Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Saba 34:15–18
34:15Page 430
لَقَدۡ كَانَ لِسَبَإٖ فِي مَسۡكَنِهِمۡ ءَايَةٞۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٖ وَشِمَالٖۖ كُلُواْ مِن رِّزۡقِ رَبِّكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥۚ بَلۡدَةٞ طَيِّبَةٞ وَرَبٌّ غَفُورٞ ١٥
There was for [the tribe of] Saba’ in their dwelling place a sign: two [fields of] gardens on the right and on the left. [They were told], "Eat from the provisions of your Lord and be grateful to Him. A good land [have you], and a forgiving Lord."
﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ﴾ لَمّا ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ حالَ الشّاكِرِينَ لِنِعَمِهِ المُنِيبِينَ إلَيْهِ تَعالى ذَكَرَ حالَ الكافِرِينَ بِالنِّعْمَةِ المُعْرِضِينَ عَنْهُ جَلَّ شَأْنُهُ مَوْعِظَةً لِقُرَيْشٍ وتَحْذِيرًا لِمَن كَفَرَ بِالنِّعَمِ وأعْرَضَ عَنِ المُنْعِمِ، وسَبَأٌ في الأصْلِ اِسْمُ رَجُلٍ وهو سَبَأُ بْنُ يَشْجُبَ بِالشِّينِ المُعْجَمَةِ والجِيمِ كَيَنْصُرَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ، وفي بَعْضِ الأخْبارِ «عَنْ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ، قالَ: أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أخْبِرْنِي عَنْ سَبَأٍ أرَجُلٌ هو أمِ اِمْرَأةٌ؟ فَقالَ: هو رَجُلٌ مِنَ العَرَبِ ولَدَ عَشَرَةً تَيامَنَ مِنهم سِتَّةٌ وتَشاءَمَ مِنهم أرْبَعَةٌ، فَأمّا الَّذِينَ تَيامَنُوا فالأزْدُ وكِنْدَةُ ومُذْحِجُ والأشْعَرِيُّونَ وأنْمارُ ومِنهم بُجَيْلَةُ، وأمّا الَّذِينَ تَشاءَمُوا فَعامِلَةُ وغَسّانُ ولَخْمٌ وجُذامٌ».
وفِي شَرْحِ قَصِيدَةِ عَبْدِ المَجِيدِ بْنِ عَبْدُونَ لِعَبْدِ المَلِكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرُونَ الحَضْرَمِيِّ البُسْتِيِّ أنَّ سَبَأ بْنَ يَشْجُبَ أوَّلُ مُلُوكِ اليَمَنِ في قَوْلٍ واسْمُهُ عَبْدُ شَمْسٍ، وإنَّما سُمِّيَ سَبَأً لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَبى السَّبْيَ مِن ولَدِ قَحْطانَ، وكانَ مُلْكُهُ أرْبَعَمِائَةٍ وأرْبَعًا وثَمانِينَ سَنَةً ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ الحَيُّ، ومَنَعَ الصَّرْفَ عَنْهُ اِبْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِاعْتِبارِ جَعْلِهِ اِسْمًا لِلْقَبِيلَةِ فَفِيهِ العَلَمِيَّةُ والتَّأْنِيثُ، وقَرَأ قُنْبُلٌ بِإسْكانِ
صفحة 125
الهَمْزَةِ عَلى نِيَّةِ الوَقْفِ، وعَنِ اِبْنِ كَثِيرٍ قَلْبُ هَمْزَتِهِ ألِفًا ولَعَلَّهُ سَكَّنَها أوَّلًا بِنِيَّةِ الوَقْفِ كَقُنْبُلٍ ثُمَّ قَلَبَها ألِفًا والهَمْزَةُ إذا سُكِّنَتْ يَطَّرِدُ قَلْبُها مِن جِنْسِ حَرَكَةِ ما قَبْلَها، وقِيلَ: لَعَلَّهُ أخْرَجَها بَيْنَ بَيْنَ فَلَمْ يُؤَدِّهِ الرّاوِي كَما وجَبَ، والمُرادُ بِسَبَأٍ هُنا إمّا الحَيُّ أوِ القَبِيلَةُ وإمّا الرَّجُلُ الَّذِي سَمِعْتَ وعَلَيْهِ فالكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ لَقَدْ كانَ في أوْلادِ سَبَأٍ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ البَلَدُ وقَدْ شاعَ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ وحِينَئِذٍ فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ لِأهْلِها أوَّلَها مُرادًا بِها الحَيُّ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْدامِ والأمْرُ فِيهِ عَلى ما تَقَدَّمَ ظاهِرٌ، والمِسْكِينُ اِسْمُ مَكانٍ أيْ في مَحَلِّ سُكْناهم وهو كالدّارِ يُطْلَقُ عَلى المَأْوى لِلْجَمِيعِ وإنْ كانَ قُطْرًا واسِعًا كَما تُسَمّى الدُّنْيا دارًا، وقالَ أبُو حَيّانَ: يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلى المَصْدَرِ أيْ في سُكْناهم لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ لَهُ مَسْكَنٌ وقَدْ أُفْرِدَ في هَذِهِ القِراءَةِ وجُعِلَ المُفْرَدُ بِمَعْنى الجَمْعِ كَما في قَوْلِهِ: كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكم تَعِفُّوا، وقَوْلِهِ: قَدْ عَضَّ أعْناقَهم جِلْدُ الجَوامِيسِ، يَخْتَصُّ بِالضَّرُورَةِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ اِنْتَهى.
وبِما ذَكَرْنا لا تَبْقى حاجَةٌ إلَيْهِ كَما لا يَخْفى، واسْمُ ذَلِكَ المَكانِ مَأْرِبُ كَمَنزِلٍ، وهي مِن بِلادِ اليَمَنِ بَيْنَها وبَيْنَ صَنْعاءَ مَسِيرَةُ ثَلاثٍ، وقَرَأ الكِسائِيُّ والأعْمَشُ وعَلْقَمَةُ «مَسْكِنِهِمْ» بِكَسْرِ الكافِ عَلى خِلافِ القِياسِ كَمَسْجِدٍ ومَطْلِعٍ، لِأنَّ ما ضُمَّتْ عَيْنُ مُضارِعِهِ أوْ فُتِحَتْ قِياسُ المَفْعَلِ مِنهُ زَمانًا ومَكانًا ومَصْدَرًا الفَتْحُ لا غَيْرَ، وقالَ أبُو الحَسَنِ كَسْرُ الكافِ لُغَةٌ فاشِيَةٌ وهي لُغَةُ النّاسِ اليَوْمَ والفَتْحُ لُغَةُ الحِجازِ وهي اليَوْمَ قَلِيلَةٌ، وقالَ الفَرّاءُ: هي لُغَةٌ يَمانِيَّةٌ فَصِيحَةٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ «مَساكِنِهِمْ» جَمْعًا أيْ في مَواضِعِ سُكْناهم ﴿آيَةٌ﴾ أيْ عَلامَةٌ دالَّةٌ بِمُلاحَظَةِ أخَواتِها السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ وأنَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى ما يَشاءُ مِنَ الأُمُورِ العَجِيبَةِ مُجازٍ لِلْمُحْسِنِ والمُسِيءِ وهي اِسْمُ كانَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَنَّتانِ﴾ بَدَلٌ مِنها عَلى ما أشارَ إلَيْهِ الفَرّاءُ وصَرَّحَ بِهِ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ، وقالَ الزَّجّاجُ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي جَنَّتانِ ولا يُشْتَرَطُ في البَدَلِ المُطابَقَةُ إفْرادًا وغَيْرَهُ، وكَذا الخَبَرُ إذا كانَ غَيْرَ مُشْتَقٍّ ولَمْ يَمْنَعِ المَعْنى مِنَ اِتِّحادِهِ مَعَ المُبْتَدَأِ، ولَعَلَّ وجْهُ تَوْحِيدِ الآيَةِ هُنا مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً﴾ [اَلْمُؤْمِنُونَ: 50] ولا حاجَةَ إلى اِعْتِبارِ مُضافٍ مُفْرَدٍ مَحْذُوفٍ هو البَدَلُ أوِ الخَبَرُ في الحَقِيقَةِ أيْ قِصَّةُ جَنَّتَيْنِ، وذَهَباِبْنُ عَطِيَّةَ بَعْدَ أنْ ضَعَّفَ وجْهَ البَدَلِيَّةِ ولَمْ يَذْكُرِ الجِهَةَ إلى أنَّ ﴿جَنَّتانِ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ﴾ ولا يَظْهَرُ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ لا مُسَوِّغَ لِلِابْتِداءِ بِها إلّا أنِ اِعْتَقَدَ أنَّ ثَمَّ صِفَةً مَحْذُوفَةً، أيْ جَنَّتانِ لَهم أوْ جَنَّتانِ عَظِيمَتانِ وعَلى تَقْدِيرِ ذَلِكَ يَبْقى الكَلامُ مُتَلَفِّتًا عَمّا قَبْلَهُ.
وقَرَأ اِبْنُ أبِي عَبْلَةَ «جَنَّتَيْنِ» بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: عَلى أنَّ آيَةً اِسْمُ كانَ و«جَنَّتَيْنِ» الخَبَرُ وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ بِالجَنَّتَيْنِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ جَماعَتانِ مِنَ البَساتِينِ جَماعَةٌ عَنْ يَمِينِ بَلَدِهِمْ وجَماعَةٌ عَنْ شِمالِهِ، وإطْلاقُ الجَنَّةِ عَلى كُلِّ جَماعَةٍ لِأنَّها لِتَقارُبِ أفْرادِها وتَضامِّها كَأنَّها جَنَّةٌ واحِدَةٌ كَما تَكُونُ بِلادُ الرِّيفِ العامِرَةُ وبَساتِينُها، وقِيلَ: أُرِيدُ بُسْتانًا كُلُّ رَجُلٍ مِنهم عَنْ يَمِينِ مَسْكَنِهِ وشَمالِهِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿جَعَلْنا لأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ﴾ [اَلْكَهْفِ: 32] قِيلَ: ولَمْ تُجْمَعْ لِئَلّا يَلْزَمُ أنَّ لِكُلِّ مَسْكَنِ رَجُلٍ جَنَّةً واحِدَةً لِمُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ، ورُدَّ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ﴾ يَدْفَعُ ذَلِكَ لِأنَّهُ بِالنَّظَرِ إلى كُلِّ مَسْكَنٍ إلّا أنَّها لَوْ جُمِعَتْ أوْهَمَ أنَّ لِكُلِّ مَسْكَنٍ جَنّاتٍ عَنْ يَمِينٍ وجَناتٍ عَنْ شِمالٍ، هَذا لا مَحْذُورَ فِيهِ إلّا أنْ يُدَّعى أنَّهُ مُخالِفٌ لِلْواقِعِ ثُمَّ أنَّهُ قِيلَ إنَّ في فِيما سَبَقَ بِمَعْنى عِنْدَ فَإنَّ المَساكِنَ مَحْفُوفَةٌ بِالجَنَّتَيْنِ لا ظَرْفَ لَهُما، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى هَذا فَإنَّ القَرِيبَ مِنَ الشَّيْءِ قَدْ يُجْعَلُ فِيهِ مُبالَغَةً في شِدَّةِ القُرْبِ ولِكُلِّ جِهَةٍ لَكِنْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ إذا أُرِيدَ بِالمَساكِنِ أوِ المَسْكَنِ ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِبَلَدِهِمُ المَحْفُوفَةِ بِالجَنَّتَيْنِ
صفحة 126
أوْ لِمَحِلِّ كُلٍّ مِنهُمُ المَحْفُوفَةِ بِهِما لَمْ يَحْتَجْ إلى التَّأْوِيلِ أصْلًا فَلا تَغْفُلْ.
﴿كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم واشْكُرُوا لَهُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ بِتَقْدِيرِ قَوْلٍ، أيْ قالَ لَهم نَبِيُّهم كُلُوا الخ، وفي (مَجْمَعِ البَيانِ) قِيلَ: إنَّ مَساكِنَهم كانَتْ ثَلاثَ عَشَرَةَ قَرْيَةً في كُلِّ قَرْيَةٍ نَبِيٌّ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم الخ، وقِيلَ: لَيْسَ هُناكَ قَوْلٌ حَقِيقَةً وإنَّما هو قَوْلٌ بِلِسانِ الحالِ.
﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ﴾ أيْ هَذِهِ البَلْدَةُ الَّتِي فِيها رِزْقُكم بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبُّكُمُ الَّذِي رَزَقَكم وطَلَبَ شُكْرَكم رَبٌّ غَفُورٌ فُرُطاتٌ مَن يَشْكُرُهُ، والجُمْلَةُ اِسْتِئْنافٌ لِلتَّصْرِيحِ بِمُوجِبِ الشُّكْرِ، ومَعْنى (طَيِّبَةٌ) زَكِيَّةٌ مُسْتَلَذَّةٌ.
يُرْوى أنَّها كانَتْ لَطِيفَةَ الهَواءُ حَسَنَةَ التُّرْبَةِ لا تَحْدُثُ فِيها عاهَةٌ ولا يَكُونُ فِيها هامَّةٌ حَتّى أنَّ الغَرِيبَ إذا حَلَّها وفي ثِيابِهِ قَمْلٌ أوْ بَراغِيثُ ماتَتْ، وقِيلَ: المُرادُ بِطَيِّبِها صِحَّةُ هَوائِها وعُذُوبَةُ مائِها ووُفُورُ نُزْهَتِها وأنَّهُ لَيْسَ فِيها حَرٌّ يُؤْذِي في الصَّيْفِ ولا بَرْدٌ يُؤْذِي في الشِّتاءِ.
وقَرَأ رُوَيْسٌ بِنَصْبِ «بَلْدَةً» وجَمِيعُ ما بَعْدَها وذَلِكَ عَلى المَدْحِ والوَصْفِيَّةِ، وقالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: بِتَقْدِيرِ اُسْكُنُوا بَلْدَةً طَيِّبَةً واعْبُدُوا رَبًّا غَفُورًا ومِنَ الِاتِّفاقاتِ النّادِرَةِ أنَّ لَفْظَ بَلْدَةٍ طَيِّبَةٍ بِحِسابِ الجُمَلِ واعْتِبارِ هاءِ التَّأْنِيثِ بِأرْبَعِمِائَةٍ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الأُدَباءِ وقَعَ تارِيخًا لِفَتْحِ القُسْطَنْطِينِيَّةِ وكانَتْ نُزْهَةَ بِلادِ الرُّومِ.
34:16Page 430
فَأَعۡرَضُواْ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ سَيۡلَ ٱلۡعَرِمِ وَبَدَّلۡنَٰهُم بِجَنَّتَيۡهِمۡ جَنَّتَيۡنِ ذَوَاتَيۡ أُكُلٍ خَمۡطٖ وَأَثۡلٖ وَشَيۡءٖ مِّن سِدۡرٖ قَلِيلٖ ١٦
But they turned away [refusing], so We sent upon them the flood of the dam,1 and We replaced their two [fields of] gardens with gardens of bitter fruit, tamarisks and something of sparse lote trees.
﴿فَأعْرَضُوا﴾ أيْ عَنِ الشُّكْرِ كَما يَقْتَضِيهِ المَقامُ ويَدْخُلُ فِيهِ الإعْراضُ عَنِ الإيمانِ لِأنَّهُ أعْظَمُ الكُفْرِ والكُفْرانِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: أعْرَضُوا عَمّا جاءَ بِهِ إلَيْهِمْ أنْبِياؤُهُمُ الثَّلاثَةَ عَشَرَ حَيْثُ دَعَوْهم إلى اللَّهِ تَعالى وذَكَّرُوهم نِعَمَهُ سُبْحانَهُ فَكَذَّبُوهم وقالُوا ما نَعْرِفُ لِلَّهِ نِعْمَةً.
﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ﴾ أيِ الصَّعْبِ مِن عَرِمِ الرَّجُلِ، مُثَلَّثُ الرّاءِ فَهو عارِمٌ وعَرِمٌ إذا شَرُسَ خُلُقُهُ وصَعُبَ، وفي مَعْناهُ ما جاءَ في رِوايَةٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ مِن تَفْسِيرِهِ بِالشَّدِيدِ، وإضافَةُ السَّيْلِ إلَيْهِ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ، ومَن أباها مِنَ النُّحاةِ قالَ التَّقْدِيرُ (سَيْلَ الأمْرِ العَرِمِ).
وقِيلَ: العَرِمُ المَطَرُ الشَّدِيدُ والإضافَةُ عَلى ظاهِرِها، وقِيلَ: هو اِسْمٌ لِلْجُرَذِ الَّذِي نَقَّبَ عَلَيْهِمْ سَدَّهم فَصارَ سَبَبًا لِتَسَلُّطِ السَّيْلِ عَلَيْهِمْ وهو الفارُ الأعْمى الَّذِي يُقالُ لَهُ الخُلْدُ، وإضافَةُ السَّيْلِ إلَيْهِ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، وقالَ اِبْنُ جُبَيْرٍ: العَرِمُ المُسَنّاةُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ، وقالَ الأخْفَشُ، هو بِهَذا المَعْنى عَرَبِيٌّ، وقالَ المُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ وأبُو مَيْسَرَةَ: العَرِمُ في لُغَةِ اليَمَنِ جَمْعُ عُرْمَةٍ وهي كُلُّ ما بُنِيَ أوْ سَنَمٌ لِيُمْسِكَ الماءَ، ويُقالُ لِذَلِكَ البِناءِ بِلُغَةِ الحِجازِ المُسَنّاةُ، والإضافَةُ كَما في سابِقِهِ والمُلابَسَةُ في هَذا أقْوى، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ هو اِسْمُ الوادِي الَّذِي كانَ يَأْتِي السَّيْلُ مِنهُ وبُنِيَ السَّدُّ فِيهِ، ووَجْهُ إضافَةِ السَّيْلِ إلَيْهِ ظاهِرٌ، وقَرَأ عَزْرَةُ بْنُ الوَرْدِ فِيما حَكى اِبْنُ خالَوَيْهِ «اَلْعَرْمِ» بِإسْكانِ الرّاءِ تَخْفِيفًا كَقَوْلِهِمْ في الكَبِدِ الكَبْدُ.
رُوِيَ أنَّ بِلْقِيسَ لَمّا مَلَكَتِ اِقْتَتَلَ قَوْمُها عَلى ماءِ وادِيهِمْ فَتَرَكَتْ مُلْكَها وسَكَنَتْ قَصْرَها وراوَدُوها عَلى أنْ تَرْجِعَ فَأبَتْ، فَقالُوا: لَتَرْجِعِنَّ أوْ لَنَقْتُلُنَّكِ فَقالَتْ لَهُمْ: أنْتُمْ لا عُقُولَ لَكم ولا تُطِيعُونِي، فَقالُوا: نُطِيعُكِ فَرَجَعَتْ إلى وادِيهِمْ، وكانُوا إذا مُطِرُوا أتاهُمُ السَّيْلُ مِن مَسِيرَةِ ثَلاثَةِ أيّامٍ فَأمَرَتْ فَسُدَّ ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ بِمُسَنّاةٍ بِالصَّخْرِ والقارِ وحَبَسَتِ الماءَ مِن وراءِ السَّدِّ وجَعَلَتْ لَهُ أبْوابًا بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ وبَنَتْ مِن دُونِهِ بِرْكَةً مِنها اِثْنا عَشَرَ مَخْرَجًا عَلى عِدَّةِ أنْهارِهِمْ، وكانَ الماءُ يَخْرُجُ لَهم بِالسَّوِيَّةِ إلى أنْ كانَ مِن شَأْنِها مَعَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ.
وقِيلَ: الَّذِي بَنى لَهُمُ السَّدَّ هو حِمْيَرُ أبُو القَبائِلِ اليَمَنِيَّةِ، وقِيلَ بَناهُ لُقْمانُ الأكْبَرُ بْنُ عادٍ ورَصَفَ أحْجارَهُ بِالرَّصاصِ والحَدِيدِ وكانَ فَرْسَخًا في فَرْسَخٍ، ولَمْ يَزالُوا في أرْغَدِ عَيْشٍ وأخْصَبِ أرْضٍ حَتّى أنَّ المَرْأةَ تَخْرُجُ وعَلى رَأْسِها
صفحة 127
المِكْتَلُ فَتَعْمَلُ بِيَدَيْها وتَسِيرُ فَيَمْتَلِئُ المِكْتَلُ مِمّا يَتَساقَطُ مِن أشْجارِ بَساتِينِهِمْ إلى أنْ أعْرَضُوا عَنِ الشُّكْرِ وكَذَّبُوا الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَسَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلى سَدِّهِمُ الخُلْدَ فَوالَدَ فِيهِ فَخَرَقَهُ فَأرْسَلَ سُبْحانَهُ سَيْلًا عَظِيمًا فَحَمَلَ السَّدَّ وذَهَبَ بِالجَنانِ وكَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، وقِيلَ إنَّهُ أذْهَبَ السَّدَّ فاخْتَلَّ أمْرُ قِسْمَةِ الماءِ ووُصُولِهِ إلى جِنانِهِمْ فَيَبِسَتْ وهَلَكَتْ، وكانَ ذَلِكَ السَّيْلُ عَلى ما قِيلَ في مُلْكِ ذِي الأذْعارِ بْنِ حَسّانَ في الفَتْرَةِ بَيْنَ نَبِيِّنا ﷺ وعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وفِيهِ بَحْثٌ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ بِأنَّ الإعْراضَ كانَ عَمّا جاءَهم مِن أنْبِيائِهِمُ الثَّلاثَةَ عَشَرَ كَما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَنْ قَرِيبٍ.
﴿وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ﴾ أيْ أذْهَبْنا جَنَّتَيْهِمْ وأتَيْنا بَدَلَها ﴿جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ﴾ أيْ ثَمَرٍ ﴿خَمْطٍ﴾ أيْ حامِضٍ أوْ مُرٍّ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ الخَمْطُ الأراكُ، ويُقالُ لِثَمَرِهِ مُطْلَقًا أوْ إذا اِسْوَدَّ وبَلَغَ البَرْبَرَ، وقِيلَ شَجَرُ الغَضا ولا أعْلَمُ هَلْ لَهُ ثَمَرٌ أمْ لا، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ شَجَرَةٍ مَرَّةٍ ذاتِ شَوْكٍ، وقالَ اِبْنُ الأعْرابِيِّ: هو ثَمَرُ شَجَرَةٍ عَلى صُورَةِ الخَشْخاشِ لا يُنْتَفَعُ بِهِ وتُسَمّى تِلْكَ الشَّجَرَةُ عَلى ما قِيلَ بِفَسْوَةِ الضَّبْعِ، وهو عَلى الأوَّلِ صِفَةٌ لِأُكُلِ والأمْرُ في ذَلِكَ ظاهِرٌ، وعَلى الأخِيرِ عَطْفُ بَيانٍ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ المُجَوِّزِينَ لَهُ في النَّكِراتِ، وقِيلَ بَدَلٌ وعَلى ما بَيْنَهُما الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ أكْلُ أُكُلٍ خَمْطٍ، وذَلِكَ المُضافُ بَدَلٌ مِن أُكُلٍ أوْ عَطْفُ بَيانٍ عَلَيْهِ، ولَمّا حُذِفَ أُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ وأُعْرِبَ بِإعْرابِهِ كَما في البَحْرِ، وقِيلَ هو بِتَقْدِيرِ أُكُلٍ ذِي خَمْطٍ، وقِيلَ هو بَدَلٌ مِن بابِ يُعْجِبُنِي القَمَرُ فَلَكُهُ وهو كَما تَرى، ومُنِعَ جَعْلُهُ وصْفًا مِن غَيْرِ ضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ لِأنَّ الثَّمَرَ لا يُوصَفُ بِالشَّجَرِ لا لِأنَّ الوَصْفَ بِالأسْماءِ الجامِدَةِ لا يَطَّرِدُ، وإنْ جاءَ مِنهُ شَيْءٌ نَحْوَ مَرَرْتُ بِقاعٍ عَرْفَجٍ، فَتَأمَّلْ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو «أُكُلِ خَمْطٍ» بِالإضافَةِ وهو مِن بابِ (ثَوْبُ خَزٍّ)، وقَرَأ اِبْنُ كَثِيرٍ «أُكْلٍ» بِسُكُونِ الكافِ والتَّنْوِينِ.
﴿وأثْلٍ﴾ ضَرْبٌ مِنَ الطَّرْفاءِ عَلى ما قالَهُ أبُو حَنِيفَةَ اللُّغَوِيُّ في كِتابِ النَّباتِ لَهُ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُهُ بِالطَّرْفاءِ، ونَقَلَ الطَّبَرْسِيُّ قَوْلًا أنَّهُ السَّمُرُ وهو عَطْفٌ عَلى ( أُكُلٍ ) ولَمْ يُجَوِّزُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَطْفَهُ عَلى ﴿خَمْطٍ﴾ مُعَلِّلًا بِأنَّ الأثْلَ لا ثَمَرَ لَهُ، والأطِبّاءُ كَداوُدَ الأنْطاكِيِّ وغَيْرِهِ يَذْكُرُونَ لَهُ ثَمَرًا كالحِمَّصِ يَنْكَسِرُ عَنْ حَبٍّ صِغارٍ مُلْتَصِقٍ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ ويُفَسِّرُونَ الأثْلَ بِالعَظِيمِ مِنَ الطَّرْفاءِ ويَقُولُونَ في الطَّرْفاءِ هو بَرِّيٌّ لا ثَمَرَ لَهُ وبُسْتانِيٌّ لَهُ ثَمَرٌ لَكِنْ قالَ الخَفاجِيُّ: لا يُعْتَمَدُ عَلى الكُتُبِ الطِّبِّيَّةِ في مِثْلِ ذَلِكَ وفي القَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ، ونَحْنُ قَدْ حَقَّقْنا أنَّ لِلْأثْلِ ثَمَرًا. وكَذا لِصِنْفٍ مِنَ الطَّرْفاءِ إلّا أنَّ ثَمَرَهُما لا يُؤْكَلُ ولَعَلَّ مُرادَ النّافِي نَفْيُ ثَمَرَةٍ تُؤْكَلُ، والأطِبّاءُ يَعُدُّونَ ما تُخْرِجُهُ الشَّجَرُ غَيْرَ الوَرَقِ ونَحْوِهِ ثَمَرَةً أُكِلَتْ أمْ لا، ومِثْلُهُ في العَطْفِ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وشَيْءٍ مِن سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ وحَكى الفُضَيْلُ بْنُ إبْراهِيمَ أنَّهُ قُرِئَ «أثْلًا وشَيْئًا» بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى ﴿جَنَّتَيْنِ﴾ .
والسِّدْرُ شَجَرُ النَّبْقِ، وقالَ الأزْهَرِيُّ: السِّدْرُ سِدْرانِ سِدْرٌ لا يُنْتَفَعُ بِهِ ولا يَصْلُحُ ورَقُهُ لِلْغَسُولِ ولَهُ ثَمَرَةٌ عَفْصَةٌ لا تُؤْكَلُ وهو الَّذِي يُسَمّى الضّالَّ وسِدْرٌ يَنْبُتُ عَلى الماءِ وثَمَرُهُ النَّبْقُ ووَرَقُهُ غَسُولٌ يُشْبِهُ شَجَرَ العُنّابِ اِنْتَهى. واخْتُلِفَ في المُرادِ هُنا فَقِيلَ الثّانِي، ووُصِفَ بِقَلِيلٍ لَفْظًا ومَعْنًى أوْ مَعْنًى فَقَطْ، وذَلِكَ إذا كانَ نَعْتًا لِشَيْءٍ المُبَيَّنِ بِهِ، لِأنَّ ثَمَرَهُ مِمّا يَطِيبُ أُكُلُهُ فَجُعِلَ قَلِيلًا فِيما بَدَّلُوا بِهِ لِأنَّهُ لَوْ كَثُرَ كانَ نِعْمَةً لا نِقْمَةً، وإنَّما أُوتُوهُ تَذْكِيرًا لِلنِّعَمِ الزّائِلَةِ لِتَكُونَ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ، وقِيلَ المُرادُ بِهِ الأوَّلُ حَتْمًا لِأنَّهُ الأنْسَبُ بِالمَقامِ، ولَمْ يَذْكُرْ نُكْتَةَ الوَصْفِ بِالقَلِيلِ عَلَيْهِ.
ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ في الوَصْفِ بِهِ مُطْلَقًا إنَّ السِّدْرَ لَهُ شَأْنٌ عِنْدَ العَرَبِ ولِذا نَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلى وُجُودِهِ في الجَنَّةِ
صفحة 128
والبُسْتانِيُّ مِنهُ لا يُخْفى نَفْعُهُ، والبَرِيُّ يَسْتَظِلُّ بِهِ أبْناءُ السَّبِيلِ ويَأْنَسُونَ بِهِ، ولَهم فِيهِ مَنافِعُ أُخْرى ويَسْتَأْنِسُ لِعُلُوِّ شَأْنِهِ بِما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبَشِيٍّ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَن قَطَعَ سِدْرَةً صَوَّبَ اللَّهُ رَأْسَهُ في النّارِ». وبِما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ في مَرَضِ مَوْتِهِ: اُخْرُجْ يا عَلِيُّ فَقُلْ عَنِ اللَّهِ لا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ لَعَنَ اللَّهُ مَن يَقْطَعُ السِّدْرَ»».
وفِي مَعْناهُما عِدَّةُ أخْبارٍ لَها عِدَّةُ طُرُقٍ، والكُلُّ فِيما أرى مَحْمُولٌ عَلى ما إذا كانَ القَطْعُ عَبَثًا، ولَوْ كانَ السِّدْرُ في مِلْكِهِ، وقِيلَ في ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِسِدْرِ المَدِينَةِ، وإنَّما نُهِيَ عَنْ قَطْعِهِ لِيَكُونَ إنْسًا وظِلًّا لِمَن يُهاجِرُ إلَيْها، وقِيلَ بِسِدْرِ الفَلاةِ لِيَسْتَظِلَّ بِهِ أبْناءُ السَّبِيلِ والحَيَوانِ، وقِيلَ بِسِدْرِ مَكَّةَ لِأنَّها حَرَمٌ، وقِيلَ بِما إذا كانَ في مِلْكِ الغَيْرِ وكانَ القَطْعُ بِغَيْرِ حَقِّ، والكُلُّ كَما تَرى، وأيًّا ما كانَ فَفي التَّنْصِيصِ عَلَيْهِ ما يُشِيرُ إلى أنَّ لَهُ شَأْنًا فَلَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما آلَ إلَيْهِ حالُ أُولَئِكَ المُعْرِضِينَ وما بَدَّلُوا بِجَنَّتَيْهِمْ أتى جَلَّ وعَلا بِما يَتَضَمَّنُ الإيذانَ بِحَقارَةِ ما عُوِّضُوا بِهِ وهو مِمّا لَهُ شَأْنٌ عِنْدَ العَرَبِ أعْنِي السِّدْرَ وقِلَّتَهُ، والإيذانُ بِالقِلَّةِ ظاهِرٌ، وأمّا الإيذانُ بِالحَقارَةِ فَمِن ذِكْرِ شَيْءٍ والعُدُولِ عَنْ أنْ يُقالَ (وسِدْرٍ قَلِيلٍ) مَعَ أنَّهُ الأخْصَرُ الأوْفَقُ بِما قَبْلَهُ فَفِيهِ إشارَةٌ إلى غايَةِ اِنْعِكاسِ الحالِ حَيْثُ أوْمَأ الكَلامُ إلى أنَّهم لَمْ يُؤْتَوْا بَعْدَ إذْهابِ جَنَّتَيْهِمْ شَيْئًا مِمّا لِجِنْسِهِ شَأْنٌ عِنْدَ العَرَبِ إلّا السِّدْرَ وما أُوتُوهُ مِن هَذا الجِنْسِ حَقِيرٌ قَلِيلٌ، وتَسْمِيَةُ البَدَلِ جَنَّتَيْنِ مَعَ أنَّهُ ما سَمِعْتَ لِلْمُشاكَلَةِ والتَّهَكُّمِ.
34:17Page 430
ذَٰلِكَ جَزَيۡنَٰهُم بِمَا كَفَرُواْۖ وَهَلۡ نُجَٰزِيٓ إِلَّا ٱلۡكَفُورَ ١٧
[By] that We repaid them because they disbelieved. And do We [thus] repay except the ungrateful?
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّبْدِيلِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشارَةِ إلى بُعْدِ رُتْبَتِهِ في الفَظاعَةِ أوْ إلى مَصْدَرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿جَزَيْناهُمْ﴾ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [اَلْبَقَرَةِ: 143] ومَحَلُّهُ عَلى الأوَّلِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ، وعَلى الثّانِي النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ، والتَّقْدِيمُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّهْوِيلِ، وقِيلَ لِلتَّخْصِيصِ أيْ ذَلِكَ التَّبْدِيلَ جَزَيْناهم لا غَيْرَهُ أوْ ذَلِكَ الجَزاءَ الفَظِيعَ جَزَيْناهم لا جَزاءً آخَرَ ﴿بِما كَفَرُوا﴾ بِسَبَبِ كُفْرانِهِمُ النِّعْمَةَ حَيْثُ نَزَعْناها مِنهم ووَضَعْنا مَكانَها ضِدَّها، وقِيلَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِالرُّسُلِ الثَّلاثَةَ عَشَرَ الَّذِينَ بُعِثُوا إلَيْهِمْ.
واسْتَشْكَلَ هَذا مَعَ القَوْلِ بِأنَّ السَّيْلَ العَرِمَ كانَ زَمَنَ الفَتْرَةِ بِأنَّ الجُمْهُورَ قالُوا: لا نَبِيَّ بَيْنَ نَبِيِّنا وعِيسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: بَيْنَهُما ﷺ أرْبَعَةُ أنْبِياءَ ثَلاثَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وواحِدٌ مِنَ العَرَبِ، وهو خالِدٌ العَبْسِيُّ وهو قَدْ بُعِثَ لِقَوْمِهِ وبَنُو إسْرائِيلَ لَمْ يُبْعَثُوا لِلْعَرَبِ، وأُجِيبَ بِأنَّ ما كانَ زَمَنَ الفَتْرَةِ هو السَّيْلُ العَرِمُ لا غَيْرَ والرُّسُلُ الثَّلاثَةَ عَشَرَ هم جُمْلَةُ مَن كانَ في قَوْمِهِمْ مِن سَبَأِ بْنِ يَشْجُبَ إلى أنْ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى أجْمَعِينَ، فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.
﴿وهَلْ نُجازِي إلا الكَفُورَ﴾ أيْ ما نُجازِي مِثْلَ هَذا الجَزاءِ الشَّدِيدِ المُسْتَأْصِلِ إلّا المَبالِغِ في الكُفْرانِ أوِ الكُفْرِ فَلا يَتَوَجَّهُ عَلى الحَصْرِ إشْكالُ أنَّ المُؤْمِنَ قَدْ يُعاقَبُ في العاجِلِ، وفي الكَشْفِ لا يُرادُ أنَّ المُؤْمِنَ أيْضًا يُعاقَبُ فَإنَّهُ لَيْسَ بِعِقابٍ عَلى الحَقِيقَةِ بَلْ تَمْحِيصٍ ولِأنَّهُ أُرِيدَ المُعاقَبَةُ بِجَمِيعِ ما يَفْعَلُهُ مِنَ السُّوءِ، ولا كَذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِ، ولا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ الجَزاءُ عامًّا في كُلِّ مُكافَآتٍ وأُرِيدَ بِهِ المُعاقَبَةُ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِما سَبَقَ لِقَرِينَةِ ﴿جَزَيْناهم بِما كَفَرُوا﴾ لِتَعْيِينِ المُعاقَبَةِ فِيهِ بَلْ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو الوَجْهُ الصَّحِيحُ وذَلِكَ لِعَدَمِ الإضْمارِ ولِأنَّ التَّذْيِيلَ هَكَذا آكَدُ وأسَدُّ مَوْقِعًا، ولا يَتَوَجَّهُ الإشْكالُ لِما في الكَشْفِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ «يُجازى» بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الزّايِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ «اَلْكَفُورُ» بِالرَّفْعِ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ، وقُرِئَ «يُجازِي» بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ مَبْنِيًّا
صفحة 129
لِلْفاعِلِ وهو ضَمِيرُهُ تَعالى وحْدَهُ «اَلْكَفُورَ» بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، وقَرَأ مُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ «يُجْزى» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ «اَلْكَفُورُ» بِالرَّفْعِ عَلى النِّيابَةِ، والمُجازاةُ عَلى ما سَمِعْتَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ المُكافَآتُ، لَكِنْ قالَ الخَفاجِيُّ لَمْ تَرِدْ في القُرْآنِ إلّا مَعَ العِقابِ بِخِلافِ الجَزاءِ فَإنَّهُ عامٌّ، وقَدْ يُخَصُّ بِالخَيْرِ، وعَنْ أبِي إسْحاقَ تَقُولُ جَزَيْتُ الرَّجُلَ في الخَيْرِ وجازَيْتُهُ في الشَّرِّ، وفي مَعْناهُ قَوْلُ مُجاهِدٍ يُقالُ في العُقُوبَةِ يُجازِي وفي المَثُوبَةِ يَجْزِي.
وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ أبُو إسْحاقَ قَدْ أرادَ أنَّكَ إذا أرْسَلْتَ الفِعْلَيْنِ ولَمْ تُعَدِّهِما إلى المَفْعُولِ الثّانِي كانا كَذَلِكَ، وأمّا إذا ذَكَّرْتَهُ فَيُسْتَعْمَلُ كُلٌّ مِنهُما في الخَيْرِ والشَّرِّ، ويَرُدُّ عَلى ما ذَكَرَ ﴿جَزَيْناهم بِما كَفَرُوا﴾ وكَذا «وهَلْ يُجْزى» في قِراءَةِ مُسْلِمٍ إذِ الجَزاءُ في ذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ في الشَّرِّ مَعَ عَدَمِ ذِكْرِ المَفْعُولِ الثّانِي، وقَوْلُهُ:
جَزى بَنُوهُ أبا الغِيلانِ عَنْ كِبَرٍ وحُسْنِ فِعْلٍ كَما يُجْزى سِنِمّارُ
وقالَ الرّاغِبُ: يُقالُ جَزَيْتُهُ وجازَيْتُهُ، ولَمْ يَجِئْ في القُرْآنِ إلّا جَزى دُونَ جازى وذَلِكَ لِأنَّ المُجازاةَ المُكافَأةُ وهي مُقابَلَةُ نِعْمَةٍ بِنِعْمَةٍ هي كُفْؤُها ونِعْمَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ تَتَعالى عَنْ ذَلِكَ، ولِهَذا لا يُسْتَعْمَلُ لَفْظُ المُكافَأةِ فِيهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وفِيهِ غَفْلَةٌ عَمّا هُنا إلّا أنْ يُقالَ: أرادَ أنَّهُ لَمْ يَجِئْ في القُرْآنِ جازى فِيما هو نِعْمَةٌ مُسْنَدًا إلَيْهِ تَعالى، فَإنَّهُ لَمْ يَخْطُرْ لِي مَجِيءُ ذَلِكَ فِيهِ، واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، ويَحْسُنُ عِنْدِي قَوْلُ أبِي حَيّانَ: أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ الجَزاءُ في الخَيْرِ والمُجازاةُ في الشَّرِّ لَكِنْ في تَقْيِيدِهِما قَدْ يَقَعُ كُلٌّ مِنهُما مَوْقِعَ الآخَرِ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿جَزَيْناهم بِما كَفَرُوا﴾ دُونَ جازَيْناهم بِما كَفَرُوا عَلى الوَجْهِ الثّانِي في اِسْمِ الإشارَةِ ما يُحْكى تَمَتُّعُ القَوْمِ بِما يَسُرُّ، ووُقُوعُهم بَعْدَهُ فِيما يُسِيءُ ويَضُرُّ، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ نُكْتَةُ التَّعْبِيرِ بِجِزى الأكْثَرِ اِسْتِعْمالًا في الخَيْرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّعْبِيرُ بِذاكَ أوَّلًا وبِنُجازِي ثانِيًا لِيَكُونَ كُلٌّ أوْفَقَ بِعِلَّتِهِ وهَذا جارٍ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ في الإشارَةِ، فَتَدَبَّرْ جِدًّا.
34:18Page 430
وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمۡ وَبَيۡنَ ٱلۡقُرَى ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَا قُرٗى ظَٰهِرَةٗ وَقَدَّرۡنَا فِيهَا ٱلسَّيۡرَۖ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ ١٨
And We placed between them and the cities which We had blessed1 [many] visible cities. And We determined between them the [distances of] journey,2 [saying], "Travel between them by night or by day in safety."
﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرًى ظاهِرَةً﴾ إلى آخِرِهِ عُطِفَ بِمَجْمُوعِهِ عَلى مَجْمُوعِ ما قَبْلَهُ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ وهو حِكايَةٌ لِما أُوتُوا مِنَ النِّعَمِ في مَسايِرِهِمْ ومَتاجِرِهِمْ، وما فَعَلُوا بِها مِنَ الكُفْرانِ وما حاقَ بِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ وما قَبْلُ كانَ حِكايَةً لِما أُوتُوا مِنَ النِّعَمِ في مَساكِنِهِمْ ومَحَلِّ إقامَتِهِمْ وما فَعَلُوا بِها وما فُعِلَ بِهِمْ، والمُرادُ بِالقُرى الَّتِي بُورِكَ فِيها قُرى الشّامِ وذَلِكَ بِكَثْرَةِ أشْجارِها وأثْمارِها والتَّوْسِعَةِ عَلى أهْلِها، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ هي قُرى بَيْتِ المَقْدِسِ وعَنْ مُجاهِدٍ هي السَّراوِيَّةُ، وعَنْ وهْبٍ قُرى صَنْعاءَ، وقالَ اِبْنُ جُبَيْرٍ: قُرى مَأْرِبَ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الأوَّلُ حَتّى قالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ إجْماعَ المُفَسِّرِينَ عَلَيْهِ.
ومَعْنى ﴿ظاهِرَةً﴾ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ مُتَواصِلَةٌ يَقْرُبُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ بِحَيْثُ يَظْهَرُ لِمَن في بَعْضِها ما في مُقابَلَتِهِ مِنَ الأُخْرى، وهَذا يَقْتَضِي القُرْبَ الشَّدِيدَ لَكِنْ سَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما قِيلَ في مِقْدارِ ما بَيْنَ كُلِّ قَرْيَتَيْنِ، وقالَ المُبَرِّدُ ظاهِرَةٌ مُرْتَفِعَةٌ أيْ عَلى الآكامِ والظِّرابِ وهي أشْرَفُ القُرى، وقِيلَ ظاهِرَةٌ مَعْرُوفَةٌ يُقالُ هَذا أمْرٌ ظاهِرٌ أيْ مَعْرُوفٌ وتَعُرْفُ القَرْيَةُ لِحُسْنِها ورِعايَةِ أهْلِها المارِّينَ عَلَيْها، وقِيلَ: ظاهِرَةٌ مَوْضُوعَةٌ عَلى الطُّرُقِ لِيَسْهُلَ سَيْرُ السّابِلَةِ فِيها.
وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ مَعْنى ﴿ظاهِرَةً﴾ خارِجَةٌ عَنِ المُدُنِ فَهي عِبارَةٌ عَنِ القُرى الصِّغارِ الَّتِي في ظَواهِرِ المُدُنِ كَأنَّهُ فَصَلَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ بَيْنَ القُرى الصِّغارِ وبَيْنَ القُرى المُطْلَقَةِ الَّتِي هي المُدُنُ، وظَواهِرُ المُدُنِ ما خَرَجَ عَنْها في الفَيافِي، ومِنهُ قَوْلُهم نَزَلْنا بِظاهِرِ البَلَدِ الفُلانِيِّ أيْ خارِجًا عَنْهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
فَلَوْ شَهِدَتْنِي مِن قُرَيْشٍ عِصابَةُ قُرَيْشِ البِطاحِ لا قُرَيْشِ الظَّواهِرِ
يَعْنِي أنَّ الخارِجِينَ مِن بَطْحاءِ مَكَّةَ ويُقالُ لِلسّاكِنِينَ خارِجَ البَلَدِ أهْلُ الضَّواحِي وأهْلُ البَوادِي أيْضًا.
صفحة 130
﴿وقَدَّرْنا فِيها السَّيْرَ﴾ أيْ جَعَلْنا نِسْبَةَ بَعْضِها إلى بَعْضٍ عَلى مِقْدارٍ مُعَيَّنٍ مِنَ السَّيْرِ، قِيلَ مَن سارَ مِن قَرْيَةٍ صَباحًا وصَلَ إلى أُخْرى وقْتَ الظَّهِيرَةِ والقَيْلُولَةِ ومَن سارَ بَعْدَ الظُّهْرِ وصَلَ إلى أُخْرى عِنْدَ الغُرُوبِ، فَلا يُحْتاجُ لِحَمْلِ زادٍ ولا مَبِيتٍ في أرْضٍ خالِيَةٍ ولا يَخافُ مِن عَدُوٍّ ونَحْوِهِ، وقِيلَ: كانَ بَيْنَ كُلِّ قَرْيَتَيْنِ مِيلٌ، وقالَ الضَّحّاكُ: مَقادِيرُ المَراحِلِ كانَتِ القُرى عَلى مَقادِيرِها، وهَذا هو الأوْفَقُ بِمَعْنى ﴿ظاهِرَةً﴾ عَلى ما سَمِعْتَ عَنْ قَتادَةَ، وكَذا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿سِيرُوا فِيها﴾ فَإنَّهُ مُؤْذِنٌ بِشِدَّةِ القُرْبِ، حَتّى كَأنَّهم لَمْ يَخْرُجُوا مِن نَفْسِ القُرى، والظّاهِرُ أنَّ ﴿سِيرُوا﴾ أمْرٌ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ أوْ نَحْوِهِ، وهو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ قُلْنا لَهم سِيرُوا في تِلْكَ القُرى ﴿لَيالِيَ وأيّامًا﴾ أيْ مَتى شِئْتُمْ مِن لَيْلٍ ونَهارٍ ﴿آمِنِينَ﴾ مَن كُلِّ ما تَكْرَهُونَهُ لا يَخْتَلِفُ إلّا مَن فِيها بِاخْتِلافِ الأوْقاتِ، وقَدَّمَ اللَّيالِي لِأنَّها مَظِنَّةُ الخَوْفِ مِن مُغْتالٍ وإنْ قِيلَ اللَّيْلُ أخْفى لِلْوَيْلِ أوْ لِأنَّها سابِقَةٌ عَلى الأيّامِ أوْ قُلْنا سِيرُوا فِيها آمِنِينَ، وإنْ تَطاوَلَتْ مُدَّةُ سَفَرِكم وامْتَدَّتْ لَيالِيَ وأيّامًا كَثِيرَةً، قالَ قَتادَةُ: كانُوا يَسِيرُونَ مَسِيرَةَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ في أمانٍ ولَوْ وجَدَ الرَّجُلُ قاتِلَ أبِيهِ لَمْ يَهْجُهُ، أوْ سِيرُوا فِيها لَيالِيَكم وأيّامَكُمْ، أيْ مُدَّةَ أعْمارِكم لا تَلْقَوْنَ فِيها إلّا الأمْنَ، وقُدِّمَتِ اللَّيالِي لِسَبْقِها.
وأيًّا ما كانَ فَقَدْ عُلِمَ فائِدَةُ ذِكْرِ اللَّيالِي والأيّامِ وإنْ كانَ السَّيْرُ لا يَخْلُو عَنْهُما، وجُوِّزَ أنْ لا يَكُونَ هُناكَ قَوْلٌ حَقِيقَةً، وإنَّما نَزَلَ تَمْكِينُهم مِنَ السَّيْرِ المَذْكُورِ وتَسْوِيَةُ مَبادِئِهِ وأسْبابِهِ مَنزِلَةَ القَوْلِ لَهم وأمْرِهِمْ بِذَلِكَ والأمْرُ عَلى الوَجْهَيْنِ لِلْإباحَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences