Al-AlusiAl‑Ahzab · 33:56

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Ahzab 33:56

33:56Page 426

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا ٥٦

Indeed, Allāh confers blessing upon the Prophet, and His angels [ask Him to do so]. O you who have believed, ask [Allāh to confer] blessing upon him and ask [Allāh to grant him] peace.

﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ﴾ كالتَّعْلِيلِ لِما أفادَهُ الكَلامُ السّابِقُ مِنَ التَّشْرِيفِ العَظِيمِ الَّذِي لَمْ يُعْهَدْ لَهُ نَظِيرٌ، والتَّعْبِيرُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ، وذُكِرَ أنَّ الجُمْلَةَ تُفِيدُ الدَّوامَ نَظَرًا إلى صَدْرِها مِن حَيْثُ إنَّها جُمْلَةٌ اِسْمِيَّةٌ وتُفِيدُ التَّجَدُّدَ نَظَرًا إلى عَجْزِها مِن حَيْثُ إنَّها جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ فَيَكُونُ مُفادُها اِسْتِمْرارَ الصَّلاةِ وتَجَدُّدَها وقْتًا فَوَقْتًا، وتَأْكِيدُها بِأنَّ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الخَبَرِ، وقِيلَ لِوُقُوعِها في جَوابِ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ هو ما سَبَبُ هَذا التَّشْرِيفِ العَظِيمِ؟ وعُبِّرَ بِالنَّبِيِّ دُونَ اِسْمِهِ ﷺ عَلى خِلافِ الغالِبِ في حِكايَتِهِ تَعالى عَنْ أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إشْعارًا بِما اُخْتُصَّ بِهِ ﷺ مِن مَزِيدِ الفَخامَةِ والكَرامَةِ وعُلُوِّ القَدْرِ، وأكَّدَ ذَلِكَ الإشْعارُ بِألِ الَّتِي لِلْغَلَبَةِ إشارَةً إلى أنَّهُ ﷺ المَعْرُوفُ

صفحة 76

الحَقِيقُ بِهَذا الوَصْفِ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّ ذاكَ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، ولَمْ يُعَبَّرْ بِالرَّسُولِ بَدَلَهُ لِيُوافِقَ ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ لِأنَّ الرِّسالَةَ أفْضَلُ مِنَ النُّبُوَّةِ عَلى الصَّحِيحِ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ خِلافًا لِلْعِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ فَتَعْلِيقُ الحَكَمِ بِها لا يُفِيدُ قُوَّةَ اِسْتِحْقاقِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلصَّلاةِ بِخِلافِ تَعْلِيقِهِ بِما هو دُونَها مَعَ وُجُودِها فِيهِ وهو مَعْنًى دَقِيقٌ لا يُتَسارَعُ إلى الِاعْتِراضِ عَلَيْهِ، وإضافَةُ المَلائِكَةِ لِلِاسْتِغْراقِ.

وقِيلَ: ( مَلائِكَتَهُ ) ولَمْ يَقُلِ (اَلْمَلائِكَةَ) إشارَةً إلى عَظِيمِ قَدْرِهِمْ ومَزِيدِ شَرَفِهِمْ بِإضافَتِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى وذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِتَعْظِيمِهِ ﷺ بِما يَصِلُ إلَيْهِ مِنهم مِن حَيْثُ إنَّ العَظِيمَ لا يَصْدُرُ مِنهُ إلّا عَظِيمٌ، ثُمَّ فِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى كَثْرَتِهِمْ وأنَّ الصَّلاةَ مِن هَذا الجَمْعِ الكَثِيرِ الَّذِي لا يُحِيطُ بِمُنْتَهاهُ غَيْرُ خالِقِهِ واصِلَةٌ إلَيْهِ ﷺ عَلى مَمَرِّ الأيّامَ والدُّهُورِ مَعَ تَجَدُّدِها كُلَّ وقْتٍ وحِينٍ، وهَذا أبْلُغُ تَعْظِيمٍ وأنْهاهُ وأشْمَلُهُ وأكْمَلُهُ وأزْكاهُ.

واخْتَلَفُوا في مَعْنى الصَّلاةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى ومَلائِكَتِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ عَلى أقْوالٍ فَقِيلَ: هي مِنهُ عَزَّ وجَلَّ ثَناؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ مَلائِكَتِهِ وتَعْظِيمُهُ، ورَواهُ البُخارِيُّ عَنْ أبِي العالِيَةِ وغَيْرُهُ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ وجَرى عَلَيْهِ الحَلِيمِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ)، وتَعْظِيمُهُ تَعالى إيّاهُ في الدُّنْيا بِإعْلاءِ ذِكْرِهِ وإظْهارِ دِينِهِ وإبْقاءِ العَمَلِ بِشَرِيعَتِهِ، وفي الآخِرَةِ بِتَشْفِيعِهِ في أُمَّتِهِ وإجْزالِ أجْرِهِ ومَثُوبَتِهِ وإبْداءِ فَضْلِهِ لِلْأوَّلِينَ والآخَرِينَ بِالمَقامِ المَحْمُودِ وتَقْدِيمِهِ عَلى كافَّةِ المُقَرَّبِينَ الشُّهُودِ، وتَفْسِيرُها بِذَلِكَ لا يُنافِي عَطْفَ غَيْرِهِ كالآلِ والأصْحابِ عَلَيْهِ لِأنَّ تَعْظِيمَ كُلِّ أحَدٍ بِحَسَبِ ما يَلِيقُ بِهِ، وهي مِنَ المَلائِكَةِ الدُّعاءُ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما رَواهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ، وقِيلَ: هي مِنهُ تَعالى رَحْمَتُهُ عَزَّ وجَلَّ، ونَقَلَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ الثَّوْرِيِّ وغَيْرِ واحِدٍ مِن أهْلِ العِلْمِ ونُقِلَ عَنْ أبِي العالِيَةِ أيْضًا وعَنِ الضَّحّاكِ وجَرى عَلَيْهِ المُبَرِّدُ وابْنُ الأعْرابِيِّ والإمامُ الماوَرْدِيُّ وقالَ: إنَّ ذَلِكَ أظْهَرُ الوُجُوهِ.

واعْتُرِضَ بِما مَرَّ عِنْدَ الكَلامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ﴾ [اَلْأحْزابِ: 43] والجَوابُ هو الجَوابُ، وبِأنَّ الصَّحابَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم سَألُوا كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لَمّا نَزَلَتْ عَنْ كَيْفِيَّةِ الصَّلاةِ فَلَوْ لَمْ يَكُونُوا فَهِمُوا المُغايِرَةَ بَيْنَها وبَيْنَ الرَّحْمَةِ ما سَألُوا عَنْ كَيْفِيَّتِها مَعَ كَوْنِهِمْ عَلِمُوا الدُّعاءَ بِالرَّحْمَةِ في التَّشَهُّدِ.

وأُجِيبَ بِأنَّها رَحْمَةٌ خاصَّةٌ فَسَألُوا عَنِ الكَيْفِيَّةِ لِيُحِيطُوا عِلْمًا بِذَلِكَ الخُصُوصِ، وهي مِنَ المَلائِكَةِ كَما سَمِعْتَ أوَّلًا، ويَلْزَمُ عَلى هَذا وذَلِكَ اِسْتِعْمالُ اللَّفْظِ في مَعْنَيَيْنِ ولا يُجَوِّزُهُ كَثِيرٌ كالحَنَفِيَّةِ، والقائِلُونَ بِأحَدِ القَوْلَيْنِ الَّذِينَ لا يُجَوِّزُونَ الِاسْتِعْمالَ المَذْكُورَ اِخْتَلَفُوا في التَّقَصِّي عَنْ ذَلِكَ في الآيَةِ فَقالَ بَعْضُهُمْ: في الآيَةِ حَذْفٌ والأصْلُ إنَّ اللَّهَ يُصَلِّي ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ فَيَكُونُ قَدْ أُدِّيَ كُلُّ مَعْنًى بِلَفْظٍ، وقالَ آخَرُ: تَعَدُّدُ الفاعِلِ صَيَّرَ الفِعْلَ كالمُتَعَدِّدِ، وقالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى واحِدًا حَقِيقِيًّا وهو الدُّعاءُ والمَعْنى واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنَّهُ تَعالى يَدْعُو ذاتَهُ والمَلائِكَةَ بِإيصالِ الخَيْرِ وذَلِكَ في حَقِّهِ تَعالى بِالرَّحْمَةِ وفي حَقِّ المَلائِكَةِ بِالِاسْتِغْفارِ، وفِيهِ دَغْدَغَةٌ لا تَخْفى، وقالَ جَمْعٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ: يُتَقَصّى عَنْ ذَلِكَ بِعُمُومِ المَجازِ فَيُرادُ مَعْنًى مَجازِيٌّ عامٌّ يَكُونُ كُلٌّ مِنَ المَعانِي فَرْدًا حَقِيقِيًّا لَهُ وهو الِاعْتِناءُ بِما فِيهِ خَيْرُهُ ﷺ وصَلاحُ أمْرِهِ وإظْهارُ شَرَفِهِ وتَعْظِيمُ شَأْنِهِ أوِ التَّرَحُّمُ والِانْعِطافُ المَعْنَوِيُّ.

وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّ مَعْنى الصَّلاةِ يَخْتَلِفُ بِاعْتِبارِ حالِ المُصَلِّي والمُصَلّى لَهُ والمُصَلّى عَلَيْهِ، والأوْلى أنَّها مَوْضُوعَةٌ هُنا لِلْقَدْرِ المُشْتَرِكِ وهو الِاعْتِناءُ بِالمُصَلّى عَلَيْهِ أوْ إرادَةُ وُصُولِ الخَيْرِ، وقالَ آخَرُ: الصَّوابُ أنَّ الصَّلاةَ لُغَةً بِمَعْنًى واحِدٍ وهو العَطْفُ ثُمَّ هو بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى الرَّحْمَةُ وإلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الِاسْتِغْفارُ

صفحة 77

وإلى الآدَمِيِّينَ الدُّعاءُ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ العَطْفَ بِمَعْناهُ الحَقِيقِيِّ مُسْتَحِيلٌ عَلَيْهِ تَعالى فَيَلْزَمُ مِنَ اِعْتِبارِهِ مُسْنَدًا إلَيْهِ تَعالى وإلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ما يَلْزَمُ، وأُجِيبَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ الِاسْتِحالَةَ إلّا إذا كانَ العَطْفُ في الغائِبِ كالعَطْفِ في الشّاهِدِ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بِقَلْبٍ ونَحْوِهِ مِن صِفاتٍ الأجْسامِ المُسْتَحِيلَةِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، ونَحْنُ مِن وراءِ المَنعِ فَكَثِيرٌ مِمّا في الشّاهِدِ شَيْءٌ وهو في اللَّهِ تَعالى وراءَ ذَلِكَ ويُسْنَدُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ عَلى الحَقِيقَةِ كالسَّمْعِ والبَصَرِ وكَذا الإرادَةُ.

وقَدْ ذَهَبَ السَّلَفُ إلى عَدَمِ تَأْوِيلِ الرَّحْمَةِ فِيهِ تَعالى بِأحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ المَشْهُورَيْنِ مَعَ أنَّها في الشّاهِدِ لا تَتَحَقَّقُ إلّا بِما يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعالى ولَوْ أُوجِبَ ذَلِكَ التَّأْوِيلُ لَمْ يَبْقَ بِأيْدِينا غَيْرُ مُحْتاجٍ إلَيْهِ إلّا قَلِيلٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَطْلَبِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن هَذا الكِتابِ، وقَدْ يُخْتارُ أنَّ الصَّلاةَ هُنا تَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِ ﷺ يُقارِنُهُ عَطْفٌ لائِقٌ بِهِ تَعالى وبِمَلائِكَتِهِ، وإذا اِنْسَحَبَتْ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعَلى أحَدٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ تَعَلَّقَتْ بِكُلٍّ حَسْبَما يَلِيقُ بِهِ، وجَمْعُ اللَّهِ سُبْحانَهُ والمَلائِكَةِ في ضَمِيرٍ واحِدٍ لا يُنافِي «قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِمَن قالَ: مَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ ومَن يَعْصِهِما فَقَدْ غَوى «بِئْسَ خَطِيبُ القَوْمِ أنْتَ قُلْ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ»» لِأنَّ ذَلِكَ مِنهُ تَعالى مَحْضُ تَشْرِيفٍ لِلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يُتَوَهَّمُ مِنهُ نَقْصٌ ولِذا قِيلَ إذا صَدَرَ مِثْلُهُ عَنْ مَعْصُومٍ قِيلَ كَما في قَوْلِهِ ﷺ: ««لا يُؤْمَنُ أحَدُكم حَتّى يَكُونَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ مِمّا سِواهُما»».

وقالَ بَعْضُهُمْ: لا بَأْسَ بِذَلِكَ مُطْلَقًا، وذَمَّ الخَطِيبَ لِأنَّهُ وقَفَ عَلى (يَعْصِهِما) وسَكَتَ سَكْتَةً واسْتُدِلَّ بِخَبَرٍ لِأبِي داوُدَ، وقِيلَ يَقْبُحُ إذا كانَ في جُمْلَتَيْنِ كَما في كَلامِ الخَطِيبِ ولا يَقْبُحُ إذا كانَ في واحِدَةٍ كَما في الآيَةِ وكَلامِ الحَبِيبِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وفِيهِ بَحْثٌ.

وقَرَأ اِبْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو «ومَلائِكَتُهُ» بِالرَّفْعِ فَعِنْدَ الكُوفِيِّينَ غَيْرِ الفَرّاءِ هو عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، والفَرّاءُ يَشْتَرِطُ في العَطْفِ عَلى ذَلِكَ خَفاءَ إعْرابِ اِسْمِ إنَّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئُونَ﴾ [اَلْمائِدَةِ: 69] وكَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:

ومَن يَكُ أمْسى في المَدِينَةِ رَحْلُهُ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ

وهَلْ خَفاءُ الإعْرابِ شامِلٌ لِلِاسْمِ المَقْصُورِ والمُضافِ لِلْياءِ أوْ خاصٌّ بِالمَبْنِيِّ فِيهِ خِلافٌ، وعِنْدَ البَصْرِيِّينَ والفَرّاءِ هو مُبْتَدَأٌ وجُمْلَةُ ﴿يُصَلُّونَ﴾ خَبَرُهُ وخَبَرُ إنَّ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةِ ما بَعْدُ عَلَيْهِ أيْ إنَّ اللَّهَ يُصَلِّي ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ أيْ عَظِّمُوا شَأْنَهُ عاطِفِينَ عَلَيْهِ فَإنَّكم أوْلى بِذَلِكَ، وظاهِرُ سَوْقِ الآيَةِ أنَّهُ لِإيجابِ اِقْتِدائِنا بِهِ تَعالى فَيُناسِبُ اِتِّحادَ المَعْنى مَعَ اِتِّحادِ اللَّفْظِ، وقِراءَةُ اِبْنِ مَسْعُودٍ (صَلُّوا عَلَيْهِ كَما صَلّى عَلَيْهِ) وكَذا قِراءَةُ الحَسَنِ فَصَلُّوا عَلَيْهِ أظْهَرُ فِيما ذُكِرَ فَيَبْعُدُ تَفْسِيرُ صَلُّوا عَلَيْهِ بِ قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى النَّبِيِّ أوْ نَحْوِهِ.

ومَن فَسَّرَهُ بِذَلِكَ أرادَ أنَّ المُرادَ بِالتَّعْظِيمِ المَأْمُورِ بِهِ ما يَكُونُ بِهَذا اللَّفْظِ ونَحْوِهِ مِمّا يَدُلُّ عَلى طَلَبِ التَّعْظِيمِ لِشَأْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِقُصُورِ وسِعَ المُؤْمِنِينَ عَنْ أداءِ حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وما جاءَ في الأخْبارِ إرْشادٌ إلى كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ وصِفَتِهِ لا أنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلَفْظِ صَلُّوا، وجاءَ ذَلِكَ عَلى عِدَّةِ أوْجُهٍ والجَمْعُ ظاهِرٌ.

أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والإمامُ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ واَلتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ أمّا السَّلامُ عَلَيْكَ فَقَدْ عَلِمْناهُ فَكَيْفَ الصَّلاةُ عَلَيْكَ قالَ: «قُلِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ كَما صَلَّيْتَ عَلى آلِ إبْراهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ كَما بارَكْتَ عَلى آلِ إبْراهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».

صفحة 78

وأخْرَجَ الإمامُ مالِكٌ والإمامُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهم عَنْ أبِي حُمَيْدٍ السّاعِدِيِّ أنَّهم قالُوا: «يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وأزْواجِهِ وذُرِّيَّتِهِ كَما صَلَّيْتَ عَلى آلِ إبْراهِيمَ وبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وأزْواجِهِ وذُرِّيَّتِهِ كَما بارَكْتَ عَلى آلِ إبْراهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ»».

وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهم عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذا السَّلامُ عَلَيْكَ قَدْ عَلِمْنا فَكَيْفَ الصَّلاةُ عَلَيْكَ؟ قالَ: «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ ورَسُولِكَ كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ وبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ كَما بارَكْتَ عَلى إبْراهِيمَ»» .

وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «أنَّهم سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ، قالَ: «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ وبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ كَما صَلَّيْتَ وبارَكْتَ عَلى إبْراهِيمَ وآلِ إبْراهِيمَ في العالَمِينَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ والسَّلامُ كَما قَدْ عَلِمْتُمْ»».

وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ اِبْنِ بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «قُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قالَ: «قُولُوا اللَّهُمَّ اِجْعَلْ صَلَواتِكَ ورَحْمَتَكَ وبَرَكاتِكَ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ كَما جَعَلْتَها عَلى إبْراهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ»».

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا مُلِئَتْ مِنهُ كُتُبُ الحَدِيثِ إلّا أنَّ في بَعْضِ الرِّواياتِ المَذْكُورَةِ فِيها مَقالًا، والظّاهِرُ مِنَ السُّؤالِ أنَّهُ سُؤالٌ عَنِ الصِّفَةِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ قَبْلُ وهو الَّذِي رَجَّحَهُ الباجِيُّ وغَيْرُهُ وجَزَمَ بِهِ القُرْطُبِيُّ وقِيلَ: إنَّهُ سُؤالٌ عَنْ مَعْنى الصَّلاةِ وبِأيِّ لَفْظٍ تُؤَدّى والحامِلُ لَهم عَلى السُّؤالِ عَلى هَذا أنَّ السَّلامَ لَمّا ورَدَ في التَّشَهُّدِ بِلَفْظٍ مَخْصُوصٍ فَهِمُوا أنَّ الصَّلاةَ أيْضًا تَقَعُ بِلَفْظٍ مَخْصُوصٍ ولَمْ يَفِرُّوا إلى القِياسِ لِتَيَسُّرِ الوُقُوفِ عَلى النَّصِّ سِيَّما والأذْكارُ يُراعى فِيها اللَّفْظُ ما أمْكَنَ فَوَقَعَ الأمْرُ كَما فَهِمُوهُ فَإنَّهُ لَمْ يَقُلْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كالسَّلامِ بَلْ عَلَّمَهم صِفَةً أُخْرى كَذا قِيلَ، ويُقالُ عَلى الأوَّلِ: إنَّهم لَمّا سَمِعُوا الأمْرَ بِالصَّلاةِ بَعْدَ سَماعِ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ ومَلائِكَتَهُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ ﷺ وفَهِمُوا أنَّ الصَّلاةَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ ومِن مَلائِكَتِهِ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - نَوْعٌ مِن تَعْظِيمٍ لائِقٍ بِشَأْنِ ذَلِكَ النَّبِيِّ الكَرِيمِ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ التَّسْلِيمِ لَمْ يَدْرُوا ما اللّائِقُ مِنهم مَن كَيْفِيّاتِ تَعْظِيمِ ذَلِكَ الجَنابِ وسَيِّدِ ذَوِي الألْبابِ ﷺ صَلاةً وسَلامًا يَسْتَغْرِقانِ الحِسابَ فَسَألُوا عَنْ كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ التَّعْظِيمِ فَأرْشَدَهم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى ما عُلِمَ أنَّهُ أوْلى أنْواعِهِ وهو بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، فَقالَ ﷺ: ««قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ»». إلى آخِرِ ما في بَعْضِ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّكم عاجِزُونَ عَنِ التَّعْظِيمِ اللّائِقِ بِي فاطْلُبُوهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِي.

ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّ الآتِيَ بِما أمَرَ بِهِ مِن طَلَبِ الصَّلاةِ لَهُ ﷺ عَزَّ وجَلَّ آتٍ بِأعْظَمِ أنْواعِ التَّعْظِيمِ لِتَضَمُّنِهِ الإقْرارَ بِالعَجْزِ عَنِ التَّعْظِيمِ اللّائِقِ، وقَدْ قِيلَ ونُسِبَ إلى الصَّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ العَجْزُ عَنْ دَرْكِ الإدْراكِ إدْراكٌ. ويَقْرُبُ في الجُمْلَةِ مِمّا ذَكَرْنا قَوْلُ بَعْضِ الأجِلَّةِ ونَقَلَهُ أبُو اليَمَنِ بْنُ عَساكِرَ وحَسَّنَهُ: لَمّا أمَرَنا اللَّهُ تَعالى بِالصَّلاةِ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ لَمْ نَبْلُغْ مَعْرِفَةَ فَضْلِها ولَمْ نُدْرِكْ حَقِيقَةَ مُرادِ اللَّهِ تَعالى فِيهِ فَأحَلْنا ذَلِكَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَقُلْنا اللَّهُمَّ صَلِّ أنْتَ عَلى رَسُولِكَ لِأنَّكَ أعْلَمُ بِما يَلِيقُ بِهِ وبِما أرَدْتَهُ لَهُ ﷺ اِنْتَهى، ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ ألْطَفُ مِنهُ، ومُقْتَضى ظاهِرُ إرْشادِهِ ﷺ إيّاهم إلى طَلَبِ الصَّلاةِ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ أنَّهُ لا يَحْصُلُ اِمْتِثالُ الأمْرِ إلّا بِما فِيهِ طَلَبُ ذَلِكَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ

صفحة 79

ويَكْفِي اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ لِأنَّهُ الَّذِي اِتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الرِّواياتُ في بَيانِ الكَيْفِيَّةِ، وكَأنَّ خُصُوصِيَّةَ الإنْشاءِ لَفْظًا ومَعْنًى غَيْرُ لازِمَةٍ، ولِذا قالَ بَعْضُ مَن أوْجَبَها في الصَّلاةِ وسَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى: إنَّهُ كَما يَكْفِي اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ، ولا يَتَعَيَّنُ اللَّفْظُ الوارِدُ خِلافًا لِبَعْضِهِمْ يَكْفِي صَلّى اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ عَلى الأصَحِّ بِخِلافِ الصَّلاةِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ فَإنَّهُ لا يَجْزِي اِتِّفاقًا لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إسْنادُ الصَّلاةِ إلى اللَّهِ تَعالى فَلَيْسَ في مَعْنى الوارِدِ.

وفِي تُحْفَةِ اِبْنِ حَجَرٍ يَكْفِي الصَّلاةُ عَلى مُحَمَّدٍ إنْ نَوى بِها الدُّعاءَ فِيما يَظْهَرُ، وقالَ النَّيْسابُورِيُّ: لا يَكْفِي صَلَّيْتُ عَلى مُحَمَّدٍ لِأنَّ مَرْتَبَةَ العَبْدِ تُقَصِّرُ عَنْ ذَلِكَ بَلْ يَسْألُ رَبَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وحِينَئِذٍ فالمُصَلِّي عَلَيْهِ حَقِيقَةً هو اللَّهُ تَعالى، وتَسْمِيَةُ العَبْدِ مُصَلِّيًا عَلَيْهِ مَجازٌ عَنْ سُؤالِهِ الصَّلاةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ ﷺ، فَتَأمَّلْهُ.

وذَكَرُوا أنَّ الإتْيانَ بِصِيغَةِ الطَّلَبِ أفْضَلُ مِنَ الإتْيانِ بِصِيغَةِ الخَبَرِ، وأُجِيبَ عَنْ إطْباقِ المُحَدِّثِينَ عَلى الإتْيانِ بِها بِأنَّهُ مِمّا أُمِرْنا بِهِ مِن تَحْدِيثِ النّاسِ بِما يَعْرِفُونَ إذْ كُتُبُ الحَدِيثِ يَجْتَمِعُ عِنْدَ قِراءَتِها أكْثَرُ العَوامِّ فَخِيفَ أنْ يَفْهَمُوا مِن صِيغَةِ الطَّلَبِ أنَّ الصَّلاةَ عَلَيْهِ ﷺ لَمْ تُوجَدْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بَعْدُ، وإلّا لَما طَلَبْنا حُصُولَها لَهُ عَلَيْهِ صَلاةُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ فَأتى بِصِيغَةٍ يَتَبادَرُ إلى أفْهامِهِمْ مِنها الحُصُولُ وهي مَعَ إبْعادِها إيّاهم مِن هَذِهِ الوَرْطَةِ مُتَضَمِّنَةٌ لِلطَّلَبِ الَّذِي أُمِرْنا بِهِ اِنْتَهى.

ولا يَخْفى ضَعْفُهُ فالأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ لِأنَّ تَصْلِيَتِهِمْ في الأغْلَبِ في أثْناءِ الكَلامِ الخَبَرِيِّ نَحْوَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ كَذا وفَعَلَ ﷺ كَذا فَأحَبُّوا أنْ لا يَكْثُرَ الفَصْلُ وأنْ لا يَكُونَ الكَلامُ عَلى أُسْلُوبَيْنِ لِما في ذَلِكَ مِنَ الخُرُوجِ عَنِ الجادَّةِ المَعْرُوفَةِ إذْ قَلَّما تَجِدُ في الفَصِيحِ تَوَسُّطَ جُمْلَةٍ دِعائِيَّةٍ إلّا وهي خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا مَعَ اِحْتِمالِ تَشَوُّشِ ذِهْنِ السّامِعِ وبُطْءِ فَهْمِهِ وحُسْنُ الإفْهامِ مِمّا تَحْصُلُ مُراعاتُهُ، فَتَدَبَّرْ.

والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَحْصُلُ الِامْتِثالُ بِـ اللَّهُمَّ عَظِّمْ مُحَمَّدًا التَّعْظِيمَ اللّائِقَ ونَحْوِهِ مِمّا لَيْسَ فِيهِ مُشْتَقٌّ مِنَ الصَّلاةِ كَ صَلِّ وصَلّى فَإنّا لَمْ نَسْمَعْ أحَدًا عَدَّ قائِلَ ذَلِكَ مُصَلِّيًا عَلَيْهِ ﷺ وذَلِكَ في غايَةِ الظُّهُورِ إذا كانَ قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أيْ وقُولُوا والسَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيُّ ونَحْوُهُ وهَذا ما عَلَيْهِ أكْثَرُ العُلَماءِ الأجِلَّةِ.

وفِي مَعْنى السَّلامُ عَلَيْكَ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: السَّلامَةُ مِنَ النَّقائِصِ والآفاتِ لَكَ ومَعَكَ، أيْ مُصاحَبَةً ومُلازِمَةً فَيَكُونُ السَّلامُ مَصْدَرًا بِمَعْنى السَّلامَةِ كاللَّذاذِ واللَّذاذَةِ والمَلامِ والمَلامَةِ ولِما في السَّلامِ مِنَ الثَّناءِ عُدِيَّ بِعَلى لا لِاعْتِبارِ مَعْنى القَضاءِ، أيْ قَضى اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ السَّلامَ كَما قِيلَ لِأنَّ القَضاءَ كالدُّعاءِ لا يَتَعَدّى بِعَلى لِلنَّفْعِ ولا لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الوِلايَةِ والِاسْتِيلاءِ لِبُعْدِهِ في هَذا الوَجْهِ.

ثانِيُها: السَّلامُ مُداوِمٌ عَلى حِفْظِكَ ورِعايَتِكَ ومُتَوَلٍّ لَهُ وكَفِيلٌ بِهِ ويَكُونُ السَّلامُ هُنا اِسْمَ اللَّهِ تَعالى، ومَعْناهُ عَلى ما اِخْتارَهُ اِبْنُ فُورَكَ وغَيْرُهُ مِن عِدَّةِ أقْوالٍ ذُو السَّلامَةِ مِن كُلِّ آفَةٍ ونَقِيصَةٍ ذاتًا وصِفَةً وفِعْلًا، وقِيلَ: إذا أُرِيدَ بِالسَّلامِ ما هو مِن أسْمائِهِ تَعالى فالمُرادُ لا خَلَوْتَ مِنَ الخَيْرِ والبَرَكَةِ وسَلِمْتَ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ لِأنَّ اِسْمَ اللَّهِ تَعالى إذا ذُكِرَ عَلى شَيْءٍ أفادَهُ ذَلِكَ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ حَفِظَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ والمُرادُ الدُّعاءُ بِالحِفْظِ.

وثالِثُها: الِانْقِيادُ عَلَيْكَ عَلى أنَّ السَّلامَ مِنَ المُسالَمَةِ وعَدَمِ المُخالَفَةِ، والمُرادُ الدُّعاءُ بِأنْ يُصَيِّرَ اللَّهُ تَعالى العِبادَ مُنْقادِينَ مُذْعِنِينَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِشَرِيعَتِهِ، وتَعْدِيَتُهُ بِعَلى قِيلَ: لِما فِيهِ مِنَ الإقْبالِ فَإنَّ مَنِ اِنْقادَ لِشَخْصٍ وأذْعَنَ لَهُ فَقَدْ

صفحة 80

أقْبَلَ عَلَيْهِ، والأرْجَحُ عِنْدِي هو الوَجْهُ الأوَّلُ.

وقِيلَ: مَعْنى ( سَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) اِنْقادُوا لِأوامِرِهِ ﷺ اِنْقِيادًا وهو غَيْرُ بَعِيدٍ إلّا أنَّ ظَواهِرَ الأخْبارِ والآثارِ تَقْتَضِي المَعْنى السّابِقَ وكَأنَّهُ لِذَلِكَ ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ، والجُمْلَةُ صِيغَةُ خَبَرٍ مَعْناها الدُّعاءُ بِالسَّلامَةِ وطَلَبُها مِنهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ واسْتُشْكِلَ ذَلِكَ فِيما إذا قالَ اللَّهُ تَعالى السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيُّ أوْ نَحْوَهُ بِأنَّ الدُّعاءَ لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ لِأنَّهُ طَلَبٌ وهو يَتَضَمَّنُ طالِبًا ومَطْلُوبًا ومَطْلُوبًا مِنهُ وهي أُمُورٌ مُتَغايِرَةٌ فَإنْ كانَ طَلَبُهُ سُبْحانَهُ السَّلامَةَ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَن غَيْرِهِ تَعالى فَمُحالِيَّتُهُ مَن أجْلى البَدِيهِيّاتِ، وإنْ كانَ مِن ذاتِهِ عَزَّ وجَلَّ لَزِمَ أنْ يُغايِرَ ذاتَهُ والشَّيْءُ لا يُغايِرُ ذاتَهُ ضَرُورَةً، وهَذا مَنشَأُ قَوْلِ بَعْضِهِمْ: إنَّ في السَّلامِ مِنهُ تَعالى إشْكالًا لَهُ شَأْنٌ فَيَنْبَغِي الِاعْتِناءُ بِهِ وعَدَمُ إهْمالِ أمْرِهِ فَقُلْ مَن يُدْرِكُ سِرَّهُ.

وأُجِيبَ بِأنَّ الطَّلَبَ مِن بابِ الإراداتِ والمُرِيدُ كَما يُرِيدُ مِن غَيْرِهِ أنْ يَفْعَلَ شَيْئًا فَكَذَلِكَ يُرِيدُ مِن نَفْسِهِ أنْ يَفْعَلَهُ هو والطَّلَبَ النَّفْسِيَّ وإنْ لَمْ يَكُنِ الإرادَةَ فَهو أخَصُّ مِنها وهي كالجِنْسِ لَهُ فَكَما يُعْقَلُ أنَّ المُرِيدَ يُرِيدُ مِن نَفْسِهِ فَكَذَلِكَ يَطْلُبُ مِنها إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ الطَّلَبِ والإرادَةِ، والحاصِلُ أنَّ طَلَبَ الحَقِّ جَلَّ وعَلا مِن ذاتِهِ أمْرٌ مَعْقُولٌ يَعْلَمُهُ كُلُّ واحِدٍ مِن نَفْسِهِ بِدَلِيلِ أنَّهُ يَأْمُرُها ويَنْهاها قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ النَّفْسَ لأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يُوسُفَ: 53] ﴿وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى﴾ [اَلنّازِعاتِ: 40] والأمْرُ والنَّهْيُ قِسْمانِ مِنَ الطَّلَبِ وقَدْ تُصُوِّرا مِنَ الإنْسانِ لِنَفْسِهِ بِالنَّصِّ فَكَذا بَقِيَّةُ أقْسامِ الطَّلَبِ وأنْواعِهِ، وأوْضَحُ مِن هَذا أنَّ الطَّلَبَ مِنهُ تَعالى بِمَعْنى الإرادَةِ وتُعْقَلُ إرادَةُ الشَّخْصِ مِن ذاتِهِ شَيْئًا بِناءً عَلى التَّغايُرِ الِاعْتِبارِيِّ ومِثْلُهُ يَكْفِي في هَذا المَقامِ، ومَعْنى اللَّهُمَّ سَلِّمْ عَلى النَّبِيِّ اللَّهُمَّ قُلِ السَّلامَ عَلى النَّبِيِّ عَلى ما قِيلَ، وقِيلَ: مَعْناهُ اللَّهُمَّ أوْجِدْ أوْ حَقِّقِ السَّلامَةَ لَهُ، وقِيلَ: اللَّهُمَّ سَلِّمْهُ مِنَ النَّقائِصِ والآفاتِ.

وقالَ بَعْضُ المُعاصِرِينَ: إنَّ السَّلامَ عَلَيْكَ ونَحْوَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِإنْشاءِ السَّلامَةِ وإيجادِها بِهَذا اللَّفْظِ نَظِيرَ ما قالُوهُ في صِيَغِ العُقُودِ، واخْتارَ أنَّ مَعْنى اللَّهُمَّ سَلِّمْ عَلى النَّبِيِّ اللَّهُمَّ أوْجِدِ السَّلامَةَ أوْ حَقِّقْها لَهُ دُونَ قُلِ السَّلامَ عَلى النَّبِيِّ تَقْلِيلًا لِلْمَسافَةِ فَتَدَبَّرْ.

وقَدْ يَكُونُ السَّلامُ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ نَحْوَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ [اَلصّافّاتِ: 79] ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ [اَلصّافّاتِ: 109] ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [اَلصّافّاتِ: 120] تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ جَعَلَهم بِحَيْثُ يُدْعى لَهم ويُثَنّى عَلَيْهِمْ.

ونَصْبُ ﴿تَسْلِيمًا﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، وأكَّدَ سُبْحانَهُ التَّسْلِيمَ ولَمْ يُؤَكِّدِ الصَّلاةَ قِيلَ لِأنَّها مُؤَكَّدَةٌ بِإعْلامِهِ تَعالى أنَّهُ يُصَلِّي عَلَيْهِ ومَلائِكَتُهُ ولا كَذَلِكَ التَّسْلِيمُ فَحَسُنَ تَأْكِيدُهُ بِالمَصْدَرِ إذْ لَيْسَ ثَمَّ ما يَقُومُ مَقامَهُ.

وإلى هَذا يَؤُولُ قَوْلُ اِبْنِ القِيَمِ التَّأْكِيدُ فِيهِما وإنِ اِخْتَلَفَ جِهَتُهُ فَإنَّهُ تَعالى أخْبَرَ في الأوَّلِ بِصَلاتِهِ وصَلاةِ مَلائِكَتِهِ عَلَيْهِ مُؤَكِّدًا لَهُ بِأنَّ وبِالجَمْعِ المُفِيدِ لِلْعُمُومِ في المَلائِكَةِ وفي هَذا مِن تَعْظِيمِهِ ﷺ ما يُوجِبُ المُبادَرَةَ إلى الصَّلاةِ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى الأمْرِ مُوافَقَةً لِلَّهِ تَعالى ومَلائِكَتِهِ في ذَلِكَ، وبِهَذا اِسْتَغْنى عَنْ تَأْكِيدِ «يُصَلِّي» بِمَصْدَرٍ، ولَمّا خَلا السَّلامُ عَنْ هَذا المَعْنى وجاءَ في حَيِّزِ الأمْرِ المُجَرَّدِ حَسُنَ تَأْكِيدُهُ بِالمَصْدَرِ تَحْقِيقًا لِلْمَعْنى وإقامَةً لِتَأْكِيدِ الفِعْلِ مَقامَ تَقْرِيرِهِ وحِينَئِذٍ حَصَلَ لَكَ التَّكْرِيرُ في الصَّلاةِ خَبَرًا وطَلَبًا كَذَلِكَ حَصَلَ لَكَ التَّكْرِيرُ في السَّلامِ فِعْلًا ومَصْدَرًا، وأيْضًا هي مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهِ لَفْظًا والتَّقْدِيمُ يُفِيدُ الِاهْتِمامَ فَحَسُنَ تَأْكِيدُ السَّلامِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ قِلَّةُ الِاهْتِمامِ بِهِ لِتَأخُّرِهِ، وقِيلَ: إنَّ في الكَلامِ الِاحْتِباكَ والأصْلُ صَلُّوا عَلَيْهِ تَصْلِيَةً وسَلِّمُوا عَلَيْهِ تَسْلِيمًا فَحُذِفَ عَلَيْهِ مِن إحْدى الجُمْلَتَيْنِ والمَصْدَرُ مِنَ الأُخْرى وأُضِيفَتِ الصَّلاةُ إلى اللَّهِ تَعالى ومَلائِكَتِهِ دُونَ السَّلامِ وأُمِرَ

صفحة 81

المُؤْمِنُونَ بِهِما قِيلَ لِأنَّ لِلسَّلامِ مَعْنِيِّينَ التَّحِيَّةَ والِانْقِيادَ فَأُمِرْنا بِهِما لِصِحَّتِهِما هُنا، ولَمْ يُضَفْ لِلَّهِ سُبْحانَهُ والمَلائِكَةِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّهُ في اللَّهِ تَعالى والمَلائِكَةِ بِمَعْنى الِانْقِيادِ المُسْتَحِيلِ في حَقِّهِ تَعالى وكَذا في حَقِّ المَلائِكَةِ.

وقِيلَ الصَّلاةُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ والمَلائِكَةِ مُتَضَمِّنَةٌ لِلسَّلامِ بِمَعْنى التَّحِيَّةِ الَّذِي لا يُتَصَوَّرُ غَيْرُهُ فَكانَ في إضافَةِ الصَّلاةِ إلَيْهِ تَعالى وإلى المَلائِكَةِ اِسْتِلْزامٌ لِوُجُودِ السَّلامِ بِهَذا المَعْنى، وأمّا الصَّلاةُ مِنّا فَهي وأنِ اِسْتَلْزَمَتِ التَّحِيَّةَ أيْضًا إلّا أنّا مُخاطَبُونَ بِالِانْقِيادِ وهي لا تَسْتَلْزِمُهُ فاحْتِيجَ إلى التَّصْرِيحِ بِهِ فِينا لِأنَّ الصَّلاةَ لا تُغْنِي عَنْ مَعْنَيَيْهِ المُتَصَوَّرَيْنِ في حَقِّنا المَطْلُوبَيْنِ مِنّا، ثُمَّ قِيلَ: وهَذا أوْلى مِمّا قَبْلَهُ لِأنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾، ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [اَلرَّعْدِ: 23، 24] ولا يَرُدُّ هَذانِ عَلى هَذا اه، وفِيهِ بَحْثٌ.

وقالَ الشِّهابُ الخَفاجِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: قَدْ لاحَ لِي في تَرْكِ تَأْكِيدِ السَّلامِ وتَخْصِيصِهِ بِالمُؤْمِنِينَ نُكْتَةٌ سِرِّيَّةٌ وهي أنَّ السَّلامَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَسْلِيمُهُ عَمّا يُؤْذِيهِ فَلَمّا جاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَقِيبَ ذِكْرِ ما يُؤْذِي النَّبِيَّ ﷺ، والأذِيَّةُ إنَّما هي مِنَ البَشَرِ وقَدْ صَدَرَتْ مِنهم فَناسَبَ التَّخْصِيصَ بِهِمْ والتَّأْكِيدَ، ورُبَّما يُقالُ عَلى بُعْدٍ في ذَلِكَ: إنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ سَلامُ اللَّهِ تَعالى ومَلائِكَتُهُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعْلُومًا لِلْمُؤْمِنِينَ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ فَلَمْ يُذْكَرْ ويُسَلِّمُونَ فِيها لِذَلِكَ وأنَّ كَوْنَهم مَأْمُورِينَ بِأنْ يُسَلِّمُوا عَلَيْهِ ﷺ كانَ أيْضًا مَعْلُومًا لَهم كَكَيْفِيَّةِ السَّلامِ، ويُؤْذِنُ بِهَذِهِ المَعْلُومِيَّةِ ما ورَدَ في عِدَّةِ أخْبارٍ أنَّهم قالُوا عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ وعَنَوْا بِذَلِكَ عَلى ما قِيلَ ما في التَّشَهُّدِ مِنَ السَّلامِ فَلَمّا أُخْبِرُوا بِصَلاةِ اللَّهِ تَعالى ومَلائِكَتِهِ عَلَيْهِ ﷺ في الآيَةِ مُجَرَّدَةً عَنْ ذِكْرِ السَّلامِ وأُرْدِفَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِالصَّلاةِ كانَ مَظِنَّةَ عَدَمِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ السَّلامِ أوْ أنَّهُ نُسَخِ طَلَبُهُ مِنهم فَأُمِرُوا بِهِ مُؤَكَّدًا دَفْعًا لِتَوَّهم ذَلِكَ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ، والأمْرُ في الآيَةِ عِنْدَ الأكْثَرِينَ لِلْوُجُوبِ بَلْ ذَكَرَ بَعْضُهم إجْماعَ الأئِمَّةِ والعُلَماءِ عَلَيْهِ.

ودَعْوى مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ أنَّهُ لِلنَّدْبِ بِالإجْماعِ مَرْدُودَةٌ أوْ مُؤَوَّلَةٌ بِالحَمْلِ عَلى ما زادَ عَلى مَرَّةٍ واحِدَةٍ في العُمْرِ فَقَدْ قالَ القُرْطُبِيُّ المُفَسِّرُ: لا خِلافَ في وُجُوبِ الصَّلاةِ في العُمْرِ مَرَّةً، وتَفْصِيلُ الكَلامِ في أمْرِها بَعْدَ إلْغاءِ القَوْلِ بِنَدْبِها أنَّ العُلَماءَ اِخْتَلَفُوا فِيها فَقِيلَ: واجِبَةٌ مَرَّةً في العُمْرِ كَكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ لِأنَّ الأمْرَ مُطْلَقٌ لا يَقْتَضِي تَكْرارًا والماهِيَّةُ تَحْصُلُ بِمَرَّةٍ وعَلَيْهِ جُمْهُورُ الأُمَّةِ مِنهم أبُو حَنِيفَةَ ومالِكٌ وغَيْرُهُما، وقِيلَ: واجِبَةٌ في التَّشَهُّدِ مُطْلَقًا، وقِيلَ: واجِبَةٌ في مُطْلَقِ الصَّلاةِ، وتَفَرَّدَ بَعْضُ الحَنابِلَةِ بِتَعَيُّنِ دُعاءِ الِافْتِتاحِ بِها، وقِيلَ: يَجِبُ الإكْثارُ مِنها مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ بِعَدَدٍ وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ القاضِي أبِي بَكْرِ بْنِ بِكِيرٍ، وقِيلَ: تَجِبُ في كُلِّ مَجْلِسٍ مَرَّةً وإنْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ ﷺ مِرارًا، وقِيلَ: تَجِبُ في كُلِّ دُعاءٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском