Al-AlusiFatir · 35:42–45

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Fatir 35:42–45

35:42Page 439

وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِن جَآءَهُمۡ نَذِيرٞ لَّيَكُونُنَّ أَهۡدَىٰ مِنۡ إِحۡدَى ٱلۡأُمَمِۖ فَلَمَّا جَآءَهُمۡ نَذِيرٞ مَّا زَادَهُمۡ إِلَّا نُفُورًا ٤٢

And they swore by Allāh their strongest oaths that if a warner came to them, they would be more guided than [any] one of the [previous] nations. But when a warner came to them, it did not increase them except in aversion

﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ أيْ حَلَفُوا واجْتَهَدُوا في الحَلِفِ أنْ يَأْتُوا بِهِ عَلى أبْلَغِ ما في وُسْعِهِمْ.

﴿لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ﴾ الضَّمائِرُ لِقُرَيْشٍ، وذَلِكَ أنَّهم بَلَغَهم قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ طائِفَةً مِن أهْلِ الكِتابِ كَذَّبُوا رُسُلَهم فَقالُوا: لَعَنَ اللَّهُ تَعالى اليَهُودَ والنَّصارى أتَتْهُمُ الرُّسُلُ فَكَذَّبُوهم فَواَللَّهِ لَئِنْ جاءَنا رَسُولٌ لَنَكُونَنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ فَكانَ مِنهم بَعْدَ ما كانَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ ﴿لَئِنْ جاءَهُمْ﴾ جاءَ عَلى المَعْنى وإلّا فَهم قالُوا: «جاءَنا» وكَذا «لَيَكُونُنَّ» وإحْدى بِمَعْنى واحِدَةٍ، والظّاهِرُ أنَّها عامَّةٌ وإنْ كانَتْ نَكِرَةً في الإثْباتِ لِاقْتِضاءِ المَقامِ العُمُومَ، وتَعْرِيفُ ﴿الأُمَمِ﴾ لِلْعَهْدِ، والمُرادُ الأُمَمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم أيْ لَئِنْ جاءَنا نَذِيرٌ لَنَكُونَنَّ أهْدى مَن كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الأُمَمِ اليَهُودِ والنَّصارى وغَيْرِهِمْ فَنُؤْمِنُ جَمِيعًا ولا يُكَذِّبُ أحَدٌ مِنّا، أوِ المَعْنى لَنَكُونَنَّ أهْدى مِن أُمَّةٍ يُقالُ فِيها إحْدى الأُمَمِ تَفْضِيلًا لَها عَلى غَيْرِها مِنَ الأُمَمِ كَما يُقالُ هو واحِدُ القَوْمِ وواحِدُ عَصْرِهِ، وكَما قالُوا هو أحَدُ الأحَدَيْنِ وهي إحْدى الإحَدِ يُرِيدُونَ التَّفْضِيلَ في الدُّعاءِ والعَقْلِ، قالَ الشّاعِرُ:

حَتّى اِسْتَشارُوا بِي إحْدى الإحَدِ لَيْثًا هِزَبْرًا ذا سِلاحٍ مُعْتَدٍ

وقَدْ نَصَّ اِبْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ عَلى أنَّهُ قَدْ يُقالُ لِما يُسْتَعْظَمُ مِمّا لا نَظِيرَ لَهُ هو إحْدى الإحَدِ، لَكِنْ قالَ الدَّمامِينِيُّ في شَرْحِهِ: إنَّما ثَبَتَ اِسْتِعْمالُهُ في إحْدى ونَحْوِهِ المُضافِ إلى جَمْعٍ مَأْخُوذٍ مِن لَفْظِهِ كَإحْدى الإحَدِ وأحَدِ الأحَدَيْنِ أوِ المُضافِ إلى وصْفٍ كَأحَدِ العُلَماءِ وإحْدى الكِبَرِ، أمّا في المُضافِ إلى أسْماءِ الأجْناسِ كالأُمَمِ فَيَحْتاجُ إلى نَقْلٍ، وبُحِثَ فِيهِ بِأنَّهُ قَدْ ثَبَتَ اِسْتِعْمالُ إحْدى في الِاسْتِعْظامِ مِن دُونِ إضافَةٍ أصْلًا فَإنَّهم يَقُولُونَ لِلدّاهِيَةِ العَظِيمَةِ هي إحْدى مِن سَبْعٍ أيْ إحْدى اللَّيالِي عادَ في الشِّدَّةِ وشاعَ واحِدُ قَوْمِهِ وأوْحَدُهم وأوْحَدُ أُمِّهِ، ولَمْ يَظْهَرْ فارِقٌ بَيْنَ المُضافِ إلى الجَمْعِ المَأْخُوذِ مِنَ اللَّفْظِ والمُضافِ إلى الوَصْفِ وبَيْنَ المُضافِ إلى أسْماءِ الأجْناسِ ولا أظُنُّ أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ، فَلْيُتَدَبَّرْ.

وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: إنَّ دَلالَةَ ﴿إحْدى الأُمَمِ﴾ عَلى التَّفْضِيلِ لَيْسَتْ بِواضِحَةٍ بِخِلافِ واحِدِ القَوْمِ ونَحْوِهِ ثُمَّ وجَّهَها أنَّهُ عَلى أُسْلُوبِ:

أوْ يَرْتَبِطُ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها

يَعْنِي أنَّ البَعْضَ المُبْهَمَ قَدْ يُقْصَدُ بِهِ التَّعْظِيمُ كالتَّنْكِيرِ فَإحْدى مِثْلُهُ، وفِيهِ أنَّهُ مَتى ثَبَتَ اِسْتِعْمالُهُ لِلِاسْتِعْظامِ كانَتْ دَلالَتُهُ عَلى التَّفْضِيلِ في غايَةِ الوُضُوحِ.

﴿فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ﴾ وأيُّ نَذِيرٍ وهو أشْرَفُ الرُّسُلِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وهو الظّاهِرُ، وعَنْ مُقاتِلٍ هو اِنْشِقاقُ القَمَرِ وهو أخْفى مِنَ السُّها والمَقامُ عَنْهُ يَأْبى ﴿ما زادَهُمْ﴾ أيِ النَّذِيرُ أوْ مَجِيئُهُ ﴿إلا نُفُورًا﴾ تَباعُدًا عَنِ الحَقِّ وهَرَبًا مِنهُ، وإسْنادُ الزِّيادَةِ إلى ذَلِكَ مَجازٌ لِأنَّهُ هو السَّبَبُ لَها، والجُمْلَةُ جَوابٌ لَها.

واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى حَرْفِيَّتِها لِمَكانِ النَّفْيِ المانِعِ عَنْ عَمَلِ ما بَعْدَهُ فِيها، وفِيهِ بَحْثٌ.

35:43Page 439

ٱسۡتِكۡبَارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَكۡرَ ٱلسَّيِّيِٕۚ وَلَا يَحِيقُ ٱلۡمَكۡرُ ٱلسَّيِّئُ إِلَّا بِأَهۡلِهِۦۚ فَهَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ ٱلۡأَوَّلِينَۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗاۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحۡوِيلًا ٤٣

[Due to] arrogance in the land and plotting of evil; but the evil plot does not encompass except its own people. Then do they await except the way [i.e., fate] of the former peoples? But you will never find in the way [i.e., established method] of Allāh any change, and you will never find in the way of Allāh1 any alteration.2

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتِكْبارًا في الأرْضِ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿نُفُورًا﴾ وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، ونُقِلَ الأوَّلُ عَنِ الأخْفَشِ، وقِيلَ: هو حالٌ، أيْ مُسْتَكْبِرِينَ.

﴿ومَكْرَ السَّيِّئِ﴾ هو الخِداعُ الَّذِي يَرُومُونَهُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ والكَيْدُ لَهُ، وقالَ قَتادَةُ هو الشِّرْكُ، ورَوى ذَلِكَ عَنِ اِبْنِ جُرَيْجٍ، وهو عَطْفٌ عَلى ﴿اسْتِكْبارًا﴾ وأصْلُ التَّرْكِيبِ وإنْ مَكَرُوا السَّيِّئَ عَلى أنَّ ﴿السَّيِّئِ﴾ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مُقَدَّرٍ أيِ المَكْرِ المُسِيءِ، ثُمَّ أُقِيمَ المَصْدَرُ مَقامَ أنْ والفِعْلِ وأُضِيفَ إلى ما كانَ صِفَةً، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ

صفحة 206

عَطْفًا عَلى ﴿نُفُورًا﴾ وقَرَأ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ «اَلسَّيِّئ» بِإسْكانِ الهَمْزَةِ في الوَصْلِ إجْراءً لَهُ مَجْرى الوَقْفِ أوْ لِتَوالِي الحَرَكاتِ وإجْراءِ المُنْفَصِلِ مَجْرى المُتَّصِلِ، وزَعَمَ الزَّجّاجُ أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ لَحْنٌ لِما فِيها مِن حَذْفِ الإعْرابِ كَما قالَ أبُو جَعْفَرٍ، وزَعَمَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ أنَّ الحَذْفَ لا يَجُوزُ في نَثْرٍ ولا شِعْرٍ لِأنَّ حَرَكاتِ الإعْرابِ دَخَلَتْ لِلْفَرْقِ بَيْنَ المَعانِي، وقَدْ أعْظَمَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنْ يَكُونَ الأعْمَشُ قَرَأ بِها، وقالَ: إنَّما كانَ يَقِفُ عَلى هَذِهِ الكَلِمَةِ فَغَلِطَ مَن أدّى عَنْهُ، والدَّلِيلُ عَلى هَذا أنَّها تَمامُ الكَلامِ ولِذا لَمْ يَقْرَأْ في نَظِيرِها كَذَلِكَ مَعَ أنَّ الحَرَكَةَ فِيهِ أثْقَلُ لِأنَّها ضَمَّةٌ بَيْنَ كَسْرَتَيْنِ، والحَقُّ أنَّها لَيْسَتْ بِلَحْنٍ، وقَدْ أكْثَرَ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ مِنَ الِاسْتِشْهادِ والِاحْتِجاجِ لِلْإسْكانِ مِن أجْلِ تَوالِي الحَرَكاتِ والوَصْلِ بِنِيَّةِ الوَقْفِ، وقالَ اِبْنُ القُشَيْرِيِّ: ما ثَبَتَ بِالِاسْتِفاضَةِ أوِ التَّواتُرِ أنَّهُ قُرِئَ بِهِ فَلا بُدَّ مِن جَوازِهِ ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ لَحْنٌ، ولَعَمْرِي أنَّ الإسْكانَ هاهُنا أحْسَنُ مِنَ الإسْكانِ في ﴿بارِئِكُمْ﴾ [اَلْبَقَرَةِ: 54] كَما في قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو، ورُوِيَ عَنِ اِبْنِ كَثِيرٍ «ومَكْرُ السَّأْيِ» بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ السِّينِ وياءٍ بَعْدَها مَكْسُورَةٍ وهو مَقْلُوبُ (اَلسَّيْئِ) المُخَفَّفِ مِن ﴿السَّيِّئِ﴾ كَما قالَ الشّاعِرُ:

ولا يَجْزُونَ مِن حَسَنٍ بِسَيْءٍ ولا يَجْزُونَ مِن غِلَظٍ بِلِينِ

وقَرَأ اِبْنُ مَسْعُودٍ «مَكْرًا سَيِّئًا» عَطَفَ نَكِرَةً عَلى نَكِرَةٍ.

﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ﴾ أيْ لا يُحِيطُ ﴿إلا بِأهْلِهِ﴾ وقالَ الرّاغِبُ: أيْ لا يُصِيبُ ولا يَنْزِلُ، وأيًّا ما كانَ فَهو إنَّما ورَدَ فِيما يُكْرَهُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ أصْلَ حاقَ حَقَّ فَجِيءَ بَدَلَ أحَدِ المِثْلَيْنِ بِالألِفِ نَحْوَ ذَمَّ وذامَ وزَلَّ وزالَ، وهَذا مِن إرْسالِ المَثَلِ ومِن أمْثالِ العَرَبِ: مَن حَفَرَ لِأخِيهِ جُبًّا وقَعَ فِيهِ مُنْكَبًّا، وعَنْ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: قَرَأْتُ في التَّوْراةِ مَن حَفَرَ مُغَوّاةً وقَعَ فِيها، قالَ: أنا وجَدْتُ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى فَقَرَأ الآيَةَ، وفي الخَبَرِ: ««لا تَمْكُرُوا ولا تُعِينُوا ماكِرًا فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ ولا تَبْغُوا ولا تُعِينُوا باغِيًا فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَقُولُ ﴿إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ﴾»» وقَدْ حاقَ مَكْرُ هَؤُلاءِ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ.

والآيَةُ عامَّةٌ عَلى الصَّحِيحِ والأُمُورُ بِعَواقِبِها، واَللَّهُ تَعالى يُمْهِلُ ولا يُهْمِلُ، ووَراءَ الدُّنْيا الآخِرَةُ، وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيْ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ، وبِالجُمْلَةِ مَن مَكَرَ بِهِ غَيْرُهُ ونَفَذَ فِيهِ المَكْرُ عاجِلًا في الظّاهِرِ، فَفي الحَقِيقَةِ هو الفائِزُ والماكِرُ هو الهالِكُ، أسْألُ اللَّهَ تَعالى بِحُرْمَةِ حَبِيبِهِ الأعْظَمِ ﷺ أنْ يَدْفَعَ ويَرْفَعَ عَنّا مَكْرَ الماكِرِينَ وأنْ يُعامِلَهم في الدّارَيْنِ بِعَدْلِهِ إنَّهُ سُبْحانَهُ القَوِيُّ المَتِينُ.

وقُرِئَ «ولا يُحِيقُ» بِضَمِّ الياءِ «اَلْمَكْرَ السَّيِّئَ» بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ يُحِيقُ مِن أحاقَ المُتَعَدِّي وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ راجِعٌ إلَيْهِ تَعالى والمَكْرُ مَفْعُولُهُ.

﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أيْ ما يَنْتَظِرُونَ، وهو مَجازٌ بِجَعْلِ ما يُسْتَقْبَلُ بِمَنزِلَةِ ما يُنْتَظَرُ ويُتَوَقَّعُ ﴿إلا سُنَّتَ الأوَّلِينَ﴾ أيْ إلّا سُنَّةَ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ بِتَعْذِيبِ مُكَذِّبِيهِمْ.

﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ بِأنْ يَضَعَ سُبْحانَهُ مَوْضِعَ العَذابِ ﴿ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا﴾ بِأنْ يَنْقُلَ عَذابَهُ مِنَ المُكَذِّبِينَ إلى غَيْرِهِمْ، والفاءُ لِتَعْلِيلِ ما يُفِيدُهُ الحُكْمُ بِانْتِظارِهِمُ العَذابَ مِن مَجِيئِهِ، ونَفْيُ وِجْدانِ التَّبْدِيلِ والتَّحْوِيلِ عِبارَةٌ عَنْ نَفْيِ وجُودِهِما بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، وتَخْصِيصُ كُلٍّ مِنهُما بِنَفْيٍ مُسْتَقِلٍّ لِتَأْكِيدِ اِنْتِفائِهِما، والخِطابُ عامٌّ أوْ خاصٌّ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

35:44Page 439

أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَكَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعۡجِزَهُۥ مِن شَيۡءٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَلِيمٗا قَدِيرٗا ٤٤

Have they not traveled through the land and observed how was the end of those before them? And they were greater than them in power. But Allāh is not to be caused failure [i.e., prevented] by anything in the heavens or on the earth. Indeed, He is ever Knowing and Competent.

﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ اِسْتِشْهادٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِن جَرَيانِ سُنَّةِ اللَّهِ تَعالى عَلى تَعْذِيبِ المُكَذِّبِينَ بِما يُشاهِدُونَهُ في مَسايِرِهِمْ ومَتاجِرِهِمْ في رِحْلَتِهِمْ إلى الشّامِ واليَمَنِ والعِراقِ

صفحة 207

مِن آثارِ الأُمَمِ الماضِيَةِ وعَلاماتِ هَلاكِهِمْ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَلِيقُ بِالمَقامِ عَلى رَأْيٍ، أيْ أُقْعِدُوا ولَمْ يَسِيرُوا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِها.

﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ﴾ أيْ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ عَزَّ شَأْنُهُ أنْ يَسْبِقَهُ ويَفُوتَهُ ﴿مِن شَيْءٍ﴾ أيِّ شَيْءٍ، ومِن لِاسْتِغْراقِ الأشْياءِ ﴿فِي السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ هو نَظِيرُ ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً﴾ [اَلْكَهْفِ: 49] والواوُ حالِيَّةٌ أوْ عاطِفَةٌ، وفي الإرْشادِ الجُمْلَةُ اِعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما يُفْهَمُ مِمّا قَبْلَهُ مِنَ اِسْتِئْصالِ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وظاهِرُهُ أنَّ الواوَ اِعْتِراضِيَّةٌ.

﴿إنَّهُ كانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ مُبالِغًا في العِلْمِ والقُدْرَةِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِنَفْيِ الإعْجازِ

35:45Page 440

وَلَوۡ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهۡرِهَا مِن دَآبَّةٖ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِۦ بَصِيرَۢا ٤٥

And if Allāh were to impose blame on the people for what they have earned, He would not leave upon it [i.e., the earth] any creature. But He defers them for a specified term. And when their time comes, then indeed Allāh has ever been, of His servants, Seeing.

﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ﴾ جَمِيعًا ﴿بِما كَسَبُوا﴾ فَعَلُوا مِنَ السَّيِّئاتِ كَما وأخَذَ أُولَئِكَ ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها﴾ أيْ ظَهْرِ الأرْضِ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ فَلَيْسَ مِنَ الإضْمارِ قَبْلَ الذِّكْرِ كَما زَعَمَهُ الرَّضِيُّ، وظَهْرُ الأرْضِ مَجازٌ عَنْ ظاهِرِها كَما قالَ الرّاغِبُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: في الكَلامِ اِسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ، والمُرادُ ما تَرَكَ عَلَيْها ﴿مِن دابَّةٍ﴾ أيْ مِن حَيَوانٍ يَدِبُّ عَلى الأرْضِ لِشُؤْمِ المَعاصِي، وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [اَلْأنْفالِ: 25] وهو المَرْوِيُّ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالدّابَّةِ الإنْسُ وحْدَهم وأُيِّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ فَإنَّ الضَّمِيرَ لِلنّاسِ لِأنَّهُ ضَمِيرُ العُقَلاءِ ويَوْمُ القِيامَةِ الأجَلُ المَضْرُوبُ لِبَقاءِ نَوْعِهِمْ، وقِيلَ: هو لِجَمِيعِ مَن ذُكِرَ تَغْلِيبًا ويَوْمُ القِيامَةِ الأجَلُ المَضْرُوبُ لِبَقاءِ جِنْسِ المَخْلُوقاتِ.

﴿فَإذا جاءَ أجَلُهم فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا﴾ فَيُجازِي المُكَلَّفِينَ مِنهم عِنْدَ ذَلِكَ بِأعْمالِهِمْ إنْ شَرًّا فَشَرٌّ وإنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وجُمْلَةُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ إلخ مَوْضُوعَةٌ مَوْضِعَ الجَزاءِ، والجَزاءُ في الحَقِيقَةِ يُجازى كَما أشَرْنا إلَيْهِ، هَذا واَللَّهُ تَعالى هو المُوَفِّقُ لِلْخَيْرِ ولا اِعْتِمادَ إلّا عَلَيْهِ.

* * *

ومِن بابِ الإشارَةِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إشارَةٌ إلى إيجادِ عالَمَيِ اللَّطافَةِ والكَثافَةِ، وإلى أنَّ إيجادَ عالَمِ اللَّطافَةِ مُقَدَّمٌ عَلى إيجادِ عالَمِ الكَثافَةِ، ويُشِيرُ إلى ذَلِكَ ما شاعَ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الأرْواحَ قَبْلَ الأبْدانَ بِأرْبَعَةِ آلافِ سَنَةٍ.

﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلا﴾ في إيصالِ أوامِرِهِ إلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، أوْ وسائِطَ تَجْرِي إرادَتُهُ سُبْحانَهُ في مَخْلُوقاتِهِ عَلى أيْدِيهِمْ.

﴿أُولِي أجْنِحَةٍ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ إشارَةٌ إلى اِخْتِلافِهِمْ في الِاسْتِعْدادِ.

﴿يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ﴾ عامٌّ في المُلْكِ وغَيْرِهِ، وفُسِّرَتِ الزِّيادَةُ بِهِبَةِ اِسْتِعْدادِ رُؤْيَتِهِ عَزَّ وجَلَّ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ.

﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ﴾ الزِّيادَةُ المُشارُ إلَيْها وغَيْرُها.

﴿فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ رَحْمَتَهُ سُبْحانَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ عَزَّ وجَلَّ.

﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ تَسْلِيَةٌ لِحَبِيبِهِ ﷺ وإرْشادٌ لِوَرَثَتِهِ إلى الصَّبْرِ عَلى إيذاءِ أعْدائِهِمْ لَهم وتَكْذِيبِهِمْ إيّاهم وإنْكارِهِمْ عَلَيْهِمْ.

﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأحْيَيْنا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ جَرَتْ سُنَّتُهُ تَعالى في إحْياءِ الأرْضِ بِهَذِهِ الكَيْفِيَّةِ كَذَلِكَ إذا أرادَ سُبْحانَهُ إحْياءَ أرْضِ القَلْبِ فَيُرْسِلُ أوَّلًا رِياحَ الإرادَةِ فَتُثِيرُ سَحابَ المُحِبَّةِ ثُمَّ يَأْتِي مَطَرُ الجُودِ والعِنايَةِ فَيُنْبِتُ في القَلْبِ رَياحِينَ الرُّوحِ وأزْهارَ البَسْطِ ونُوارَ الأنْوارِ ويَطِيبُ العَيْشُ.

﴿مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةَ جَمِيعًا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ العِزَّةَ الحَقِيقِيَّةَ لا تَحْصُلُ بِدُونِ الفَناءِ، ولا تَغْفُلْ عَنْ حَدِيثِ: ««لا يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ»» الخ.

﴿واللَّهُ خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ وهو أبْعَدُ المَخْلُوقاتِ مِنَ الحَضْرَةِ وأسْفَلُها

صفحة 208

وأكْثَفُها.

﴿ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ وفِيها نَوْعٌ ما مِنَ اللَّطافَةِ ﴿ثُمَّ جَعَلَكم أزْواجًا﴾ إشارَةٌ إلى ما حَصَلَ لَهم مِنَ اِزْدِواجِ الرُّوحِ اللَّطِيفِ العُلْوِيِّ والقالَبِ الكَثِيفِ السُّفْلِيِّ وهو مَبْدَأُ اِسْتِعْدادٍ لِوُقُوفٍ عَلى عَوالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ.

﴿وما يَسْتَوِي البَحْرانِ﴾ قِيلَ أيْ بَحْرُ العِلْمِ الوَهْبِيِّ وبَحْرُ العِلْمِ الكَسْبِيِّ هَذا أيْ بَحْرُ العِلْمِ الوَهْبِيِّ ﴿عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ﴾ لِخُلُوِّهِ عَنْ عَوارِضِ الشُّكُوكِ والأوْهامِ ﴿وهَذا﴾ أيْ بَحْرُ العِلْمِ الكَسْبِيِّ ﴿مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ لِما فِيهِ مِن مَشَقَّةِ الفِكْرِ ومَرارَةِ الكَسْبِ وعُرُوضِ الشُّكُوكِ والتَّرَدُّدِ والِاضْطِرابِ.

﴿ومِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ إشاراتٌ لَطِيفَةٌ تَتَغَذَّوْنَ بِها وتَتَقَوَّوْنَ عَلى الأعْمالِ ﴿وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ وهي الأخْلاقُ الفاضِلَةُ والآدابُ الجَمِيلَةُ والأحْوالُ المُسْتَحْسَنَةُ الَّتِي تُكْسِبُ صاحِبَها زِينَةً.

﴿وتَرى الفُلْكَ﴾ سُفُنَ الشَّرِيعَةِ والطَّرِيقَةِ ﴿فِيهِ مَواخِرَ﴾ جارِيَةً.

﴿لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ بِالوُصُولِ إلى حَضْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ فِعْلُ ذَلِكَ.

﴿يا أيُّها النّاسُ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ﴾ في سائِرِ شُؤُونِكُمْ، ومَراتِبُ الفَقْرِ مُتَفاوِتَةٌ، وكُلَّما اِزْدادَ الإنْسانُ قُرْبًا مِنهُ عَزَّ وجَلَّ اِزْدادَ فَقْرُهُ إلَيْهِ لِازْدِيادِ المَحَبَّةِ حِينَئِذٍ، وكُلَّما زادَ العِشْقُ زادَ فَقْرُ العاشِقِ إلى المَعْشُوقِ حَتّى يَفْنى.

﴿واللَّهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ فِيهِ مِنَ البِشارَةِ ما فِيهِ.

﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ أيِ العُلَماءُ بِهِ تَعالى وبِشُؤُونِهِ فَهم كُلَّما اِزْدادُوا عِلْمًا اِزْدادُوا خَشْيَةً لِما يَظْهَرْ لَهم مِن عَظَمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهم بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى شَأْنُهُ لا شَيْءَ.

﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ قِيلَ: الظّالِمُ لِنَفَسِهِ السّالِكُ، والمُقْتَصِدُ السّالِكُ المَجْذُوبُ، والسّابِقُ المَجْذُوبُ السّالِكُ، والسّالِكُ هو المُتَقَرِّبُ، والمَجْذُوبُ هو المُقَرَّبُ، والمَجْذُوبُ السّالِكُ هو المُسْتَهْلَكُ في كِمالاتِ القُرْبِ الفانِي عَنْ نَفْسِهِ الباقِي بِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ.

﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ حَزَنَ تَخَيُّلِ الهَجْرِ فَلا حُزْنَ لِلْعاشِقِ أعْظَمَ مِن حُزْنِ تَخَيُّلِ هَجْرِ مَعْشُوقِهِ لَهُ وجَفْوَتِهِ إيّاهُ.

﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ فَلا بِدَعَ إذا أذْهَبَ عَنّا ذَلِكَ وآمَنَنا مِنَ القَطِيعَةِ والهِجْرانِ.

﴿الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ﴾ هو نَصَبُ الأبْدانِ وتَعَبُها مِن أعْمالِ الطّاعَةِ لِلتَّقَرُّبِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ.

﴿ولا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ هو لُغُوبُ القُلُوبِ واضْطِرابُها مِن تَخَيُّلِ القَطِيعَةِ والرَّدِّ وهَجْرِ الحَبِيبِ، وقِيلَ: لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبُ السَّعْيِ في تَحْصِيلِ أيْ أمْرٍ أرَدْناهُ ولا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبُ تَخَيُّلِ ذَهابِ أيِّ مَطْلُوبٍ حَصَّلْناهُ.

وقَدْ أشارُوا إلى أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى واَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ، هَذا ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى مِن فَضْلِهِ الحُلْوِ ما تَنْشَقُّ مِنهُ مَرارَةُ الحَسُودِ ويَنْفَطِرُ بِهِ قَلْبُ كُلِّ عَدُوٍّ ويَنْتَعِشُ فُؤادُ كُلِّ مُحِبٍّ ودُودٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском