِها وغَيْرُهم ولا عَلى حِفْظِهِمْ مِنَ الذُّنُوبِ عَلى ما يَقُولُهُ أهْلُ السُّنَّةِ لا لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ المُرادُ تَوْجِيهُ الأمْرِ والنَّهْيِ أوْ نَحْوُهُ لِإذْهابِ الرِّجْسِ والتَّطْهِيرِ بِأنْ يُجْعَلَ المَفْعُولُ بِهِ لِ (يُرِيدُ) مَحْذُوفًا ويُجْعَلُ (لِيُذْهِبَ) و(يُطَهِّرُ) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لَهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ بَأْسٌ وذَهَبَ إلَيْهِ مَن ذَهَبَ بَلْ لِأنَّ المَعْنى حَسْبَما يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ ويَقْتَضِيهِ وُقُوعُ الجُمْلَةِ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ والأمْرِ نَهاكُمُ اللَّهُ تَعالى وأمَرَكم لِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ يُرِيدُ بِنَهْيِكم وأمْرِكم إذْهابَ الرِّجْسِ عَنْكم وتَطْهِيرَكُمْ، وفي ذَلِكَ غايَةُ المُصْلِحَةِ لَكم ولا يُرِيدُ بِذَلِكَ اِمْتِحانَكم وتَكْلِيفَكم بِلا مَنفَعَةٍ تَعُودُ إلَيْكم وهو عَلى مَعْنى الشَّرْطِ، أيْ يُرِيدُ بِنَهْيِكم وأمْرِكم لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ ويُطَهِّرَكم إنِ اِنْتَهَيْتُمْ وائْتَمَرْتُمْ ضَرُورَةَ أنَّ أُسْلُوبَ الآيَةِ نَحْوُ أُسْلُوبِ قَوْلِ القائِلِ لِجَماعَةٍ عُلِمَ أنَّهم إذا شَرِبُوا الماءَ أذْهَبُ عَنْهم عَطَشَهم لا مَحالَةَ: يُرِيدُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالماءِ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ العَطَشَ فَإنَّهُ عَلى مَعْنى يُرِيدُ سُبْحانَهُ بِالماءِ إذْهابَ العَطَشِ عَنْكم إنْ شَرِبْتُوهُ فَيَكُونُ المُرادُ إذْهابَ العَطَشِ بِشَرْطِ شُرْبِ المُخاطَبِينَ الماءَ لا الإذْهابَ مُطْلَقًا. فَمُفادُ التَّرْكِيبِ في المِثالِ تَحَقُّقُ إذْهابِ العَطَشِ بَعْدَ الشُّرْبِ وفِيما نَحْنُ فِيهِ إذْهابُ الرِّجْسِ والتَّطْهِيرُ بَعْدَ الِانْتِهاءِ والِائْتِمارِ لِأنَّ المُرادَ الإذْهابُ المَذْكُورُ بِشَرْطِهِما فَهو مُتَحَقِّقُ الوُقُوعِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الشَّرْطِ وتَحَقُّقُهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ إذْ هو أمْرٌ اِخْتِيارِيٌّ ولَيْسَ مُتَعَلِّقَ الإرادَةِ، والمُرادُ بِالرِّجْسِ الذَّنْبُ وبِإذْهابِهِ إزالَةُ مَبادِئِهِ بِتَهْذِيبِ النَّفْسِ وجَعْلِ قُواها كالقُوَّةِ الشَّهْوانِيَّةِ والقُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ بِحَيْثُ لا يَنْشَأُ عَنْهُما ما يَنْشَأُ مِنَ الذُّنُوبِ كالزِّنا وقَتْلِ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وغَيْرِهِما لا إزالَةُ نَفْسِ الذَّنْبِ بَعْدَ تَحَقُّقِهِ في الخارِجِ وصُدُورِهِ مِنَ الشَّخْصِ إذْ هو غَيْرُ مَعْقُولٍ إلّا عَلى مَعْنى مَحْوِهِ مِن صَحائِفِ الأعْمالِ وعَدَمِ المُؤاخَذَةِ عَلَيْهِ وإرادَةِ ذَلِكَ كَما تَرى.
وكَأنَّ مَآلُ الإذْهابِ التَّخْلِيَةَ ومَآلُ التَّطْهِيرِ التَّحْلِيَةَ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ، والآيَةُ مُتَضَمِّنَةٌ الوَعْدَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ لِأهْلِ بَيْتِ نَبِيِّهِ ﷺ بِأنَّهم إنْ يَنْتَهُوا عَمّا يَنْهى عَنْهُ ويَأْتَمِرُوا بِما يَأْمُرُهم بِهِ يُذْهِبْ عَنْهم لا مَحالَةَ مَبادِئَ ما يَسْتَهْجِنُ وُيُحَلِّيهم أجَلَّ تَحْلِيَةٍ بِما يُسْتَحْسَنُ، وفِيهِ إيماءٌ إلى قَبُولِ أعْمالِهِمْ وتَرَتُّبِ الآثارِ الجَمِيلَةِ عَلَيْها قَطْعًا ويَكُونُ هَذا خُصُوصِيَّةً لَهم ومِزْيَةً عَلى مَن عَداهم مِن حَيْثُ إنَّ أُولَئِكَ الأغْيارَ إذا اِنْتَهَوْا وائْتَمَرُوا لا يُقْطَعُ لَهم بِحُصُولِ ذَلِكَ.
ولِذا نَجِدُ عِبادَ أهْلِ البَيْتِ أتَمَّ حالًا مِن سائِرِ العِبادِ المُشارِكِينَ لَهم في العِبادَةِ الظّاهِرَةِ وأحْسَنَ أخْلاقًا وأزْكى نَفْسًا وإلَيْهِمْ تَنْتَهِي سَلاسِلُ الطَّرائِقِ الَّتِي مَبْناها كَما لا يَخْفى عَلى سالِكِيها التَّخْلِيَةُ والتَّحْلِيَةُ اللَّتانِ هُما جَناحانِ لِلطَّيَرانِ إلى حَظائِرِ القُدْسِ والوُقُوفِ عَلى أوْكارِ الأُنْسِ حَتّى ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ القُطْبَ في كُلِّ عَصْرٍ لا يَكُونُ إلّا مِنهم خِلافًا لِلْأُسْتاذِ أبِي العَبّاسِ المُرْسِي حَيْثُ ذَهَبَ كَما نَقَلَ عَنْهُ تِلْمِيذُهُ التّاجُ بْنُ عَطاءِ اللَّهِ إلى أنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِن غَيْرِهِمْ، ورَأيْتُ في مَكْتُوباتِ الإمامِ الفارُوقِيِّ الرَّبّانِيِّ مُجَدِّدِ الألْفِ الثّانِي قُدِّسَ سِرُّهُ ما حاصِلُهُ أنَّ القُطْبِيَّةَ لَمْ تَكُنْ عَلى سَبِيلِ الأصالَةِ إلّا الأئِمَّةَ أهْلَ البَيْتِ المَشْهُورِينَ ثُمَّ إنَّها صارَتْ بَعْدَهم لِغَيْرِهِمْ عَلى سَبِيلِ النِّيابَةِ عَنْهم حَتّى اِنْتَهَتِ النَّوْبَةُ إلى السَّيِّدِ الشَّيْخِ عَبْدِ القادِرِ الكِيلانِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ النُّورانِيِّ فَنالَ مَرْتَبَةَ القُطْبِيَّةِ
صفحة 20
عَلى سَبِيلِ الأصالَةِ فَلَمّا عُرِجَ بِرُوحِهِ القُدْسِيَّةِ إلى أعْلى عِلِّيِّينَ نالَ مَن نالَ بَعْدَهُ تِلْكَ الرُّتْبَةَ عَلى سَبِيلِ النِّيابَةِ عَنْهُ فَإذا جاءَ المَهْدِيُّ يَنالُها أصالَةً كَما نالَها غَيْرُهُ مِنَ الأئِمَّةِ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ اه، وهَذا مِمّا لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِهِ والوُقُوفِ عَلى حَقِّيَّتِهِ إلّا بِالكَشْفِ وأنّى لِي بِهِ.
واَلَّذِي يَغْلِبُ عَلى ظَنِّي أنَّ القُطْبَ قَدْ يَكُونُ مِن غَيْرِهِمْ لَكِنَّ قُطْبَ الأقْطابِ لا يَكُونُ إلّا مِنهم لِأنَّهم أزْكى النّاسِ أصْلًا وأوْفَرُهم فَضْلًا وأنَّ مَن يَنالُ هَذِهِ الرُّتْبَةَ مِنهم لا يَنالُها إلّا عَلى سَبِيلِ الأصالَةِ دُونَ النِّيابَةِ والوِكالَةِ وأنا لا أعْقِلُ النِّيابَةَ في ذَلِكَ المَقامِ وإنْ عَقَلْتُ قُلْتُ: كُلُّ قُطْبٍ في كُلِّ عَصْرٍ نائِبٌ عَنْ نَبِيِّنا عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ السَّلامِ ولا بِدَعَ في نِيابَةِ الأقْطابِ بَعْدَهُ عَنْهُ ﷺ كَما نابَتْ عَنْهُ الأنْبِياءُ قَبْلَهُ فَهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الكامِلُ المُكَمِّلُ لِلْخَلِيقَةِ والواسِطَةِ في الإفاضَةِ عَلَيْهِمْ عَلى الحَقِيقَةِ وكُلُّ مَن تَقَدَّمَهُ عَصْرًا مِنَ الأنْبِياءِ وتَأخَّرَ عَنْهُ مِنَ الأقْطابِ والأوْلِياءِ نُوّابٌ عَنْهُ ومُسْتَمِدُّونَ مِنهُ، وأقُولُ إنَّ السَّيِّدَ الشَّيْخَ عَبْدَ القادِرِ قُدِّسَ سِرُّهُ وغَمَرَنا بِرُّهُ قَدْ نالَ ما نالَ مِنَ القُطْبِيَّةِ بِواسِطَةِ جَدِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأكْمَلِ حالٍ، فَقَدْ كانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن أجِلَّةِ أهْلِ البَيْتِ حَسَنِيًّا مِن جِهَةِ الأبِ حُسَيْنِيًّا مِن جِهَةِ الأُمِّ لَمْ يُصِبْهُ نَقْصٌ لَوْ أنَّ وعَسى ولَيْتَ ولا يُنْكِرُ ذَلِكَ إلّا زِنْدِيقٌ أوْ رافِضِيٌّ يُنْكِرُ صُحْبَةَ الصِّدِّيقِ وأرى أنَّ قَوْلَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ:
أفَلَتْ شُمُوسُ الأوَّلِينَ وشَمْسُنا ∗∗∗ أبَدًا عَلى فَلَكِ العُلا لا تَغْرُبُ
لا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن يَنالُ القُطْبِيَّةَ بَعْدَهُ مِن أهْلِ البَيْتِ الَّذِينَ عُنْصُرُهم وعُنْصُرُهُ واحِدٌ نائِبٌ عَنْهُ لَيْسَ لَهُ فَيْضٌ إلّا مِنهُ بَلْ غايَةُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ ويُومِئُ إلَيْهِ اِسْتِمْرارُ ظُهُورِ أمْرِهِ وانْتِشارُ صِيتِهِ وشُهْرَةُ طَرِيقَتِهِ وعُمُومُ فَيْضِهِ لِمَنِ اِسْتَفاضَ عَلى الوَجْهِ المَعْرُوفِ عِنْدَ أهْلِهِ مِنهُ وذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يُنْكَرُ وأظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ.
هَذا ما عِنْدِي في الكَلامِ عَلى الآيَةِ الكَرِيمَةِ المُتَضَمِّنَةِ لِفَضِيلَةٍ لِأهْلِ البَيْتِ عَظِيمَةٍ، ويُعْلَمُ مِنهُ وجْهُ التَّعْبِيرِ بِ (يُرِيدُ) عَلى صِيغَةِ المُضارِعِ، ووَجْهُ تَقْدِيمِ إذْهابِ الرِّجْسِ عَلى التَّطْهِيرِ، ووَجْهُ دُعائِهِ ﷺ لِأهْلِ الكِساءِ بِإذْهابِ الرِّجْسِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى القَوْلِ بِأنَّ ذَلِكَ طَلَبٌ لِلدَّوامِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ ونَحْوِهِ، ولا يُورَدُ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِمّا يُورَدُ عَلى غَيْرِهِ ومَعَ هَذا لِمَسْلَكِ الذِّهْنِ اِتِّساعٌ ولا حَجْرَ عَلى فَضْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَلا مانِعَ مِن أنَّ يُوَفِّقَ أحَدًا لِما هو أحْسَنُ مِن هَذا وأجَلُّ، فَتَدَبَّرْ ذاكَ واَللَّهُ سُبْحانَهُ يَتَوَلّى هُداكَ.
33:34Page 422
وَٱذۡكُرۡنَ مَا يُتۡلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱلۡحِكۡمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ٣٤
And remember what is recited in your houses of the verses of Allāh and wisdom.1 Indeed, Allāh is ever Subtle2 and Aware.
﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ﴾ أيِ اُذْكُرْنَ لِلنّاسِ بِطَرِيقِ العِظَةِ والتَّذْكِيرِ، وقِيلَ: أيْ تَذَكَّرْنَ ولا تَنْسَيْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ ﴿مِن آياتِ اللَّهِ﴾ أيِ القُرْآنِ ﴿والحِكْمَةِ﴾ هي السُّنَّةُ عَلى ما أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ، وفُسِّرَتْ بِنَصائِحِهِ ﷺ، وعَنْ عَطاءٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ في المُصْحَفِ بَدَلَ الحِكْمَةِ السُّنَّةُ حَكاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الكَرِيمِ الشِّهْرِسْتانِيُّ في أوائِلِ تَفْسِيرِهِ (مَفاتِيحِ الأسْرارِ)، وقالَ جَمْعٌ: المُرادُ بِالآياتِ والحِكْمَةِ القُرْآنُ وهو أوْفَقُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يُتْلى﴾ أيِ اُذْكُرْنَ ما يُتْلى مِنَ الكِتابِ الجامِعِ بَيْنَ كَوْنِهِ آياتِ اللَّهِ تَعالى البَيِّنَةَ الدّالَّةَ عَلى صِدْقِ النُّبُوَّةِ بِأوْجُهٍ شَتّى وكَوْنِهِ حِكْمَةً مُنْطَوِيَةً عَلى فُنُونِ العُلُومِ والشَّرائِعِ، وهَذا تَذْكِيرٌ بِما أنْعَمَ عَلَيْهِنَّ حَيْثُ جَعَلَهُنَّ أهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ ومَهْبِطَ الوَحْيِ وما شاهَدْنَ مِن بُرَحاءَ الوَحْيِ مِمّا يُوجِبُ قُوَّةَ الإيمانِ والحِرْصَ عَلى الطّاعَةِ وفِيهِ حَثٌّ عَلى الِانْتِهاءِ والِائْتِمارِ فِيما كُلِّفْنَهُ، وقِيلَ: هَذا أمْرٌ بِتَكْمِيلِ الغَيْرِ بَعْدَ الأمْرِ بِما فِيهِ كَما لَهُنَّ ويُعْلَمُ مِنهُ وجْهُ تَوْسِيطِ ﴿إنَّما يُرِيدُ﴾ إلخ في البَيْنِ والتَّعَرُّضُ
صفحة 21
لِلتِّلاوَةِ في البُيُوتِ دُونَ النُّزُولِ فِيها مَعَ أنَّها الأنْسَبُ لِكَوْنِها مَهْبِطَ الوَحْيِ لِعُمُومِها لِجَمِيعِ الآياتِ ووُقُوعِها في كُلِّ البُيُوتِ وتَكَرُّرِها المُوجِبِ لِتَمَكُّنِهِنَّ مِنَ الذِّكْرِ والتَّذْكِيرِ بِخِلافِ النُّزُولِ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِرِعايَةِ الحِكْمَةِ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِها السُّنَّةُ فَإنَّها لَمْ تَنْزِلْ نُزُولَ القُرْآنِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّها لَمْ تُتْلَ أيْضًا تِلاوَتَهُ، وعَدَمُ تَعْيِينِ التّالِي لِتَعُمَّ تِلاوَةَ جِبْرِيلَ وتِلاوَةَ النَّبِيِّ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ وتِلاوَتَهُنَّ وتِلاوَةَ غَيْرِهِنَّ تَعْلِيمًا وتَعَلُّمًا.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «تُتْلى» بِتاءِ التَّأْنِيثِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ يَعْلَمُ ويُدَبِّرُ ما يُصْلِحُ في الدِّينِ ولِذَلِكَ فَعَلَ ما فَعَلَ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ أوْ يَعْلَمُ مَن يَصْلُحُ لِلنُّبُوَّةِ ومَن يَسْتَأْهِلُ أنْ يَكُونَ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، وقِيلَ: يَعْمَلُ الحِكْمَةَ حَيْثُ أنْزَلَ كِتابَهُ جامِعًا بَيْنَ الوَصْفَيْنِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ اللَّطِيفُ ناظِرًا لِلْآياتِ لِدِقَّةِ إعْجازِها والخَبِيرُ لِلْحِكْمَةِ لِمُناسَبَتِها لِلْخِبْرَةِ.
33:35Page 422
إِنَّ ٱلۡمُسۡلِمِينَ وَٱلۡمُسۡلِمَٰتِ وَٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡقَٰنِتَٰتِ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلصَّٰدِقَٰتِ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰبِرَٰتِ وَٱلۡخَٰشِعِينَ وَٱلۡخَٰشِعَٰتِ وَٱلۡمُتَصَدِّقِينَ وَٱلۡمُتَصَدِّقَٰتِ وَٱلصَّٰٓئِمِينَ وَٱلصَّٰٓئِمَٰتِ وَٱلۡحَٰفِظِينَ فُرُوجَهُمۡ وَٱلۡحَٰفِظَٰتِ وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمٗا ٣٥
Indeed, the Muslim men and Muslim women, the believing men and believing women, the obedient men and obedient women, the truthful men and truthful women, the patient men and patient women, the humble men and humble women, the charitable men and charitable women, the fasting men and fasting women, the men who guard their private parts and the women who do so, and the men who remember Allāh often and the women who do so - for them Allāh has prepared forgiveness and a great reward.
﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ أيِ الدّاخِلِينَ في السِّلْمِ المُنْقادِينَ لِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى أوِ المُفَوَّضِينَ أمْرَهم لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ ﴿والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ المُصَدِّقِينَ بِما يَجِبُ أنْ يُصَدَّقَ بِهِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ.
﴿والقانِتِينَ والقانِتاتِ﴾ المُداوِمِينَ عَلى الطّاعاتِ القائِمِينَ بِها.
﴿والصّادِقِينَ والصّادِقاتِ﴾ في أقْوالِهِمُ الَّتِي يَجِبُ الصِّدْقُ فِيها، وقِيلَ في القَوْلِ والعَمَلِ، وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ اِبْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ أيْ في إيمانِهِمْ.
﴿والصّابِرِينَ والصّابِراتِ﴾ عَلى المَكارِهِ وعَلى العِباداتِ وعَنِ المَعاصِي.
﴿والخاشِعِينَ والخاشِعاتِ﴾ المُتَواضِعِينَ لِلَّهِ تَعالى بِقُلُوبِهِمْ وجَوارِحِهِمْ، وقِيلَ: الَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ مَن عَنْ أيْمانِهِمْ وشَمائِلِهِمْ إذا كانُوا في الصَّلاةِ ﴿والمُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ﴾ بِما يَحْسُنُ التَّصَدُّقُ بِهِ مِن فَرْضٍ وغَيْرِهِ.
﴿والصّائِمِينَ والصّائِماتِ﴾ الصَّوْمَ المَشْرُوعَ فَرْضًا كانَ أوْ نَفْلًا، وعَنْ عِكْرِمَةَ الِاقْتِصارُ عَلى صَوْمِ رَمَضانَ، وقِيلَ: مَن تَصَدَّقَ في كُلِّ أُسْبُوعٍ بِدِرْهَمٍ فَهو مِنَ المُتَصَدِّقِينَ ومَن صامَ البِيضَ مِن كُلِّ شَهْرٍ فَهو مِنَ الصّائِمِينَ.
﴿والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ﴾ عَمّا لا يَرْضى بِهِ اللَّهُ تَعالى.
﴿والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ﴾ بِالألْسِنَةِ والقُلُوبِ ومَدارُ الكَثْرَةِ العُرْفُ عِنْدَ جَمْعٍ، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لا يُكْتَبُ الرَّجُلُ مِنَ الذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا حَتّى يَذْكُرَ اللَّهَ تَعالى قائِمًا وقاعِدًا ومُضْطَجِعًا.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهم عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إذا أيْقَظَ الرَّجُلُ اِمْرَأتَهُ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّيا رَكْعَتَيْنِ كانا تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِنَ الذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ»،» وقِيلَ: المُرادُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى ذِكْرُ آلائِهِ سُبْحانَهُ ونِعَمِهِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ ومَآلُ هَذا إلى الشُّكْرِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ.
﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ ما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ ﴿مَغْفِرَةً﴾ لِما اِقْتَرَفُوا مِنَ الصَّغائِرِ لِأنَّهُنَّ مُكَفَّراتٌ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ كَما ورَدَ ﴿وأجْرًا عَظِيمًا﴾ عَلى ما عَمِلُوا مِنَ الطّاعاتِ، والآيَةُ وعْدٌ لِلْأزْواجِ المُطَهَّراتِ وغَيْرِهِنَّ مِمَّنِ اِتَّصَفَتْ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، أخْرَجَ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهُما «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ:
صفحة 22
قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ما لَنا لا نُذْكَرُ في القُرْآنِ كَما يُذْكَرُ الرِّجالُ؟ فَلَمْ يَرُعْنِي مِنهُ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ إلّا نِداءَهُ عَلى المِنبَرِ وهو يَقُولُ: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ،» وضَمِيرُ ما لَنا لِلنِّساءِ عَلى العُمُومِ، فَفي رِوايَةٍ أُخْرى رَواها النَّسائِيُّ وجَماعَةٌ عَنْها أيْضًا «أنَّها قالَتْ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما لِي أسْمَعُ الرِّجالَ يُذْكَرُونَ في القُرْآنِ والنِّساءُ لا يُذْكَرُونَ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ الآيَةَ».
وفِي بَعْضِ الآثارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ القائِلَ غَيْرُها، أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والطَّبَرانِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وآخِرُونَ «عَنْ أُمِّ عِمارَةَ الأنْصارِيَّةِ أنَّها أتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَتْ: ما أرى كُلَّ شَيْءٍ إلّا لِلرِّجالِ وما أرى النِّساءَ يُذْكَرْنَ بِشَيْءٍ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ﴾» الخ.
وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «دَخَلَ نِساءٌ عَلى نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْنَ: قَدْ ذَكَرَكُنَّ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ وما يَذْكُرُنا بِشَيْءٍ أما فِينا ما يُذْكَرُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ﴾ الآيَةَ،» وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ قالَ لَمّا ذُكِرَ أزْواجُ النَّبِيِّ ﷺ قالَ النِّساءُ: لَوْ كانَ فِينا خَيْرٌ لِذُكِرْنا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ.
ولا مانِعَ أنْ يَكُونَ كُلُّ ذَلِكَ، وعَطْفُ الإناثِ عَلى الذُّكُورِ كالمُسْلِماتِ عَلى المُسْلِمِينَ والمُؤْمِناتِ عَلى المُؤْمِنِينَ ضَرُورِيٌّ لِأنَّ تَغايُرَ الذَّواتِ المُشْتَرِكَةِ في الحُكْمِ يَسْتَلْزِمُ العَطْفَ ما لَمْ يُقْصَدِ السَّرْدُ عَلى طَرِيقِ التَّعْدِيدِ، وعَطْفُ الزَّوْجَيْنِ أعْنِي مَجْمُوعَ كُلِّ مُذَكَّرٍ ومُؤَنَّثٍ كَعَطْفِ مَجْمُوعِ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ عَلى مَجْمُوعِ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ غَيْرُ لازِمٍ وإنَّما اُرْتُكِبَ هاهُنا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَدارَ إعْدادِ ما أُعِدَّ لَهم جَمْعُهم بَيْنَ هَذِهِ النُّعُوتِ الجَمِيلَةِ.
وذِكْرُ الفُرُوجِ مُتَعَلِّقًا لِلْحِفْظِ لِكَوْنِها مَرْكَبَ الشَّهْوَةِ الغالِبَةِ وذِكْرُ الِاسْمِ الجَلِيلِ مُتَعَلِّقًا لِلذِّكْرِ لِأنَّهُ الِاسْمُ الأعْظَمُ المُشْعِرُ بِجَمِيعِ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ، وحَذْفُ مُتَعَلِّقِ كُلٍّ مِنَ الحافِظاتِ والذّاكِراتِ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، وجَعْلُ الذِّكْرِ آخِرَ الصِّفاتِ لِعُمُومِهِ وشَرَفِهِ ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [اَلْعَنْكَبُوتِ: 45] وتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ في ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ لِتَغْلِيبِ الذُّكُورِ عَلى الإناثِ وإلّا فالظّاهِرُ لَهم ولَهُنَّ، ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ التَّنْزِيلِ أشارَ في أوَّلِ الآيَةِ وآخِرِها إلى أفْضَلِيَّةِ الذُّكُورِ عَلى الإناثِ،
33:36Page 423
وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلٗا مُّبِينٗا ٣٦
It is not for a believing man or a believing woman, when Allāh and His Messenger have decided a matter, that they should [thereafter] have any choice about their affair. And whoever disobeys Allāh and His Messenger has certainly strayed into clear error.
﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ﴾ أيْ ما صَحَّ وما اِسْتَقامَ لِرَجُلٍ ولا اِمْرَأةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴿إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا﴾ أيْ قَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وذِكْرُ اللَّهِ تَعالى لِتَعْظِيمِ أمْرِهِ بِالإشارَةِ إلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَنزِلَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِحَيْثُ تُعَدُّ أوامِرِهِ أوامِرَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أوْ لِلْإشْعارِ بِأنَّ ما يَفْعَلُهُ ﷺ إنَّما يَفْعَلُهُ بِأمْرِهِ لِأنَّهُ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى فالنَّظْمُ إمّا مِن قَبِيلِ ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾ [اَلْأنْفالِ: 41] أوْ مِن قَبِيلِ ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [اَلتَّوْبَةِ: 62].
﴿أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ أيْ أنْ يَخْتارُوا مِن أمْرِهِمْ ما شاءُوا بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَجْعَلُوا رَأْيَهم تَبَعًا لِرَأْيِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ واخْتِيارَهم تِلْوًا لِاخْتِيارِهِ، والخِيَرَةُ مَصْدَرٌ مِن تَخَيَّرَ كالطِّيَرَةِ مَصْدَرٌ مِن تَطَيَّرَ، ولَمْ يَجِئْ عَلى ما قِيلَ مَصْدَرٌ بِهَذِهِ الزِّنَةِ غَيْرَهُما، وقِيلَ: هي صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ وفُسِّرَتْ بِالمُتَخَيَّرِ، و﴿مِن أمْرِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِها أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنها، وجَمْعُ الضَّمِيرِ في لَهم رِعايَةً لِلْمَعْنى لِوُقُوعِ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ في سِياقِ النَّفْيِ والنَّكِرَةُ الواقِعَةُ في سِياقِهِ تَعُمُّ، وكانَ مِن حَقِّهِ عَلى ما في الكَشّافِ تَوْحِيدُهُ كَما تَقُولُ: ما جاءَنِي مِنَ اِمْرَأةٍ ولا رَجُلٍ إلّا كانَ مِن شَأْنِهِ كَذا، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ هَذا عَطْفٌ بِالواوِ والتَّوْحِيدُ في العَطْفِ بِأوْ نَحْوَ مَن جاءَكَ مِن شَرِيفٍ أوْ وضِيعٍ أُكْرِمْهُ فَلا يَجُوزُ إفْرادُ الضَّمِيرِ في ذاكَ إلّا بِتَأْوِيلِ الحَذْفِ، وجَمْعُهُ في ( أمْرِهِمْ ) مَعَ أنَّهُ لِلرَّسُولِ ﷺ أوَّلَهُ ولِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِلتَّعْظِيمِ عَلى ما قِيلَ.
صفحة 23
وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: لَمْ يَظْهَرْ عِنْدِي اِمْتِناعُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى ما عادَ عَلَيْهِ الأوَّلُ عَلى أنْ يَكُونَ المَعْنى ناشِئَةً مِن أمْرِهِمْ أيْ دَواعِيهِمْ السّائِقَةِ إلى اِخْتِيارِ خِلافِ ما أمَرَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ﷺ أوْ يَكُونُ المَعْنى الِاخْتِيارَ في شَيْءٍ مِن أمْرِهِمْ أيْ أُمُورِهِمُ الَّتِي يَعْنُونَها، ويُرَجَّحُ عُودُهُ عَلى ما ذُكِرَ بِعَدَمِ التَّفْكِيكِ ورُدَّ بِأنَّ ذاكَ قَلِيلُ الجَدْوى ضَرُورَةَ أنَّ الخِيَرَةَ ناشِئَةٌ مِن دَواعِيهِمْ أوْ واقِعَةٌ في أُمُورِهِمْ وهو بَيِّنٌ مُسْتَغْنٍ عَنِ البَيانِ بِخِلافِ ما إذا كانَ المَعْنى بَدَلَ أمْرِهِ الَّذِي قَضاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ مُتَجاوِزِينَ عَنْ أمْرِهِ لِتَأْكِيدِهِ وتَقْرِيرِهِ لِلنَّفْيِ، وهَذا هو المانِعُ مِن عُودِهِ إلى ما عادَ عَلَيْهِ الأوَّلُ، والحَقُّ أنَّهُ لا مانِعَ مِن ذَلِكَ عَلى أنْ يَكُونَ المَعْنى ما كانَ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَكُونَ لَهُمُ اِخْتِيارٌ في شَيْءٍ مِن أُمُورِهِمْ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ لَهم أمْرًا، ولا نُسَلِّمُ أنَّ ما عُدَّ مانِعًا مانِعٌ، فَتَدَبَّرْ.
ولَعَلَّ الفائِدَةَ في العُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ في الضَّمِيرِ الأوَّلِ عَلى ما قالَ الطِّيبِيُّ الإيذانُ بِأنَّهُ كَما لا يَصِحُّ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ كَذَلِكَ لا يَصِحُّ أنْ يَجْتَمِعُوا ويَتَّفِقُوا عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ لِأنَّ تَأْثِيرَ الجَماعَةِ واتِّفاقَهم أقْوى مِن تَأْثِيرِ الواحِدِ، ويُسْتَفادُ مِنهُ فائِدَةُ الجَمْعِ في الضَّمِيرِ الثّانِي عَلى تَقْدِيرِ عَوْدِهِ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ الأوَّلُ وكَذا وجْهُ إفْرادِ الأمْرِ إذا أُمْعِنَ النَّظَرُ، وقَرَأ الحَرَمِيّانِ والعَرَبِيّانِ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والأعْرَجُ وعِيسى (تَكُونُ) بِتاءِ التَّأْنِيثِ والوَجْهُ ظاهِرٌ ووَجْهُ القِراءَةِ بِالياءِ وهي قِراءَةُ الكُوفِيِّينَ والحَسَنِ والأعْمَشِ والسَّلَمِيِّ أنَّ المَرْفُوعَ بِالفِعْلِ مَفْصُولٌ مَعَ كَوْنِ تَأْنِيثِهِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ، وقُرِئَ كَما ذَكَرَ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ «اَلْخِيْرَةُ» بِسُكُونِ الياءِ.
﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ ويَعْمَلْ فِيهِ بِرَأْيِهِ ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾ طَرِيقَ الحَقِّ ﴿ضَلالا مُبِينًا﴾ أيْ بَيِّنَ الِانْحِرافِ عَنْ سُنَنِ الصَّوابِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا في الأُمُورِ المَقْضِيَّةِ عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ السَّوْقُ، والآيَةُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ وغَيْرِهِمْ «نَزَلَتْ في زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ مِن عَمَّتِهِ ﷺ أُمَيْمَةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وأخِيها عَبْدِ اللَّهِ خَطَبَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَوْلاهُ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ وقالَ: إنِّي أُرِيدُ أُزَوِّجُكِ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ فَإنِّي قَدْ رَضِيتُهُ لَكِ فَأبَتْ وقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَكِنِّي لا أرْضاهُ لِنَفْسِي وأنا أيِّمُ قَوْمِي وبِنْتُ عَمَّتِكَ فَلَمْ أكُنْ لِأفْعَلَ، وفي رِوايَةٍ أنَّها قالَتْ: أنا خَيْرٌ مِنهُ حَسَبًا ووافَقَها أخُوها عَبْدُ اللَّهِ عَلى ذَلِكَ، فَلَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ رَضِيا وسَلَّما، فَأنْكَحُها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدًا بَعْدَ أنْ جَعَلَتْ أمْرَها بِيَدِهِ وساقَ إلَيْها عَشَرَةَ دَنانِيرَ وسِتِّينَ دِرْهَمًا مَهْرًا وخِمارًا ومِلْحَفَةً ودِرْعًا وإزارًا وخَمْسِينَ مُدًّا مِن طَعامٍ وثَلاثِينَ صاعًا مِن تَمْرٍ».
وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ أنَّهُ قالَ نَزَلَتْ في أُمِّ كُلْثُومِ بِنْتِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ وكانَتْ أوَّلَ اِمْرَأةٍ هاجَرَتْ مِنَ النِّساءِ فَوَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ﷺ فَزَوَّجَها زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ فَحَطَّتْ هي وأخُوها وقالَتْ إنَّما أرَدْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَزَوَّجَنا عَبْدَهُ».
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences