Al-AlusiSaba · 34:10–12

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Saba 34:10–12

34:10Page 429

۞ وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ مِنَّا فَضۡلٗاۖ يَٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُۥ وَٱلطَّيۡرَۖ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلۡحَدِيدَ ١٠

And We certainly gave David from Us bounty. [We said], "O mountains, repeat [Our] praises with him, and the birds [as well]." And We made pliable for him iron,

﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلا﴾ أيْ آتَيْناهُ لِحُسْنِ إنابَتِهِ وصِحَّةِ تَوْبَتِهِ ﴿فَضْلا﴾ أيْ نِعْمَةً وإحْسانًا، وقِيلَ فَضْلًا وزِيادَةً عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِ أوْ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ أوْ عَلى ما عَدا نَبِيَّنا ﷺ لِأنَّهُ ما مِن فَضِيلَةٍ في أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلّا وقَدْ أُوتِيَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِثْلُها بِالفِعْلِ أوْ تَمَكَّنَ مِنها فَلَمْ يَخْتَرْ إظْهارَها أوْ عَلى الأنْبِياءِ مُطْلَقًا، وقَدْ يَكُونُ في المَفْضُولِ ما لَيْسَ في غَيْرِهِ، وقَدِ اِنْفَرَدَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما ذُكِرَ هاهُنا، وقِيلَ: أوْ عَلى سائِرِ النّاسِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ النُّبُوَّةِ والكِتابِ والمُلْكِ والصَّوْتِ الحَسَنِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ أنَّ كُلًّا مِنها فَضْلٌ لا يُوجَدُ في سائِرِ النّاسِ فَعَدَمُ مِثْلِ مُلْكِهِ وصَوْتِهِ مَحَلُّ شُبْهَةٍ، وإنْ أُرِيدَ المَجْمُوعُ مِن حَيْثُ هو نَفْيُهُ أنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ في الأنْبِياءِ أيْضًا فَلا وجْهَ لِتَخْصِيصِهِ بِهَذا الوَجْهِ، وأنا أرى الفَضْلَ لِتَفْسِيرِ الفَضْلِ بِالإحْسانِ وتَنْكِيرِهِ لِلتَّفْخِيمِ.

ومِنّا أيْ بِلا واسِطَةٍ لِتَأْكِيدِ فَخامَتِهِ الذّاتِيَّةِ بِفَخامَتِهِ الإضافِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ وتَقْدِيمُهُ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِلِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ لِيَتَمَكَّنَ في النَّفْسِ عِنْدَ وُرُودِهِ فَضْلَ تَمَكُّنٍ، وذَكْرُ شُؤُونِ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ هُنا لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ المُنِيبِ في

صفحة 113

قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ كَما أشَرْنا إلَيْهِ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: مُناسَبَةُ قِصَّتَيْهِما عَلَيْهِما السَّلامُ لِما قَبْلَها هي أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ أنْكَرُوا البَعْثَ لِاسْتِحالَتِهِ في زَعْمِهِمْ فَأخْبَرُوا بِوُقُوعِ ما هو مُسْتَحِيلٌ في العادَةِ مِمّا لا يُمْكِنُهم إنْكارُهُ إذْ طَفَحَتْ بِبَعْضِهِ أخْبارُهم وأشْعارُهُمْ، وقِيلَ: ذَكَرَ سُبْحانَهُ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِما اِحْتِجاجًا عَلى ما مَنَحَ نَبِيَّنا ﷺ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَسْتَبْعِدُوا هَذا فَقَدْ تَفَضَّلْنا عَلى عَبِيدِنا قَدِيمًا بِكَذا وكَذا فَلَمّا فَرَغَ التَّمْثِيلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَجَعَ التَّمْثِيلَ لَهم بِسَبَأً وما كانَ مِن هَلاكِهِمْ بِالكُفْرِ والعُتُوِّ.

﴿يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ أيْ سَبِّحِي مَعَهُ قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ، وأخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ إلّا أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ ذَلِكَ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ عَرَبِيٌّ مِنَ التَّأْوِيبِ، والمُرادُ رَجِّعِي مَعَهُ التَّسْبِيحَ ورَدِّدِيهِ، وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ أصْلَ ماضِيهِ آبَ وضُعِّفَ لِلْمُبالَغَةِ، وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِقَوْلِهِ ويَظْهَرُ أنَّ التَّضْعِيفَ لِلتَّعْدِيَةِ لِأنَّ آبَ بِمَعْنى رَجَعَ لازِمٌ صِلَتُهُ اللّامُ فَعُدِّيَ بِالتَّضْعِيفِ إذْ شَرَحُوهُ بِقَوْلِهِمْ رَجِّعِي مَعَهُ التَّسْبِيحَ.

يُرْوى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ إذا سَبَّحَ سَبَّحَتِ الجِبالُ مِثْلَ تَسْبِيحِهِ بِصَوْتٍ يُسْمَعُ مِنها، ولا يُعْجِزُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أنْ يَجْعَلَها بِحَيْثُ تُسَبِّحُ بِصَوْتٍ يُسْمَعُ وقَدْ سَبَّحَ الحَصى في كَفِّ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وسُمِعَ تَسْبِيحُهُ وكَذا في كَفِّ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ولا يَبْعُدُ عَلى هَذا أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى خَلَقَ فِيها الفَهْمَ أوَّلًا فَناداها كَما يُنادى أُولُو الفَهْمِ وأمَرَها، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ سُبْحانَهُ نَزَّلَ الجِبالَ مَنزِلَةَ العُقَلاءِ الَّذِينَ إذا أمَرَهم أطاعُوا وأذْعَنُوا وإذا دَعاهم سَمِعُوا وأجابُوا إشْعارًا بِأنَّهُ ما مِن حَيَوانٍ وجَمادٍ إلّا وهو مُنْقادٌ لِمَشِيئَتِهِ تَعالى غَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَلى إرادَتِهِ سُبْحانَهُ، ودَلالَةً عَلى عِزَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ وكِبْرِياءِ الأُلُوهِيَّةِ حَيْثُ نادى الجِبالَ وأمَرَها، وقِيلَ: المُرادُ بِتَأْوِيبِها حَمْلُها إيّاهُ عَلى التَّسْبِيحِ إذا تَأمَّلَ ما فِيها، وفِيهِ مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ المَأْثُورِ أنَّ ( مَعَهُ ) يَأْباهُ، وأيْضًا لا اِخْتِصاصَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَأْوِيبِ الجِبالِ بِهَذا المَعْنى حَتّى يُفَضَّلَ بِهِ أوْ يَكُونُ مُعْجِزَةً لَهُ، وقِيلَ: كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَنُوحُ عَلى ذَنْبِهِ بِتَرْجِيعٍ وتَحْزِينٍ وكانَتِ الجِبالُ تُسْعِدُهُ بِأصْدائِها.

وفِيهِ أنَّ الصَّدى لَيْسَ بِصَوْتِ الجِبالِ حَقِيقَةً وإنَّما هو مِن آثارِ صَوْتِ المُتَكَلِّمِ عَلى ما قامَ عَلَيْهِ البُرْهانُ، واَللَّهُ تَعالى نادى الجِبالَ وأمَرَها أنْ تُؤَوِّبَ مَعَهُ، وأيْضًا أيُّ اِخْتِصاصٍ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ ولِصَوْتِ كُلِّ أحَدٍ صَدًى عِنْدَ الجِبالِ.

وعَنِ الحَسَنِ أنَّ مَعْنى ﴿أوِّبِي مَعَهُ﴾ سَيْرِي مَعَهُ أيْنَ سارَ، والتَّأْوِيبُ سَيْرُ النَّهارِ كَأنَّ الإنْسانَ يَسِيرُ اللَّيْلَ ثُمَّ يَرْجِعُ السَّيْرَ بِالنَّهارِ أيْ يُرَدِّدُهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ تَمِيمِ بْنِ مُقْبِلٍ:

لَحِقْنا بِحَيٍّ أوَّبُوا السَّيْرَ بَعْدَ ما دَفَعْنا شُعاعَ الشَّمْسِ والطَّرْفُ يَجْنَحُ

وقَوْلُ آخَرَ:

يَوْمانِ يَوْمُ مُقاماتٍ وأنْدِيَةٍ ∗∗∗ ويَوْمُ سَيْرٍ إلى الأعْداءِ تَأْوِيبِ

وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّ الجِبالَ أوْتادُ الأرْضِ ولَمْ يُنْقَلْ سَيْرُها مَعَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: المَعْنى تَصَرَّفِي مَعَهُ عَلى ما يَتَصَرَّفُ فِيهِ، فَكانَتْ إذا سَبَّحَ سَبَّحَتْ وإذا ناحَ ناحَتْ وإذا قَرَأ الزَّبُورَ قَرَأتْ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَمْ يُعْرَفِ التَّأْوِيبُ بِمَعْنى التَّصَرُّفِ في لُغَةِ العَرَبِ، وقِيلَ: المَعْنى اِرْجِعِي إلى مُرادِهِ فِيما يُرِيدُ مِن حَفْرٍ واسْتِنْباطِ أعْيُنٍ واسْتِخْراجِ مَعْدِنٍ ووَضْعِ طَرِيقٍ، والجُمْلَةُ مَعْمُولَةٌ لِقَوْلٍ مُضْمَرٍ، أيْ قَوْلُنا يا جِبالُ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ﴿فَضْلا﴾ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ أوْ بَدَلُ اِشْتِمالٍ أوْ قُلْنا يا جِبالُ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ﴿آتَيْنا﴾ وجُوِّزَ كَوْنُهُ بَدَلًا مِن ﴿فَضْلا﴾ بِناءً عَلى أنَّهُ

صفحة 114

يَجُوزُ إبْدالُ الجُمْلَةِ مِنَ المُفْرَدِ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ الِاسْتِئْنافَ ولَيْسَ بِذاكَ.

وقَرَأ اِبْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ «أُوبِي» بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الواوِ أمْرٌ مِنَ الأوْبِ وهو الرُّجُوعُ، وفَرَّقَ بَيْنَهُما الرّاغِبُ بِأنَّ الأوْبَ لا يُقالُ إلّا في الحَيَوانِ الَّذِي لَهُ إرادَةٌ والرُّجُوعَ يُقالُ فِيهِ وفي غَيْرِهِ.

والمَعْنى عَلى هَذِهِ القِراءَةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ اِرْجِعِي مَعَهُ في التَّسْبِيحِ وأمْرُ الجِبالِ كَأمْرِ الواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ لِأنَّ جَمْعَ ما لا يَعْقِلُ يَجُوزُ فِيهِ ذَلِكَ، ومِنهُ يا خَيْلُ اللَّهِ اِرْكَبِي وكَذا ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: 18] وقَدْ جاءَ ذَلِكَ في جَمْعِ مَن يَعْقِلُ مِنَ المُؤَنَّثِ قالَ الشّاعِرُ:

تَرَكْنا الخَيْلَ والنَّعَمَ المُفَدّى ∗∗∗ وقُلْنا لِلنِّساءِ بِها أقِيمِي

لَكِنْ هَذا قَلِيلٌ.

﴿والطَّيْرَ﴾ بِالنَّصْبِ وهو عِنْدَ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ بِإضْمارِ فَعْلٍ تَقْدِيرُهُ وسَخَّرْنا لَهُ الطَّيْرَ، وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْهُ أنَّ ذاكَ بِالعَطْفِ عَلى ﴿فَضْلا﴾ ولا حاجَةَ إلى الإضْمارِ لِأنَّ إيتاءَها إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَسْخِيرُها لَهُ، وذَكَرَ الطِّيبِيُّ أنَّ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا، وقالَ الكِسائِيُّ: بِالعَطْفِ أيْضًا إلّا أنَّهُ قَدَّرَ مُضافًا أيْ وتَسْبِيحٌ لِطَيْرٍ ولا يُحْتاجُ إلَيْهِ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: الطَّيْرُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ ﴿جِبالُ﴾ نَحْوَ قَوْلِهِ: ألا يا زَيْدُ والضَّحّاكَ سَيْرًا، بِنَصْبِ الضِّحّاكِ، ومَنَعَهُ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ لِلُزُومِ دُخُولِ يا عَلى المُنادى المُعَرَّفِ بِألْ.

والمُجِيزُ يَقُولُ: رُبَّ شَيْءٍ يَجُوزُ تَبَعًا ولا يَجُوزُ اِسْتِقْلالًا، وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ لِأنَّ قَبْلَهُ ( مَعَهُ ) ولا يَقْتَضِي اِثْنَيْنِ مِنَ المَفْعُولِ مَعَهُ إلّا عَلى البَدَلِ أوِ العَطْفِ فَكَما لا يَجُوزُ جاءَ زَيْدٌ مَعَ عَمْرٍو مَعَ زَيْنَبَ إلّا بِالعَطْفِ كَذَلِكَ هَذا، وقالَ الخَفاجِيُّ: لا يَأْباهُ ( مَعَهُ ) سَواءٌ تَعَلَّقَ بِ أوِّبِي عَلى أنَّهُ ظَرْفُ لَغْوٍ أوْ جُعِلَ حالًا لِأنَّهُما مَعْمُولانِ مُتَغايِرانِ، إذِ الظَّرْفُ والحالُ غَيْرُ المَفْعُولِ مَعَهُ وكُلٌّ مِنها بابٌ عَلى حَدِّهِ وإنَّما المُوهِمُ لِذَلِكَ لَفْظُ المَعِيَّةِ، فَما اِعْتَرَضَ بِهِ أبُو حَيّانَ غَيْرُ مُتَوَجِّهٍ وإنْ ظُنَّ كَذَلِكَ، وأقْبَحُ مِنَ الذَّنْبِ الِاعْتِذارُ حَيْثُ أُجِيبَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ حُذِفَتْ واوُ العَطْفِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والطَّيْرَ﴾ اِسْتِثْقالًا لِاجْتِماعِ الواوَيْنِ أوِ اُعْتُبِرَ تَعَلُّقُ الثّانِي بَعْدَ تَعَلُّقِ الأوَّلِ.

وقَرَأ السُّلْمِيُّ وابْنُ هُرْمُزَ وأبُو يَحْيى وأبُو نَوْفَلٍ ويَعْقُوبُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ المَدِينَةِ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ «والطَّيْرُ» بِالرَّفْعِ، وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿جِبالُ﴾ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ وحَرَكَتِهِ لِعُرُوضِها تُشْبِهُ حَرَكَةَ الإعْرابِ ويُغْتَفَرُ في التّابِعِ ما لا يُغْتَفَرُ في المَتْبُوعِ، وقِيلَ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في ﴿أوِّبِي﴾ وسَوَّغَ ذَلِكَ الفَصْلُ بِالظَّرْفِ، وقِيلَ: هو بِتَقْدِيرِ ولْتُؤَوِّبِ الطَّيْرُ نَظِيرَ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ( اُسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ ) [اَلْبَقَرَةِ: 35، الأعْرافِ: 19] .

وقِيلَ: هو مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ والطَّيْرُ تُؤَوِّبُ ﴿وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ وجَعَلْناهُ في يَدِهِ كالشَّمْعِ والعَجِينِ يُصَرِّفُهُ كَما يَشاءُ مِن غَيْرِ نارٍ ولا ضَرْبِ مِطْرَقَةٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: جَعَلْناهُ بِالنِّسْبَةِ إلى قُوَّتِهِ الَّتِي آتَيْناها إيّاهُ لَيِّنًا كالسَّمْعِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُوى سائِرِ البَشَرِ.

34:11Page 429

أَنِ ٱعۡمَلۡ سَٰبِغَٰتٖ وَقَدِّرۡ فِي ٱلسَّرۡدِۖ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١١

[Commanding him], "Make full coats of mail and calculate [precisely] the links, and work [all of you] righteousness. Indeed I, of what you do, am Seeing."

﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ﴾ أنْ مَصْدَرِيَّةٌ وهي عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ أيْ ألَنّا لَهُ الحَدِيدَ لِعَمَلِ سابِغاتٍ أوْ وأمَرْناهُ بِعَمَلِ سابِغاتٍ، والأوَّلُ أوْلى، وأجازَ الحَوْفِيُّ وغَيْرُهُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً، ولَمّا كانَ شَرْطُ المُفَسِّرَةِ أنْ يَتَقَدَّمَها مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ ﴿وألَنّا﴾ لَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ قَدَّرَ بَعْضُهم قَبْلَها فِعْلًا مَحْذُوفًا فِيهِ مَعْنى القَوْلِ لِيَصِحَّ كَوْنُها مُفَسِّرَةً، أيْ وأمَرْناهُ أنْ اِعْمَلْ أيَّ أيْ أعْمَلَ، وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّ حَذَفَ المُفَسِّرِ لَمْ يُعْهَدْ.

والسّابِغاتُ الدُّرُوعُ وأصْلُهُ صِفَةٌ مِنَ السُّبُوغِ وهو التَّمامُ والكَمالُ فَغَلَبَ عَلى الدُّرُوعِ

صفحة 115

كالأبْطُحِ قالَ الشّاعِرُ:

لا سابِغاتٍ ولا جَأْواءَ باسِلَةً تَقِي المَنُونَ لَدى اِسْتِيفاءِ آجالِ

ويُقالُ سَوابِغُ أيْضًا كَما في قَوْلِهِ:

عَلَيْها أسْوَدٌ ضارِياتٌ لَبُوسُهم ∗∗∗ سَوابِغُ بِيضٌ لا تُخَرِّقُها النَّبْلُ

فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ مَوْصُوفٍ أيْ دُرُوعًا سابِغاتٍ، ولا يُرَدُّ هَذا نَقْصًا عَلى ما قِيلَ إنَّ الصِّفَةَ ما لَمْ تَكُنْ مُخْتَصَّةً بِالمَوْصُوفِ كَحائِضٍ لا يُحْذَفُ مَوْصُوفُها. وقُرِئَ «صابِغاتٍ» بِإبْدالِ السِّينِ صادًا لِأجْلِ الغَيْنِ.

﴿وقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ السَّرْدُ نَسْجٌ في الأصْلِ كَما قالَ الرّاغِبُ خَرَزٌ ما يَخْشُنُ ويَغْلُظُ قالَ الشَّمّاخُ:

فَظَلَّتْ سِراعًا خَيْلُنا في بُيُوتِكم ∗∗∗ كَما تابَعَتْ سَرْدَ العِنانِ الخَوارِزُ

واسْتُعِيرَ لِنَظْمِ الحَدِيدِ، وفي البَحْرِ هو اِتِّباعُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ مِن جِنْسِهِ، ويُقالُ لِلدِّرْعِ مَسْرُودَةٌ لِأنَّهُ تُوبِعَ فِيها الحِلَقُ بِالحِلَقِ، قالَ الشّاعِرُ:

وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗ داوُدُ أوْ صُنْعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ

ولِصانِعِها سَرّادٌ وزَرّادٌ بِإبْدالِ السِّينِ زايًا، وفَسَّرَهُ هُنا غَيْرُ واحِدٍ بِالنَّسْجِ، وقالَ: المَعْنى اِقْتَصَدَ في نَسْجِ الدُّرُوعِ بِحَيْثُ تَتَناسَبُ حِلَقُها، وابْنُ عَبّاسٍ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ بِالحِلَقِ، أيِ اِجْعَلْ حِلَقَها عَلى مَقادِيرَ مُتَناسِبَةٍ، وقالَ اِبْنُ زَيْدٍ: لا تَعْمَلْها صَغِيرَةً فَتَضْعُفُ فَلا يَقْوى الدِّرْعُ عَلى الدِّفاعِ ولا كَبِيرَةً فَيَنالُ صاحِبُها مِن خِلالِها، وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُها بِالمَسامِيرِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ ومُجاهِدٍ أيْ قَدِّرْ مَسامِيرَها فَلا تَعْمَلْها دِقاقًا ولا غِلاظًا، أيِ اِجْعَلْها عَلى مِقْدارٍ مُعَيَّنٍ دِقَّةً وغَيْرَها مُناسِبَةً لِلثُّقْبِ الَّذِي هُيِّئَ لَها في الحَلْقَةِ فَإنَّها إنْ كانَتْ دَقِيقَةً اِضْطَرَبَتْ فِيها فَلَمْ تُمْسِكْ طَرَفَيْها وإنْ كانَتْ غَلِيظَةً خَرَقَتْ طَرَفَ الحَلْقَةِ المَوْضُوعَةِ فِيهِ فَلا تُمْسِكُ أيْضًا، ويُبْعِدُ هَذا أنَّ إلانَةَ الحَدِيدِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِحَيْثُ كانَ كالشَّمْعِ والعَجِينِ يُغْنِي عَنِ التَّسْمِيرِ فَإنَّهُ بَعْدَ جَمْعِ الحِلَقِ وإدْخالِ بَعْضِهِ في بَعْضٍ يُزالُ اِنْفِصالُ طَرَفَيْ كُلِّ حَلْقَةٍ يَمْزُجُ الطَّرَفَيْنِ كَما يَمْزُجُ طَرَفا حَلْقَةٍ مِن شَمْعٍ أوْ عَجِينٍ، والإحْكامُ بِذَلِكَ أتَمُّ مِنَ الإحْكامِ بِالتَّسْمِيرِ بَلْ لا يَبْقى مَعَهُ حاجَةٌ إلى التَّسْمِيرِ أصْلًا فَلَعَلَّهُ إنْ صَحَّ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْمَلُ الحِلَقَ مِن غَيْرِ مَزْجٍ لِطَرَفَيْ كُلٍّ فَيُسَمِّرُ لِلْإحْكامِ بَعْدَ إدْخالِ بَعْضِهِ في بَعْضٍ، ويَظْهَرُ ذَلِكَ عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ إذْ غايَةُ القُوَّةِ كَسْرُ الحَدِيدِ كَما يُرِيدُ مِن غَيْرِ آلَةٍ دُونَ وصْلِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، ولا يُعارِضُ ذَلِكَ ما نُقِلَ عَنِ البِقاعِيِّ أنَّهُ قالَ: أخْبَرَنا بَعْضُ مَن رَأى ما نُسِبَ إلى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الدُّرُوعِ أنَّهُ بِغَيْرِ مَسامِيرَ فَإنَّهُ نُقِلَ عَنْ مَجْهُولٍ فَلا يُلْتَفَتُ لِمَثَلِهِ، وقِيلَ مَعْنى ( قَدِّرْ في السَّرْدِ ) لا تَصْرِفْ جَمِيعَ أوْقاتِكَ فِيهِ بَلْ مِقْدارَ ما يَحْصُلُ بِهِ القُوتُ وأمّا الباقِي فاصْرِفْهُ إلى العِبادَةِ، قِيلَ وهو الأنْسَبُ بِالأمْرِ الآتِي، وحُكِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلُ مَن صَنَعَ الدِّرْعَ حِلَقًا وكانَتْ قَبْلُ صَفائِحَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ.

وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ مُلِّكَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ يَخْرُجُ مُتَنَكِّرًا فَيَسْألُ النّاسَ عَنْ حالِهِ فَعَرَضَ لَهُ مَلَكٌ في صُورَةِ إنْسانٍ فَسَألَهُ فَقالَ: نِعْمَ العَبْدُ لَوْلا خُلَّةٌ فِيهِ فَقالَ وما هِيَ؟ قالَ: يُرْزَقُ مِن بَيْتِ المالِ ولَوْ أكَلَ مِن عَمَلِ يَدِهِ تَمَّتْ فَضائِلُهُ، فَدَعا اللَّهَ تَعالى أنْ يُعَلِّمَهُ صَنْعَةً ويُسَهِّلَها عَلَيْهِ فَعَلَّمَهُ صَنْعَةَ الدُّرُوعِ وألانَ لَهُ الحَدِيدَ فَأثْرى

صفحة 116

وكانَ يُنْفِقُ ثُلْثَ المالِ في مَصالِحِ المُسْلِمِينَ وكانَ يَفْرَغُ مِنَ الدِّرْعِ في بَعْضِ يَوْمٍ أوْ في بَعْضٍ لَيْلٍ وثَمَنُها ألْفُ دِرْهَمٍ.

وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في (نَوادِرِ الأُصُولِ) وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ اِبْنِ شَوْذَبَ قالَ: كانَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَرْفَعُ في كُلِّ يَوْمٍ دِرْعًا فَيَبِيعُها بِسِتَّةِ آلافِ دِرْهَمٍ، ألْفانِ لَهُ ولِأهْلِهِ وأرْبَعَةُ آلافٍ يُطْعِمُ بِها بَنِي إسْرائِيلَ الخَبْزَ الحَوارِيَّ، وقِيلَ: كانَ يَبِيعُ الدِّرْعَ بِأرْبَعَةِ آلافٍ فَيُنْفِقُ مِنها عَلى نَفْسِهِ وعِيالِهِ ويَتَصَدَّقُ عَلى الفُقَراءِ، وفي (مَجْمَعِ البَيانِ) عَنِ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ عَمِلَ ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ دِرْعًا فَباعَها بِثَلاثِمِائَةٍ وسِتِّينَ ألْفَ دِرْهَمٍ فاسْتَغْنى عَنْ بَيْتِ المالِ.

﴿واعْمَلُوا صالِحًا﴾ خِطابٌ لِداوُدَ وآلِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وهم وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ يُفْهَمُونَ عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ اِلْتِزامًا مِن ذِكْرِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خِطابًا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خاصَّةً عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ، وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ أنَّهُ أمْرٌ بِالعَمَلِ الصّالِحِ مُطْلَقًا، ولَيْسَ هو عَلى الوَجْهِ الثّانِي أمْرًا بِعَمَلِ الدُّرُوعِ خالِيَةً مِن عَيْبٍ.

﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فَأُجازِيكم بِهِ وهو تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ أوْ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ بِهِ عَلى وجْهِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ.

34:12Page 429

وَلِسُلَيۡمَٰنَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهۡرٞ وَرَوَاحُهَا شَهۡرٞۖ وَأَسَلۡنَا لَهُۥ عَيۡنَ ٱلۡقِطۡرِۖ وَمِنَ ٱلۡجِنِّ مَن يَعۡمَلُ بَيۡنَ يَدَيۡهِ بِإِذۡنِ رَبِّهِۦۖ وَمَن يَزِغۡ مِنۡهُمۡ عَنۡ أَمۡرِنَا نُذِقۡهُ مِنۡ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ١٢

And to Solomon [We subjected] the wind - its morning [journey was that of] a month - and its afternoon [journey was that of] a month, and We made flow for him a spring of [liquid] copper. And among the jinn were those who worked for him by the permission of his Lord. And whoever deviated among them from Our command - We will make him taste of the punishment of the Blaze.

﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ أيْ وسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ، وقِيلَ ﴿لِسُلَيْمانَ﴾ عَطْفٌ عَلى لَهُ في ( ألَنّا لَهُ الحَدِيدَ ) والرِّيحُ عَطْفٌ عَلى ﴿الحَدِيدَ﴾ وإلانَةُ الرِّيحِ عِبارَةٌ عَنْ تَسْخِيرِها.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ «اَلرِّيحُ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ و﴿لِسُلَيْمانَ﴾ خَبَرُهُ، والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ ولِسُلَيْمانَ تَسْخِيرُ الرِّيحِ، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ ومُتَعَلِّقُ الجارِّ كَوْنٌ خاصٌّ هو الخَبَرُ ولَيْسَ هُناكَ مُضافٌ مُقَدَّرٌ، أيْ ولِسُلَيْمانَ الرِّيحُ مُسَخَّرَةً، وعِنْدِي أنَّ الجُمْلَةَ عَلى القِراءَتَيْنِ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلا﴾ إلخ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، وقالَ اِبْنُ الشَّيْخِ: العَطْفُ عَلى القِراءَةِ الأُولى عَلى ( ألَنّا لَهُ الحَدِيدَ ) وكِلْتا الجُمْلَتَيْنِ فِعْلِيَّةٌ وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ العِطْفُ عَلى اِسْمِيَّةٍ مُقَدَّرَةٍ دَلَّتْ عَلَيْها تِلْكَ الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ لا عَلَيْها لِلتَّخالُفِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما ذَكَرْنا لِداوُدَ ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ فَإنَّها كانَتْ لَهُ كالمَمْلُوكِ المُخْتَصِّ بِالمالِكِ يَأْمُرُها بِما يُرِيدُ ويَسِيرُ عَلَيْها حَيْثُما يَشاءُ، ثُمَّ قالَ: وإنَّما لَمْ يَقُلْ ومَعَ سُلَيْمانَ الرِّيحُ لِأنَّ حَرَكَتَها لَيْسَتْ بِحَرَكَةِ سُلَيْمانَ بَلْ هي تَتَحَرَّكُ بِنَفْسِها وتَحَرُّكُ سُلَيْمانَ وجُنُودِهِ بِحَرَكَتِها وتَسِيرُ بِهِمْ حَيْثُ شاءَ وهَذا عَلى خِلافِ تَأْوِيبِ الجِبالِ فَإنَّهُ كانَ تَبَعًا لِتَأْوِيبِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلِذا جِيءَ هُناكَ بِ مَعَهُ.

وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ وخالِدُ بْنُ إلْياسٍ «اَلرِّياحُ» بِالرَّفْعِ جَمْعًا ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ﴾ أيْ جَرْيُها بِالغَداةِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وجَرْيُها بِالعَشِيِّ كَذَلِكَ، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالٌ مِن ( الرِّيحَ ) ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ في الخَبَرِ لِأنَّ الغُدُوَّ والرَّواحَ لَيْسَ نَفْسَ الشَّهْرِ وإنَّما يَكُونانِ فِيهِ، ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرٍ في المُبْتَدَأِ كَما فَعَلَ مَكِّيٌّ حَيْثُ قالَ: أيْ مَسِيرُ غُدُوِّها مَسِيرَةُ شَهْرٍ ومَسِيرُ رَواحِها كَذَلِكَ لِما لا يَخْفى، وقالَ اِبْنُ الحاجِبِ في أمالِيهِ: الفائِدَةُ في إعادَةِ لَفْظِ الشَّهْرِ الإعْلامُ بِمِقْدارِ زَمَنِ الغُدُوِّ وزَمَنِ الرَّواحِ والألْفاظُ الَّتِي تَأْتِي مُبَيِّنَةً لِلْمَقادِيرِ لا يَحْسُنُ فِيها الإضْمارُ ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ زِنَةُ هَذا مِثْقالٌ وزِنَةُ هَذا مِثْقالٌ فَلا يَحْسُنُ الإضْمارُ كَما لا يَحْسُنُ في التَّمْيِيزِ، وأيْضًا فَإنَّهُ لَوْ أُضْمِرَ فالضَّمِيرُ إنَّما يَكُونُ لِما تَقَدَّمَ بِاعْتِبارِ خُصُوصِيَّتِهِ فَإذا لَمْ يَكُنْ لَهُ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ وجَبَ العُدُولُ إلى الظّاهِرِ، ألا تَرى أنَّكَ إذا أكْرَمْتَ رَجُلًا وكَسَوْتَ ذَلِكَ الرَّجُلَ بِخُصُوصِهِ لَكانَتِ العِبارَةُ أكْرَمْتُ رَجُلًا وكَسَوْتُهُ، ولَوْ أكْرَمْتَ رَجُلًا وكَسَوْتَ رَجُلًا آخَرَ لَكانَتِ العِبارَةُ أكْرَمْتُ رَجُلًا وكَسَوْتُ رَجُلًا، فَتَبَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ كَذا في حَواشِي الطِّيبِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، ولا يَخْفى أنَّ ما ذَكَرَهُ مَبْنِيٌّ عَلى ما هو الغالِبُ، وإلّا فَقَدْ قالَ تَعالى:

صفحة 117

﴿وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ﴾ [فاطِرٍ: 11] ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى الإعْلامِ بِزَمَنِ الغُدُوِّ لِيُقاسَ عَلَيْهِ زَمَنَ الرَّواحِ لِأنَّ الرِّيحَ كَثِيرًا ما تَسْكُنُ أوْ تَضْعُفُ حَرَكَتُها بِالعَشِيِّ، فَدَفَعَ بِالتَّنْصِيصِ عَلى بَيانِ زَمَنِ الرَّواحِ تَوَهُّمُ اِخْتِلافِ الزَّمانَيْنِ، قالَ قَتادَةُ كانَتِ الرِّيحُ تَقْطَعُ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في الغُدُوِّ إلى الزَّوالِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وفي الرَّواحِ مِن بَعْدِ الزَّوالِ إلى الغُرُوبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ.

وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ كانَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَغْدُو مِن بَيْتِ المَقْدِسِ فَيَقِيلُ بِإصْطَخْرَ ثُمَّ يَرُوحُ مِن إصْطَخْرَ فَيَقِيلُ بِقَلْعَةِ خُراسانَ.

وقَدْ ذُكِرَ حَدِيثُ هَذِهِ الرِّيحِ في بَعْضِ الأشْعارِ القَدِيمَةِ قالَ وهْبُ ونَقَلَهُ عَنْهُ في البَحْرِ: وجَدْتُ أبْياتًا مَنقُورَةً في صَخْرَةٍ بِأرْضٍ كَسْكُرَ لِبَعْضِ أصْحابِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهِيَ:

ونَحْنُ ولا حَوْلَ سِوى حَوْلِ رَبِّنا نَرُوحُ مِنَ الأوْطانِ مِن أرْضِ تَدْمُرِ

إذا نَحْنُ رُحْنا كانَ رَيْثُ رَواحِنا ∗∗∗ مَسِيرَةَ شَهْرٍ والغُدُوُّ لِآخِرِ

أُناسٌ شَرَوْا لِلَّهِ طَوْعًا نُفُوسَهم ∗∗∗ بِنْصِرِ اِبْنِ داوُدَ النَّبِيِّ المُطَهَّرِ

لَهم في مَعالِي الدِّينِ فَضْلٌ ورِفْعَةٌ ∗∗∗ وإنْ نُسِبُوا يَوْمًا فَمِن خَيْرِ مَعْشَرِ

مَتى تَرْكَبُ الرِّيحَ المُطِيعَةَ أسْرَعَتْ ∗∗∗ مُبادِرَةً عَنْ شَهْرِها لَمْ تُقَصِّرِ

تُظِلُّهم طَيْرٌ صُفُوفٌ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ مَتى رَفْرَفَتْ مِن فَوْقِهِمْ لَمْ تُنَفِّرِ

وذَكَرَ أيْضًا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُسْتَقَرُّهُ تَدْمُرَ وأنَّ الجِنَّ قَدْ بَنَتْها لَهُ بِالصُّفّاحِ والعَمَدِ والرُّخامِ الأبْيَضِ والأشْقَرِ، وقالَ: وفِيهِ يَقُولُ النّابِغَةُ:

إلّا سُلَيْمانُ إذْ قالَ الإلَهُ لَهُ ∗∗∗ قُمْ في البَرِيَّةِ فاصْدُدْها عَنِ الفَنَدِ

وجَيْشُ الجِنِّ إنِّي قَدْ أذِنْتُ لَهم ∗∗∗ يَبْنُونَ تَدْمُرَ بِالصُّفّاحِ والعَمَدِ

اِنْتَهى، وما ذَكَرَهُ في تَدْمُرَ هو المَشْهُورُ عِنْدَ العامَّةِ وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الثَّعالِبِيُّ في تَفْسِيرِهِ مَعَ الأبْياتِ المَذْكُورَةِ لَكِنْ في القامُوسِ تَدْمُرَ كَتَنْصُرَ بِنْتِ حَسّانَ بْنِ أُذَيْنَةَ بِها سُمِّيَتْ مَدِينَتُها وهو ظاهِرٌ في المُخالَفَةِ، ولَعَلَّ التَّعْوِيلَ عَلى ما فِيهِ إنْ لَمْ يُمْكِنِ الجَمْعُ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.

وقَرَأ اِبْنُ أبِي عَبْلَةَ «غَدْوَتُها» «ورَوْحَتُها» عَلى وزْنِ فَعْلَةٍ وهي المَرَّةُ الواحِدَةُ غَدا وراحَ.

﴿وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ﴾ أيِ النُّحاسِ الذّائِبِ مِن قَطَرَ يَقْطُرُ قَطْرًا وقَطْرانًا بِسُكُونِ الطّاءِ وفَتْحِها، وقِيلَ الفِلِزّاتُ النُّحاسُ والحَدِيدُ وغَيْرُهُما، وعَلى الأوَّلِ جُمْهُورُ اللُّغَوِيِّينَ، وأُرِيدَ بِعَيْنِ القِطْرِ مَعْدِنُ النُّحاسِ ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ أسالَهُ كَما ألانَ الحَدِيدَ لِداوُدَ فَنَبَعَ كَما يَنْبُعُ الماءُ مِنَ العَيْنِ فَلِذَلِكَ سُمِّيَ عَيْنَ القِطْرِ بِاسْمِ ما آلَ إلَيْهِ، وذَكَرَ الجَلْبِيُّ أنَّ نِسْبَةَ الإسالَةِ إلى العَيْنِ مَجازِيَّةٌ كَما في جَرْيِ النَّهْرِ.

وقالَ الخَفاجِيُّ: إنْ كانَتِ العَيْنُ هُنا بِمَعْنى الماءِ المَعِينِ أيِ الجارِي، وإضافَتُها كَما في لُجَيْنِ الماءِ فَلا تَجُوزُ في النِّسْبَةِ وإنَّما هو مِن مَجازِ الأوَّلِ عَلى أنَّ العَيْنَ مَنبَعُ الماءِ ولا حاجَةَ إلَيْهِ اه، فَتَأمَّلْ.

وقالَ بَعْضُهُمُ: القِطْرُ النُّحاسُ وعَيْنٌ بِمَعْنى ذاتٍ، ومَعْنى أسَلْنا أذَبْنا فالمَعْنى أذَبْنا لَهُ النُّحاسَ عَلى نَحْوِ ما كانَ الحَدِيدُ يَلِينُ لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَكانَتِ الأعْمالُ تَتَأتّى مِنهُ وهو بارِدٌ دُونَ نارٍ ولَمْ يَلِنْ ولا ذابَ لِأحَدٍ قَبْلَهُ

صفحة 118

والظّاهِرُ المُؤَيَّدُ بِالآثارِ أنَّهُ تَعالى جَعَلَهُ في مَعْدِنِهِ عَيْنًا تَسِيلُ كَعُيُونِ الماءِ.

أخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: أسالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ القِطْرَ ثَلاثَةَ أيّامٍ يَسِيلُ كَما يَسِيلُ الماءُ قِيلَ: إلى أيْنَ؟ قالَ: لا أدْرِي. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: سِيلَتْ لَهُ عَيْنٌ مِن نُحاسٍ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وفي البَحْرِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ ومُجاهِدٍ قالُوا، أُجْرِيَتْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَلاثَةَ أيّامٍ بِلَيالِيهِنَّ وكانَتْ بِأرْضِ اليَمَنِ، وفي رِوايَةٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ النُّحاسَ سالَ مِن صَنْعاءَ وقِيلَ: كانَ يَسِيلُ في الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أيّامٍ.

﴿ومِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ هو خَبَرٌ مُقَدَّمٌ و( مَن ) في مَحَلِّ رَفْعِ مُبْتَدَأٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مُقَدَّمًا مِن ( مَن ) وهي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَطْفٍ عَلى ﴿الرِّيحَ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( مِنَ الجِنِّ ) عَطْفًا عَلى الرِّيحِ عَلى أنَّ مِن لِلتَّبْعِيضِ ( ومَن يَعْمَلْ ) بَدَلٌ مِنهُ وهو تَكَلُّفٌ ويَعْمَلُ إمّا مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أوْ مَفْعُولُهُ مُقَدَّرٌ يُفَسِّرُهُ ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لِيَكُونَ تَفْصِيلًا بَعْدَ الإجْمالِ، وهو أوْقَعُ في النَّفْسِ ﴿بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ بِأمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ.

﴿ومَن يَزِغْ مِنهم عَنْ أمْرِنا﴾ أيْ ومَن يَعْدِلْ مِنهم عَمّا أمَرْناهُ بِهِ مِن طاعَةِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقُرِئَ «يُزِغْ» بِضَمِّ الياءِ مِن أزاغَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ مَن يَمِلْ ويَصْرِفْ نَفْسَهُ أوْ غَيْرَهُ، وقِيلَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مَفْعُولٍ ﴿نُذِقْهُ مِن عَذابِ السَّعِيرِ﴾ أيْ عَذابِ النّارِ في الآخِرَةِ، كَما قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ تَعْذِيبُهُ في الدُّنْيا.

رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَعَهُ مَلَكٌ بِيَدِهِ سَوْطٌ مِن نارٍ كُلَّ ما اِسْتَعْصى عَلَيْهِ جِنِّيٌّ ضَرَبَهُ مِن حَيْثُ لا يَراهُ الجِنِّيُّ، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ كانَ يَحْرُقُ مَن يُخالِفُهُ، واحْتِراقُ الجِنِّيِّ مَعَ أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ النّارِ غَيْرُ مُنْكَرٍ فَإنَّهُ عِنْدَنا لَيْسَ نارًا مَحْضَةً وإنَّما النّارُ أغْلَبُ العَناصِرِ فِيهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском