Al-AlusiAl‑Ahzab · 33:66–72

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Ahzab 33:66–72

33:66Page 427

يَوۡمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمۡ فِي ٱلنَّارِ يَقُولُونَ يَٰلَيۡتَنَآ أَطَعۡنَا ٱللَّهَ وَأَطَعۡنَا ٱلرَّسُولَا۠ ٦٦

The Day their faces will be turned about in the Fire, they will say, "How we wish we had obeyed Allāh and obeyed the Messenger."

﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ ظَرْفٌ لِعَدَمِ الوِجْدانِ، وقِيلَ لِخالِدِينَ، وقِيلَ لِنَصِيرٍ، وقِيلَ مَفْعُولٌ لِ اِذَّكَّرَ أيْ يَوْمَ تُصَرَّفُ وُجُوهُهم فِيها مِن جِهَةٍ إلى جِهَةٍ كاللَّحْمِ يُشْوى في النّارِ أوْ يُطْبَخُ في القِدْرِ فَيَدُورُ بِهِ الغَلَيانُ مِن جِهَةٍ إلى جِهَةٍ أوْ يَوْمَ تَتَغَيَّرُ وُجُوهُهم مِن حالٍ إلى حالٍ فَتَتَوارَدُ عَلَيْها الهَيْئاتُ القَبِيحَةُ مِن شِدَّةِ الأهْوالِ أوْ يَوْمَ يُلْقَوْنَ في النّارِ مَقْلُوبِينَ مَنكُوسِينَ، وتَخْصِيصُ الوُجُوهِ بِالذِّكْرِ لِما أنَّها أكْرَمُ الأعْضاءِ فَفِيهِ مَزِيدُ تَفْظِيعٍ لِلْأمْرِ وتَهْوِيلٍ لِلْخَطْبِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عِبارَةً عَنْ كُلِّ الجَسَدِ.

وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى وأبُو جَعْفَرٍ الرَّواسِيُّ «تَقَلَّبُ» بِفَتْحِ التّاءِ، والأصْلُ تَتَقَلَّبُ فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، وقَرَأ اِبْنُ أبِي عَبْلَةَ بِهِما عَلى الأصْلِ، وحَكى اِبْنُ خالَوَيْهِ عَنْ أبِي حَيْوَةَ أنَّهُ قَرَأ «تُقَلِّبُ وُجُوهَهُمْ» بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ ونَصْبِ «وُجُوهَهُمْ» عَلى المَفْعُولِيَّةِ، وقَرَأ عِيسى الكُوفَةِ «تُقَلِّبُ وُجُوهَهُمْ» بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِ السَّعِيرِ اِتِّساعًا ونَصْبِ الوُجُوهِ.

﴿يَقُولُونَ﴾ اِسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ حالِهِمُ الفَظِيعَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَصْنَعُونَ عِنْدَ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: يَقُولُونَ مُتَحَسِّرِينَ عَلى ما فاتَهم ﴿يا لَيْتَنا أطَعْنا اللَّهَ وأطَعْنا الرَّسُولا﴾ فَلا نُبْتَلى بِهَذا العَذابِ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( وُجُوهُهم ) أوْ مِن نَفْسِها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هو النّاصِبَ لِيَوْمٍ.

33:67Page 427

وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعۡنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلَا۠ ٦٧

And they will say, "Our Lord, indeed we obeyed our masters and our dignitaries,1 and they led us astray from the [right] way.

﴿وقالُوا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿يَقُولُونَ﴾ والعُدُولُ إلى صِيغَةِ الماضِي لِلْإشْعارِ بِأنَّ قَوْلَهم هَذا لَيْسَ مُسْتَمِرًّا كَقَوْلِهِمُ السّابِقِ بَلْ هو ضَرْبُ اِعْتِذارٍ أرادُوا بِهِ ضَرْبًا مِنَ التَّشَفِّي بِمُضاعَفَةِ عَذابِ الَّذِينَ أوْرَدُوهم هَذا المَوْرِدَ الوَخِيمَ وألْقَوْهم في ذَلِكَ العَذابِ الألِيمِ وإنْ عَلِمُوا عَدَمَ قَبُولِهِ في حَقِّ خَلاصِهِمْ بِما هم فِيهِ.

﴿رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا﴾ أيْ مُلُوكِنا ووُلاتِنا الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ تَدْبِيرَ السَّوادِ الأعْظَمِ مِنّا ﴿وكُبَراءَنا﴾ أيْ رُؤَساءَنا الَّذِينَ أخَذْنا عَنْهم فُنُونَ الشَّرِّ وكانَ هَذا في مُقابَلَةِ ما تَمَنَّوْهُ مِن إطاعَةِ اللَّهِ تَعالى وإطاعَةِ الرَّسُولِ، فالسّادَةُ والكُبَراءُ مُتَغايِرانِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُما بِعُنْوانِ السِّيادَةِ والكِبَرِ لِتَقْوِيَةِ الِاعْتِذارِ وإلّا فَهم في مَقامِ التَّحْقِيرِ والإهانَةِ.

وقَدَّمُوا في ذَلِكَ إطاعَةَ السّادَةِ لِما أنَّهُ كانَ لَهم قُوَّةُ البَطْشِ بِهِمْ لَوْ لَمْ يُطِيعُوهم فَكانَ ذَلِكَ أحَقَّ بِالتَّقْدِيمِ في مَقامِ الِاعْتِذارِ وطَلَبِ التَّشَفِّي، وقِيلَ: بِاتِّحادِ السّادَةِ والكُبَراءِ والعَطْفِ عَلى حَدِّ العَطْفِ في قَوْلِهِ وأُلْفِي قَوْلَها كَذِبًا ومِينا، والمُرادُ بِهِمُ العُلَماءُ الَّذِينَ لَقَّنُوهُمُ الكُفْرَ وزَيَّنُوهُ لَهُمْ، وعَنْ قَتادَةَ رُؤَساؤُهم في الشَّرِّ والشِّرْكِ.

وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وقَتادَةُ والسُّلْمِيُّ وابْنُ عامِرٍ والعامَّةُ في الجامِعِ بِالبَصْرَةِ (ساداتِنا) عَلى جَمْعِ الجَمْعِ وهو شاذٌّ كَبُيُوتاتٍ، وفِيهِ عَلى ما قِيلَ دَلالَةٌ عَلى الكَثْرَةِ، ثُمَّ إنَّ كَوْنَ سادَةٍ جَمْعًا هو المَشْهُورُ، وقِيلَ: اِسْمُ جَمْعٍ فَإنْ كانَ جَمْعًا لِسَيِّدٍ فَهو شاذٌّ أيْضًا فَقَدْ نَصُّوا عَلى شُذُوذِ فِعْلَةٍ في جَمْعِ فَعِيلٍ وإنْ كانَ جَمْعًا لِمُفْرَدٍ مُقَدَّرٍ وهو سائِدٌ كانَ كَكافِرٍ وكَفَرَةٍ لَكِنَّهُ شاذٌّ أيْضًا لِأنَّ فاعِلًا لا يُجْمَعُ عَلى فِعْلَةٍ إلّا في الصَّحِيحِ.

﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ أيْ جَعَلُونا ضالِّينَ

صفحة 94

عَنِ الطَّرِيقِ الحَقِّ بِما دَعَوْنا إلَيْهِ وزَيَّنُوهُ لَنا مِنَ الأباطِيلِ، والألِفِ لِلْإطْلاقِ كَما في ﴿وأطَعْنا الرَّسُولا﴾ .

33:68Page 427

رَبَّنَآ ءَاتِهِمۡ ضِعۡفَيۡنِ مِنَ ٱلۡعَذَابِ وَٱلۡعَنۡهُمۡ لَعۡنٗا كَبِيرٗا ٦٨

Our Lord, give them double the punishment and curse them with a great curse."

﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ أيْ عَذابَيْنِ يُضاعِفُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما الآخَرَ عَذابًا عَلى ضَلالِهِمْ في أنْفُسِهِمْ وعَذابًا عَلى إضْلالِهِمْ لَنا ﴿والعَنْهم لَعْنًا كَبِيرًا﴾ أيْ شَدِيدًا عَظِيمًا فَإنَّ الكِبَرَ يُسْتَعارُ لِلْعَظَمَةِ مِثْلَ ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ [اَلْكَهْفِ: 5] ويُسْتَفادُ التَّعْظِيمُ مِنَ التَّنْوِينِ أيْضًا، وقَرَأ الأكْثَرُ «كَثِيرًا» بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ أيْ كَثِيرَ العَدَدِ، وتَصْدِيرُ الدُّعاءِ بِالنِّداءِ مُكَرَّرًا لِلْمُبالَغَةِ في الجُؤارِ واسْتِدْعاءِ الإجابَةِ.

33:69Page 427

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ ءَاذَوۡاْ مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْۚ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهٗا ٦٩

O you who have believed, be not like those who abused Moses; then Allāh cleared him of what they said. And he, in the sight of Allāh, was distinguished.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى﴾ قِيلَ نَزَلَتْ فِيما كانَتْ مِن أمْرِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وتَزَوُّجِهِ ﷺ بِها وما سَمِعَ في ذَلِكَ مِن كَلامٍ آذاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا﴾ أيْ مِن قَوْلِهِمْ أوِ الَّذِي قالُوهُ وأيًّا ما كانَ فالقَوْلُ هُنا بِمَعْنى المَقُولِ، والمُرادُ بِهِ مَدْلُولُهُ الواقِعُ في الخارِجِ وبِتَبْرِئَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ مِن ذَلِكَ إظْهارُ بَراءَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ وكَذِبِهِمْ فِيما أسْنَدُوا إلَيْهِ لِأنَّ المُرَتَّبَ عَلى أذاهم ظُهُورُ بَراءَتِهِ لا بَراءَتِهِ لِأنَّها مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهِ، واسْتِعْمالُ الفِعْلِ مَجازًا عَنْ إظْهارِهِ، والمَقُولُ بِمَعْنى المَضْمُونِ كَثِيرٌ شائِعٌ فالمَعْنى فَأظْهَرَ اللَّهُ تَعالى بَراءَتَهُ مِنَ الأمْرِ المَعِيبِ الَّذِي نَسَبُوهُ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى ما ذُكِرَ فَإنَّهُ تَعالى لَمّا أظْهَرَ بَراءَتَهُ عَمّا اِفْتَرَوْهُ عَلَيْهِ اِنْقَطَعَتْ كَلِماتُهم فِيهِ فَبَرِئَ مِن قَوْلِهِمْ عَلى أنَّ (بَرَّأهُ) بِمَعْنى خَلَّصَهُ مِن قَوْلِهِمْ لِقَطْعِهِ عَنْهُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مَعَ تَكَلُّفِهِ لِأنَّ قَطْعَ قَوْلِهِمْ لَيْسَ مَقْصُودًا بِالذّاتِ بَلِ المُرادُ اِنْقِطاعُهُ لِظُهُورِ خِلافِهِ لا بُدَّ مِن مُلاحَظَةِ ما ذُكِرَ، والمُرادُ بِالأمْرِ الَّذِي نَسَبُوهُ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَيْبٌ في بَدَنِهِ.

أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ واَلتِّرْمِذِيُّ وجَماعَةٌ مِن طَرِيقِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ رَجُلًا حَيِيًّا سِتِّيرًا لا يُرى مِن جِلْدِهِ شَيْءٌ اِسْتِحْياءً مِنهُ فَآذاهُ مَن آذاهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وقالُوا ما يَسْتَتِرُ هَذا السِّتْرَ إلّا مِن عَيْبٍ بِجِلْدِهِ إمّا بَرَصٌ وإمّا أُدْرَةٌ وإمّا آفَةٌ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ أنْ يُبَرِّئَهُ مِمّا قالُوا وأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ خَلا يَوْمًا وحْدَهُ فَوَضَعَ ثِيابَهُ عَلى حَجَرٍ ثُمَّ اِغْتَسَلَ فَلَمّا فَرَغَ أقْبَلَ إلى ثِيابِهِ لِيَأْخُذَها وأنَّ الحَجَرَ غَدا بِثَوْبِهِ فَأخَذَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَصاهُ وطَلَبَ الحَجَرَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ ثُوبِي حَجَرُ، حَتّى اِنْتَهى إلى مَلَأٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَرَأوْهُ عُرْيانًا أحْسَنَ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى وبَرَّأهُ مِمّا يَقُولُونَ، وقامَ الحَجَرُ فَأخَذَ ثَوْبَهُ فَلَبِسَهُ وطَفِقَ بِالحَجَرِ ضَرْبًا بِعَصاهُ،» فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا﴾ .

وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ ما نَسَبُوهُ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَتْلِ هارُونَ، أخْرَجَ اِبْنُ مَنِيعٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: صَعِدَ مُوسى وهارُونُ عَلَيْهِما السَّلامُ الجَبَلَ فَماتَ هارُونُ فَقالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى أنْتَ قَتَلْتَهُ كانَ أشَدَّ حُبًّا لَنا مِنكَ وألْيَنَ فَآذَوْهُ مِن ذَلِكَ فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ عَلَيْهِمْ فَحَمَلُوهُ فَمَرُّوا بِهِ عَلى مَجالِسِ بَنِي إسْرائِيلَ وتَكَلَّمَتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِمَوْتِهِ فَبَرَّأهُ اللَّهُ تَعالى فانْطَلَقُوا بِهِ فَدَفَنُوهُ ولَمْ يَعْرِفْ قَبْرَهُ إلّا الرَّخَمُ وإنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَهُ أصَمَّ أبْكَمَ.

وفِي رِوايَةٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وأُناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلى مُوسى إنِّي مُتَوَفٍّ هارُونَ فَأْتِ جَبَلَ كَذا فانْطَلَقا نَحْوَ الجَبَلِ فَأذاهم بِشَجَرَةٍ وبَيْتٍ فِيهِ سَرِيرٌ عَلَيْهِ فَرْشٌ ورِيحٌ طَيِّبَةٌ فَلَمّا نَظَرَ هارُونُ إلى ذَلِكَ الجَبَلِ والبَيْتِ وما فِيهِ أعْجَبَهُ فَقالَ يا مُوسى إنِّي أُحِبُّ أنْ أنامَ عَلى هَذا السَّرِيرِ قالَ نَمْ عَلَيْهِ قالَ نَمْ مَعِي فَلَمّا ناما أخَذَ هارُونَ المَوْتُ فَلَمّا قُبِضَ رُفِعَ ذَلِكَ البَيْتُ وذَهَبَتْ تِلْكَ الشَّجَرَةُ ورُفِعَ السَّرِيرُ إلى السَّماءِ فَلَّما رَجَعَ مُوسى إلى بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا قَتَلَ هارُونَ

صفحة 95

وحَسَدَهُ لِحُبِّ بَنِي إسْرائِيلَ لَهُ وكانَ هارُونُ أكُفَّ عَنْهم وألِينَ لَهم وكانَ في مُوسى بَعْضُ الغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ فَلَمّا بَلَغَهُ ذَلِكَ قالَ: ويَحْكُمُ إنَّهُ كانَ أخِي أفَتَرَوْنِي أقْتُلُهُ فَلَمّا أكْثَرُوا عَلَيْهِ قامَ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ دَعا اللَّهَ تَعالى فَنَزَلَ بِالسَّرِيرِ حَتّى نَظَرُوا إلَيْهِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ فَصَدَّقُوهُ.

وقِيلَ: ما نَسَبُوهُ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الزِّنا وحاشاهُ، رُوِيَ أنَّ قارُونَ أغْرى مُومَسَةً عَلى قَذْفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِنَفْسِها ودَفَعَ إلَيْها مالًا عَظِيمًا فَأقَرَّتْ بِالمُصانَعَةِ الجارِيَةِ بَيْنَها وبَيْنَ قارُونَ وفَعَلَ بِهِ ما فَعَلَ كَما فُصِّلَ في سُورَةِ القَصَصِ، ويَبْعُدُ هَذا القَوْلُ تَبْعِيدًا ما جُمِعَ المَوْصُولُ.

وقِيلَ: ما نَسَبُوا إلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ والجُنُونِ، وقِيلَ: ما حُكِيَ عَنْهم في القُرْآنِ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ [اَلْمائِدَةِ: 24] ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ [اَلْبَقَرَةِ: 61] وقَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [اَلْبَقَرَةِ: 55] إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ويُمْكِنُ حَمْلُ ما قالُوا عَلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ.

﴿وكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا﴾ أيْ كانَ ذا جاهٍ ومَنزِلَةٍ عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ، وفي مَعْناهُ قَوْلُ قُطْرُبَ: كانَ رَفِيعَ القَدْرِ ونَحْوُهُ قَوْلُ اِبْنِ زَيْدٍ: كانَ مَقْبُولًا، وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ وجِيهًا مُسْتَجابُ الدَّعْوَةِ وزادَ بَعْضُهم ما سَألَ شَيْئًا إلّا أُعْطى إلّا الرُّؤْيَةَ في الدُّنْيا، ولا يَخْفى أنَّ اِسْتِجابَةَ الدَّعْوَةِ مِن فُرُوعِ رِفْعَةِ القَدْرِ، وقِيلَ: وجاهَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ اللَّهَ تَعالى كَلَمَّهُ ولُقِّبَ كَلِيمَ اللَّهِ، وقَرَأ اِبْنُ مَسْعُودٍ والأعْمَشُ وأبُو حَيْوَةَ «عَبْدًا» مِنَ العُبُودَةِ «لِلَّهِ» بِلامِ الجَرِّ فَيَكُونُ عَبْدًا خَبَرَ كانَ و(وجِيهًا) صِفَةً لَهُ وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ، وفي صِحَّةِ القِراءَةِ بِالشَّواذِّ كَلامٌ.

قالَ اِبْنُ خالَوَيْهِ: صَلَّيْتُ خَلْفَ اِبْنِ شَنْبُوذَ في شَهْرِ رَمَضانَ فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ وكانَ «عَبْدًا لِلَّهِ» عَلى قِراءَةِ اِبْنِ مَسْعُودٍ ولَعَلَّ اِبْنُ شَنْبُوذَ مِمَّنْ يَرى صِحَّةَ القِراءَةِ بِها مُطْلَقًا، ويُحْتَمَلُ مِثْلُ ذَلِكَ في اِبْنِ خالَوَيْهِ، وإلّا فَقَدْ قالَ الطِّيبِيُّ قالَ صاحِبُ الرَّوْضَةِ: وتَصِحُّ بِالقِراءَةِ الشّاذَّةِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيها تَغْيِيرُ مَعْنًى ولا زِيادَةُ حَرْفٍ ولا نُقْصانٌ، وهاهُنا بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ بَوْنٌ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ، ونَحْوُهُ عَنِ اِبْنِ جِنِّيٍّ.

33:70Page 427

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا ٧٠

O you who have believed, fear Allāh and speak words of appropriate justice.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وتَذْرُوَنَ لا سِيَّما في اِرْتِكابِ ما يَكْرَهُهُ تَعالى فَضْلًا عَمّا يُؤْذِي رَسُولَهُ وحَبِيبَهُ ﷺ ﴿وقُولُوا﴾ في كُلِّ شَأْنٍ مِنَ الشُّؤُونِ ﴿قَوْلا سَدِيدًا﴾ قاصِدًا ومُتَوَجِّهًا إلى هَدَفِ الحَقِّ مِن سَدَّ يَسِدُّ بِكَسْرِ السِّينِ سَدادًا بِفَتْحِها يُقالُ سَدَّدَ سَهْمَهُ إذا وجَّهَهُ لِلْغَرَضِ المَرْمِيِّ ولَمْ يَعْدِلْ بِهِ عَنْ سِمَتِهِ، والمُرادُ عَلى ما قِيلَ نَهْيُهم عَنْ ضِدِّ هَذا القَوْلِ وهو القَوْلُ الَّذِي لَيْسَ بِسَدِيدٍ ويَدْخُلُ فِيهِ ما صَدَرَ مِنهم في قِصَّةِ زَيْنَبَ مِنَ القَوْلِ الجائِرِ عَنِ العَدْلِ والقَصْدِ وكَذا كُلُّ قَوْلٍ يُؤْذِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وعَنْ مُقاتِلٍ وقَتادَةَ أنَّ المَعْنى وقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا في شَأْنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وزَيْدٍ وزَيْنَبَ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ تَخْصِيصُ القَوْلِ السَّدِيدِ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: هو ما يُوافِقُ ظاهِرُهُ باطِنَهُ، وقِيلَ: ما فِيهِ إصْلاحٌ، ولَعَلَّ ما أشَرْنا إلَيْهِ هو الأوْلى.

33:71Page 427

يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا ٧١

He will [then] amend for you your deeds and forgive you your sins. And whoever obeys Allāh and His Messenger has certainly attained a great attainment.

﴿يُصْلِحْ لَكم أعْمالَكُمْ﴾ بِالقَبُولِ والإثابَةِ عَلَيْها عَلى ما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلٍ، وقِيلَ إصْلاحُ الأعْمالِ التَّوْفِيقُ في المَجِيءِ بِها صالِحَةً مَرْضِيَّةً.

﴿ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ ويَجْعَلْها مُكَفَّرَةً بِاسْتِقامَتِكم في القَوْلِ والعِلْمِ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ في الأوامِرِ والنَّواهِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآياتُ ﴿فَقَدْ فازَ﴾ في الدّارَيْنِ ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ولا تُبْلَغُ غايَتُهُ.

قالَ في الكَشّافِ: وهَذِهِ الآيَةُ يَعْنِي ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ إلى آخِرِها مُقَرِّرَةٌ لِلَّتِي قَبْلَها بُنِيَتْ تِلْكَ عَلى النَّهْيِ عَمّا يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهَذِهِ عَلى الأمْرِ بِاتِّقاءِ اللَّهِ تَعالى في حِفْظِ اللِّسانِ لِيَتَرادَفَ عَلَيْهِمُ النَّهْيُ والأمْرُ مَعَ اِتِّباعِ النَّهْيِ ما يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ مِن قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ وصْفَهُ بِوَجاهَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ

صفحة 96

تَعالى مُتَضَمِّنٌ أنَّهُ تَعالى اِنْتَقَمَ لَهُ مِمَّنْ آذاهُ، واتِّباعِ الأمْرِ الوَعْدَ البَلِيغَ فَيَقْوى الصّارِفُ عَنِ الأذى والدّاعِي إلى تَرْكِهِ اِنْتَهى، فَلا تَغْفُلْ.

33:72Page 427

إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَهَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومٗا جَهُولٗا ٧٢

Indeed, We offered the Trust1 to the heavens and the earth and the mountains, and they declined to bear it and feared it; but man [undertook to] bear it. Indeed, he was unjust and ignorant.2

﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها﴾ لَمّا بَيَّنَ جَلَّ شَأْنُهُ عِظَمَ شَأْنِ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ بِبَيانِ مَآلِ الخارِجِينَ عَنْها مِنَ العَذابِ الألِيمِ ومَنالِ المُراعِينَ لَها مِنَ الفَوْزِ العَظِيمِ عَقَّبَ ذَلِكَ عِظَمَ شَأْنِ ما يُوجِبُها مِنَ التَّكالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ وصُعُوبَةَ أمْرِها بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ مَعَ الإيذانِ بِأنَّ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الطّاعَةِ وتَرْكِها صَدَرَ عَنْهم بَعْدَ القَبُولِ والِالتِزامِ مِن غَيْرِ جَبْرٍ هُناكَ ولا إبْرامٍ، وعَبَّرَ عَنْها بِالأمانَةِ وهي في الأصْلِ مَصْدَرٌ كالأمْنِ والأمانِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّها حُقُوقٌ مَرْعِيَّةٌ أوْدَعَها اللَّهُ تَعالى المُكَلَّفِينَ وائْتَمَنَهم عَلَيْها وأوْجَبَ عَلَيْهِمْ تَلَقِّيَها بِحُسْنِ الطّاعَةِ والِانْقِيادِ وأمَرَهم بِمُراعاتِها والمُحافَظَةِ عَلَيْها وأدائِها مِن غَيْرِ إخْلالٍ بِشَيْءٍ مِن حُقُوقِها، وعَبَّرَ عَنِ اِعْتِبارِها بِالنِّسْبَةِ إلى اِسْتِعْدادِ ما ذَكَرَ مِنَ السَّماواتِ وغَيْرِها مِن حَيْثُ الخُصُوصِيّاتُ بِالعَرْضِ عَلَيْهِنَّ لِإظْهارِ مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِها والرَّغْبَةِ في قَبُولِهِنَّ لَها، وعَنْ عَدَمِ اِسْتِعْدادِهِنَّ لِقَبُولِها ومُنافاتِها لِما هُنَّ عَلَيْهِ بِالإباءِ والإشْفاقِ مِنها لِتَهْوِيلِ أمْرِها وتَرْبِيَةِ فَخامَتِها وعَنْ قَبُولِها بِالحَمْلِ لِتَحْقِيقِ مَعْنى الصُّعُوبَةِ المُعْتَبَرَةِ فِيها بِجَعْلِها مِن قَبِيلِ الأجْسامِ الثَّقِيلَةِ، والمَعْنى أنَّ تِلْكَ الأمانَةَ في عِظَمِ الشَّأْنِ بِحَيْثُ لَوْ كُلِّفَتْ هاتِيكَ الأجْرامُ العِظامُ الَّتِي هي مَثَلٌ في القُوَّةِ والشِّدَّةِ مُراعاتَها وكانَتْ ذاتَ شُعُورٍ وإدْراكٍ لَأبَيْنَ قَبُولَها وخِفْنَ مِنها لَكِنَّ صَرْفَ الكَلامِ عَنْ سُنَنِهِ بِتَصْوِيرِ المَفْرُوضِ بِصُورَةِ المُحَقَّقِ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ المَعْنى المَقْصُودِ وتَوْضِيحِهِ.

﴿وحَمَلَها الإنْسانُ﴾ أيْ هَذا الجِنْسُ نَحْوَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [اَلْعادِياتِ: 6] و﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ [اَلْعَلَقِ: 6] وحَمْلُهُ إيّاها إمّا بِاعْتِبارِها بِالإضافَةِ إلى اِسْتِعْدادِهِ أوْ بِتَكْلِيفِهِ إيّاها يَوْمَ المِيثاقِ أيْ تَكَلَّفَها والتَزَمَها مَعَ ما فِيهِ مِن ضَعْفِ البِنْيَةِ ورَخاوَةِ القُوَّةِ، وهو إمّا عِبارَةٌ عَنْ قَبُولِها بِمُوجِبِ اِسْتِعْدادِهِ الفِطْرِيِّ أوْ عَنِ القَبُولِ القَوْلِيِّ يَوْمَ المِيثاقِ، وتَخْصِيصُ الإنْسانِ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّ الجِنَّ مُكَلَّفُونَ أيْضًا وكَذا المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإنْ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ كُلْفَةً عَلَيْهِمْ لِما أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ما يُخالِفُ طِباعَهم لِأنَّ الكَلامَ مَعَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولا﴾ اِعْتِراضٌ وسَطٌ بَيْنِ الحَمْلِ وغايَتِهِ لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِعَدَمِ وفائِهِ بِما تَحَمَّلَ، والتَّأْكِيدُ لِمَظِنَّةِ التَّرَدُّدِ أيْ إنَّهُ كانَ مُفْرِطًا في الظُّلْمِ مُبالِغًا في الجَهْلِ أيْ بِحَسَبِ غالِبِ أفْرادِهِ الَّذِينَ لَمْ يَعْمَلُوا بِمُوجِبِ فِطْرَتِهِمُ السَّلِيمَةِ أوْ قَبُولِهِمِ السّابِقِ دُونَ مَن عَداهم مِنَ الَّذِينَ لَمْ يُبَدِّلُوا فِطْرَةَ اللَّهِ تَعالى تَبْدِيلًا، ويَكْفِي في صِدْقِ الحُكْمِ عَلى الجِنْسِ بِشَيْءٍ وُجُودُهُ في بَعْضِ أفْرادِهِ فَضْلًا عَنْ وُجُودِهِ في غالِبِها، وإلى الفَرِيقِ الأوَّلِ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ تَعالى:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском