Al-AlusiSaba · 34:6–9

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Saba 34:6–9

34:6Page 428

وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلۡحَقَّ وَيَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ ٦

And those who have been given knowledge see that what is revealed to you from your Lord is the truth, and it guides to the path of the Exalted in Might, the Praiseworthy.

﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ أيْ ويَعْلَمُ أُولُو العِلْمِ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومَن يَطَأُ أعْقابَهم مِن أُمَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ مَن آمَنَ مِن عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ كَما رَوى عَنْ قَتادَةَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وكَعْبٍ وأضْرابِهِما رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.

﴿الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ أيِ القُرْآنَ ﴿هُوَ الحَقَّ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِيَرى والمَفْعُولُ الأوَّلُ هو المَوْصُولُ الثّانِي ( وهو ) ضَمِيرُ الفَصْلِ.

وقَرَأ اِبْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالرَّفْعِ عَلى جَعْلِ الضَّمِيرِ مُبْتَدَأً وجَعْلِهِ خَبَرًا والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِيَرى وهي لُغَةُ تَمِيمٍ يَجْعَلُونَ ما هو فَصْلٌ عِنْدَ غَيْرِهِمْ مُبْتَدَأً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَرى﴾ إلخ اِبْتِداءُ كَلامٍ غَيْرِ مَعْطُوفٍ عَلى ما قَبْلَهُ مَسُوقٍ لِلِاسْتِشْهادِ بِأُولِي العِلْمِ عَلى الجَهَلَةِ السّاعِينَ في الآياتِ. وفي الكَشْفِ هو عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ عَلى مَعْنى وقالَ الجَهَلَةُ: لا ساعَةَ وعَلِمَ أُولِي العِلْمِ أنَّهُ الحَقُّ الَّذِي نَطَقَ بِهِ المُنَزِّلُ إلَيْكَ الحَقَّ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ تَكَلُّفٌ بَعِيدٌ فَإنَّ دَلالَةَ النَّظْمِ الكَرِيمِ عَلى الِاهْتِمامِ بِشَأْنِ القُرْآنِ لا غَيْرَ، وقِيلَ عَلَيْهِ: أنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾ إلخ في شَأْنِ السّاعَةِ ومُنْكِرِي الحَشْرِ فَكَيْفَ يَكُونُ ما ذُكِرَ بَعِيدًا بِسَلامَةِ الأمِيرِ، فَذَكَرَ حَقِّيَةَ القُرْآنِ بِطَرِيقِ الِاسْتِطْرادِ والمَقْصُودُ بِالذّاتِ حَقِّيَةُ ما نُطِقَ بِهِ مِن أمْرِ السّاعَةِ، وقالَ الطَّبَرِيُّ والثَّعْلَبِيُّ: إنَّ ( يَرى ) مَنصُوبٌ بِفَتْحَةٍ مُقَدَّرَةٍ عَطْفًا عَلى (يَجْزِيَ) أيْ ولِيَعْلَمَ أُولُو العِلْمِ عِنْدَ مَجِيءِ السّاعَةِ مُعايَنَةَ أنَّهُ الحَقُّ حَسْبَما عَلِمُوهُ قَبْلُ بُرْهانًا ويَحْتَجُّوا بِهِ عَلى المُكَذِّبِينَ، وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ سَعَوْا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى المَوْصُولِ الأوَّلِ أوْ مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ فَلا يَضُرُّ الفَصْلُ كَما تُوُهِّمَ.

وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِأُولِي العِلْمِ مَن لَمْ يُؤْمِن مِنَ الأحْبارِ أيْ لِيَعْلَمُوا يَوْمَئِذٍ أنَّهُ هو الحَقُّ فَيَزْدادُوا حَسْرَةً وغَمًّا.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ وصْفَهم بِأُولِي العِلْمِ يَأْباهُ لِأنَّهُ صِفَةٌ مادِحَةٌ ولَعَلَّ المُجَوِّزَ لا يُسَلِّمُ هَذا، نَعَمْ كَوْنُ ذَلِكَ بَعِيدًا لا يُنْكَرُ لا سِيَّما وظاهِرُ المُقابَلَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى:

34:7Page 428

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلۡ نَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلٖ يُنَبِّئُكُمۡ إِذَا مُزِّقۡتُمۡ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمۡ لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدٍ ٧

But those who disbelieve say, "Shall we direct you to a man who will inform you [that] when you have disintegrated in complete disintegration, you will [then] be [recreated] in a new creation?

﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَقْتَضِي الحَمْلَ عَلى المُؤْمِنِينَ ﴿ويَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ﴾ الَّذِي يَقْهَرُ ولا يُقْهَرُ ﴿الحَمِيدِ﴾ المَحْمُودِ في جَمِيعِ شُؤُونِهِ عَزَّ وجَلَّ، والمُرادُ بِصِراطِهِ تَعالى التَّوْحِيدُ والتَّقْوى، وفاعِلُ يَهْدِي إمّا ضَمِيرُ ﴿الَّذِي أُنْزِلَ﴾ أوْ ضَمِيرُ اللَّهِ تَعالى فَفي ﴿العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ اِلْتِفاتٌ، والجُمْلَةُ عَلى الأوَّلِ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ( الَّذِي ) عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، أيْ وهو يَهْدِي كَما في قَوْلِهِ:

نَجَوْتُ وأرْهَنُهم مالِكًا

أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى ( الحَقَّ ) بِتَقْدِيرِ وإنَّهُ يَهْدِي وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ يَهْدِي

صفحة 109

مَعْطُوفًا عَلى ( الحَقَّ ) عَطْفَ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ لِأنَّهُ في تَأْوِيلِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ﴾ [اَلْمُلْكِ: 19] أيْ قابِضاتٍ وبِعَكْسِهِ قَوْلُهُ:

وألْفَيْتُهُ يَوْمًا يُبِيرُ عَدُوَّهُ ∗∗∗ وبَحْرَ عَطاءٍ يَسْتَحِقُّ المَعابِرا

﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هم كُفّارُ قُرَيْشٍ قالُوا مُخاطِبًا بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَلى جِهَةِ التَّعَجُّبِ والِاسْتِهْزاءِ ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾ يَعْنُونَ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ مِن بابِ التَّجاهُلِ كَأنَّهم لَمْ يَعْرِفُوا مِنهُ ﷺ إلّا أنَّهُ رَجُلٌ وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَهم أظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ:

ولَيْسَ قَوْلُكَ مِن هَذا بِضائِرِهِ ∗∗∗ العَرَبُ تَعْرِفُ مَن أنْكَرْتَ والعَجَمُ

﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ يُحَدِّثُكم بِأمْرٍ مُسْتَغْرَبٍ عَجِيبٍ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «يُنَبِّيكُمْ» بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً مَحْضَةً وحُكِيَ عَنْهُ «يُنْبِئُكُمْ» بِالهَمْزِ مِن أنْبَأ ﴿إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ إذا شَرْطِيَّةٌ وجَوابُها مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ أيْ تُبْعَثُونَ أوْ تُحْشَرُونَ وهو العامِلُ في إذا عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ بِتَمامِها مَعْمُولَةٌ لِيُنَبِّئُكم لِأنَّهُ في مَعْنى يَقُولُ لَكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ: تُبْعَثُونَ ثُمَّ أُكِّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ مَعْمُولًا لِيُنَبِّئُكم وهو مُعَلَّقٌ ولَوْلا اللّامُ في خَبَرِ إنَّ لَكانَتْ مَفْتُوحَةً والجُمْلَةُ سَدَّتْ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ والشَّرْطِيَّةُ عَلى هَذا اِعْتِراضٌ، وقَدْ مَنَعَ قَوْمٌ التَّعْلِيقَ في بابِ أعْلَمُ والصَّحِيحُ جَوازُهُ وعَلَيْهِ قَوْلُهُ:

حَذارِ فَقَدْ نُبِّئْتَ أنَّكَ لَلَّذِي ∗∗∗ سَتُجْزى بِما تَسْعى فَتَسْعَدُ أوْ تَشْقى

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ إذا لِمَحْضِ الظَّرْفِيَّةِ فَعامِلُها الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدُ يُقَدَّرُ مُقَدَّمًا أيْ تُبْعَثُونَ أوْ تُحْشَرُونَ إذا مُزِّقْتُمْ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ ﴿نَدُلُّكُمْ﴾ أوْ ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ لِعَدَمِ المُقارَنَةِ ولا ﴿مُزِّقْتُمْ﴾ لِأنَّ إذا مُضافَةٌ إلَيْهِ والمُضافُ إلَيْهِ لا يَعْمَلُ في المُضافِ ولا ﴿خَلْقٍ﴾ ولا ﴿جَدِيدٍ﴾ لِأنَّ إنَّ لَها الصَّدْرَ فَلا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها.

وقالَ الزَّجّاجُ: إذا في مَوْضِعِ النَّصْبِ بِ مُزِّقْتُمْ وهي بِمَنزِلَةِ مَنِ الشَّرْطِيَّةِ يَعْمَلُ فِيها الَّذِي يَلِيها، وقالَ السَّجاوَنْدِيُّ: العامِلُ مَحْذُوفٌ وما بَعْدَها إنَّما يَعْمَلُ فِيها إذا كانَ مَجْزُومًا بِها وهو مَخْصُوصٌ بِالضَّرُورَةِ نَحْوُ:

وإذا تُصِبْكَ خَصاصَةٌ فَتَجَمَّلِ

فَلا يُخَرَّجْ عَلَيْهِ القُرْآنُ فَإذا لَمْ تُجْزَمْ كانَتْ مُضافَةً إلى ما بَعْدَها والمُضافُ إلَيْهِ لا يَعْمَلُ في المُضافِ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: الصَّحِيحُ أنَّ العامِلَ فِيها فِعْلُ الشَّرْطِ كَسائِرِ أدَواتِ الشَّرْطِ، وتَمامُ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ في كُتُبِ النَّحْوِ، و﴿مُمَزَّقٍ﴾ مَصْدَرٌ جاءَ عَلى زِنَةِ اِسْمِ المَفْعُولِ كَمُسَرَّحٍ في قَوْلِهِ:

ألَمْ تَعْلَمْ مُسَرَّحِي القَوافِي ∗∗∗ فَلا عِيًّا بِهِنَّ ولا اِجْتِلابًا

وتَمْزِيقُ الشَّيْءِ تَخْرِيقُهُ وجَعْلُهُ قِطَعًا قِطَعًا، ومِنهُ قَوْلُهُ:

إذا كُنْتَ مَأْكُولًا فَكُنْ خَيْرَ آكِلٍ ∗∗∗ وإلّا فَأدْرِكْنِي ولَمّا أُمَزَّقِ

والمُرادُ إذا مُتُّمْ وفُرِّقَتْ أجْسادُكم كُلَّ تَفْرِيقٍ بِحَيْثُ صِرْتُمْ رُفاتًا وتُرابًا.

ونَصْبُ ( كُلَّ ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اِسْمَ مَكانٍ فَنَصْبُ ( كُلَّ ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِأنَّ لَها حُكْمَ ما تُضافُ إلَيْهِ، أيْ إذا فُرِّقَتْ أجْسادُكم في كُلِّ مَكانٍ مِنَ القُبُورِ وبُطُونِ الطَّيْرِ والسِّباعِ وما ذَهَبَتْ بِهِ السُّيُولُ كُلَّ مَذْهَبٍ وما نَسَفَتْهُ الرِّياحُ فَطَرَحَتْهُ

صفحة 110

كُلَّ مَطْرَحٍ.

وجَدِيدٍ فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ مِن جَدَّ الشَّيْءُ إذا صارَ جَدِيدًا، وبِمَعْنى مَفْعُولٍ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ مِن جَدَّهُ إذا قَطَعَهُ، ثُمَّ شاعَ في كُلِّ جَدِيدٍ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَقْطُوعًا كالبِناءِ، والسَّبَبُ في الخِلافِ أنَّهم رَأوُا العَرَبَ لا يُؤَنِّثُونَهُ ويَقُولُونَ مِلْحَفَةٌ جَدِيدٌ لا جَدِيدَةٌ فَذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّهُ بِمَعْنى مَفْعُولٍ والبَصْرِيُّونَ إلى خِلافِهِ، وقالُوا تَرْكُ التَّأْنِيثِ لِتَأْوِيلِهِ بِشَيْءٍ جَدِيدٍ أوْ لِحَمْلِهِ عَلى فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كَذا قِيلَ.

34:8Page 429

أَفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِۦ جِنَّةُۢۗ بَلِ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ فِي ٱلۡعَذَابِ وَٱلضَّلَٰلِ ٱلۡبَعِيدِ ٨

Has he invented about Allāh a lie or is there in him madness?" Rather, they who do not believe in the Hereafter will be in the punishment and [are in] extreme error.

﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فِيما يُنْسَبُ إلَيْهِ مِن أمْرِ البَعْثِ ﴿أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أيْ جُنُونٌ يُوهِمُهُ ذَلِكَ ويُلْقِيهِ عَلى لِسانِهِ، واسْتَدَلَّ بِهِ أبُو عَمْرٍو الجاحِظُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ مِن أنَّ صِدْقَ الخَبَرِ مُطابَقَتُهُ لِلْواقِعِ مَعَ الِاعْتِقادِ، وكَذِبَهُ عَدَمُها مَعَهُ، وغَيْرَهُما لَيْسَ بِصِدْقٍ ولا كَذِبٍ، وذَلِكَ أنَّ الكُفّارَ وهم عُقَلاءُ مِن أهْلِ اللِّسانِ عارِفُونَ بِاللُّغَةِ حَصَرُوا أخْبارَ النَّبِيِّ ﷺ بِالبَعْثِ في الِافْتِراءِ والأخْبارُ حالُ الجَنَّةِ عَلى سَبِيلِ مَنعِ الخُلُوِّ بِالمَعْنى الأعَمِّ ولا شَكَّ أنَّ المُرادِ بِالثّانِي غَيْرُ الكَذِبِ لِأنَّهُ قَسِيمُهُ وغَيْرُ الصِّدْقِ لِأنَّهُمُ اِعْتَقَدُوا عَدَمَهُ، وأيْضًا لا دَلالَةَ لِقَوْلِهِمْ: ﴿أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ عَلى مَعْنى أمْ صِدْقٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ الخَبَرِ ما لَيْسَ بِصادِقٍ ولا كاذِبٍ لِيَكُونَ ذَلِكَ مِنهُ بِزَعْمِهِمْ وإنْ كانَ صادِقًا في نَفْسِ الأمْرِ، وتَوْضِيحُهُ أنَّ ظاهِرَ كَلامِهِمْ هَذا يَدُلُّ عَلى طَلَبِ تَعْيِينِ أحَدِ حالَيِ النَّبِيِّ ﷺ المُسْتَوِيَيْنِ في اِعْتِقادِ المُتَكَلِّمِ حِينَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ وهو يَسْتَلْزِمُ تَعْيِينَ أحَدِ حالَيِ الخَبَرِ، والِاسْتِفْهامُ هاهُنا لِلتَّقْرِيرِ فَيُفِيدُ ثُبُوتَ أحَدِ الحالَيْنِ لِلْخَبَرِ ولا شَكَّ أنَّ ثُبُوتَ أحَدِهِما لا يُثْبِتُ الواسِطَةَ ما لَمْ يُعْتَبَرْ تَنافِيهِما وكَذا تَنافِيهِما في الجَمْعِ لا يُثْبِتُها بَلْ لا بُدَّ مِن تَنافِيهِما في الِارْتِفاعِ، يَعْنِي أنَّ خَبَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالبَعْثِ لا يَخْلُو عَنْ أحَدِ الأمْرَيْنِ المُتَنافِيَيْنِ، فَيَكُونُ المُرادِ بِالثّانِي ما هو مُنافٍ وقَسِيمٌ لِلْأوَّلِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ غَيْرُ الصِّدْقِ، فَلَيْسَ الصِّدْقُ عِبارَةً عَنْ مُطابَقَةِ الواقِعِ فَقَطْ والكَذِبُ عَنْ عَدَمِ المُطابَقَةِ لَهُ كَما يَقُولُ الجُمْهُورُ، أوْ عَنْ مُطابَقَةِ الِاعْتِقادِ لَهُ وعَدَمِ مُطابَقَتِهِ لَهُ كَما يَقُولُ النَّظّامُ فَيَكُونانِ عِبارَتَيْنِ عَنْ مُطابَقَتِهِما وعَدَمِ مُطابَقَتِهِما وتَثْبُتُ الواسِطَةُ.

وأُجِيبَ بِأنَّ مَعْنى ﴿أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أمْ لَمْ يَفْتَرِ فَعَبَّرَ عَنْ عَدَمِ الِافْتِراءِ بِالجِنَّةِ لِأنَّ المَجْنُونَ يَلْزَمُهُ أنْ لا اِفْتِراءَ لَهُ كَما دَلَّ عَلَيْهِ نَقْلُ الأئِمَّةِ، واسْتِعْمالُ العَرَبِ الكَذِبَ عَنْ عَمْدٍ ولا عَمْدَ لِلْمَجْنُونِ فالثّانِي لَيْسَ قَسِيمًا لِلْكَذِبِ بَلْ لِما هو أخَصُّ مِنهُ، أعْنِي الِافْتِراءَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ حَصْرًا لِلْخَبَرِ الكاذِبِ بِزَعْمِهِمْ في نَوْعَيْهِ الكَذِبِ عَنْ عَمْدٍ والكَذِبِ لا عَنْ عَمْدٍ، ولَوْ سُلِّمَ أنَّ الِافْتِراءَ بِمَعْنى الكَذِبِ مُطْلَقًا فالمَعْنى أقْصِدُ الِافْتِراءَ أيِ الكَذِبَ أمْ لَمْ يَقْصِدْ بَلْ كَذِبَ بِلا قَصْدٍ لِما بِهِ مِنَ الجِنَّةِ.

وقِيلَ: المَعْنى اِفْتَرى أمْ لَمْ يَفْتَرِ بَلْ بِهِ جُنُونٌ وكَلامُ المَجْنُونِ لَيْسَ بِخَبَرٍ لِأنَّهُ لا قَصْدَ لَهُ يُعْتَدُّ بِهِ ولا شُعُورَ فَيَكُونُ مُرادُهم حَصْرُهُ في كَوْنِهِ خَبَرًا كاذِبًا أوْ لَيْسَ بِخَبَرٍ فَلا يَثْبُتُ خَبَرُ لا يَكُونُ صادِقًا ولا كاذِبًا، ونُوقِشَ فِيهِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ كُتُبَ المَعانِي.

بَقِيَ هاهُنا بَحْثٌ وهو أنَّ الطِّيبِيَّ أشارَ إلى أنَّ مَبْنى الِاسْتِدْلالِ كَوْنُ ( أمْ ) مُتَّصِلَةً واعْتَرَضَهُ بِأنَّ الظّاهِرَ كَوْنُها مُنْقَطِعَةً إمّا لَفْظًا فَلِاخْتِلافِ مَدْخُولِ الهَمْزَةِ وأمْ، وإمّا مَعْنًى فَلِأنَّ الكَفَرَةَ المُعانِدِينَ لَمّا أخْرَجُوا قَوْلَهم هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم مَخْرَجَ الظَّنِّ والسُّخْرِيَةِ مُتَجاهِلِينَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبِكَلامِهِ مِن إثْباتِ الحَشْرِ والنَّشْرِ وعَقَّبُوهُ بِقَوْلِهِمْ ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أضْرَبُوا عَنْهُ إلى ما هو أبْلَغُ مِنهُ تَرَقِّيًا مِنَ الأهْوَنِ إلى الأغْلَظِ مِن نِسْبَةِ الجُنُونِ إلَيْهِ وحاشاهُ ﷺ فَكَأنَّهم قالُوا: دَعَوْا حَدِيثَ الِافْتِراءِ فَإنَّ هاهُنا ما هو أطْعَمُ مِنهُ لِأنَّ العاقِلَ كَيْفَ يُحَدِّثُ بِإنْشاءِ خَلْقٍ جَدِيدٍ بَعْدَ الرُّفاتِ والتُّرابِ، ولَمّا كانَ التَّعْوِيلُ عَلى ما بَعْدَ الإضْرابِ مِن إثْباتِ الجُنُونِ أُوقِعَ الإضْرابُ الثّانِي في كَلامِهِ تَعالى رَدًّا لِقَوْلِهِمْ ونَفْيًا لِلْجُنُونِ عَنْهُ صَلَواتُ اللَّهِ

صفحة 111

تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ وإثْباتًا لَهُ فِيهِمْ إلى آخِرِ ما قالَ، ولَمْ يَرْتَضِ ذَلِكَ صاحِبُ الكَشْفِ فَقالَ في كَلامِ الكَشّافِ إشارَةٌ إلى أنَّ أمْ مُتَّصِلَةٌ: وفائِدَةُ العُدُولِ عَنِ الفِعْلِ في جُنَّ إيماءٌ إلى أنَّ الثّابِتَ هو ذَلِكَ الشِّقُّ كَأنَّهُ قِيلَ: أعَنِ اِفْتِراءٍ هَذا الكَذِبُ العُجابُ أمْ جُنُونٍ، والتَّقابُلُ لِأنَّ المَجْنُونَ لا اِفْتِراءَ لَهُ فالِاسْتِدْلالُ عَلى الِانْقِطاعِ بِتَخالُفِ العَدِيلِينَ ساقِطٌ، وأمّا التَّرَقِّي مِنَ الِاتِّصالِ أيْضًا عَلى ما لَوَّحَ إلَيْهِ بِوَجْهٍ ألْطَفُ اه.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ظاهِرَ الِاسْتِدْلالِ يَقْتَضِي الِاتِّصالَ لَكِنْ قالَ الخَفاجِيُّ: إنَّ كَوْنَ الِاسْتِدْلالِ مَبْنِيًّا عَلى الِاتِّصالِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ فَتَأمَّلْ، والظّاهِرُ أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ مِن قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. وفي البَحْرِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ السّامِعِ المُجِيبِ لِمَن قالَ هَلْ نَدُلُّكم تَرَدُّدٌ بَيْنَ شَيْئَيْنِ ولَمْ يُجْزَمْ بِأحَدِهِما لِما في كُلٍّ مِنَ الفَظاعَةِ.

﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ إبْطالٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِما قالُوا بِقَسِيمَيْهِ وإثْباتُ ما هو أشَدُّ وأفْظَعُ لَهم ولِذا وضَعَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ تَوْبِيخًا لَهم وإيماءً إلى سَبَبِ الحُكْمِ بِما بَعْدَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا بَلْ هم في كَمالِ اِخْتِلالِ العَقْلِ وغايَةِ الضَّلالِ عَنِ الفَهْمِ والإدْراكِ الَّذِي هو الجُنُونُ حَقِيقَةً وفِيما يُؤَدِّي إلَيْهِ ذَلِكَ مِنَ العَذابِ حَيْثُ أنْكَرُوا حِكْمَةَ اللَّهِ تَعالى في خَلْقِ العالَمِ وكَذَّبُوهُ عَزَّ وجَلَّ في وعْدِهِ ووَعِيدِهِ وتَعَرَّضُوا لِسَخَطِهِ سُبْحانَهُ، وتَقْدِيمُ العَذابِ عَلى ما يُوجِبُهُ ويَسْتَتْبِعُهُ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ ما يَسُوءُهم ويَفُتُّ في أعَضادِهِمْ والإشْعارِ بِغايَةِ سُرْعَةِ تَرَتُّبِهِ عَلَيْهِ كَأنَّهُ يُسابِقُهُ فَيَسْبِقُهُ، ووَصْفُ الضَّلالِ بِالبَعِيدِ الَّذِي هو وصْفُ الضّالِّ لِلْمُبالَغَةِ لِأنَّ ضَلالَهم إذا كانَ بَعِيدًا في نَفْسِهِ فَكَيْفَ بِهِمْ أنْفُسِهِمْ.

34:9Page 429

أَفَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَىٰ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِن نَّشَأۡ نَخۡسِفۡ بِهِمُ ٱلۡأَرۡضَ أَوۡ نُسۡقِطۡ عَلَيۡهِمۡ كِسَفٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّكُلِّ عَبۡدٖ مُّنِيبٖ ٩

Then, do they not look at what is before them and what is behind them of the heaven and earth? If We should will, We could cause the earth to swallow them or [could] let fall upon them fragments from the sky. Indeed in that is a sign for every servant turning back [to Allāh].

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ قِيلَ: هو اِسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَذْكِيرِهِمْ بِما يُعايِنُونَ مِمّا يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وتَنْبِيهِهِمْ عَلى ما يُحْتَمَلُ أنْ يَقَعَ مِنَ الأُمُورِ الهائِلَةِ في ذَلِكَ إزاحَةً لِاسْتِحالَتِهِمُ الإحْياءَ حَتّى قالُوا ما قالُوا فِيمَن أخْبَرَهم بِهِ وتَهْدِيدًا عَلى ما اِجْتَرَءُوا عَلَيْهِ، والمَعْنى أُعْمُوا فَلَمْ يَنْظُرُوا إلى ما أحاطَ بِجَوانِبِهِمْ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ولَمْ يَتَفَكَّرُوا أنَّهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ هي وإنّا إنْ نَشَأ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ كَما خَسَفْناها بِقارُونَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا أيْ قِطَعًا مِنَ السَّماءِ كَما أسْقَطْنا عَلى أصْحابِ الأيْكَةِ لِتَكْذِيبِهِمْ بِالآياتِ بَعْدَ ظُهُورِ البَيِّناتِ، وهو تَفْسِيرٌ مُلائِمٌ لِلْمَقامِ، إلّا أنَّ رَبْطَ قَوْلِهِ تَعالى إنْ نَشَأْ إلخ بِما قَبْلَهُ بِالطَّرِيقِ الَّذِي ذَكَرَهُ بِعِيدٌ.

وفِي البَحْرِ أنَّهُ تَعالى وقَّفَهم في ذَلِكَ عَلى قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ وحَذَّرَهم إحاطَةَ السَّماءِ والأرْضِ بِهِمْ، وكَأنَّ ثَمَّ حالًا مَحْذُوفَةً، أيْ أفَلا يَرَوْنَ إلى ما يُحِيطُ بِهِمْ مِن سَماءٍ وأرْضٍ مَقْهُورًا تَحْتَ قُدْرَتِنا نَتَصَرَّفُ فِيهِ كَما نُرِيدُ إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ الخ، أوْ فَلَمْ يَنْظُرُوا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مُحِيطًا بِهِمْ وهم مَقْهُورُونَ فِيما بَيْنَهُ إنْ نَشَأْ الخ، ولا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ.

وقالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَرَوْا﴾ إلخ اِسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَهْوِيلِ ما اِجْتَرَءُوا عَلَيْهِ مِن تَكْذِيبِ آياتِ اللَّهِ تَعالى واسْتِعْظامِ ما قالُوا في حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنَّهُ مِنَ العَظائِمِ المُوجِبَةِ لِنُزُولِ أشَدِّ العِقابِ وحُلُولِ أفْظَعِ العَذابِ مِن غَيْرِ رَيْثٍ وتَأْخِيرٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ نَشَأْ﴾ إلخ بَيانٌ لِما يُنْبِئُ عَنْهُ ذَكَرَ إحاطَتَهُما بِهِمْ مِنَ المَحْذُورِ المُتَوَقَّعِ مِن جِهَتِهِما وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِن أسْبابِ وُقُوعِهِ إلّا تَعَلُّقُ المَشِيئَةِ بِهِ أيْ فَعَلُوا ما فَعَلُوا مِنَ المُنْكَرِ الهائِلِ المُسْتَتْبَعِ لِلْعُقُوبَةِ فَلَمْ يَنْظُرُوا إلى ما أحاطَ بِهِمْ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِمْ بِحَيْثُ لا مَفَرَّ لَهم عَنْهُ ولا مَحِيصَ إنْ نَشَأْ جَرْيًا عَلى مُوجَبِ جِناياتِهِمْ نَخْسِفْ الخ، ولا يَخْفى أنَّ فِيهِ بُعْدًا وضِعْفَ رَبْطٍ بِالنِّسْبَةِ إلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا مَعَ أنَّ ما بَعْدُ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ مُلائِمَةٍ لِما قَبْلَهُ عَلَيْهِ.

ويَخْطُرُ لِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَرَوْا﴾ مَسُوقٌ لِتَذْكِيرِهِمْ

صفحة 112

بِأظْهَرِ شَيْءٍ لَهم بِحَيْثُ إنَّهم يُعايِنُونَهُ أيْنَما اِلْتَفَتُوا ولا يَغِيبُ عَنْ أبْصارِهِمْ حَيْثُما ذَهَبُوا يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ إزاحَةً لِما دَعاهم إلى ذَلِكَ الِاسْتِهْزاءِ والوَقِيعَةِ بِسَيِّدِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن زَعْمِهِمْ قُصُورَ قُدْرَتِهِ تَعالى عَنِ البَعْثِ والإحْياءِ ضَرُورَةَ أنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ تِلْكَ الأجْرامِ العِظامِ لا يُعْجِزُهُ إعادَةُ أجْسامٍ هي كُلُّ شَيْءٍ بِالنِّسْبَةِ إلى تِلْكَ الإجْرامِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: 81] وفِيهِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى مَزِيدِ جَهْلِهِمُ المُشارِ إلَيْهِ بِالضَّلالِ البَعِيدِ ما فِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ فِيما ذُكِرَ مِمّا بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ﴿لآيَةً﴾ أيْ لَدَلالَةً واضِحَةً عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وأنَّهُ لا يُعْجِزُهُ البَعْثُ بَعْدَ المَوْتِ وتَفَرُّقُ الأجْزاءِ المُحاطَةِ بِهِما ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ راجِعٍ إلى رَبِّهِ تَعالى مُطِيعٍ لَهُ جَلَّ شَأْنُهُ لِأنَّ المُنِيبَ لا يَخْلُو مِنَ النَّظَرِ في آياتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والتَّفَكُّرِ فِيها كالتَّعْلِيلِ لِما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿أفَلَمْ يَرَوْا﴾ إلخ مِنَ الحَثِّ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِذَلِكَ عَلى ما يُزِيحُ إنْكارَهُمُ البَعْثَ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم مُعْرِضُونَ عَنْ رَبِّهِمْ سُبْحانَهُ غَيْرُ مُطِيعِينَ لَهُ جَلَّ وعَلا وتَخْلُصُ إلى ذِكْرِ المُنِيبِينَ إلَيْهِ تَعالى عَلى قَوْلٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ نَشَأْ﴾ كالِاعْتِراضِ جِيءَ بِهِ لِتَأْكِيدِ تَقْصِيرِهِمْ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم بَلَغُوا فِيهِ مَبْلَغًا يَسْتَحِقُّونَ بِهِ في الدُّنْيا فَضْلًا عَنِ الأُخْرى نُزُولَ أشَدِّ العِقابِ وحُلُولَ أفْظَعِ العَذابِ، وأنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِن أسْبابِ ذَلِكَ إلّا تَعَلُّقُ المَشِيئَةِ بِهِ إلّا أنَّها لَمْ تَتَعَلَّقْ لِحِكْمَةٍ، وظَنِّي أنَّهُ حَسَنٌ وتَحْتَمِلِ الآيَةُ غَيْرَ ذَلِكَ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كِتابِهِ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ يَرَوْا وهو الرُّؤْيَةُ وذُكِرَ لِتَأْوِيلِهِ بِالنَّظَرِ والمُرادُ بِهِ الفِكْرُ، وقِيلَ إشارَةٌ إلى ما تَلِي مِنَ الوَحْيِ النّاطِقِ بِما ذُكِرَ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ وثّابٍ وعِيسى والأعْمَشُ وابْنُ مُصَرِّفٍ (يَشَأْ ويَخْسِفْ ويُسْقِطْ) بِالياءِ فِيهِنَّ، وأدْغَمَ الكِسائِيُّ الفاءَ في الباءِ في (يَخْسِفْ بِهِمْ) قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأنَّ الباءَ أضْعَفُ في الصَّوْتِ مِنَ الفاءِ فَلا تُدْغَمُ فِيها وإنْ كانَتِ الباءُ تُدْغَمُ في الفاءِ نَحْوَ (اِضْرِبْ فُلانًا) وهَذا كَما تُدْغَمُ الباءُ في المِيمِ نَحْوَ (اِضْرِبْ مالِكًا ) ولا تُدْغَمُ المِيمُ في الباءِ نَحْوَ (اُضْمُمْ بِكَ) لِأنَّ الباءَ اِنْحَطَّتْ عَنِ المِيمِ بِفَقْدِ الغُنَّةِ الَّتِي فِيها.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَرَأ الكِسائِيُّ «يَخْسِفْ بِهِمْ» بِالإدْغامِ ولَيْسَتْ بِقَوِيَّةٍ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ القِراءَةَ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ ويُوجِدُ فِيها الفَصِيحُ والأفْصَحُ وذَلِكَ مِن تَيْسِيرِ اللَّهِ تَعالى القُرْآنَ لِلذِّكْرِ وما أدْغَمَ الكِسائِيُّ إلّا عَنْ سَماعٍ فَلا اِلْتِفاتَ إلى قَوْلِ أبِي عَلِيٍّ ولا الزَّمَخْشَرِيِّ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском