Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Fatir 35:11–13
35:11Page 435
وَٱللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ جَعَلَكُمۡ أَزۡوَٰجٗاۚ وَمَا تَحۡمِلُ مِنۡ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلۡمِهِۦۚ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٖ وَلَا يُنقَصُ مِنۡ عُمُرِهِۦٓ إِلَّا فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ١١
And Allāh created you from dust, then from a sperm-drop; then He made you mates. And no female conceives nor does she give birth except with His knowledge. And no aged person is granted [additional] life nor is his lifespan lessened but that it is in a register. Indeed, that for Allāh is easy.
﴿واللَّهُ خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ دَلِيلٌ آخَرُ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ والنُّشُورِ، أيْ خَلَقَكُمُ اِبْتِداءً مِنهُ في ضِمْنِ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ خَلْقًا إجْمالِيًّا ﴿ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ أيْ ثُمَّ خَلَقَكم مِنها خَلْقًا تَفْصِيلِيًّا ﴿ثُمَّ جَعَلَكم أزْواجًا﴾ أيْ أصْنافًا ذُكْرانًا وإناثًا، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا﴾ [اَلشُّورى: 50] وأخْرَجَهُ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ، وأخْرَجَ هو وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ قَدَّرَ بَيْنَكُمُ الزَّوْجِيَّةَ وزَوَّجَ بَعْضَكم بَعْضًا.
﴿وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلا بِعِلْمِهِ﴾ حالٌ مِنَ الفاعِلِ ومِن زائِدَةٍ أيْ إلّا مُلْتَبِسَةً بِعِلْمِهِ تَعالى، ومَعْلُومِيَّةُ الفاعِلِ راجِعَةٌ إلى مَعْلُومِيَّةِ أحْوالِهِ مُفَصَّلَةٌ ومِنها حالُ ما حَمَلَتْهُ الأُنْثى ووَضَعَتْهُ، فَجَعْلُهُ مِن ذَلِكَ أبْلَغُ مَعْنًى وأحْسَنُ لَفْظًا مِن جَعْلِهِ مِنَ المَفْعُولِ، أعْنِي المَحْمُولَ والمَوْضُوعَ لِأنَّ المَفْعُولَ مَحْذُوفٌ مَتْرُوكٌ كَما صَرَّحَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ في حم السَّجْدَةِ، وجَعُلُهُ حالًا مِنَ الحَمْلِ والوَضْعِ أنْفُسَهُما خِلافُ الظّاهِرِ.
﴿وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ﴾ أيْ مِن أحَدٍ، أيْ وما يُمَدُّ في عُمْرِ أحَدٍ وسُمِّيَ مُعَمَّرًا بِاعْتِبارِ الأوَّلِ نَحْوَ ﴿إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يُوسُفَ: 36] ومَن قَتَلَ قَتِيلًا عَلى ما ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ، وهَذا لِئَلّا يَلْزَمَ تَحْصِيلُ الحاصِلِ، وجُوِّزَ أنْ يُقالَ لِأنَّ ﴿يُعَمَّرُ﴾ مُضارِعٌ فَيَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ مُعَمَّرًا بَعْدُ ولا ضَرُورَةَ لِلْحَمْلِ عَلى الماضِي.
﴿ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ﴾ الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى مُعَمَّرٍ آخَرَ نَظِيرِ ما قالَ اِبْنُ مالِكٍ في عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، أيْ نِصْفُ دِرْهَمٍ آخَرُ، ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ اِحْتِمالُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِثْلَ نِصْفِهِ، لِأنَّهُ مِثالٌ وهو اِسْتِخْدامٌ أوْ شَبِيهٌ بِهِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الفَرّاءُ وبَعْضُ النَّحْوِيِّينَ ولَعَلَّهُ الأظْهَرُ، وفَسَّرُوا المُعَمَّرَ بِالمُزادِ عُمْرُهُ بِدَلِيلِ ما يُقابِلُهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُنْقَصُ﴾ إلخ وهو الَّذِي دَعاهم إلى إرْجاعِ الضَّمِيرِ إلى نَظِيرِ المَذْكُورِ دُونَ عَيْنِهِ ضَرُورَةَ أنَّهُ لا يَكُونُ المَزِيدُ في عُمْرِهِ مَنقُوصًا مِن عُمْرِهِ، وقِيلَ عَلَيْهِ: هَبْ أنَّ مَرْجِعَ الضَّمِيرِ مُعَمَّرٌ آخَرُ ألَيْسَ قَدْ نُسِبَ النَّقْصُ في العُمْرِ إلى مُعَمَّرٍ، وقَدْ قُلْتُمْ إنَّهُ المُزادُ عُمْرُهُ، أُجِيبَ بِأنَّ الأصْلَ وما يُعَمَّرُ مِن أحَدٍ فَسُمِّيَ مُعَمَّرًا بِاعْتِبارِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ، وعادَ الضَّمِيرُ بِاعْتِبارِ الأصْلِ المُحَوَّلِ عَنْهُ، فَمَآلُ ذَلِكَ ولا يُنْقَصُ مِن عُمْرِ أحَدٍ، أيْ ولا يُجْعَلُ مِنَ اِبْتِداءِ الأمْرِ ناقِصًا، فَهو نَظِيرُ قَوْلِهِمْ ضِيقُ فَمِ الرَّكِيَّةِ، وقالَ آخَرُونَ:
الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى المُعَمَّرِ الأوَّلِ بِعَيْنِهِ، والمُعَمَّرُ هو الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ تَعالى لَهُ عُمْرًا طالَ أوْ قَصُرَ، ولا مانِعَ أنْ يَكُونَ المُعَمَّرُ ومَن يُنْقَصُ مِن عُمْرِهِ شَخْصًا واحِدًا، والمُرادُ بِنَقْصِ عُمْرِهِ ما يَمُرُّ مِنهُ ويَنْقَضِي مَثَلًا يُكْتَبُ عُمْرُهُ مِائَةُ سَنَةٍ ثُمَّ يُكْتَبُ تَحْتَهُ مَضى يَوْمٌ مَضى يَوْمانِ وهَكَذا حَتّى يَأْتِيَ الخ، ورُوِيَ هَذا عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ وأبِي مالِكٍ وحَسّانَ بْنِ عَطِيَّةَ والسُّدِّيِّ، وقِيلَ بِمَعْناهُ:
حَياتُكَ أنْفاسٌ تُعَدُّ فَكُلَّما مَضى نَفَسٌ مِنها اِنْتَقَصَتْ بِهِ جُزْءًا
وقِيلَ الزِّيادَةُ والنَّقْصُ في عُمْرٍ واحِدٍ بِاعْتِبارِ أسْبابٍ مُخْتَلِفَةٍ أُثْبِتَتْ في اللَّوْحِ كَما ورَدَ في الخَبَرِ الصَّدَقَةُ تَزِيدُ في العُمْرِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ أحَدٌ مُعَمَّرًا أيْ مُزادًا في عُمْرِهِ إذا عَمِلَ عَمَلًا ويُنْقَصُ مِن عُمْرِهِ إذا لَمْ يَعْمَلْهُ، وهَذا لا يَلْزَمُ مِنهُ تَغْيِيرُ التَّقْدِيرِ لِأنَّهُ في تَقْدِيرِهِ تَعالى مُعَلَّقٌ أيْضًا، وإنْ كانَ ما في عِلْمِهِ تَعالى الأزَلِيِّ وقَضائِهِ المُبْرَمِ لا يَعْتَرِيهِ مَحْوٌ عَلى ما عُرِفَ عَنِ السَّلَفِ، ولِذا جازَ الدُّعاءُ بِطُولِ العُمْرِ.
وقالَ كَعْبٌ: لَوْ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ دَعا اللَّهَ تَعالى أُخِّرَ أجْلُهُ، ويُعْلَمُ مِن هَذا أنَّ قَوْلَ اِبْنِ عَطِيَّةَ: هَذا قَوْلٌ
صفحة 178
ضَعِيفٌ مَرْدُودٌ يَقْتَضِي القَوْلَ بِالأجَلَيْنِ كَما ذَهَبَتْ إلَيْهِ المُعْتَزِلَةُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، ومِنَ العَجِيبِ قَوْلُ اِبْنِ كَمالٍ: النَّظَرُ الدَّقِيقُ يَحْكُمُ بِصِحَّةِ أنَّ المُعَمَّرَ أيِ الَّذِي قُدِّرَ لَهُ عُمْرٌ طَوِيلٌ يَجُوزُ أنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ العُمْرَ وأنْ لا يَبْلُغَ فَيَزِيدُ عُمْرُهُ عَلى الأوَّلِ ويُنْقَصُ عَلى الثّانِي، ومَعَ ذَلِكَ لا يَلْزَمُ التَّغْيِيرُ في التَّقْدِيرِ لِأنَّ المُقَدَّرَ في كُلِّ شَخْصٍ هو الأنْفاسُ المَعْدُودَةُ لا الأيّامُ المَحْدُودَةُ والأعْوامُ المَمْدُودَةُ ثُمَّ قالَ: فافْهَمْ هَذا السِّرَّ العَجِيبَ، وكَتَبَ في الهامِشِ حَتّى يَنْكَشِفَ لَكَ سِرُّ اِخْتِيارِ حَبْسِ النَّفْسِ ويَتَّضِحُ وجْهَ صِحَّةِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««إنَّ الصَّدَقَةَ والصِّلَةَ تُعَمِّرانِ الدِّيارَ وتَزِيدانِ في الأعْمارِ»» اه.
وتَعَقَّبَهُ الشِّهابُ الخَفاجِيُّ بِأنَّهُ مِمّا لا يُعَوِّلُ عَلَيْهِ عاقِلٌ ولَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ غَيْرُ بَعْضِ جَهَلَةِ الهُنُودِ مَعَ أنَّهُ مُخالِفٌ لِما ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مِن «قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِأُمِّ حَبِيبَةَ وقَدْ قالَتِ: اللَّهُمَّ أمْتِعْنِي بِزَوْجَيِ النَّبِيِّ ﷺ وبِأبِي أبِي سُفْيانَ وبِأخِي مُعاوِيَةَ، سَألَتِ اللَّهَ تَعالى لِآجالٍ مَضْرُوبَةٍ وأيّامٍ مَعْدُودَةٍ،» الحَدِيثَ. وأطالَ الجَلَبِيُّ في رَدِّهِ وهو غَنِيٌّ عَنْهُ اه.
وقالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ أنْ لا يَبْلُغَ مَن قُدِّرَ لَهُ عُمْرٌ طَوِيلٌ ما قُدِّرَ لَهُ بِأنْ يُغَيَّرَ ما قُدِّرَ أوَّلًا بِتَقْدِيرٍ آخَرَ، ولا حَجَرَ عَلى اللَّهِ تَعالى، ويُشِيرُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حَدِيثِ التَّراوِيحِ ««خَشِيتُ أنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ»» وقَوْلُهُ ﷺ في دُعاءِ القُنُوتِ ««وقِنِي شَرَّ ما قَضَيْتَ»» وخَوْفُهُ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى آلافُ آلافِ صَلاةٍ وسَلامٍ مِن قِيامِ السّاعَةِ إذا اِشْتَدَّتِ الرِّيحُ مَعَ إخْبارِهِ بِأنَّ بَيْنَ يَدَيْها خُرُوجَ المَهْدِيِّ والدَّجّالِ والدّابَّةِ وطُلُوعَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَمْ يَحْدُثْ بَعْدُ، وغايَةُ ما يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ تَغَيُّرُ المَعْلُومِ ولا يَلْزَمُ مِنهُ تَغَيُّرُ العِلْمِ عَلى ما بُيِّنَ في مَوْضِعِهِ وعَلى هَذا لا إشْكالَ في خَبَرِ ««اَلصَّدَقَةُ تَزِيدُ في العُمْرِ»».
ويَتَّضِحُ أمْرُ فائِدَةِ الدُّعاءِ، وما يُحْكى عَنْ بَعْضِهِمْ مِن نَفْيِ القَضاءِ المُبْرَمِ يَرْجِعُ إلَيْهِ، وقَدْ رَأيْتُ كُرّاسَةً لِبَعْضِ الأفاضِلِ أطالَ الكَلامَ فِيها لِتَشْيِيدِ هَذا القَوْلِ وتَثْبِيتِ أرْكانِهِ، والحَقُّ عِنْدِي أنَّ ما في العِلْمِ الأزَلِيِّ المُتَعَلِّقِ بِالأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ لا يَتَغَيَّرُ ويَجِبُ أنْ يَقَعَ كَما عُلِمَ وإلّا يَلْزَمُ الِانْقِلابُ، وما يَتَبادَرُ مِنهُ خِلافُ ذَلِكَ إذا صَحَّ مُؤَوَّلٌ.
وخَبَرُ ««اَلصَّدَقَةُ تَزِيدُ في العُمْرِ»» قِيلَ إنَّهُ خَبَرُ آحادٍ فَلا يُعارِضُ القَطْعِيّاتِ، وقِيلَ المُرادُ أنَّ الصَّدَقَةَ وكَذا غَيْرُها مِنَ الطّاعاتِ تَزِيدُ فِيما هو المَقْصُودُ الأهَمُّ مِنَ العُمْرِ وهو اِكْتِسابُ الخَيْرِ والكَمالِ والبَرَكَةِ الَّتِي بِها تُسْتَكْمَلُ النُّفُوسُ الإنْسانِيَّةُ فَتَفُوزُ بِالسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ، والدُّعاءُ حُكْمُهُ حُكْمُ سائِرِ الأسْبابِ مِنَ الأكْلِ والشُّرْبِ والتَّحَفُّظِ مِن شِدَّةِ الحَرِّ والبَرْدِ مَثَلًا فَفائِدَتُهُ كَفائِدَتِها، وقِيلَ هو لِمُجَرَّدِ إظْهارِ الِاحْتِياجِ والعُبُودِيَّةِ، فَلْيُتَدَبَّرْ.
وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْمُعَمَّرِ والنَّقْصُ لِغَيْرِهِ، أيْ ولا يُنْقَصُ مِن عُمْرِ المُعَمَّرِ لِغَيْرِهِ بِأنْ يُعْطى لَهُ عُمْرٌ ناقِصٌ مِن عُمْرِهِ، وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْمَنقُوصِ مِن عُمْرِهِ، وهو وإنْ لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ في حُكْمِ المَذْكُورِ كَما قِيلَ:
وبِضِدِّها تَتَبَيَّنُ الأشْياءُ
فَيَكُونُ عائِدًا عَلى ما عُلِمَ مِنَ السِّياقِ، أيْ ولا يُنْقَصُ مِن عُمْرِ المَنقُوصِ مِن عُمْرِهِ بِجَعْلِهِ ناقِصًا.
وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ وعِيسى «ولا يَنْقُصُ» بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ، وفاعِلُهُ ضَمِيرُ المُعَمَّرِ أوْ ﴿عُمُرِهِ﴾ ومِن زائِدَةٌ في الفاعِلِ وإنْ كانَ مُتَعَدِّيًا جازَ كَوْنُهُ ضَمِيرَ اللَّهِ تَعالى. وقَرَأ الأعْرَجُ «مِن عُمْرِهِ» بِسُكُونِ المِيمِ.
﴿إلا في كِتابٍ﴾ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ هو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ صَحِيفَةُ الإنْسانِ، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ الغِفارِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يَدْخُلُ المَلَكُ عَلى النُّطْفَةِ بَعْدَ ما تَسْتَقِرُّ في الرَّحِمِ بِأرْبَعِينَ أوْ بِخَمْسٍ وأرْبَعِينَ لَيْلَةً فَيَقُولُ يا رَبِّ، أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ ؟ أذَكَرٌ أمْ أُنْثى؟ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى ويَكْتُبُ ثُمَّ يَكْتُبُ عَمَلَهُ
صفحة 179
ورِزْقَهُ وأجَلَهُ وأثَرَهُ ومُصِيبَتَهُ، ثُمَّ تُطْوى الصَّحِيفَةُ فَلا يُزادُ فِيها ولا يُنْقَصُ مِنها»».
وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يُرادَ بِهِ عِلْمُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وذُكِرَ في رَبْطِ الآياتِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ إلخ مُساقٌ لِلدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ الكامِلَةِ، وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى﴾ [فُصِّلَتْ: 47] إلخ لِلْعِلْمِ الشّامِلِ، وقَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ﴾ إلخ لِإثْباتِ القَضاءِ والقَدَرِ، والمَعْنى وما يُعَمَّرُ مِنكم خِطابًا لِأفْرادِ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ وأُيِّدَ بِذَلِكَ الوَجْهِ الأوَّلِ مِن أوْجُهِ ﴿وما يُعَمَّرُ﴾ إلخ.
﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِنَ الخَلْقِ وما بَعْدَهُ مَعَ كَوْنِهِ مَحارًا لِلْعُقُولِ والأفْهامِ ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ لِاسْتِغْنائِهِ تَعالى عَنِ الأسْبابِ فَكَذَلِكَ البَعْثُ والنُّشُورُ.
35:12Page 436
وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡبَحۡرَانِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ سَآئِغٞ شَرَابُهُۥ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞۖ وَمِن كُلّٖ تَأۡكُلُونَ لَحۡمٗا طَرِيّٗا وَتَسۡتَخۡرِجُونَ حِلۡيَةٗ تَلۡبَسُونَهَاۖ وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٢
And not alike are the two seas [i.e., bodies of water]. One is fresh and sweet, palatable for drinking, and one is salty and bitter. And from each you eat tender meat and extract ornaments which you wear, and you see the ships plowing through [them] that you might seek of His bounty; and perhaps you will be grateful.
﴿وما يَسْتَوِي البَحْرانِ﴾ هَذا ﴿عَذْبٌ﴾ طَيِّبٌ ﴿فُراتٌ﴾ كاسِرُ العَطَشِ ومُزِيلُهُ، وقالَ الرّاغِبُ: الفُراتُ الماءُ العَذْبُ يُقالُ لِلْواحِدِ والجَمْعِ، ولَعَلَّ الوَصْفَ عَلى هَذا عَلى طُرُزِ: أسْوَدُ حالِكٌ وأصْفَرُ فاقِعٌ.
﴿سائِغٌ شَرابُهُ﴾ سَهْلٌ اِنْحِدارُهُ لِخُلُوِّهِ مِمّا تَعافُهُ النَّفْسُ. وقَرَأ عِيسى «سَيِّغٌ» كَمَيِّتٍ بِالتَّشْدِيدِ، وجاءَ كَذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو وعاصِمٍ، وقَرَأ عِيسى أيْضًا «سَيْغٌ» كَمَيْتٍ بِالتَّخْفِيفِ.
﴿وهَذا مِلْحٌ﴾ مُتَغَيِّرٌ طَعْمُهُ التَّغَيُّرَ المَعْرُوفَ، وقَرَأ أبُو نَهِيكَ وطَلْحَةُ «مَلِحٌ» بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ، وقالَ أبُو الفَتْحِ الرّازِيُّ: وهي لُغَةٌ شاذَّةٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَقْصُورًا مِن مالِحٍ لِلتَّخْفِيفِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى وُرُودِ مالِحٍ والحَقُّ وُرُودُهُ بِقِلَّةٍ، ولَيْسَ بِلُغَةٍ رَدِيئَةٍ كَما قِيلَ، وفَرَّقَ الإمامُ بَيْنَ المَلِحِ والمالِحِ بِأنَّ المَلِحَ الماءُ الَّذِي فِيهِ الطَّعْمُ المَعْرُوفُ مِن أصْلِ الخِلْقَةِ كَماءِ البَحْرِ، والمالِحَ الماءُ الَّذِي وُضِعَ فِيهِ مِلْحٌ فَتَغَيَّرَ طَعْمُهُ ولا يُقالُ فِيهِ إلّا مالِحٌ ولَمْ أرَهُ لِغَيْرِهِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يَرِدْ مالِحٌ أصْلًا، وهو قَوْلٌ لَيْسَ بِالمَلِيحِ.
﴿أُجاجٌ﴾ شَدِيدُ المُلُوحَةِ والحَرارَةِ مِن قَوْلِهِمْ أجِيجُ النّارِ وأجَّتُها، ومِن هُنا قِيلَ هو الَّذِي يَحْرُقُ بِمُلُوحَتِهِ، وهَذا مَثَلٌ ضُرِبَ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن كُلٍّ﴾ أيْ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما ﴿تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ أيْ غَضًّا جَدِيدًا وهو السَّمَكُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ، وقِيلَ الطَّيْرُ والسَّمَكُ، واخْتارَ كَثِيرٌ الأوَّلَ، والتَّعْبِيرُ عَنِ السَّمَكِ بِاللَّحْمِ مَعَ كَوْنِهِ حَيَوانًا قِيلَ لِلتَّلْوِيحِ بِانْحِصارِ الِانْتِفاعِ بِهِ في الأكْلِ، ووَصْفُهُ بِالطَّراوَةِ لِلْإشْعارِ بِلَطافَتِهِ والتَّنْبِيهِ عَلى المُسارَعَةِ إلى أكْلِهِ لِئَلّا يَتَسارَعُ إلَيْهِ الفَسادُ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ جَعْلُ كُلٍّ مِنَ البَحْرِينِ مَبْدَأ أكْلِهِ.
واسْتَدَلَّ مالِكٌ والثَّوْرِيُّ بِالآيَةِ - حَيْثُ سُمِّيَ فِيها السَّمَكُ لَحْمًا - عَلى حِنْثِ مَن حَلَفَ لا يَأْكُلُ لَحْمًا وأكَلَ سَمَكًا، وقالَ غَيْرُهُما: لا يَحْنَثُ لِأنَّ مَبْنى الأيْمانِ عَلى العُرْفِ، وهو فِيهِ لا يُسَمّى لَحْمًا، ولِذَلِكَ لا يَحْنَثُ مَن حَلَفَ لا يَرْكَبُ دابَّةً فَرَكِبَ كافِرًا مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّاهُ دابَّةً في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [اَلْأنْفالِ: 55] ولا يَبْعُدُ عِنْدِي أنْ يُرادَ بِ ﴿لَحْمًا﴾ لَحْمُ السَّمَكِ ودَعْوى التَّلْوِيحِ بِانْحِصارِ الِانْتِفاعِ بِالسَّمَكِ في الأكْلِ لا أظُنُّها تامَّةً.
﴿وتَسْتَخْرِجُونَ﴾ ظاهِرُهُ ومِن كُلٍّ تَسْتَخْرِجُونَ ﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ والحِلْيَةُ الَّتِي تُسْتَخْرَجُ مِنَ البَحْرِ المِلْحِ اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ ويَلْبَسُ ذَلِكَ الرِّجالُ والنِّساءُ وإنِ اِخْتَلَفَتْ كَيْفِيَّةُ اللُّبْسِ، أوْ يُقالُ: عَبَّرَ عَنْ لُبْسِ نِسائِهِمْ بِلُبْسِهِمْ لِكَوْنِهِنَّ مِنهم أوْ لِكَوْنِ لُبْسِهِنَّ لِأجْلِهِمْ، ولا نَعْلَمُ حِلْيَةً تُسْتَخْرَجُ مِنَ البَحْرِ العَذْبِ، ولا يَظْهَرُ هُنا اِعْتِبارُ إسْنادِ ما لِلْبَعْضِ إلى الكُلِّ كَما اُعْتُبِرَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى:﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [اَلرَّحْمَنِ: 22] وكَوْنُ بَعْضِ الصُّخُورِ الَّتِي في مَجارِي السُّيُولِ قَدْ تُكْسَرُ فَيُوجَدُ فِيها ماسٌ وهو حِلْيَةٌ تُلْبَسُ إنْ صَحَّ لا يَنْفَعُ اِعْتِبارُهُ هُنا، إذْ لَيْسَ فِيهِ اِسْتِخْراجُ الحِلْيَةِ مِنَ البَحْرِ العَذْبِ ظاهِرًا، وقِيلَ: لا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ الحِلْيَةُ المُسْتَخْرَجَةُ مِن ذَلِكَ عِظامَ السَّمَكِ الَّتِي يُصْنَعُ مِنها قَبَضاتٌ لِلسُّيُوفِ
صفحة 180
والخَناجِرِ مَثَلًا فَتُحْمَلُ ويُتَحَلّى بِها، وفِيهِ ما فِيهِ لا سِيَّما إذا كانَتِ الحِلْيَةُ كالحُلِيِّ ما يَتَزَيَّنُ بِهِ مِن مَصْنُوعِ المَعْدِنِيّاتِ أوِ الحِجارَةِ، وقالَ الخَفاجِيُّ: لا مانِعَ مِن أنْ يَخْرُجَ اللُّؤْلُؤُ مِنَ المِياهِ العَذْبَةِ وإنْ لَمْ نَرَهُ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ البُعْدِ.
وذَهَبَ بَعْضُ الأجِلَّةِ لِلْخَلاصِ مِنَ القِيلِ والقالِ أنَّ المُرادَ وتَسْتَخْرِجُونَ مِنَ البَحْرِ المِلْحِ خاصَّةً حِلْيَةً تَلْبَسُونَها ويُشْعِرُ بِهِ كَلامُ السُّدِّيِّ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ اِسْتِطْرادٌ في صِفَةِ البَحْرَيْنِ وما فِيهِما مِنَ النِّعَمِ والمَنافِعِ.
والثّانِي: أنَّهُ تَتْمِيمٌ وتَكْمِيلٌ لِلتَّمْثِيلِ لِتَفْضِيلِ المُشَبَّهِ بِهِ عَلى المُشَبَّهِ، ولَيْسَ مِن تَرْشِيحِ الِاسْتِعارَةِ كَما زَعَمَ الطِّيبِيُّ في شَيْءٍ، بَلْ إنَّما هو اِسْتِدْراكٌ لِدَعْوى الِاشْتِراكِ بَيْنَ المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ المُشَبَّهُ أقْوى، وهَذا الِاسْتِدْراكُ مَخْصُوصٌ بِالمِلْحِ، وإيضاحُهُ أنَّهُ شَبَّهَ المُؤْمِنَ والكافِرَ بِالبَحْرَيْنِ ثُمَّ فَضَّلَ الأُجاجَ عَلى الكافِرِ بِأنَّهُ قَدْ شارَكَ الفُراتَ في مَنافِعَ، والكافِرُ يَخْلُو مِنَ النَّفْعِ فَهو عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهي كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾ [اَلْبَقَرَةِ: 74] ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِنَ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [اَلْبَقَرَةِ: 74].
والثّالِثُ: أنَّهُ مِن تَتِمَّةِ التَّمْثِيلِ عَلى مَعْنى أنَّ البَحْرَيْنِ وإنِ اِشْتَرَكا في بَعْضِ الفَوائِدِ تَفاوَتا فِيما هو المَقْصُودُ بِالذّاتِ لِأنَّ أحَدَهُما خالَطَهُ ما لَمْ يُبْقِهِ عَلى صَفاءِ فِطْرَتِهِ كَذَلِكَ المُؤْمِنُ والكافِرُ، وإنِ اِتَّفَقَ اِتِّفاقُهُما في بَعْضِ المَكارِمِ كالشَّجاعَةِ والسَّخاوَةِ مُتَفاوِتانِ فِيما هو الأصْلُ لِبَقاءِ أحَدِهِما عَلى الفِطْرَةِ الأصْلِيَّةِ دُونَ الآخَرِ، فَجُمْلَةُ ﴿ومِن كُلٍّ﴾ إلخ حالِيَّةٌ.
وعِنْدِي خَيْرُ الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ أوْسَطُها، وعَلى كُلٍّ يَحْصُلُ الجَوابُ عَمّا قِيلَ كَيْفَ يُناسِبُ ذِكْرُ مَنافِعِ البَحْرِ المِلْحِ وقَدْ شُبِّهَ بِهِ الكافِرُ؟ وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما يَسْتَوِي البَحْرانِ﴾ إلخ لِبَيانِ ما يَسْتَدِلُّ بِهِ كُلُّ عاقِلٍ عَلى أنَّهُ مِمّا لا مَدْخَلَ لِصَنَمٍ فِيهِ.
وقالَ الإمامُ: الأظْهَرُ أنَّهُ دَلِيلٌ لِكَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وما ذَكَرْنا أوَّلًا مِن أنَّهُ تَمْثِيلٌ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ هو المَشْهُورُ رِوايَةً ودِرايَةً وفِيهِ مِن مَحاسِنِ البَلاغَةِ ما فِيهِ.
﴿وتَرى الفُلْكَ﴾ السُّفُنَ ﴿فِيهِ﴾ أيْ في كُلٍّ مِنهُما، وانْظُرْ هَلْ يَحْسُنُ رُجُوعُ الضَّمِيرِ لِلْبَحْرِ المِلْحِ لِانْسِياقِ الذِّهْنِ إلَيْهِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ بِناءً عَلى أنَّ المَعْرُوفَ اِسْتِخْراجُها مِنهُ خاصَّةً، وأمْرُ الفُلْكِ فِيهِ أعْظَمُ مِن أمْرِها في البَحْرِ العَذْبِ، ولِذا اِقْتَصَرَ عَلى رُؤْيَةِ الفُلْكِ فِيهِ عَلى الحالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى، وأُفْرِدَ ضَمِيرُ الخِطابِ مَعَ جَمْعِهِ فِيما سَبَقَ وما لَحِقَ، لِأنَّ الخِطابَ لِكُلِّ أحَدٍ تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ دُونَ المُنْتَفِعِينَ بِالبَحْرَيْنِ فَقَطْ.
﴿مَواخِرَ﴾ شَواقَّ لِلْماءِ يُجْرِيها مُقْبِلَةً ومُدْبِرَةً بِرِيحٍ واحِدَةٍ فالمَخْرُ الشِّقُّ، قالَ الرّاغِبُ: يُقالُ مَخَرَتُ السَّفِينَةُ مَخْرًا ومُخُورًا إذا شَقَّتِ الماءَ بِجُؤْجُئِها، وفي الكَشّافِ يُقالُ: مَخَرَتِ السَّفِينَةُ الماءَ، ويُقالُ لِلسَّحابِ بَناتُ مَخْرٍ لِأنَّها تَمْخُرُ الهَواءَ، والسَّفْنُ الَّذِي اُشْتُقَّتْ مِنهُ السَّفِينَةُ قَرِيبٌ مِنَ المَخْرِ لِأنَّها تَسْفِنُ الماءَ كَأنَّها تُقَشِّرُهُ كَما تَمْخُرُهُ، وقِيلَ المَخْرُ صَوْتُ جَرْيِ الفُلْكِ، وجاءَ في سُورَةِ: ﴿وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ﴾ [اَلنَّحْلِ: 14] بِتَقْدِيمِ ﴿مَواخِرَ﴾ وتَأْخِيرِ ( فِيهِ ) وعُكِسَ هاهُنا فَقِيلَ في وجْهِهِ لِأنَّهُ عُلِّقَ ( فِيهِ ) هُنا بِ تَرى وثَمَّتْ بِمَواخِرَ، ولا يَحْسِمُ مادَّةَ السُّؤالِ.
واَلَّذِي يَظْهَرُ لِي في ذَلِكَ أنَّ آيَةَ النَّحْلِ سِيقَتْ لِتَعْدادِ النِّعَمِ كَما يُؤْذِنُ بِذاكَ سَوابِقُها ولَواحِقُها، وتَعْقِيبُ الآياتِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبْراهِيمَ: 34، النَّحْلِ: 18] فَكانَ الأهَمُّ هُناكَ تَقْدِيمَ ما هو نِعْمَةٌ وهو مَخْرُ الفُلْكِ لِلْماءِ بِخِلافِ ما هُنا فَإنَّهُ إنَّما سِيقَ اِسْتِطْرادًا أوْ تَتِمَّةً لِلتَّمْثِيلِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا فَقُدِّمَ فِيهِ ( فِيهِ ) إيذانًا بِأنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ بِالذّاتِ ذَلِكَ، وكَأنَّ الِاهْتِمامَ بِما هُناكَ اِقْتَضى أنْ يُقالَ في تِلْكَ الآيَةِ ( ولِتَبْتَغُوا ) بِالواوِ، ومُخالَفَةُ ما هُنا لِذَلِكَ
صفحة 181
اِقْتَضَتْ تَرْكَ الواوِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى بِالنَّقْلَةِ فِيها، وهو سُبْحانُهُ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ في الآيَةِ فَقَدْ جَرى لَهُ تَعالى ذِكْرٌ فِيما قَبْلَها ولَوْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يُشْكِلْ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ.
واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَواخِرَ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُها بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الأفْعالُ المَذْكُورَةُ كَ سَخَّرَ البَحْرَيْنِ وهَيَّأهُما أوْ فَعَلَ ذَلِكَ ﴿لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ تَعْرِفُونَ حُقُوقَهُ تَعالى فَتَقُومُونَ بِطاعَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وتَوْحِيدِهِ سُبْحانَهُ.
ولَعَلَّ لِلتَّعْلِيلِ عَلى ما عَلَيْهِ جَمْعٌ مِنَ الأجِلَّةِ وقَدْ قَدَّمْنا ذَلِكَ، وقالَ كَثِيرٌ: هي لِلتَّرَجِّي، ولَمّا كانَ مُحالًا عَلَيْهِ تَعالى كانَ المُرادُ اِقْتِضاءَ ما ذَكَرَ مِنَ النِّعَمِ لِلشُّكْرِ حَتّى كَأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَتَرَجّاهُ مِنَ المُنْعِمِ عَلَيْهِ بِها فَهو تَمْثِيلٌ يَؤُولُ إلى أمْرِهِ تَعالى بِالشُّكْرِ لِلْمُخاطَبِينَ.
35:13Page 436
يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۚ وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مَا يَمۡلِكُونَ مِن قِطۡمِيرٍ ١٣
He causes the night to enter the day, and He causes the day to enter the night and has subjected the sun and the moon - each running [its course] for a specified term. That is Allāh, your Lord; to Him belongs sovereignty. And those whom you invoke other than Him do not possess [as much as] the membrane of a date seed.
﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارِ في اللَّيْلَ﴾ بِزِيادَةِ أحَدِهِما ونَقْصِ الآخَرِ بِإضافَةِ بَعْضِ أجْزاءِ كُلٍّ مِنهُما إلى الآخَرِ ﴿وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿يُولِجُ﴾ واخْتِلافُهُما صِيغَةً لِما أنَّ إيلاجَ أحَدِهِما في الآخَرِ مُتَجَدِّدٌ حِينًا فَحِينًا، وأمّا تَسْخِيرُ النَّيِّرَيْنِ فَأمْرٌ لا تَعَدُّدَ فِيهِ وإنَّما المُتَعَدِّدُ والمُتَجَدِّدُ آثارُهُ، وقَدْ أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلٌّ﴾ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ ﴿يَجْرِي﴾ أيْ بِحَسَبِ حَرَكَتِهِ عَلى المَداراتِ اليَوْمِيَّةِ المُتَعَدِّدَةِ حَسَبَ تَعَدُّدِ أيّامِ السَّنَةِ أوْ بِحَسَبِ حَرَكَتَيْهِ الخاصَّةِ وهي مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ، والقَسْرِيَّةِ الَّتِي هي مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ جَرَيانًا مُسْتَمِرًّا ﴿لأجَلٍ مُسَمًّى﴾ قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لِجَرَيانِهِما وهو يَوْمُ القِيامَةِ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ.
وقِيلَ جَرَيانُهُما عِبارَةٌ عَنْ حَرَكَتَيْهِما الخاصَّتَيْنِ بِهِما، والأجَلُ المُسَمّى عِبارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ مُدَّةِ دَوْرَتَيْهِما أوْ مُنْتَهاها وهي لِلشَّمْسِ سَنَةٌ ولِلْقَمَرِ شَهْرٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ مُفَصَّلًا.
﴿ذَلِكُمُ﴾ إشارَةٌ إلى فاعِلِ الأفاعِيلِ المَذْكُورَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِغايَةِ العَظَمَةِ وهو مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ أخْبارٌ مُتَرادِفَةٌ أيْ ذَلِكُمُ العَظِيمُ الشَّأْنِ الَّذِي أبْدَعَ هَذِهِ الصَّنائِعَ البَدِيعَةَ ﴿اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ﴾ وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ إبْداعَهُ تَعالى لِتِلْكَ البَدائِعِ مِمّا يُوجِبُ ثُبُوتَ تِلْكَ الأخْبارِ لَهُ تَعالى.
وفِي الكَشّافِ: ويَجُوزُ في حُكْمِ الإعْرابِ إيقاعُ اِسْمِ اللَّهِ تَعالى صِفَةً لِاسْمِ الإشارَةِ أوْ عَطْفَ بَيانٍ ورَبُّكم خَبَرًا لَوْلا أنَّ المَعْنى يَأْباهُ اه.
قالَ في الكَشْفِ: فِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ الِاسْمَ الجَلِيلَ جارٍ مَجْرى العِلْمِ فَلا يَجُوزُ أنْ يَقَعَ وصْفًا لِاسْمِ الإشارَةِ البَتَّةَ لا لَفْظًا ولا مَعْنًى، وكَأنَّهُ فَرَضَ عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ الغَلَبَةِ، وأمّا إباءُ المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ تَجْوِيزِ الوَصْفِ فَقَدْ قِيلَ: إنَّ المَقْصُودَ أنَّهُ تَعالى المُنْفَرِدُ بِالإلَهِيَّةِ لا أنَّ المُنْفَرِدَ بِالإلَهِيَّةِ هو رَبُّكم لِأنَّ المُشْرِكِينَ ما كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِالمُنْفَرِدِ عَلى الإطْلاقِ، وأمّا عَطْفُ البَيانِ فَقِيلَ لِأنَّهُ يُوهِمُ تَخْيِيلَ الشَّرِكَةِ، ألا تَرى أنَّكَ إذا قُلْتَ ذَلِكَ الرَّجُلُ سَيِّدُكَ عِنْدِي فَفِيهِ نَوْعُ شَرِكَةٍ لِأنَّ ذا اِسْمٌ مُبْهَمٌ، وكَأنَّهُ أرادَ أنَّ البَيانَ حَيْثُ يَذْهَبُ الوَهْمُ إلى غَيْرِهِ ويَحْتَمِلُ الشَّرِكَةَ مُناسِبٌ لا في مِثْلِ هَذا المَقامِ.
وأفادَ الطِّيبِيُّ أنَّ ذَلِكَ يُشارُ بِهِ إلى ما سَبَقَ لِلدَّلالَةِ عَلى جَدارَةِ ما بَعْدَهُ بِسَبَبِ الأوْصافِ السّابِقَةِ ولَوْ كانَ وصْفًا أوْ بَيانًا لَكانَ المُشارُ إلَيْهِ ما بَعْدَهُ، وهَذا في الأوَّلِ حَسَنٌ دُونَ الثّانِي، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: أوْ عَطْفَ بَيانٍ إشارَةٌ إلى المَذْهَبِ الَّذِي يَجْعَلُ الجِنْسَ الجارِيَ عَلى المُبْهَمِ غَيْرَ وصْفٍ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الوَصْفِ إذْ ذاكَ، وبَعْدَ أنْ تَبَيَّنَ أنَّ المَقامَ لِلْإشارَةِ إلى السّابِقِ فاسْمُ الإشارَةِ قَدْ يُجاءُ بِهِ لِأغْراضٍ أُخَرَ، اه.
وأبُو حَيّانَ مَنَعَ صِحَّةَ الوَصْفِيَّةِ لِلْعَلَمِيَّةِ، ثُمَّ قالَ: لا يُظْهِرُ إباءُ المَعْنى ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ المُلْكُ﴾
صفحة 182
جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ واقِعَةٌ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ ويَكُونُ ذَلِكَ مُقَرِّرًا لِما قَبْلَهُ مِنَ التَّفَرُّدِ بِالإلَهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ واسْتِدْلالًا عَلَيْهِ، إذْ حاصِلُهُ جَمِيعُ المُلْكِ والتَّصَرُّفِ في المَبْدَأِ والمُنْتَهى لَهُ تَعالى ولَيْسَ لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ مِنهُ شَيْءٌ، ولِذا قِيلَ إنَّ فِيهِ قِياسًا مَنطِقِيًّا مَطْوِيًّا.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُقَرِّرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ إلخ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُولِجُ﴾ إلخ فَجُمْلَةُ ( الَّذِينَ تَدْعُونَ ) إلخ عَلَيْهِ إمّا اِسْتِئْنافِيَّةٌ أيْضًا وهي مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَهُ المُلْكُ﴾ وإمّا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَقِرِّ في الظَّرْفِ أعْنِي لَهُ، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ هي مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ إلخ أوْ حالٌ أيْضًا.
والقِطْمِيرُ عَلى ما أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ لِفافَةُ النَّواةِ وهي القِشْرُ الأبْيَضُ الرَّقِيقُ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ التَّمْرِ والنَّواةِ، وهو المَعْنى المَشْهُورُ. أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ أنَّهُ القِمْعُ الَّذِي هو عَلى رَأْسِ التَّمْرَةِ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ القِشْرَةُ عَلى رَأْسِ النَّواةِ وهو ما بَيْنَ القِمْعِ والنَّواةِ، وقالَ الرّاغِبُ: إنَّهُ الأثَرُ عَلى ظَهْرِ النَّواةِ، وقِيلَ هو قِشْرُ الثُّومِ، وأيًّا ما كانَ فَهو مَثَلٌ لِلشَّيْءِ الدَّنِيءِ الطَّفِيفِ، قالَ الشّاعِرُ:
وأبُوكَ يَخْصِفُ نَعْلَهُ مُتَوَرِّكًا ما يَمْلِكُ المِسْكِينُ مِن قِطْمِيرِ
وقَرَأ عِيسى وسَلامٌ ويَعْقُوبُ (يَدْعُونَ) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences