Al-AlusiSaba · 34:52–54

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Saba 34:52–54

34:52Page 434

وَقَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦ وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ ٥٢

And they will [then] say, "We believe in it!" But how for them will be the taking1 [of faith] from a place far away?2

﴿وقالُوا آمَنّا بِهِ﴾ أيْ بِاَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى ما أخْرَجَهُ جَمْعٌ

صفحة 158

عَنْ مُجاهِدٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أيْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وقَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ﴾ وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْعَذابِ، وقِيلَ لِلْبَعْثِ، ورُجِّحَ رُجُوعُهُ إلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّ الإيمانَ بِهِ ﷺ شامِلٌ لِلْإيمانِ بِاَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وبِما ذُكِرَ مِنَ العَذابِ والبَعْثِ.

﴿وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ﴾ التَّناوُشُ التَّناوُلُ كَما قالَ الرّاغِبُ ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو تَناوُلٌ سَهْلٌ لِشَيْءٍ قَرِيبٍ يُقالُ ناشَهُ يَنُوشُهُ وتَناوَشَهُ القَوْمُ وتَناوَشُوا في الحَرْبِ ناشَ بَعْضُهم بَعْضًا بِالسِّلاحِ، وقالَ الرّاجِزُ:

فَهِيَ تَنُوشُ الحَوْضَ نَوْشًا مِن عُلا نَوْشًا بِهِ تَقْطَعُ أجْوازَ الفَلا

وإبْقاؤُهُ عَلى عُمُومِهِ أوْلى أيْ مِن أيْنَ لَهم أنْ يَتَناوَلُوا الإيمانَ ﴿مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ فَإنَّهُ في حَيِّزِ التَّكْلِيفِ وهم مِنهُ بِمَعْزِلٍ بَعِيدٍ، ونَقَلَ في البَحْرِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرَ ﴿التَّناوُشُ﴾ بِالرُّجُوعِ أيْ مِن أيْنَ لَهُمُ الرُّجُوعُ إلى الدُّنْيا، وأنْشَدَ اِبْنُ الأنْبارِيِّ:

تَمَنّى أنْ تَؤُوبَ إلى مَيَّ ∗∗∗ ولَيْسَ إلى تَناوُشِها سَبِيلُ

ولا يَخْفى أنَّهُ لَيْسَ بِنَصٍّ في ذَلِكَ، والمُرادُ تَمْثِيلُ حالِهِمْ في الِاسْتِخْلاصِ بِالإيمانِ بَعْدَ ما فاتَ عَنْهم وبَعُدَ بِحالٍ مِن يُرِيدُ أنْ يَتَناوَلَ الشَّيْءَ بَعْدَ أنْ بَعُدَ عَنْهُ وفاتَ في الِاسْتِحالَةِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ «اَلتَّناؤُشُ» بِالهَمْزِ، وخُرِّجَ عَلى قَلْبِ الواوِ هَمْزَةً، قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ واوٍ مَضْمُومَةٍ ضَمَّةٌ لازِمَةٌ فَأنْتَ بِالخِيارِ فِيها إنْ شِئْتَ أبْقَيْتُها وإنْ شِئْتَ قَلَبْتُها هَمْزَةً، فَتَقُولُ ثَلاثَ أدْوُرٍ بِلا هَمْزٍ وثَلاثُ أدْؤُرٍ بِالهَمْزِ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ فَقالَ: إنَّهُ لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ بَلْ لا يَجُوزُ ذَلِكَ في المُتَوَسِّطَةِ إذا كانَتْ مُدْغَمًا فِيها نَحْوُ تَعَوُّدٍ وتَعَوُّذٍ مَصْدَرَيْنِ، وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ في التَّسْهِيلِ، ولا إذا صَحَّتْ في الفِعْلِ نَحْوَ تَرَهْوَكَ تَرَهْوُكًا وتَعاوَنَ تَعاوُنًا، وعَلى هَذا لا يَصِحُّ التَّخْرِيجُ المَذْكُورُ لِأنَّ التَّناوُشَ كالتَّعاوُنِ في أنَّ واوَهُ قَدْ صَحَّتْ في الفِعْلِ إذْ تَقُولُ تَناوُشٌ فَلا يُهْمَزُ، وقالَ الفَرّاءُ: هو مِن نَأشْتَ أيْ تَأخَّرْتَ وأنْشَدَ قَوْلَ نَهْشَلَ:

تَمَنّى نَئِيشًا أنْ يَكُونَ أطاعَنِي ∗∗∗ وقَدْ حَدَثَتْ بَعْدَ الأُمُورِ أُمُورُ

أيْ تَمَنّى أخِيرًا، والضَّمِيرُ لِلْمَوْلى في قَوْلِهِ:

ومَوْلًى عَصانِي واسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ ∗∗∗ كَما لَمْ يُطَعْ فِيما أشاءُ قَصِيرُ

فالهَمْزَةُ فِيهِ أصْلِيَّةٌ واللَّفْظُ ورَدَ مِن مادَّتَيْنِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو مِن نَأشْتَ الشَّيْءَ إذا طَلَبْتَهُ، قالَ رُؤْبَةُ:

أقْحَمَنِي جارُ أبِي الخابُوشِ ∗∗∗ إلَيْكَ نَأْشُ القَدَرِ النَّؤُوشِ

فالهَمْزَةُ أصْلِيَّةٌ أيْضًا، قِيلَ والتَّناؤُشُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ بِمَعْنى التَّناوُلِ مِن بُعْدٍ لِأنَّ الأخِيرَ يَقْتَضِي ذَلِكَ، والطَّلَبُ لا يَكُونُ لِلشَّيْءِ القَرِيبِ مِنكَ الحاضِرِ عِنْدَكَ فَيَكُونُ مِن ﴿مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ تَأْكِيدًا، أوْ يُجَرَّدُ التَّناوُشُ لِمُطْلَقِ التَّناوُلِ، وحَمْلُ البُعْدِ في قَيْدِهِ عَلى البُعْدِ الزَّمانِيِّ بَحَثَ فِيهِ الشِّهابُ بِأنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ المُسْتَعارَ مِنهُ هو في المَكانِ وما ذُكِرَ مِن أحْوالِ المُسْتَعارِ لَهُ

34:53Page 434

وَقَدۡ كَفَرُواْ بِهِۦ مِن قَبۡلُۖ وَيَقۡذِفُونَ بِٱلۡغَيۡبِ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ ٥٣

And they had already disbelieved in it before and would assault1 the unseen from a place far away.2

﴿وقَدْ كَفَرُوا بِهِ﴾ حالٌ أوْ مَعْطُوفٌ أوْ مُسْتَأْنَفٌ والأوَّلُ أقْرَبُ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِما عادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ السّابِقُ في ﴿آمَنّا بِهِ﴾ ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ ذَلِكَ في أوانِ التَّكْلِيفِ.

﴿ويَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ﴾ أيْ كانُوا يَرْجُمُونَ بِالمَظْنُونِ ويَتَكَلَّمُونَ بِما لَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ، ولَمْ يَنْشَأْ عَنْ تَحْقِيقٍ في شَأْنِ اللَّهِ

صفحة 159

عَزَّ وجَلَّ فَيَنْسُبُونَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ الشَّرِيكَ ويَقُولُونَ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا أوْ في شَأْنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَيَقُولُونَ فِيهِ وحاشاهُ: شاعِرٌ وساحِرٌ وكاهِنٌ، أوْ في شَأْنِ العَذابِ أوِ البَعْثِ فَيَبُتُّونَ القَوْلَ بِنَفْيِهِ ﴿مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ مِن جِهَةٍ بَعِيدَةٍ مِن أمْرِ مَن تَكَلَّمُوا في شَأْنِهِ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ﴿وقَدْ كَفَرُوا﴾ وكانَ الظّاهِرُ وقَذَفُوا إلّا أنَّهُ عُدِلَ إلى صِيغَةِ المُضارِعِ حِكايَةً لِلْحالِ الماضِيَةِ، والكَلامُ قِيلَ لَعَلَّهُ تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ مِنَ التَّكَلُّمِ بِما يَظْهَرُ لَهم ولَمْ يَنْشَأْ عَنْ تَحْقِيقٍ بِحالِ مَن يَرْمِي شَيْئًا لا يَراهُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ لا مَجالَ لِلظَّنِّ في لُحُوقِهِ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَهُ عَطْفًا عَلى ﴿قالُوا آمَنّا بِهِ﴾ عَلى أنَّهم مَثَّلُوا في طَلَبِهِمْ تَحْصِيلَ ما عَطَّلُوهُ مِنَ الإيمانِ في الدُّنْيا بِقَوْلِهِمْ آمَنّا في الآخِرَةِ وذَلِكَ مَطْلَبٌ مُسْتَبْعَدٌ بِمَن يَقْذِفُ شَيْئًا مِن مَكانٍ بَعِيدٍ لا مَجالَ لِلظَّنِّ في لُحُوقِهِ حَيْثُ يُرِيدُ أنْ يَقَعَ فِيهِ لِكَوْنِهِ غائِبًا عَنْهُ شاحِطًا.

وقَرَأ مُجاهِدٌ وأبُو حَيْوَةَ ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو «يُقْذَفُونَ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، قالَ مُجاهِدٌ: أيْ ويَرْجُمُهُمُ الوَحْيُ بِما يَكْرَهُونَ مِمّا غابَ عَنْهم مِنَ السَّماءِ، وكَأنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ كَفَرُوا كَأنَّهُ قِيلَ: وقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ وهم يُقْذَفُونَ بِالحَقِّ الَّذِي غابَ عَنْهم وخَفِيَ عَلَيْهِمْ، والمُرادُ تَعْظِيمُ أمْرِ كَفْرِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالغَيْبِ ما خَفِيَ مِن مَعايِبِهِمْ أيْ وقَدْ كَفَرُوا وهم يَقْذِفُهُمُ الوَحْيُ مِنَ السَّماءِ ويَرْمِيهِمْ بِما خَفِيَ مِن مَعايِبِهِمْ، وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: أيْ ويُرْمُونَ بِالغَيْبِ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، ومَعْناهُ يُجازَوْنَ بِسُوءِ أعْمالِهِمْ ولا عِلْمَ لَهم بِمَأْتاهُ إمّا في حالِ تَعَذُّرِ التَّوْبَةِ عِنْدَ مُعايَنَةِ المَوْتِ وإمّا في الآخِرَةِ اِنْتَهى، وفي حالِيَّةِ الجُمْلَةِ عَلَيْهِ نَوْعُ خَفاءٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ وتَقْذِفُهُمُ الشَّياطِينُ بِالغَيْبِ ويُلَقِّنُونَهم إيّاهُ وكَأنَّ الجُمْلَةَ عَطْفٌ عَلى ( قَدْ كَفَرُوا ) وقِيلَ أيْ يُلْقَوْنَ في النّارِ وهو كَما تَرى.

34:54Page 434

وَحِيلَ بَيۡنَهُمۡ وَبَيۡنَ مَا يَشۡتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشۡيَاعِهِم مِّن قَبۡلُۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ فِي شَكّٖ مُّرِيبِۭ ٥٤

And prevention will be placed between them and what they desire,1 as was done with their kind before. Indeed, they were in disquieting doubt [i.e., denial].

﴿وحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ: هو الرُّجُوعُ إلى الدُّنْيا، وقالَ الحَسَنُ: هو الإيمانُ المَقْبُولُ، وقالَ قَتادَةُ: طاعَةُ اللَّهِ تَعالى، وقالَ السُّدِّيُّ: التَّوْبَةُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الأهْلُ والمالُ والوَلَدُ، وقِيلَ أيْ حِيلَ بَيْنَ الجَيْشِ والمُؤْمِنِينَ بِالخَسْفِ بِالجَيْشِ، أوْ بَيْنَهم وبَيْنَ تَخْرِيبِ الكَعْبَةِ، أوْ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّجاةِ مِنَ العَذابِ، أوْ بَيْنَهم وبَيْنَ نَعِيمِ الدُّنْيا ولَذَّتِها، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا، و«حِيلَ» مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ ونائِبُ الفاعِلِ كَما قالَ أبُو حَيّانَ ضَمِيرُ المَصْدَرِ أيْ وحِيلَ هو أيِ الحَوْلُ، وحاصِلُهُ وقَعَتِ الحَيْلُولَةُ، ولِإضْمارِهِ لَمْ يَكُنْ مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا فَنابَ مَنابَ الفاعِلِ، وعَلى ذَلِكَ يُخَرَّجُ قَوْلُهُ:

وقالَتْ مَتى يُبْخَلْ عَلَيْكَ ويُعْتَلَلْ يَسُؤْكَ وإنْ يُكْشَفْ غَرامُكَ تَدْرُبِ

أيْ يُعْتَلَلْ هو أيِ الِاعْتِلالُ، وقالَ الحَوْفِيُّ: قامَ الظَّرْفُ مَقامَ الفاعِلِ، وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ مَرْفُوعًا، والإضافَةُ إلى الضَّمِيرِ لا تُسَوِّغُ البِناءَ وإلّا لَساغَ جاءَ غُلامُكَ بِالفَتْحِ ولا يَقُولُهُ أحَدٌ، نَعَمْ لِلْبِناءِ لِلْإضافَةِ إلى المَبْنِيِّ مَواضِعَ أحْكَمْتَ في النَّحْوِ، وماذا يَقُولُ الحَوْفِيُّ في قَوْلِهِ:

وقَدْ حِيلَ بَيْنَ العِيرِ والنَّزَوانِ

فَإنَّهُ نَصَبَ بَيْنَ مَعَ إضافَتِها إلى مُعْرَبٍ، وقَرَأ اِبْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ بِإشْمامِ الضَّمِّ لِلِحاءِ.

﴿كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ﴾ أيْ بِأشْباهِهِمْ مِن كَفَرَةِ الأُمَمِ الدّارِجَةِ، ( ومِن قَبْلُ ) مُتَعَلِّقٌ بِأشْياعِهِمْ عَلى أنَّ المُرادَ مَنِ اِتَّصَفَ بِصِفَتِهِمْ مِن قَبْلُ، أيْ في الزَّمانِ الأوَّلِ، ويُرَجِّحُهُ أنَّ ما يُفْعَلُ بِجَمِيعِهِمْ في الآخِرَةِ إنَّما هو في وقْتٍ واحِدٍ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ إذا كانَتِ الحَيْلُولَةُ في الدُّنْيا، وعَنْ الضَّحّاكِ أنَّ المُرادَ بِأشْياعِهِمْ أصْحابُ الفِيلِ، الظّاهِرُ أنَّهُ جَعَلَ الآيَةَ في السُّفْيانِيِّ ومَن مَعَهُ.

صفحة 160

﴿إنَّهم كانُوا في شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ أيْ مَوْقِعٍ في رِيبَةٍ عَلى أنَّهُ مِن أرابَهُ أوْقَعَهُ في رِيبَةٍ وتُهْمَةٍ أوْ ذِي رِيبَةٍ مِن أرابَ الرَّجُلَ صارَ ذا رِيبَةٍ، فَإمّا أنْ يَكُونَ قَدْ شَبَّهَ الشَّكَّ بِإنْسانٍ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُرِيبًا عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ التَّخِيِيلِيَّةِ، أوْ يَكُونُ الإسْنادُ مَجازِيًّا أُسْنِدَ فِيهِ ما لِصاحِبِ الشَّكِّ لِلشَّكِّ مُبالَغَةً كَما يُقالُ شِعْرُ شاعِرٍ، وكَأنَّهُ مِن هُنا قالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: الشَّكُّ المُرِيبُ أقْوى ما يَكُونُ مِنَ الشَّكِّ، وضَمِيرُ الجَمْعِ لِلْإشْباعِ وقِيلَ لِأُولَئِكَ المُحَدَّثُ عَنْهُمْ، واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

* * *

ومِن بابِ الإشارَةِ في بَعْضِ آياتِ السُّورَةِ ما قِيلَ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلا يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ﴾ أُشِيرُ بِالجِبالِ إلى عالَمِ المُلْكِ وبِالطَّيْرِ إلى عالَمِ المَلَكُوتِ، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّهُ إذا تَمَكَّنَ الذِّكْرُ سَرى في جَمِيعِ أجْزاءِ البَدَنِ، فَيَسْمَعُ الذّاكِرُ كُلَّ جُزْءٍ مِنهُ ذاكِرًا، فَإذا تَرَقّى حالُهُ يَسْمَعُ كُلَّ ما في عالَمِ المُلْكِ كَذَلِكَ، فَإذا تَرَقّى يَسْمَعُ كُلَّ ما في الوُجُودِ كَذَلِكَ وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴿وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ القَلْبَ ﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ﴾ وهي الحِكَمُ البالِغَةُ الَّتِي تَظْهَرُ مِنَ القَلْبِ عَلى اللِّسانِ ﴿وقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ أيْ في سَرْدِ الحَدِيثِ بِأنْ تَتَكَلَّمَ بِالحِكْمَةِ عَلى قَدْرِ ما يَتَحَمَّلُهُ عَقْلُ مُخاطَبِكَ، وقَدْ ورَدَ كَلِّمُوا النّاسَ بِما يَعْرِفُونَ، أتُرِيدُونَ أنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ ﷺ.

ومِن هُنا يَصْعُبُ الجَوابُ عَمَّنْ تَكَلَّمَ مِنَ المُتَصَوِّفَةِ بِما يُنْكِرُهُ أكْثَرُ مَن يَسْمَعُهُ مِنَ العُلَماءِ وبِهِ ضَلَّ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ رِيحَ العِنايَةِ ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ﴾ فَكانَ يَتَصَرَّفُ بِالهِمَّةِ وقَذْفِ الأنْوارِ في قُلُوبِ مُتَّبِعِيهِ مِن مَسافَةِ شَهْرٍ ﴿ومِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ إشارَةٌ إلى قُوَّةِ باطِنِهِ حَيْثُ اِنْقادَ لَهُ مِن جَبَلٍ عَلى المُخالَفَةِ وفِعْلِ الشُّرُورِ ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ وهو مَن شَكَرَهُ بِالأحْوالِ أعْنِي التَّخَلُّقَ بِأخْلاقِ اللَّهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ ما دَلَّهم عَلى مَوْتِهِ إلا دابَّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأتَهُ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الضَّعِيفَ قَدْ يُفِيدُ القَوِيَّ عِلْمًا ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ وهي مَقاماتُ أهْلِ الباطِنِ مِنَ العارِفِينَ ﴿قُرًى ظاهِرَةً﴾ وهي مَقاماتُ أهْلِ الظّاهِرِ مِنَ النّاسِكِينَ ﴿سِيرُوا فِيها لَيالِيَ﴾ في لَيالِي البَشَرِيَّةِ ﴿وأيّامًا﴾ في أيّامِ الرُّوحانِيَّةِ ﴿آمِنِينَ﴾ في خِفارَةِ الشَّرِيعَةِ.

وقالَ بَعْضُ الفِرْقَةِ الجَدِيدَةِ الكَشْفِيَّةِ: القُرى المُبارَكُ فِيها الأئِمَّةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، والقُرى الظّاهِرَةُ الدُّعاةُ إلَيْهِمْ والسُّفَراءُ بَيْنَهم وبَيْنَ شِيعَتِهِمْ ﴿وظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِمَيْلِهِمْ إلى الدُّنْيا وتَرْكِ السَّيْرِ لِسُوءِ اِسْتِعْدادِهِمْ ﴿حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الهَيْبَةَ تَمْنَعُ الفَهْمَ ﴿وما أرْسَلْناكَ﴾ أيْ ما أخْرَجْناكَ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ ﴿إلا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ وهَذا حالُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في عالَمِ الأرْواحِ وفي عالَمِ الأجْسادِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ إذْ لا نُورَ لَهم يَهْتَدُونَ بِهِ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا﴾ ما هَذا ﴿إلا رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَصُدَّكم عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ﴾ هَؤُلاءِ قُطّاعُ الطَّرِيقِ عَلى عِبادِ اللَّهِ تَعالى ومِثْلُهُمُ المُنْكِرُونَ عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى الَّذِينَ يُنَفِّرُونَ النّاسَ عَنِ الِاعْتِقادِ بِهِمْ واتِّباعِهِمْ ﴿قُلْ إنْ ضَلَلْتُ فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي﴾ إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ ﴿وإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي﴾ مِنَ القُرْآنِ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ نُورٌ لا يَبْقى مَعَهُ دَيْجُورٌ أوْ مَراتِبُ الِاهْتِداءِ بِهِ مُتَفاوِتَةٌ حَسَبَ تَفاوُتِ الفَهْمِ النّاشِئِ مِن تَفاوُتِ صَفاءِ الباطِنِ وطِهارَتِهِ، وقَدْ ورَدَ أنَّ لِلْقُرْآنِ ظاهِرًا وباطِنًا ولا يَكادُ يَصِلُ الشَّخْصُ إلى باطِنِهِ إلّا بِتَطْهِيرِ باطِنِهِ كَما يَرْمُزُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ [اَلْواقِعَةِ: 79] نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوَفِّقَنا لِفَهْمِ ظاهِرِهِ وباطِنِهِ إلى ما شاءَ مِنَ البُطُونِ فَإنَّهُ جَلَّ وعَلا القادِرُ الَّذِي يَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском