Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Saba 34:34–42
34:34Page 432
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتۡرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ٣٤
And We did not send into a city any warner except that its affluent said, "Indeed we, in that with which you were sent, are disbelievers."
﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ﴾ مِنَ القُرى ﴿مِن نَذِيرٍ﴾ أيْ نَذِيرًا مِنَ النُّذُرِ ﴿إلا قالَ مُتْرَفُوها﴾ أيِ المُتَوَسِّعُونَ في النِّعَمِ فِيها، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ ﴿إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ بِزَعْمِكم مِنَ التَّوْحِيدِ وغَيْرِهِ، والجارُّ الثّانِي مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ والأوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كافِرُونَ﴾ وهو خَبَرُ إنَّ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ مُتْرَفِي كُلِّ قَرْيَةٍ قالُوا لِرَسُولِهِمْ ذَلِكَ وعَلَيْهِ فالجَمْعُ في أُرْسِلْتُمْ لِلتَّهَكُّمِ، وقِيلَ: لِتَغْلِيبِ المُخاطَبِ عَلى جِنْسِ الرُّسُلِ أوْ عَلى اِتِّباعِهِ المُؤْمِنِينَ بِهِ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ الكَلامُ مِن بابِ مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ فَقِيلَ الجَمْعُ الأوَّلُ الرُّسُلُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُرْسِلْتُمْ﴾ والثّانِي ﴿كافِرُونَ﴾ فَقَدْ كَفَرَ كُلٌّ بِرَسُولِهِ وخاطَبَهُ بِمِثْلِهِ فَلا تَغْلِيبَ في الخِطابِ في أُرْسِلْتُمْ، وقِيلَ: الجَمْعُ الأوَّلُ ﴿نَذِيرٍ﴾ لِأنَّهُ يُفِيدُ العُمُومَ في الحِكايَةِ لا المَحْكِيُّ لِوُقُوعِهِ في سِياقِ النَّفْيِ، ولَيْسَ كُلُّ قَوْمٍ مُنْكِرًا لِجَمِيعِ الرُّسُلِ فَحُمِلَ عَلى المُقابَلَةِ، والكَلامُ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمّا اُبْتُلِيَ بِهِ مِن مُخالَفَةِ مُتْرَفِي قَوْمِهِ وعَداوَتِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتَخْصِيصُ المُتْرَفِينَ بِالتَّكْذِيبِ لِأنَّهم في الأغْلَبِ أوَّلُ المُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَمّا شُغِلُوا بِهِ مِن زَخْرَفَةِ الدُّنْيا وما غَلَبَ عَلى قُلُوبِهِمْ مِنها فَهم مُنْهَمِكُونَ في الشَّهَواتِ والِاسْتِهانَةِ بِمَن لَمْ يَحْظَ مِنها بِخِلافِ الفُقَراءِ فَإنَّ قُلُوبَهم لِخُلُوِّها مِن ذَلِكَ أقْبَلُ لِلْخَيْرِ ولِذَلِكَ تَراهم أكْثَرَ أتْباعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما جاءَ في حَدِيثِ هِرَقْلَ.
34:35Page 432
وَقَالُواْ نَحۡنُ أَكۡثَرُ أَمۡوَٰلٗا وَأَوۡلَٰدٗا وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِينَ ٣٥
And they1 said, "We are more [than the believers] in wealth and children, and we are not to be punished."
﴿وقالُوا﴾ الضَّمِيرُ لِلْمُتْرَفِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ، وقِيلَ: لِقُرَيْشٍ، والظّاهِرُ المُتَبادِرُ هو الأوَّلُ، والمُرادِ حِكايَةُ ما شَجَّعَهم عَلى الكُفْرِ بِما أرْسَلَ بِهِ المُنْذِرُونَ، أيْ وقالَ المُتْرَفُونَ: ﴿نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأوْلادًا﴾ أيْ أمْوالُنا وأوْلادُنا كَثِيرَةٌ جِدًّا فَأفْعَلُ لِلزِّيادَةِ المُطْلَقَةِ، وجُوِّزَ بَقاؤُهُ عَلى ما هو الأكْثَرُ اِسْتِعْمالًا والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، أيْ نَحْنُ أكْثَرُ مِنكم أمْوالًا وأوْلادًا ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ بِشَيْءٍ مِن أنْواعِ العَذابِ الَّذِي يُكَدِّرُ عَلَيْنا لَذَّةَ كَثْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ مِن خَوْفِ المُلُوكِ وقَهْرِ الأعْداءِ وعَدَمِ نُفُوذِ الكَلِمَةِ والكَدِّ في تَحْصِيلِ المَقاصِدِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وإيلاءُ الضَّمِيرِ حَرْفَ النَّفْيِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المُخاطَبِينَ أوِ المُؤْمِنِينَ لَيْسُوا كَذَلِكَ، وحاصِلُ قَوْلِهِمْ نَحْنُ في نِعْمَةٍ لا يَشُوبُها نِقْمَةٌ وهو دَلِيلُ كَرامَتِنا عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ورِضاهُ عَنّا فَلَوْ كانَ ما نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ وغَيْرِهِ مِمّا تَدْعُونا إلى تَرْكِهِ مُخالِفًا لِرِضاهُ لَما كُنّا فِيما كُنّا فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا قَدْ قاسُوا أُمُورَ الآخِرَةِ المَوْهُومَةَ أوِ المَفْرُوضَةَ عِنْدَهم عَلى أُمُورِ الدُّنْيا وزَعَمُوا أنَّ المُنْعَمَ عَلَيْهِ في الدُّنْيا مُنْعَمٌ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ، وإلى هَذا الوَجْهِ ذَهَبَ جَمْعٌ وقالُوا: نَفْيُ كَوْنِهِمْ مُعَذَّبِينَ إمّا بِناءً عَلى اِنْتِفاءِ العَذابِ الأُخْرَوِيِّ رَأْسًا وإمّا بِناءً عَلى بِناءٍ عَلى اِعْتِقادِ أنَّهُ تَعالى أكْرَمُهم في الدُّنْيا فَلا يُهِينُهم في الآخِرَةِ عَلى تَقْدِيرِ وُقُوعِها، وقالَ الخَفاجِيُّ في وجْهِ إيلاءِ الضَّمِيرِ حَرْفَ النَّفْيِ: إنَّهُ إشارَةٌ إلى أنَّ المُؤْمِنِينَ مُعَذَّبُونَ اِسْتِهانَةً بِهِمْ لِظَنِّهِمْ أنَّ المالَ والوَلَدَ يَدْفَعُ العَذابَ عَنْهُمْ، كَما قالَهُ بَعْضُ المُشْرِكِينَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأظْهَرَ عَلَيْهِ التَّفْرِيعُ، وذَهَبَ أبُو حَيّانَ إلى أنَّ المُرادَ بِالعَذابِ المَنفِيِّ أعَمُّ مِنَ العَذابِ الأُخْرَوِيِّ والعَذابِ الدُّنْيَوِيِّ الَّذِي قَدْ يُنْذِرُ بِهِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ويَتَوَعَّدُونَ بِهِ قَوْمَهم إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِمْ، ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا أنْسَبُ بِالمَقامِ، فَتَأمَّلْ جِدًّا.
34:36Page 432
قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٦
Say, "Indeed, my Lord extends provision for whom He wills and restricts [it], but most of the people do not know."
﴿قُلْ﴾ رَدًّا لِما زَعَمُوهُ مِن أنَّ ذَلِكَ دَلِيلُ الكَرامَةِ والرِّضا ﴿إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ﴾ أنْ يَبْسُطَ لَهُ ﴿ويَقْدِرُ﴾ عَلى مَن يَشاءُ أنْ يَقْدِرُهُ عَلَيْهِ، فَرُبَّما يُوَسِّعُ سُبْحانَهُ عَلى العاصِي ويُضَيِّقُ عَلى المُطِيعِ، ورُبَّما يَعْكِسُ الأمْرَ، ورُبَّما يُوَسِّعُ عَلَيْهِما مَعًا وقَدْ يُضَيِّقُ عَلَيْهِما مَعًا، وقَدْ يُوَسِّعُ عَلى شَخْصٍ مُطِيعٍ أوْ عاصٍ تارَةً ويُضَيِّقُ عَلَيْهِ أُخْرى، يَفْعَلُ كُلًّا مِن ذَلِكَ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ عَزَّ وجَلَّ
صفحة 148
المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ فَلَوْ كانَ البَسْطُ دَلِيلَ الإكْرامِ والرِّضا لاخْتَصَّ بِهِ المُطِيعَ وكَذا لَوْ كانَ التَّضْيِيقُ دَلِيلَ الإهانَةِ والسَّخَطِ لاخْتَصَّ بِهِ العاصِيَ ولَيْسَ فَلَيْسَ، والحاصِلُ كَما قِيلَ مَنعُ كَوْنِ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى ما زَعَمُوا لِاسْتِواءِ المُعادِي والمُوالِي فِيهِ، وقالَ جَمْعٌ: أُرِيدَ أنَّهُ تَعالى يَفْعَلُ ذَلِكَ حَسَبَ مَشِيئَتِهِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ فَلا يَنْقاسُ عَلَيْهِ أمْرُ الثَّوابِ والعِقابِ اللَّذَيْنِ مَناطُهُما الطّاعَةُ وعَدَمُها، وقالَ ناصِرُ الدِّينِ: لَوْ كانَ ذَلِكَ لِكَرامَةٍ أوْ هَوانٍ يُوجِبانِهِ لَمْ يَكُنْ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الإيجابَ يُنافِي الِاخْتِيارَ والمَشِيئَةَ، وقَدْ قالَ بِهِ الخَفاجِيُّ أخْذًا مِن كَلامِ مَوْلانا جَلالِ الدِّينِ ورَدَّ بِهِ عَلى مَن رَدَّ، ولا يَخْفى أنَّ دَعْوى المُتْرَفِينَ الإيجابَ عَلى اللَّهِ تَعالى فِيما هم فِيهِ مِن بَسْطِ الرِّزْقِ وكَذا فِيما فِيهِ أعْداؤُهم مِن تَضْيِيقِهِ غَيْرُ ظاهِرَةٍ حَتّى يُرَدَّ عَلَيْهِمْ بِإثْباتِ المَشِيئَةِ الَّتِي لا تُجامِعُ الإيجابَ.
وقَرَأ الأعْمَشُ «ويُقَدَّرُ» مُشَدَّدٌ هُنا وفِيما بَعْدُ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ فَمِنهم مَن يَزْعُمُ أنَّ مَدارَ البَسْطِ الشَّرَفُ والكَرامَةُ ومَدارَ التَّضْيِيقِ الهَوانُ والحَقارَةُ، ومِنهم مَن تَحَيَّرَ واعْتَرَضَ عَلى اللَّهِ تَعالى في البَسْطِ عَلى أُناسٍ والتَّضْيِيقِ عَلى آخَرِينَ حَتّى قالَ قائِلُهُمْ:
كَمْ عالِمٍ عالِمٌ أعْيَتْ مَذاهِبُهُ وجاهِلٍ جاهِلٌ تَلْقاهُ مَرْزُوقا
هَذا الَّذِي تَرَكَ الأفْهامَ حائِرَةً ∗∗∗ وصَيَّرَ العالِمَ النِّحْرِيرَ زِنْدِيقا
وعَنى هَذا القائِلُ بِالعالِمِ النِّحْرِيرِ نَفْسَهُ، ولَعَمْرِي إنَّهُ بِوَصْفِ الجاهِلِ البَلِيدِ أحَقُّ مِنهُ بِهَذا الوَصْفِ فالعالِمُ النِّحْرِيرُ مَن يَقُولُ:
ومِنَ الدَّلِيلِ عَلى القَضاءِ وحُكْمِهِ ∗∗∗ بُؤْسُ اللَّبِيبِ وطِيبِ عَيْشِ الأحْمَقِ
34:37Page 432
وَمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُم بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمۡ عِندَنَا زُلۡفَىٰٓ إِلَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَزَآءُ ٱلضِّعۡفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمۡ فِي ٱلۡغُرُفَٰتِ ءَامِنُونَ ٣٧
And it is not your wealth or your children that bring you nearer to Us in position, but it is [by being] one who has believed and done righteousness. For them there will be the double reward for what they did, and they will be in the upper chambers [of Paradise], safe [and secure].
﴿وما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مِن جِهَتِهِ عَزَّ وجَلَّ خُوطِبَ بِهِ النّاسُ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ والِالتِفاتِ مُبالَغَةً في تَحْقِيقِ الحَقِّ وتَقْرِيرِ ما سَبَقَ كَذا في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ما تَقَدَّمَ لِنَفْيِ أنْ يَكُونَ القُرْبُ والكَرامَةُ مَدارًا وعِلَّةً لِكَثْرَةِ الرِّزْقِ، وهَذا النَّفْيُ أنْ تَكُونَ كَثْرَةُ الرِّزْقِ سَبَبًا لِلْقُرْبِ والكَرامَةِ ويَكُونُ الخِطابُ لِلْكَفَرَةِ، واَلَّتِي واقِعٌ عَلى الأمْوالِ والأوْلادِ، وحَيْثُ إنَّ الجَمْعَ المُكَسَّرَ عُقَلاؤُهُ وغَيْرُ عُقَلائِهِ سَواءٌ في حُكْمِ التَّأْنِيثِ، وكانَ المَجْمُوعُ بِمَعْنى جَماعَةٍ صَحَّ الإفْرادُ والتَّأْنِيثُ، أيْ وما جَماعَةُ أمْوالِكم وأوْلادِكم بِالجَماعَةِ الَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا قُرْبَةً، ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ في النَّظْمِ الكَرِيمِ، وما ذُكِرَ تَقْدِيرُ مَعْنًى لا إعْرابٍ، وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا في أوَّلِهِ لِدَلالَةِ ما في آخِرِهِ، والتَّقْدِيرُ وما أمْوالُكم بِاَلَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفًى ولا أوْلادُكم بِاَلَّتِي الخ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا حاجَةَ إلَيْهِ أيْضًا، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الَّتِي صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مُفْرَدٍ مُؤَنَّثٍ تَقْدِيرُهُ بِالتَّقْوى أوْ بِالخَصْلَةِ الَّتِي، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ الَّتِي كِنايَةٌ عَنِ التَّقْوى لِأنَّ المُقَرَّبَ إلى اللَّهِ تَعالى لَيْسَ إلّا تِلْكَ، أيْ وما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِتِلْكَ المَوْضُوعَةِ لِلتَّقْرِيبِ.
وقَرَأ الحَسَنُ «بِاللّاتِي» جَمْعًا وهو راجِعٌ لِلْأمْوالِ والأوْلادِ كاَلَّتِي عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا، وقُرِئَ «بِالَّذِي» أيْ بِالشَّيْءِ الَّذِي يُقَرِّبُكم.
وزُلْفى مَصْدَرٌ كالقُرْبى وانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ مِنَ المَعْنى. وقَرَأ الضَّحّاكُ «زُلَفًا» بِفَتْحِ اللّامِ وتَنْوِينِ الفاءِ جَمْعُ زُلْفَةٍ وهي القُرْبَةُ.
﴿إلا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ اِسْتِثْناءٌ مِن مَفْعُولِ ﴿تُقَرِّبُكُمْ﴾ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ، وهو اِسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ إذا كانَ الخِطابُ عامًّا لِلْمُؤْمِنِينَ والكَفَرَةِ ومُنْقَطِعٌ إذا كانَ خاصًّا بِالكَفَرَةِ، فالمَوْصُولُ في مَحَلِّ نَصْبٍ
صفحة 149
أوْ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ ما بَعْدَهُ خَبَرُهُ أوْ خَبَرُهُ مُقَدَّرٌ أيْ لَكِنَّ مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَإيمانُهُ وعَمَلُهُ يُقَرِّبانِهِ.
واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ الِانْقِطاعَ، وقالَ في البَحْرِ: فَإنَّ الزَّجّاجَ ذَهَبَ إلى بَدَلِيَّتِهِ مِنَ المَفْعُولِ المَذْكُورِ وغَلَّطَهُ النَّحّاسُ بِأنَّ ضَمِيرَ المُخاطَبِ لا يَجُوزُ الإبْدالُ مِنهُ فَلا يُقالُ رَأيْتُكَ زَيْدًا، ومَذاهِبُ الأخْفَشِ والكُوفِيِّينَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُبَدَّلَ مِن ضَمِيرِي المُخاطَبِ والمُتَكَلِّمِ لَكِنَّ البَدَلَ في الآيَةِ لا يَصِحُّ، ألا تَرى أنَّهُ لا يَصِحُّ تَفْرِيغُ الفِعْلِ الواقِعِ صِلَةً لِما بَعْدَ إلّا فَلَوْ قُلْتَ ما زَيْدٌ بِاَلَّذِي يَضْرِبُ إلّا خالِدًا لَمْ يَصِحَّ اه.
وذَكَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّ جَعْلَهُ اِسْتِثْناءً مِنَ المَفْعُولِ لا يَصِحُّ عَلى جَعْلِ الَّتِي كِنايَةً عَنِ التَّقْوى لِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ الأمْوالُ والأوْلادُ تَقْوى في حَقِّ غَيْرِ مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا لَكِنَّها غَيْرُ مُقَرِّبَةٍ، وقِيلَ لا بَأْسَ بِذَلِكَ إذْ يَصِحُّ أنْ يُقالَ وما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِتَقْوى إلّا المُؤْمِنِينَ، وحاصِلُهُ أنَّ المالَ والوَلَدَ لا يَكُونانِ تَقْوى ومُقَرِّبِينَ لِأحَدٍ إلّا لِلْمُؤْمِنِينَ، وإذا كانَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا صَحَّ واتَّضَحَ ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اِسْتِثْناءً مِن ( أمْوالُكم وأوْلادُكم ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ إلّا أمْوالُ مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا وأوْلادُهُمْ، وفي هَذا إذا جُعِلَ الَّتِي كِنايَةً عَنِ التَّقْوى مُبالَغَةً مِن حَيْثُ إنَّهُ جُعِلَ مالُ المُؤْمِنِ الصّالِحِ ووَلَدُهُ نَفْسَ التَّقْوى. ثُمَّ إنَّ تَقْرِيبَ الأمْوالِ المُؤْمِنَ الصّالِحَ بِإنْفاقِها فِيما يُرْضِي اللَّهَ تَعالى وتَقْرِيبَ الأوْلادِ بِتَعْلِيمِهِمُ الخَيْرَ وتَفْقِيهِهِمْ في الدِّينِ وتَرْشِيحِهِمْ لِلصَّلاحِ والطّاعَةِ.
﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى مَن والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناها كَما أنَّ الإفْرادَ فِيما تَقَدَّمَ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ، أيْ فَأُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ﴿لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ﴾ أيْ لَهم أنْ يُجازِيَهُمُ اللَّهُ تَعالى الضِّعْفَ أيِ الثَّوابَ المُضاعَفَ فَيُجازِيهِمْ عَلى الحَسَنَةِ بِعَشْرِ أمْثالِهِمْ أوْ بِأكْثَرَ إلى سَبْعِمِائَةٍ فَإضافَةُ جَزاءٍ إلى الضِّعْفِ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ.
وقَرَأ قَتادَةُ «جَزاءٌ الضِّعْفُ» بِرَفْعِهِما فالضِّعْفُ بَدَلٌ، وجَوَّزَ الزَّجّاجُ كَوْنَهُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو الضِّعْفُ، ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ بِنَصْبِ «جَزاءً» ورَفْعِ «اَلضِّعْفَ» فَجَزاءٌ تَمْيِيزٌ أوْ حالٌ مِن فاعِلِ ( لَهم ) إنْ كانَ الضِّعْفُ مُبْتَدَأً أوْ مِنهُ إنْ كانَ فاعِلًا أوْ نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ لِفِعْلِهِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ( لَهم ) أيْ يُجْزَوْنَ جَزاءً، وقُرِئَ «جَزاءٌ» بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ «اَلضِّعْفَ» بِالنَّصْبِ عَلى إعْمالِ المَصْدَرِ.
﴿بِما عَمِلُوا﴾ مِنَ الصّالِحاتِ ﴿وهم في الغُرُفاتِ﴾ أيْ في غُرُفاتِ الجَنَّةِ ومَنازِلِها العالِيَةِ ﴿آمِنُونَ﴾ مِن جَمِيعِ المَكارِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ، وقَرَأ الحَسَنُ وعاصِمٌ بِخِلافٍ عَنْهُ والأعْمَشُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ (فِي الغُرْفاتِ) بِإسْكانِ الرّاءِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ بِفَتْحِها، وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وطِلْحَةُ وحَمْزَةُ وخَلَفٌ «فِي الغُرْفَةِ» بِالتَّوْحِيدِ وإسْكانِ الرّاءِ، وابْنُ وثّابٍ أيْضًا بِالتَّوْحِيدِ وضَمِّ الرّاءِ والتَّوْحِيدِ عَلى إرادَةِ الجِنْسِ لِأنَّ الكُلَّ لَيْسُوا في غُرْفَةٍ واحِدَةٍ والمُفْرَدُ أخْصَرُ مَعَ عَدَمِ اللَّبْسِ فِيهِ.
34:38Page 432
وَٱلَّذِينَ يَسۡعَوۡنَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡعَذَابِ مُحۡضَرُونَ ٣٨
And the ones who strive against Our verses to cause [them] failure1 - those will be brought into the punishment [to remain].
﴿والَّذِينَ يَسْعَوْنَ في آياتِنا﴾ بِالرَّدِّ والطَّعْنِ فِيها ﴿مُعاجِزِينَ﴾ أيْ بِحَسَبِ زَعْمِهِمِ الباطِلِ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أوِ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وحاصِلُهُ زاعِمِينَ سَبْقَهم وعَدَمَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ومَعْنى المُفاعَلَةِ غَيْرُ مَقْصُودٍ هاهُنا.
﴿أُولَئِكَ﴾ الَّذِي بَعُدَتْ مَنزِلَتُهم في الشَّرِّ ﴿فِي العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ لا يُجْدِيهِمْ ما ولَّوْا عَلَيْهِ نَفْعًا، وفي ذِكْرِ العَذابِ دُونَ مَوْضِعِهِ ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ.
34:39Page 432
قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُ لَهُۥۚ وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَهُوَ يُخۡلِفُهُۥۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ٣٩
Say, "Indeed, my Lord extends provision for whom He wills of His servants and restricts [it] for him. But whatever thing you spend [in His cause] - He will compensate it; and He is the best of providers."
﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ﴾ أيْ يُوَسِّعُهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ تارَةً ويُضَيِّقُهُ عَلَيْهِ أُخْرى فَلا تَخْشَوُا الفَقْرَ وأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى وتَقَرَّبُوا لَدَيْهِ عَزَّ وجَلَّ بِأمْوالِكم
صفحة 150
وتَعَرَّضُوا لِنَفَحاتِهِ جَلَّ وعَلا فَمَساقُ الآيَةِ لِلْوَعْظِ والتَّزْهِيدِ في الدُّنْيا والحَضِّ عَلى التَّقَرُّبِ إلَيْهِ تَعالى بِالإنْفاقِ، وهَذا بِخِلافِ مَساقِ نَظِيرِها المُتَقَدِّمِ، فَإنَّهُ لِلرَّدِّ عَلى الكَفَرَةِ كَما سَمِعْتَ، وأيْضًا ما سَبَقَ عامٌّ وما هُنا خاصٌّ في البَسْطِ والتَّضْيِيقِ لِشَخْصٍ واحِدٍ بِاعْتِبارِ وقْتَيْنِ كَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى هُنا ( لَهُ ) وعَدَمُ قَوْلِهِ هُناكَ، والضَّمِيرُ وإنْ كانَ في مَوْضِعٍ مِنَ المُبْهَمِ إلّا أنْ سَبْقَ النَّظِيرِ خالِيًا عَنْ ذَلِكَ وذِكْرَ هَذا بَعْدُ مُشْتَمِلًا عَلَيْهِ كالقَرِينَةِ عَلى إرادَةِ ما ذُكِرَ فَلا تَغْفُلْ.
﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما شَرْطِيَّةً في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ أنْفَقْتُمْ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والجُمْلَةُ بَعْدُ خَبَرُهُ، ودَخَلَتِ الفاءُ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ، و﴿مِن شَيْءٍ﴾ تَبْيِينٌ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ، ومَعْنى ﴿يُخْلِفُهُ﴾ يُعْطِي بَدَلَهُ وما يَقُومُ مَقامَهُ عِوَضًا عَنْهُ وذَلِكَ إمّا في الدُّنْيا بِالمالِ كَما هو الظّاهِرُ أوْ بِالقَناعَةِ الَّتِي هي كَنْزٌ لا يَفْنى كَما قِيلَ، وإمّا في الآخِرَةِ بِالثَّوابِ الَّذِي كُلُّ خَلَفٍ دُونَهُ وخَصَّهُ بَعْضُهم بِالآخِرَةِ، أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: إذا كانَ لِأحَدِكم شَيْءٌ فَلْيَقْتَصِدْ ولا يَتَأوَّلْ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ﴾ فَإنَّ الرِّزْقَ مَقْسُومٌ، ولَعَلَّ ما قُسِمَ لَهُ قَلِيلٌ وهو يُنْفِقُ المُوسَعُ عَلَيْهِ، وأخْرَجَ مَن عَدا الفِرْيابِيِّ مِنَ المَذْكُورِينَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: أيَّ ما كانَ مِن خَلَفٍ فَهو مِنهُ تَعالى، ورُبَّما أنْفَقَ الإنْسانُ مالَهُ كُلَّهُ في الخَيْرِ ولَمْ يُخْلِفْ حَتّى يَمُوتَ، ومِثْلُها: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ [هُودٍ: 6] يَقُولُ ما آتاها مِن رِزْقٍ فَمِنهُ تَعالى ورُبَّما لَمْ يَرْزُقْها حَتّى تَمُوتَ، والأوَّلُ أظْهَرُ لِأنَّ الآيَةَ في الحَثِّ عَلى الإنْفاقِ وأنَّ البَسْطَ والقَدَرَ إذا كانا مِن عِنْدِهِ عَزَّ وجَلَّ فَلا يَنْبَغِي لِمَن وسَّعَ عَلَيْهِ أنْ يَخافَ الضَّيْعَةَ بِالإنْفاقِ ولا لِمَن قَدَّرَ عَلَيْهِ زِيادَتَها، وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿وهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ تَذْيِيلٌ يُؤَيِّدُ ذَلِكَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَيُرْزَقُهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ.
وقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما مِن يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبادُ فِيهِ إلّا مَلِكانِ يَنْزِلانِ فَيَقُولُ أحَدُهُما اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا ويَقُولُ الآخَرُ اللَّهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا»».
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ) عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««كُلَّ ما أنْفَقَ العَبْدُ نَفَقَةً فَعَلى اللَّهِ تَعالى خَلَفُها ضامِنًا إلّا نَفَقَةً في بُنْيانٍ أوْ مَعْصِيَةٍ»» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنْفِقْ يا اِبْنَ آدَمَ أُنْفِقْ عَلَيْكَ»».
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في (نَوادِرِ الأُصُولِ) عَنْهُ قالَ: ««قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّ المَعُونَةَ تَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ عَلى قَدْرِ المَئُونَةِ»».
وفِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ عَنِ الزُّبَيْرِ قالَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى: ««أنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ وأوْسِعْ أُوسِعْ عَلَيْكَ ولا تُضَيِّقْ أُضَيِّقْ عَلَيْكَ ولا تُصِرَّ فَأصُرَّ عَلَيْكَ ولا تُخَزِّنْ فَأُخَزِّنْ عَلَيْكَ، إنَّ بابَ الرِّزْقِ مَفْتُوحٌ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ مُتَواصِلٌ إلى العَرْشِ لا يُغْلَقُ لَيْلًا ولا نَهارًا يُنَزِّلُ اللَّهُ تَعالى مِنهُ الرِّزْقَ عَلى كُلِّ اِمْرِئٍ بِقَدْرِ نِيَّتِهِ وعَطِيَّتِهِ وصَدَقَتِهِ ونَفَقَتِهِ، فَمَن أكْثَرَ أُكْثِرْ لَهُ ومَن أقَلَّ أُقِلَّ لَهُ ومَن أمْسَكَ أُمْسِكْ عَلَيْهِ، يا زُبَيْرُ فَكُلْ وأطْعِمْ ولا تُوكِ فَيُوكى عَلَيْكَ ولا تُحْصِ فَيُحْصى عَلَيْكَ ولا تَقْتُرْ فَيُقْتَرْ عَلَيْكَ ولا تُعَسِّرْ فَيُعَسَّرْ عَلَيْكَ»» الحَدِيثَ.
ومَعْنى الرّازِقِينَ المُوَصِّلِينَ لِلرِّزْقِ والمُوهِبِينَ لَهُ فَيُطْلَقُ الرّازِقُ حَقِيقَةً عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وعَلى غَيْرِهِ ويُشْعِرُ بِذَلِكَ ﴿فارْزُقُوهم مِنهُ﴾ [اَلنِّساءِ: 8] نَعَمْ لا يُقالُ لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ رازِقٌ فَلا إشْكالَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ ووَجْهُ الأخْيَرِيَّةِ في غايَةِ الظُّهُورِ، وقِيلَ إطْلاقُ الرّازِقِ عَلى غَيْرِهِ تَعالى مَجازٌ بِاعْتِبارِ أنَّهُ واسِطَةٌ في إيصالِ رِزْقِهِ تَعالى، فَهو رازِقٌ صُورَةً فاسْتُشْكِلَ أمْرُ التَّفْضِيلِ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِن مُشارَكَةِ المُفَضِّلِ المُفَضَّلَ عَلَيْهِ في أصْلِ الفِعْلِ حَقِيقَةً لا صُورَةً.
صفحة 151
وأجابَ الآمِدِيُّ بِأنَّ المَعْنى خَيْرُ مَن تَسَمّى بِهَذا الِاسْمِ وأُطْلِقَ عَلَيْهِ حَقِيقَةً أوْ مَجازًا وهو ضَرْبٌ مِن عُمُومِ المَجازِ.
34:40Page 433
وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ يَقُولُ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَهَٰٓؤُلَآءِ إِيَّاكُمۡ كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ٤٠
And [mention] the Day when He will gather them all and then say to the angels, "Did these [people] used to worship you?"
﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ أيِ المُسْتَكْبِرِينَ والمُسْتَضْعَفِينَ أوِ الفَرِيقَيْنِ وما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ويَوْمَ﴾ ظَرْفٌ لِمُضْمَرٍ مُتَقَدِّمٍ أيْ واذْكُرْ يَوْمَ، أوْ مُتَأخِّرٍ أيْ ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ﴾ إلى آخِرِهِ يَكُونُ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ ما لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ المَقالِ، وظاهِرُ العَطْفِ بِثُمَّ يَقْتَضِي أنَّ القَوْلَ لِلْمَلائِكَةِ مُتَراخٍ عَنِ الحَشْرِ، وفي الآثارِ ما شَهِدَ لَهُ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّ الخَلْقَ بَعْدَ أنْ يُحْشُرُوا يَبْقَوْنَ قِيامًا في المَوْقِفِ سَبْعَ آلافِ سَنَةٍ لا يُكَلِّمُونَ حَتّى يَشْفَعَ في فَصْلِ القَضاءِ نَبِيُّنا ﷺ، فَلَعَلَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ سُبْحانَهُ لِلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ﴿أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ تَقْرِيعًا لِلْمُشْرِكِينَ وتَبْكِيتًا وإقْناطًا لَهم عَمّا عَلَّقُوا بِهِ أطْماعَهُمُ الفارِغَةَ مِن شَفاعَةِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِعِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِما تُجِيبُ بِهِ عَلى نَهْجِ قَوْلِهِ تَعالى لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ﴾ [اَلْمائِدَةِ: 116] وتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ لِأنَّهم أشْرَفُ شُرَكاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا كِتابَ لَهم والصّالِحُونَ عادَةً لِلْخِطابِ وعِبادَتُهم مَبْدَأُ الشِّرْكِ بِناءً عَلى ما نَقَلَ اِبْنُ الوَرْدِيِّ في تارِيخِهِ في أنَّ سَبَبَ حُدُوثِ عِبادَةِ الأصْنامِ في العَرَبِ أنَّ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ مَرَّ بِقَوْمٍ بِالشّامِ فَرَآهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ فَسَألَهم فَقالُوا لَهُ هَذِهِ أرْبابٌ نَتَّخِذُها عَلى شَكْلِ الهَياكِلِ العُلْوِيَّةِ فَنَسْتَنْصِرُ بِها ونَسْتَسْقِي فَتَبِعَهم وأتى بِصَنَمٍ مَعَهُ إلى الحِجازِ ورَسُولٍ لِلْعَرَبِ فَعَبَدُوهُ واسْتَمَرَّتْ عِبادَةُ الأصْنامِ فِيهِمْ إلى أنْ جاءَ الإسْلامُ وحَدَثَتْ عِبادَةُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ذَلِكَ بِزَمانٍ كَثِيرٍ فَبِظُهُورِ قُصُورِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ المَعْبُودِيَّةِ وتَنَزُّهِهِمْ عَنْ عِبادَتِهِمْ يَظْهَرُ حالُ سائِرِ الشُّرَكاءِ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ.
﴿وهَؤُلاءِ﴾ مُبْتَدَأٌ و( كانُوا يَعْبُدُونَ ) خَبَرُهُ ( وإيّاكم ) مَفْعُولُ ( يَعْبُدُونَ ) قُدِّمَ لِلْفاصِلَةِ مَعَ أنَّهُ أهَمُّ لِأمْرِ التَّقْرِيعِ واسْتُدِلَّ بِتَقْدِيمِهِ عَلى جَوازِ تَقْدِيمِ خَبَرِ كانَ إذا كانَ جُمْلَةً عَلَيْها كَما ذَهَبَ إلَيْهِ اِبْنُ السَّرّاجِ فَإنَّ تَقْدِيمَ المَعْمُولِ مُؤْذِنٌ بِجَوازِ تَقْدِيمِ العامِلِ. وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ هَذِهِ القاعِدَةَ لَيْسَتْ مُطَّرِدَةً ثُمَّ قالَ: والأوْلى مَنعُ ذَلِكَ إلّا أنْ يَدُلَّ عَلى جَوازِهِ سَماعٌ مِنَ العَرَبِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ «نَحْشُرُهُمْ» «ثُمَّ نَقُولُ» بِالنُّونِ في الفِعْلَيْنِ.
34:41Page 433
قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمۖ بَلۡ كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ٱلۡجِنَّۖ أَكۡثَرُهُم بِهِم مُّؤۡمِنُونَ ٤١
They will say, "Exalted are You! You, [O Allāh], are our benefactor excluding [i.e., not] them. Rather, they used to worship the jinn; most of them were believers in them."
﴿قالُوا﴾ اِسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا تَقُولُ المَلائِكَةُ حِينَئِذٍ؟ فَقِيلَ تَقُولُ مُنَزَّهِينَ عَنْ ذَلِكَ ﴿سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ﴾ والعُدُولُ إلى صِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ أيْ أنْتَ الَّذِي نُوالِيهِ مِن دُونِهِمْ لا مُوالاةَ بَيْنِنا وبَيْنَهم كَأنَّهم بَيَّنُوا بِذَلِكَ بَراءَتُهم مِنَ الرِّضا بِعِبادَتِهِمْ ثُمَّ أضْرَبُوا عَنْ ذَلِكَ ونَفَوْا أنَّهم عَبَدُوهم حَقِيقَةً بِقَوْلِهِمْ: ﴿بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ أيِ الشَّياطِينَ كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ حَيْثُ كانُوا يُطِيعُونَهم فِيما يُسَوِّلُونَ لَهم مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ صَوَّرَتِ الشَّياطِينُ لَهم صُوَرَ قَوْمٍ مِنَ الجِنِّ وقالُوا: هَذِهِ صُورَةُ المَلائِكَةِ فاعْبُدُوها فَعَبَدُوها، وقِيلَ: كانُوا يَدْخُلُونَ في أجْوافِ الأصْنامِ إذا عُبِدَتْ فَيُعْبَدُونَ بِعِبادَتِها، وقِيلَ أرادُوا أنَّهم عَبَدُوا شَيْئًا تَخَيَّلُوهُ صادِقًا عَلى الجِنِّ لا صادِقًا عَلَيْنا فَهم يَعْبُدُونَ الجِنَّ حَقِيقَةً دُونَنا، وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في الأُمَمِ الكافِرَةِ مَن عَبَدَ الجِنَّ وفي القُرْآنِ آياتٌ يَظْهَرُ مِنها أنَّ الجِنَّ عُبِدَتْ في سُورَةِ الأنْعامِ وغَيْرِها.
﴿أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ الضَّمِيرُ الثّانِي لِلْجِنِّ والأوَّلُ لِلْمُشْرِكِينَ، والأكْثَرُ عَلى ظاهِرِهِ لِأنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ مَن لَمْ يُؤْمِن بِهِمْ وعَبَدَهُمُ اِتِّباعًا لِقَوْمِهِ كَأبِي طالِبٍ أوِ الأكْثَرُ بِمَعْنى الكُلِّ، واخْتارَ في البَحْرِ الأوَّلَ لِأنَّ كَوْنَهُ بِمَعْنى الكُلِّ لَيْسَ حَقِيقَةً، وقالَ: إنَّهم لَمْ يَدَّعُوا الإحاطَةَ إذْ يَكُونُ في الكُفّارِ مَن لَمْ يُطْلِعِ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلَيْهِمْ أوْ أنَّهم حَكَمُوا عَلى الأكْثَرِ بِإيمانِهِمْ بِالجِنِّ لِأنَّ الإيمانَ مِن أعْمالِ القَلْبِ فَلَمْ يَذْكُرُوا الِاطِّلاعَ عَلى عَمَلِ جَمِيعِ قُلُوبِهِمْ لِأنَّ ذَلِكَ
صفحة 152
لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِلْإنْسِ فالأكْثَرِ عَلى ظاهِرِهِ، أيْ غالِبُهم مُصَدِّقُونَ أنَّهم آلِهَةً، وقِيلَ مُصَدِّقُونَ أنَّهم بَناتُ اللَّهِ ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [اَلصّافّاتِ: 158] وقِيلَ مُصَدِّقُونَ أنَّهم مَلائِكَةٌ.
34:42Page 433
فَٱلۡيَوۡمَ لَا يَمۡلِكُ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٖ نَّفۡعٗا وَلَا ضَرّٗا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ٤٢
But today [i.e., the Day of Judgement] you do not hold for one another [the power of] benefit or harm, and We will say to those who wronged, "Taste the punishment of the Fire, which you used to deny."
﴿فاليَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ مِن جُمْلَةِ ما يُقالُ لِلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عِنْدَ جَوابِهِمْ بِالتَّبَرِّي عَمّا نُسِبَ إلَيْهِمُ المُشْرِكُونَ يُخاطَبُونَ بِذَلِكَ عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ إظْهارًا لِعَجْزِهِمْ وقُصُورِهِمْ عَنْ زاعِمِي عِبادَتِهِمْ وتَنْصِيصًا عَلى ما يُوجِبُ خَيْبَةَ رَجائِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ، وقِيلَ لِلْكَفّارِ ولَيْسَ بِذاكَ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأخْبارِ بِما بَعْدَها عَلى جَوابِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ونِسْبَةُ عَدَمِ النَّفْعِ والضُّرِّ إلى البَعْضِ المُبْهَمِ لِلْمُبالَغَةِ فِيما هو المَقْصُودُ الَّذِي هو بَيانُ عَدَمِ نَفْعِ المَلائِكَةِ لِلْعَبَدَةِ بِنَظْمِهِ في سِلْكِ عَدَمِ نَفْعِ العَبَدَةِ لَهم كَأنَّ نَفْعَ المَلائِكَةِ لَعَبَدَتِهِمْ في الِاسْتِحالَةِ والِانْتِفاءِ كَنَفْعِ العَبَدَةِ لَهُمْ، والتَّعَرُّضُ لِعَدَمِ الضُّرِّ مَعَ أنَّهُ لا بَحْثَ عَنْهُ لِتَعْمِيمِ العَجْزِ أوْ لِحَمْلِ عَدَمِ النَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ العِبادَةِ وعَدَمِ الضُّرِّ عَلى تَقْدِيرِ تَرْكِها، وقِيلَ لِأنَّ المُرادَ دَفْعُ الضُّرِّ عَلى حَذْفِ المُضافِ وفِيهِ بَعْدٌ، والمُرادُ بِاليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ، وتَقْيِيدُ الحُكْمِ بِهِ مَعَ ثُبُوتِهِ عَلى الإطْلاقِ لِانْعِقادِ رَجاءِ المُشْرِكِينَ عَلى تَحَقُّقِ النَّفْعِ يَوْمَئِذٍ.
﴿ونَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ﴾ وقِيلَ عَلى (لا يَمْلِكُ).
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مِمّا يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ خِطابًا لِلْمَلائِكَةِ مُتَرَتِّبًا عَلى جَوابِهِمُ المَحْكِيِّ وهَذا حِكايَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِما سَيُقالُ لِلْعَبَدَةِ يَوْمَئِذٍ إثْرَ حِكايَةِ ما سَيُقالُ لِلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمانِعٍ فَتَدَبَّرْ.
ووَقَعَ المَوْصُولُ هُنا وصْفًا لِلْمُضافِ إلَيْهِ وفي السَّجْدَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ صِفَةٌ لِلْمُضافِ، فَقالَ أبُو حَيّانَ: لِأنَّهم ثَمَّتْ كانُوا مُلابِسِينَ لِلْعَذابِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ [اَلسَّجْدَةِ: 20] فَوَصَفَ لَهم ثَمَّتْ ما لابَسُوهُ وهُنا لَمْ يَكُونُوا مُلابِسِينَ لَهُ بَلْ ذَلِكَ أوَّلُ ما رَأوُا النّارَ عَقِبَ الحَشْرِ فَوَصَفَ ما عايَنُوهُ لَهُمْ، وكَوْنُ المَوْصُولِ هُنا نَعْتًا لِلْمُضافِ عَلى أنَّ تَأْنِيثَهُ مُكْتَسَبٌ لِتَتَّحِدَ الآيَتانِ تَكَلُّفٌ سَمِجٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences