Al-AlusiAl‑Ahzab · 33:50

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Ahzab 33:50, continued

وأيْضًا في الِانْتِقالِ مِنَ الإفْرادِ إلى الجَمْعِ في جانِبَيِ العُمُومَةِ والخُئُولَةِ إشارَةٌ إلى ما في النِّكاحِ مِنَ اِنْتِقالِ كُلٍّ مِنَ الزَّوْجِ والزَّوْجَةِ مِن حالِ الِانْفِرادِ إلى حالِ الِاجْتِماعِ فَلِلَّهِ تَعالى دَرُّ التَّنْزِيلِ، هَذا ما عِنْدِي وهو زَهْرَةُ رَبِيعٍ لا تَحْمِلُ الفَرْكَ ومَعَ هَذا قِسْهُ إلى ما سَمِعْتَ عَنْ ساداتِنا المُعاصِرِينَ واخْتَرْ لِنَفْسِكَ ما يَحْلُو، واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كِتابِهِ.

﴿وامْرَأةً مُؤْمِنَةً﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَفْعُولِ أحْلَلْنا عِنْدَ جَمْعٍ ولَيْسَ مَعْنى ﴿أحْلَلْنا﴾ إنْشاءُ حَلالِ النّاجِزِ ولا الإخْبارُ عَنْ إحْلالِ ماضٍ بَلْ إعْلامٌ بِمُطْلَقِ الإحْلالِ المُنْتَظِمِ لِما سَبَقَ ولَحِقَ فَلا يُعَكِّرُ عَلى ذَلِكَ الشَّرْطُ، وهَذا كَما تَقُولُ أبَحْتُ لَكَ أنْ تُكَلِّمَ فُلانًا إنْ سَلَّمَ عَلَيْكَ، ولِما فِيهِ مِنَ البَحْثِ قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ نُصِبَ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما قَبْلُ، أيْ ويَحِلُّ لَكَ اِمْرَأةً أوْ وأحْلَلْنا لَكَ اِمْرَأةً وهو مُسْتَقْبَلٌ لِمَكانِ الشَّرْطِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ واِمْرَأةٌ مُؤْمِنَةٌ أحْلَلْناها لَكَ أيْضًا.

﴿إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾ أيْ مَلَّكَتْهُ المُتْعَةَ بِها بِأيِّ عِبارَةٍ كانَتْ بِلا مَهْرٍ، وقَرَأ أُبَيٌّ والحَسَنُ والشَّعْبِيُّ وعِيسى وسَلامٌ «أنْ وهَبَتْ» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ أيْ لِأنْ وهَبَتْ، وقِيلَ: أيُّ وقْتٍ أنْ وهَبَتْ أوْ مُدَّةَ أنْ وهَبَتْ فَتَكُونُ أنْ وما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ مَنصُوبٍ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وأكْثَرُ النُّحاةِ لا يُجِيزُونَهُ في غَيْرِ المَصْدَرِ الصَّرِيحِ كَ آتِيكَ خُفُوقَ النَّجْمِ وغَيْرِ ما المَصْدَرِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَصْدَرُ بَدَلًا مِن ( اِمْرَأةً ) وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «إذْ وهَبَتْ» وإذْ ظَرْفٌ لِما مَضى، وقِيلَ: هي مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [اَلزُّخْرُفِ: 39].

﴿إنْ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها﴾ أيْ يَتَمَلَّكَ المُتْعَةَ بِها بِأيِّ عِبارَةٍ كانَتْ بِلا مَهْرٍ، وهَذا شَرْطٌ لِلشَّرْطِ الأوَّلِ في اِسْتِيجابِ الحِلِّ، فَهِبَتُها نَفْسَها مِنهُ ﷺ لا يُوجِبُ لَهُ حِلَّها إلّا بِإرادَتِهِ نِكاحَها، وهَذِهِ الإرادَةُ جارِيَةٌ مَجْرى قَبُولِ الهِبَةِ، وقالَ اِبْنُ كَمالٍ: الإرادَةُ المَذْكُورَةُ عِبارَةٌ عَنِ القَبُولِ ولا وجْهَ لِحَمْلِها عَلى الحَقِيقَةِ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَسْتَنْكِحَها﴾ يُغْنِي عَنِ الإرادَةِ بِمَعْناهُ الوَضْعِيِّ وهو يُشِيرُ إلى أنَّ السِّينَ لِلطَّلَبِ، وكَلامُ بَعْضِ الأجِلَّةِ عَلى هَذا حَيْثُ قالَ: إرادَةُ طَلَبِ النِّكاحِ كِنايَةٌ عَنِ القَبُولِ.

وقِيلَ: اِسْتَفْعَلَ هُنا بِمَعْنى فَعَلَ فالِاسْتِنْكاحُ بِمَعْنى النِّكاحِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ التَّكْرارُ وفِيهِ نَظَرٌ، واسْتَظْهَرَ صاحِبُ هَذا القِيلِ حَمْلَ الإرادَةِ عَلى الإرادَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى الهِبَةِ بِناءً عَلى أنَّ التَّرْكِيبَ يَقْتَضِي تَقَدُّمَ هَذا الشَّرْطِ فَقَدْ قالُوا: إذا اِجْتَمَعَ شَرْطانِ فالثّانِي شَرْطٌ في الأوَّلِ مُتَأخِّرٌ في اللَّفْظِ مُتَقَدِّمٌ في الوُقُوعِ وهو بِمَنزِلَةِ الحالِ، ومِن هُنا قالَ

صفحة 59

الفُقَهاءُ: لَوْ قالَ: إنْ رَكِبْتِ إنْ أكَلْتِ فَأنْتِ طالِقٌ، لا تُطَلَّقُ ما لَمْ يَتَقَدَّمِ الأكْلُ عَلى الرُّكُوبِ لِيَتَحَقَّقَ تَقْيِيدُ الحالِيَّةِ.

واسْتَشْكَلَ السَّمِينُ هَذِهِ القاعِدَةَ بِما هُنا بِناءً عَلى أنَّهم جَعَلُوا ذَلِكَ الشَّرْطَ بِمَنزِلَةِ القَبُولِ لِاقْتِضاءِ الواقِعِ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ عَرَضَهُ عَلى عُلَماءِ عَصْرِهِ فَلَمْ يَجِدُوا مُخَلِّصًا مِنهُ إلّا بِأنَّ هَذِهِ القاعِدَةَ لَيْسَتْ بِكُلِّيَّةٍ بَلْ مَخْصُوصَةٍ بِما لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ عَلى تَأخُّرِ الثّانِي كَما في نَحْوِ إنْ تَزَوَّجْتُكِ إنْ طَلَّقْتُكِ فَعَبْدِي حُرُّ، فَإنَّ الطَّلاقَ لا يَتَقَدَّمُ التَّزَوُّجَ وما نَحْنُ فِيهِ مِن هَذا القَبِيلِ، ثُمَّ قالَ: فَمَن جَعَلَ الشَّرْطَ الثّانِيَ هُنا مُقَدَّمًا لَمْ يُصِبْ، ورَأيْتُ في الفَنِّ السّابِعِ مِنَ (اَلْأشْباهِ والنَّظائِرِ النَّحْوِيَّةِ) لِلْجَلالِ السُّيُوطِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ كَلامًا لِابْنِ هِشامٍ ذَكَرَ فِيهِ أنَّ جَعْلَ الآيَةِ كالمِثالِ ونَظْمَهُما في سِلْكِ مَسْألَةِ اِعْتِراضِ الشَّرْطِ عَلى الشَّرْطِ هو ما ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ، مِنهُمُ اِبْنُ مالِكٍ وذَهَبَ هو إلى أنَّ المِثالَ مِن مَسْألَةِ الِاعْتِراضِ المَذْكُورِ دُونَ الآيَةِ، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِما اِحْتَجَّ، ثُمَّ ذَكَرَ الخِلافَ في صِحَّةِ تَرْكِيبِ ما وقَعَ فِيهِ الِاعْتِراضُ كالمِثالِ وأنَّ الجُمْهُورَ عَلى جَوازِهِ وهو الصَّحِيحُ وأنَّ المُجِيزِينَ اِخْتَلَفُوا في تَحْقِيقِ ما يَقَعُ بِهِ مَضْمُونُ الجَوابِ الواقِعِ بَعْدَ الشَّرْطَيْنِ عَلى ثَلاثَةِ مَذاهِبَ:

أحَدُهُما: أنَّهُ إنَّما يَقَعُ بِمَجْمُوعِ أمْرَيْنِ؛ أحَدُهُما: حُصُولُ كُلٍّ مِنَ الشَّرْطَيْنِ، والآخَرُ: كَوْنُ الشَّرْطِ الثّانِي واقِعًا قَبْلَ وُقُوعِ الأوَّلِ، فَفي المِثالِ لا يَقَعُ الطَّلاقُ إلّا بِوُقُوعِ الرُّكُوبِ والأكْلِ مِن تَقَدُّمِ وُقُوعِ الأكْلِ عَلى الرُّكُوبِ، وذَكَرَ أنَّ هَذا مَذْهَبُ الجُمْهُورِ.

وثانِيها: أنَّهُ يَقَعُ بِحُصُولِ الشَّرْطَيْنِ مُطْلَقًا وذَكَرَ أنَّهُ حَكاهُ لَهُ بَعْضُ العُلَماءِ عَنْ إمامِ الحَرَمَيْنِ وأنَّهُ رَآهُ مَحْكِيًّا عَنْ غَيْرِهِ بَعْدُ.

وثالِثُها: أنَّهُ يَقَعُ بِوُقُوعِ الشَّرْطَيْنِ عَلى التَّرْتِيبِ فَإنَّما تُطَلَّقُ في المِثالِ إذا رَكِبَتْ أوَّلًا ثُمَّ أكَلَتْ، وأبْطَلَ كُلًّا مِنَ المَذْهَبَيْنِ الأخِيرَيْنِ وذَكَرَ في تَوْجِيهِ التَّرْكِيبِ عَلى المَذْهَبِ الأوَّلِ مَذْهَبَيْنِ:

الأوَّلُ: مَذْهَبُ الجُمْهُورِ، أنَّ الجَوابَ المَذْكُورَ لِلشَّرْطِ الأوَّلِ وجَوابَ الثّانِي مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الأوَّلِ وجَوابِهِ عَلَيْهِ ولِإغْناءِ ذَلِكَ عَنْهُ وقِيامِهِ مَقامَهُ لَزِمَ في وُقُوعِ المُعَلَّقِ عَلى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ الثّانِي واقِعًا قَبْلَ الأوَّلِ ضَرُورَةَ أنَّ الجَوابَ لا بُدَّ مِن تَأخُّرِهِ عَنِ الشَّرْطِ فَكَذا الأمْرُ في القائِمِ مَقامَ الشَّرْطِ.

والثّانِي: مَذْهَبُ اِبْنِ مالِكٍ، أنَّ الجَوابَ المَذْكُورَ لِلْأوَّلِ والثّانِيَ لا جَوابَ لَهُ لا مَذْكُورَ ولا مُقَدَّرَ لِأنَّهُ مُقَيِّدٌ لِلْأوَّلِ تَقْيِيدَهُ بِحالٍ واقِعَةٍ مَوْقِعَهُ، فالمَعْنى في المِثالِ: إنْ رَكِبْتِ آكِلَةً فَأنْتِ طالِقٌ، وفِيهِ أنَّهُ خارِجٌ عَنِ القِياسِ وأنَّهُ لا يَطَّرِدُ في إنْ قُمْتِ إنْ قَعَدْتِ فَأنْتِ طالِقٌ وأنَّ الشَّرْطَ بَعِيدٌ عَنْ مَذْهَبِ الحالِ لِمَكانِ الِاسْتِقْبالِ.

وبِالجُمْلَةِ قَدْ أطالَ الكَلامَ في هَذِهِ المَسْألَةِ وهي مَسْألَةٌ شَهِيرَةٌ ذَكَرَها الأُصُولِيُّونَ وغَيْرُهم وفِيما ذَكَرْنا فِيها اِكْتِفاءٌ بِأقَلِّ اللّازِمِ هاهُنا، فَتَأمَّلْ.

وأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى وُقُوعِ الهِبَةِ واخْتَلَفُوا في تَعْيِينِ الواهِبَةِ، فَعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وعِكْرِمَةَ هي مَيْمُونَةُ بِنْتُ الحارِثِ الهِلالِيَّةُ، وفي المَواهِبِ يُقالُ: إنَّ مَيْمُونَةَ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ﷺ وذَلِكَ أنَّ خُطْبَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اِنْتَهَتْ إلَيْها وهي عَلى بَعِيرِها فَقالَتِ: البَعِيرُ وما عَلَيْهِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ﷺ، وكانَ ذَلِكَ سَنَةَ سَبْعٍ بَعْدَ غَزْوَةِ خَيْبَرَ وبَنى عَلَيْها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِسَرَفٍ عَلى عَشَرَةِ أمْيالٍ مِن مَكَّةَ، وعَلَيْهِ تَكُونُ إرادَةُ النِّكاحِ سابِقَةً عَلى الهِبَةِ فَيُضَعَّفُ بِهِ قَوْلُ السَّمِينِ.

وعَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ هي أُمُّ شَرِيكٍ غَزِيَّةُ بِنْتُ جابِرِ بْنِ حَكِيمٍ الدَّوْسِيَّةُ، قالَ في (اَلصَّفْوَةِ): والأكْثَرُونَ عَلى أنَّها هي الَّتِي وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَقْبَلْها فَلَمْ تَتَزَوَّجْ حَتّى ماتَتْ، وفي (اَلدُّرِّ المَنثُورِ) عَنْ مُنِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدَّوْسِيِّ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبِلَها.

وعَنْ عُرْوَةَ والشَّعْبِيِّ هي زَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ مِنَ الأنْصارِ كانَتْ تُدْعى في الجاهِلِيَّةِ أُمَّ المَساكِينِ لِإطْعامِها إيّاهم وكانَ ذَلِكَ في سَنَةِ ثَلاثٍ ولَمْ

صفحة 60

تَلْبَثْ عِنْدَهُ ﷺ إلّا قَلِيلًا حَتّى تُوُفِّيَتْ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها.

وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتِ: الَّتِي وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ﷺ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ، وقَدْ أرْجَأها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَتَزَوَّجَها عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ بِإذْنِهِ ﷺ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ تَعَدُّدُ الواهِباتِ، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: كانَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ مِنَ اللّاتِي وهَبْنَ أنْفُسَهُنَّ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقالَتْ عائِشَةُ: أما تَسْتَحِي المَرْأةُ أنْ تَهِبَ نَفْسَها لِلرَّجُلِ، فَلَمّا نَزَلَتْ:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском