Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Fatir 35:3–8
35:3Page 434
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡۚ هَلۡ مِنۡ خَٰلِقٍ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ ٣
O mankind, remember the favor of Allāh upon you. Is there any creator other than Allāh who provides for you from the heaven and earth? There is no deity except Him, so how are you deluded?
وبَعْدَ ما بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ المُوجِدُ لِلْمُلْكِ والمَلَكُوتِ والمُتَصَرِّفُ فِيهِما عَلى الإطْلاقِ أمَرَ النّاسَ قاطِبَةً أوْ أهْلَ مَكَّةَ كَما رُوِيَ عَنْهُ اِبْنُ عَبّاسٍ واخْتارَهُ الطِّيبِيُّ بِشُكْرِ نِعَمِهِ عَزَّ وجَلَّ فَقالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ إنْعامَهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلَيْكم إنْ جُعِلَتِ النِّعْمَةُ مَصْدَرًا أوْ كائِنَةً عَلَيْكم إنْ جُعِلَتِ اِسْمًا، أيْ راعُوها واحْفَظُوها بِمَعْرِفَةِ حَقِّها والِاعْتِرافِ بِها وتَخْصِيصِ العِبادَةِ والطّاعَةِ بِمُوَلِّيها، فَلَيْسَ المُرادُ مُجَرَّدَ الذِّكْرِ بِاللِّسانِ بَلْ هو كِنايَةٌ عَمّا ذُكِرَ.
وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وقَدْ جُعِلَ الخِطابُ لِمَن سَمِعْتَ اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم حَيْثُ أسْكَنَكم حَرَمَهُ ومَنَعَكم مِن جَمِيعِ العالَمِ والنّاسُ يَتَخَطَّفُونَ مِن حَوْلِكُمْ، وعَنْهُ أيْضًا نِعْمَةُ اللَّهِ تَعالى العافِيَةُ، والأوْلى عَدَمُ التَّخْصِيصِ، ولَمّا كانَتْ نِعَمُ اللَّهِ تَعالى مَعَ تَشَعُّبٍ فُنُونِها مُنْحَصِرَةً في نِعْمَةِ الإيجادِ ونِعْمَةِ الإبْقاءِ نَفى سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ في الوُجُودِ شَيْءٌ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ يَصْدُرُ عَنْهُ إحْدى النِّعْمَتَيْنِ بِطَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي هو لِإنْكارِ التَّصْدِيقِ وتَكْذِيبِ الحُكْمِ، فَقالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ وهَلْ تَأْتِي لِذَلِكَ كَما في المُطَوَّلِ وحَواشِيهِ، وقَوْلُ الرَّضِىِّ: إنَّ هَلْ لا تُسْتَعْمَلُ لِلْإنْكارِ، أرادَ بِهِ الإنْكارَ عَلى مُدَّعِي الوُقُوعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ﴾ [اَلْإسْراءِ: 40] ويَلْزَمُهُ النَّفْيُ والإنْكارُ عَلى مَن أوْقَعَ الشَّيْءَ، كَما في قَوْلِكَ أتَضْرِبُ زَيْدًا وهو أخُوكَ أيْ هَلْ خالِقٌ مُغايِرٌ لَهُ تَعالى مَوْجُودٌ لَكم أوْ لِلْعالَمِ عَلى أنَّ ﴿خالِقٍ﴾ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ زِيدَتْ عَلَيْهِ مِن لِتَأْكِيدِ العُمُومِ و﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ لَهُ بِاعْتِبارِ مَحَلِّهِ، وصَحَّتِ الوَصْفِيَّةُ بِهِ مَعَ إضافَتِهِ إلى أعْرَفِ المَعارِفِ لِتَوَغُّلِهِ في التَّنْكِيرِ فَلا يَكْتَسِبُ تَعْرِيفًا في
صفحة 166
مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿خالِقٍ﴾ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ ويُعْتَبَرُ الإنْكارُ في حُكْمِ النَّفْيِ لِيَكُونَ غَيْرُ اللَّهِ هو الخالِقَ المَنفِيَّ ولِأنَّ المَعْنى عَلى الِاسْتِثْناءِ أيْ لا خالِقَ إلّا اللَّهُ تَعالى والبَدَلِيَّةُ في الِاسْتِثْناءِ بِغَيْرٍ إنَّما تَكُونُ في الكَلامِ المَنفِيِّ وبِهَذا الِاعْتِبارِ زِيدَتْ مِن عِنْدَ الجُمْهُورِ وصَحَّ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ.
وكَذا جُوِّزَ أنْ يَكُونَ فاعِلًا بِخالِقٍ لِاعْتِمادِهِ عَلى أداةِ الِاسْتِفْهامِ نَحْوَ أقائِمٌ زَيْدٌ في أحَدِ وجْهَيْهِ وهو حِينَئِذٍ سادٌّ مَسَدَّ الخَبَرِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِقَوْلِهِ فِيهِ نَظَرٌ وهو أنَّ اِسْمَ الفاعِلِ أوْ ما يَجْرِي مَجْراهُ إذا اِعْتَمَدَ عَلى أداةِ الِاسْتِفْهامِ وأُجْرِيَ مَجْرى الفِعْلِ فَرَفَعَ ما بَعْدَهُ هَلْ يَجُوزُ أنْ تَدْخُلَ عَلَيْهِ مِنَ الَّتِي لِلِاسْتِغْراقِ، فَيُقالُ هَلْ مِن قائِمٍ الزَّيْدُونَ، كَما تَقُولُ هَلْ قائِمٌ الزَّيْدُونَ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَجُوزُ ألا تَرى أنَّهُ إذا أُجْرِيَ مَجْرى الفِعْلِ لا يَكُونُ فِيهِ عُمُومٌ بِخِلافِهِ إذا دَخَلَتْ عَلَيْهِ مِن، ولا أحْفَظُ مِثْلَهُ في لِسانِ العَرَبِ، ويَنْبَغِي أنْ لا يُقْدَمُ عَلى إجازَةِ مِثْلِ هَذا إلّا بِسَماعٍ مِن كَلامِهِمْ، وفِيهِ أنَّ شَرْطَ الزِّيادَةِ والإعْمالِ مَوْجُودٌ، ولَمْ يُبْدِ مانِعًا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فالتَّوَقُّفُ تَعَنُّتٌ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ.
وفِي الكَشْفِ لا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ ( غَيْرُ ) خَبَرًا، ومَنَعَهُ الشِّهابُ بِأنَّ المَعْنى لَيْسَ عَلَيْهِ، وقَرَأ اِبْنُ وثّابٍ وشَقِيقٌ وأبُو جَعْفَرٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ «غَيْرِ» بِالخَفْضِ صِفَةً لِخالِقٍ عَلى اللَّفْظِ، وهَذا مُتَعَيَّنٌ في هَذِهِ القِراءَةِ، ولِأنَّ تَوافُقَ القِراءَتَيْنِ أوْلى مِن تَخالُفِهِما كانَ الأظْهَرُ في القِراءَةِ الأُولى كَوْنَهُ وصْفًا لِخالِقٍ أيْضًا، وقَرَأ الفَضْلُ بْنُ إبْراهِيمَ النَّحْوِيُّ «غَيْرَ» بِالنَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ بِالمَطَرِ والنَّباتِ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ لا صِفَةُ ﴿خالِقٍ﴾ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ أوْ مَحَلِّهِ، قالَ في الكَشْفِ: لِأنَّ المَعْنى عَلى التَّقْرِيعِ والتَّذْكِيرِ بِما هم مُعْتَرِفُونَ بِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ مِن خالِقٍ لِتِلْكَ النِّعَمِ الَّتِي أُمِرْتُمْ بِذِكْرِها أوْ مُطْلَقًا، وهو أوْلى، وتَدْخُلُ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ ثُمَّ تَمَّمَ ذَلِكَ بِأنَّهُ يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ وذَلِكَ أيْضًا يَقْتَضِي اِخْتِصاصَهُ تَعالى بِالعِبادَةِ كَما أنَّ الخالِقِيَّةَ تَقْتَضِي ذَلِكَ، وفِيهِ أنَّ الخالِقَ لا يَكُونُ إلّا رازِقًا ولَوْ قِيلَ هَلْ مِن خالِقٍ رازِقٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ غَيْرُ اللَّهِ يَخْرُجُ الكَلامُ عَنْ سَنَنِهِ المَقْصُودِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿خالِقٍ﴾ فاعِلًا لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ، والأصْلُ هَلْ يَرْزُقُكم خالِقٌ ومِن زائِدَةٌ في الفاعِلِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ إنْ كانَ مِن بابِ هَلْ رَجُلٌ عُرِفَ، فَقَدْ صَرَّحَ السَّكّاكِيُّ بِقُبْحِ هَذا التَّرْكِيبِ لِأنَّ هَلْ إنَّما تَدْخُلُ عَلى الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ فَلا بُدَّ مِن صِحَّتِها قَبْلَ دُخُولِ هَلْ ورَجُلٌ عُرِفَ لا يَصِحُّ بِدُونِ اِعْتِبارِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ لِعَدَمِ مُصَحِّحِ الِابْتِدائِيَّةِ سِواهُ، وإذا اُعْتُبِرَ التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ كانَ الكَلامُ مُفِيدًا لِحُصُولِ التَّصْدِيقِ بِنَفْسِ الفِعْلِ فَلا يَصِحُّ دُخُولُ هَلْ عَلَيْهِ لِأنَّها لِطَلَبِ التَّصْدِيقِ وما حَصَلَ لا يُطْلَبُ لِئَلّا يَلْزَمُ تَحْصِيلُ الحاصِلِ ولِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ رَجُلٌ فاعِلُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ، قالَ بِالقُبْحِ دُونَ الِامْتِناعِ، وإنْ كانَ مِن بابِ: هَلْ زَيْدٌ عُرِفَ، فَقَدْ صَرَّحَ العَلّامَةُ الثّانِي السَّعْدُ التَّفْتازانِيُّ بِأنَّهُ قَبِيحٌ بِاتِّفاقِ النُّحاةِ وأنَّ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ المُفَصَّلِ مِن أنَّ نَحْوَ هَلْ زَيْدٌ خَرَجَ عَلى تَقْدِيرِ الفِعْلِ تَصْحِيحٌ لِلْوَجْهِ القَبِيحِ البَعِيدِ لا أنَّهُ شائِعٌ حَسَنٌ، غايَةُ ما في البابِ أنَّ سَبَبَ قُبْحِهِ لَيْسَ ما ذُكِرَ في قُبْحِ هَلْ زَيْدٌ عُرِفَ عِنْدَ السَّكّاكِيِّ لِعَدَمِ تَأتِّيهِ فِيهِ بَلِ السَّبَبُ أنَّ هَلْ بِمَعْنى قَدْ في الأصْلِ وأصْلُهُ أهَلْ كَقَوْلِهِ:
أهَلْ عَرَفْتَ الدّارَ بِالغُرَّتَيْنِ
وتَرْكُ الهَمْزَةِ قَبْلَها لِكَثْرَةِ وُقُوعِها في الِاسْتِفْهامِ فَأُقِيمَتْ هي مَقامَ الهَمْزَةِ وتَطَفَّلَتْ عَلَيْها في الِاسْتِفْهامِ، وقَدْ مِن لَوازِمِ الأفْعالِ فَكَذا ما هي بِمَعْناها، ولَمْ يُقَبَّحْ دُخُولُها عَلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الَّتِي طَرَفاها اِسْمانِ لِأنَّها إذا لَمْ تَرَ الفِعْلَ في حَيِّزِها تَتَسَلّى عَنْهُ ذاهِلَةً، وهَذا بِخِلافِ ما إذا رَأتْهُ فَإنَّها حِينَئِذٍ تَتَذَكَّرُ
صفحة 167
عُهُودًا بِالحُمّى وتَحِنُّ إلى الألْفِ المَأْلُوفِ وتَطْلُبُ مُعانَقَتَهُ ولَمْ تَرْضَ بِافْتِراقِ الِاسْمِ بَيْنَهُما، ويُعْلَمْ مِن هَذا أنَّهُ لا فَرْقَ عِنْدَ النُّحاةِ بَيْنَ هَلْ رَجُلٌ عُرِفَ وهَلْ زَيْدٌ تَعْرِفُ في القُبْحِ لِذَلِكَ. وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّ مُجَوِّزَ هَذا الوَجْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ ومُتابِعُوهُ وهو لا يُسَلِّمُ ما ذَكَرَ لِأنَّ حَرْفَ الشَّرْطِ كانَ مَثَلًا أُلْزِمَ لِلْفِعْلِ مِن هَلْ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ دُخُولُهُ عَلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الَّتِي طَرَفاها اِسْمانِ كَما دَخَلَتْ عَلَيْها هَلْ، وقَدْ جازَ بِلا قُبْحٍ عَمَلُ الفِعْلِ بَعْدَهُ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ﴾ فَيَجُوزُ في هَلْ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ إلخ مُسْتَأْنَفًا في جَوابِ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ أيُّ خالِقٍ يَسْألُ عَنْهُ، وأنْ يَكُونَ هو الخَبَرُ لِخالِقٍ، ولا يَخْفى عَلى مُتَأمِّلٍ أنَّ ما نُقِلَ عَنِ الكَشْفِ قاضٍ بِمَرْجُوحِيَّةِ هَذِهِ الأوْجُهِ جَمِيعِها، فَتَأمَّلْ.
وفِي الآيَةِ عَلى ما هو الأوْلى في تَفْسِيرِها وإعْرابِها رَدٌّ عَلى المُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمُ: العَبْدُ خالِقٌ لِأفْعالِهِ، ونُصْرَةٌ لِأهْلِ السُّنَّةِ في قَوْلِهِمْ لا خالِقَ إلّا اللَّهُ تَعالى.
﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ اِسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِلنَّفْيِ المَفْهُومِ مِمّا تَقَدَّمَ قَصْدًا، ولَمْ يُجَوِّزْ جارَ اللَّهِ أنْ يُجْعَلَ صِفَةً لِخالِقٍ كَما جُعِلَ ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ صِفَةً لَهُ، حَيْثُ قالَ: ولَوْ وصَلَتْ جُمْلَةُ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ كَما وصَلَتْ ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ لَمْ يُساعِدْ عَلَيْهِ المَعْنى، لِأنَّ قَوْلَكَ هَلْ مِن خالِقٍ آخَرَ سِوى اللَّهِ لا إلَهَ إلّا ذَلِكَ الخالِقُ - غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، لِأنَّ قَوْلَكَ هَلْ مِن خالِقٍ سِوى اللَّهِ إثْباتٌ لِلَّهِ تَعالى فَلَوْ ذَهَبْتَ تَقُولُ ذَلِكَ كُنْتَ مُناقِضًا بِالنَّفْيِ بَعْدَ الإثْباتِ اه، وبَيَّنَ صاحِبُ الكَشْفِ وجْهَ المُناقَضَةِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ غَيْرُ اللَّهِ صِفَةً بِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِنَفْيِ المُشارَكَةِ في الصِّفَةِ المُحَقَّقَةِ، أعْنِي الخَلْقَ فَقَوْلُكُ هَلْ مِن خالِقٍ آخَرَ سِوى اللَّهِ إثْباتٌ لِلَّهِ تَعالى ونَفْيُ المُشارِكِ لَهُ فِيها، ثُمَّ وصْفُ الآخَرِ بِانْحِصارِ الإلَهِيَّةِ فِيهِ يَكُونُ لِنَفْيِ خالِقِيَّتِهِ دُونَ تَفَرُّدٍ بِالإلَهِيَّةِ، والتَّفَرُّدُ بِالإلَهِيَّةِ مَعَ مُغايَرَتِهِ لِلَّهِ تَعالى مُتَناقِضانِ لِأنَّ الأوَّلَ يَنْفِيهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا والثّانِي يُثْبِتُهُ مَعَ الغَيْرِ جُلَّ عَنْ كُلِّ شَرِيكٍ ونَقْصٍ، ثُمَّ قالَ: والتَّحْقِيقُ في هَذا أنَّ هَلْ لِإنْكارِ ما يَلِيها وما تَلاهُ إنْ كانَ مِن تَتِمَّتِهِ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ حُكْمُ الإنْكارِ بِالبَقِيَّةِ، وإلّا كانَ مُبْقًى عَلى حالِهِ نَفْيًا وإثْباتًا، ولَمّا كانَ الكَلامُ في الخالِقِيَّةِ عَلى ما مَرَّ لَمْ يَكُنِ الوَصْفانِ، أعْنِي تَفَرُّدَ الآخَرِ بِالإلَهِيَّةِ ومُغايَرَتَهُ لِلْقَيُّومِ الحَقِّ مَصَبًّا لَهُ، وهُما مُتَناقِضانِ في أنْفُسِهِما عَلى ما بَيَّنَ، فَيَلْزَمُ ما ذَكَرَهُ جارُ اللَّهِ لُزُومًا بَيِّنًا اه.
وقَدْ دُفِعَ بِتَقْرِيرِهِ ذَلِكَ كَثِيرًا مِنَ القالِ والقِيلِ بَيْدَ أنَّهُ لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ، ويُمْكِنُ تَقْرِيرُ المُناقَضَةِ عَلى تَقْدِيرِ الوَصْفِيَّةِ بِوَجْهٍ أظْهَرَ لَعَلَّهُ لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المانِعُ مِنَ الوَصْفِيَّةِ النَّظْمُ المُعْجِزُ وحاكِمُهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ والكَلامُ في ذَلِكَ طَوِيلٌ، فَتَأمَّلْ.
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ لِتَرْتِيبِ إنْكارِ عُدُولِهِمْ عَنِ التَّوْحِيدِ إلى الإشْراكِ عَلى ما قَبْلَها كَأنَّهُ قِيلَ: وإذا تَبَيَّنَ تَفَرُّدُهُ تَعالى بِالأُلُوهِيَّةِ والخالِقِيَّةِ والرّازِقِيَّةِ فَمِن أيِّ وجْهٍ تُصْرَفُونَ عَنِ التَّوْحِيدِ إلى الشِّرْكِ.
35:4Page 435
وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٤
And if they deny you, [O Muḥammad] - already were messengers denied before you. And to Allāh are returned [all] matters.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ إلخ تَسْلِيَةٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُمُومِ البَلِيَّةِ والوَعْدِ لَهُ ﷺ والوَعِيدِ لِأعْدائِهِ، والمَعْنى وإنِ اِسْتَمَرُّوا عَلى أنْ يُكَذِّبُوكَ فِيما بَلَّغْتَ إلَيْهِمْ مِنَ الحَقِّ المُبِينِ بَعْدَ ما أقَمْتَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ وألْقَمْتَهُمِ الحَجَرَ فَتَأسَّ بِأُولَئِكَ الرُّسُلِ في الصَّبْرِ فَقَدْ كَذَّبَهم قَوْمُهم وصَبَرُوا، فَجُمْلَةُ قَدْ ﴿كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ قائِمَةٌ مَقامَ جَوابِ الشَّرْطِ والجَوابُ في الحَقِيقَةِ تَأسَّ، وأُقِيمَتْ تِلْكَ الجُمْلَةُ مَقامَهُ اِكْتِفاءً بِذِكْرِ السَّبَبِ عَنْ ذِكْرِ المُسَبَّبِ، وجُوِّزَ أنْ تُجْعَلَ هي الجَوابَ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ ويَكُونُ المُتَرَتِّبُ عَلى الشَّرْطِ الإعْلامُ والإخْبارُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [اَلنَّحْلِ: 53].
وتَنْكِيرُ رُسُلٍ لِلتَّعْظِيمِ والتَّكْثِيرِ المُوجِبَيْنِ لِمَزِيدِ التَّسْلِيَةِ والحَثِّ عَلى التَّأسِّي والصَّبْرِ عَلى ما أصابَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن
صفحة 168
قَوْمِهِ أيْ رُسُلٌ أُولُو شَأْنٍ خَطِيرٍ وعَدَدٍ كَثِيرٍ.
﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ لا إلى غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ فَيُجازِي سُبْحانَهُ كُلًّا مِنكَ ومِنهم بِما يَلِيقُ بِهِ، وفي الِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِ اِخْتِصاصِ المَرْجِعِ بِهِ تَعالى مَعَ إبْهامِ الجَزاءِ ثَوابًا وعِقابًا مِنَ المُبالَغَةِ في الوَعْدِ والوَعِيدِ ما لا يَخْفى. وقُرِئَ «تَرْجِعُ» بِفَتْحِ التّاءِ مِنَ الرُّجُوعِ والأوَّلُ أدْخَلُ في التَّهْوِيلِ.
35:5Page 435
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ ٥
O mankind, indeed the promise of Allāh is truth, so let not the worldly life delude you and be not deceived about Allāh by the Deceiver [i.e., Satan].
﴿يا أيُّها النّاسُ إنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ المُشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ ﴿حَقٌّ﴾ ثابِتٌ لا مَحالَةَ مِن غَيْرِ خُلْفٍ ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ بِأنْ يُذْهِلَكُمُ التَّمَتُّعُ بِمَتاعِها ويُلْهِيَكُمُ التَّلَهِّي بِزَخارِفِها عَنْ تَدارُكِ ما يَنْفَعُكم يَوْمَ حُلُولِ المِيعادِ، والمُرادُ نَهْيُهم عَنِ الِاغْتِرارِ بِها وإنْ تَوَجَّهَ النَّهْيُ صُورَةً إلَيْها نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي﴾ [هُودٍ: 89] وقَوْلُكَ لا أرَيَنَّكَ هُنا ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ﴾ حَيْثُ إنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ عَفُوٌّ كَرِيمٌ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ﴿الغَرُورُ﴾ أيِ المَبالِغُ في الغُرُورِ، وهو عَلى ما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ الشَّيْطانُ فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ، ويَجُوزُ التَّعْمِيمُ أيْ لا يَغُرُّنَّكم كُلُّ مَن شَأْنُهُ المُبالَغَةُ في الغَرُورِ بِأنْ يُمَنِّيَكُمُ المَغْفِرَةَ مَعَ الإصْرارِ عَلى المَعْصِيَةِ قائِلًا إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَإنَّ ذَلِكَ وإنْ أمْكَنَ لَكِنْ تَعاطِي الذُّنُوبِ بِهَذا التَّوَقُّعِ مِن قَبِيلِ تَناوُلِ السُّمِّ تَعْوِيلًا عَلى دَفْعِ الطَّبِيعَةِ، وتَكْرِيرُ فِعْلِ النَّهْيِ لِلْمُبالَغَةِ فِيهِ ولِاخْتِلافِ الغَرُورَيْنِ في الكَيْفِيَّةِ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وأبُو السَّمّالِ «اَلْغُرُورُ» بِالضَّمِّ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ غَرَّهُ يَغُرُّهُ وإنْ قَلَّ في المُتَعَدِّي، أوْ جَمْعُ غارٍّ كَقُعُودٍ وسُجُودٍ مَصْدَرَيْنِ وجَمْعَيْنِ، وعَلى المَصْدَرِيَّةِ الإسْنادُ مَجازِيٌّ.
35:6Page 435
إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمۡ عَدُوّٞ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّاۚ إِنَّمَا يَدۡعُواْ حِزۡبَهُۥ لِيَكُونُواْ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ٦
Indeed, Satan is an enemy to you; so take him as an enemy. He only invites his party to be among the companions of the Blaze.
﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ﴾ عَداوَةً عامَّةً قَدِيمَةً لا تَكادُ تَزُولُ، ويُشْعِرُ بِذَلِكَ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ و«لَكُمْ» وتَقْدِيمُهُ لِلِاهْتِمامِ ﴿فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ بِمُخالَفَتِكم إيّاهُ في عَقائِدِكم وأفْعالِكم وكُونُوا عَلى حَذَرٍ مِنهُ في مَجامِعِ أحْوالِكم.
﴿إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ تَقْرِيرٌ لِعَداوَتِهِ وتَحْذِيرٌ مِن طاعَتِهِ بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ غَرَضَهُ في دَعْوَةِ شِيعَتِهِ إلى اِتِّباعِ الهَوى والرُّكُونِ إلى مَلاذِ الدُّنْيا لَيْسَ إلّا تَوْرِيطَهم وإلْقاءَهم في العَذابِ المُخَلَّدِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ فاللّامُ لَيْسَتْ لِلْعاقِبَةِ، وزَعَماِبْنُ عَطِيَّةَ أنَّها لَها.
35:7Page 435
ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٞ كَبِيرٌ ٧
Those who disbelieve will have a severe punishment, and those who believe and do righteous deeds will have forgiveness and great reward.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وإجابَتِهِمْ لِدَعْوَةِ الشَّيْطانِ واتِّباعِهِمْ لِخُطُواتِهِ، ولَعَلَّ تَنْكِيرَ عَذابٍ لِتَعْظِيمِهِ بِحَسَبِ المُدَّةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَهم عَذابٌ دائِمٌ شَدِيدٌ.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ عَظِيمَةٌ ﴿وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ لا غايَةَ لَهُما بِسَبَبِ ما ذُكِرَ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
( والَّذِينَ كَفَرُوا ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿لَهم عَذابٌ﴾ وكَذا ( الَّذِينَ آمَنُوا ) و﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ الخ، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في مَوْضِعِ خَفْضٍ بَدَلًا مِن ﴿أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ أوْ صِفَةً لَهُ، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بَدَلًا مِن ﴿حِزْبَهُ﴾ أوْ صِفَةً لَهُ، أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بَدَلًا مِن ضَمِيرِ ( لِيَكُونُوا ) والكُلُّ مُفَوَّتٌ لِجَزالَةِ التَّرْكِيبِ كَما لا يَخْفى عَلى الأرِيبِ.
35:8Page 435
أَفَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ فَرَءَاهُ حَسَنٗاۖ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۖ فَلَا تَذۡهَبۡ نَفۡسُكَ عَلَيۡهِمۡ حَسَرَٰتٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ ٨
Then is one to whom the evil of his deed has been made attractive so he considers it good [like one rightly guided]? For indeed, Allāh sends astray whom He wills and guides whom He wills. So do not let yourself perish over them in regret. Indeed, Allāh is Knowing of what they do.
﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ أيْ حَسَنُ لَهُ عَمَلُهُ السَّيِّئُ ﴿فَرَآهُ﴾ فاعْتَقَدَهُ بِسَبَبِ التَّزْيِينِ ﴿حَسَنًا﴾ فَهو مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، و( مَن ) مَوْصُولَةٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، والجُمْلَةُ بَعْدَها صِلَتُها والخَبَرُ مَحْذُوفٌ والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، فَإنْ كانَتْ مُقَدَّمَةً مِن تَأْخِيرٍ كَما هو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ في نَظِيرِ ذَلِكَ فالمُرادُ تَفْرِيعُ إنْكارِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِنَ الحُكْمَيْنِ السّابِقَيْنِ، أيْ إذا كانَتْ عاقِبَةُ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ ما ذُكِرَ فَلَيْسَ الَّذِي زُيِّنَ لَهُ الكُفْرُ مِن جِهَةِ عَدُوِّهِ الشَّيْطانِ فاعْتَقَدَهُ
صفحة 169
حَسَنًا وانْهَمَكَ فِيهِ كَمَنِ اِسْتَقْبَحَهُ واجْتَنَبَهُ واخْتارَ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ، وإنْ كانَتْ في مَحَلِّها الأصْلِيِّ وكانَ العَطْفُ عَلى مُقَدَّرٍ تَكُونُ هي داخِلَةٌ إلَيْهِ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ، فالمُرادُ ما في حَيِّزِها، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ أهُما أيِ الَّذِينَ كَفَرُوا واَلَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مُتَساوِيانِ فاَلَّذِي زُيِّنَ لَهُ الكُفْرُ مِن جِهَةِ عَدُوِّهِ الشَّيْطانِ فاعْتَقَدَهُ حَسَنًا وانْهَمَكَ فِيهِ كَمَنِ اِسْتَقْبَحَهُ واجْتَنَبَهُ واخْتارَ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ، أيْ ما هُما مُتَساوِيانِ لِيَكُونَ الَّذِي زُيِّنَ لَهُ الكُفْرُ كَمَنِ اِسْتَقْبَحَهُ، وحُذِفَ هَذا الخَبَرُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ واقْتِضاءِ النَّظْمِ الجَلِيلِ إيّاهُ، وقَدْ صَرَّحَ بِالجُزْءَيْنِ في نَظِيرِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ [مُحَمَّدٍ: 14] وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى﴾ [اَلرَّعْدِ: 19] وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ﴾ [اَلْأنْعامِ: 122] وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الكافِرِ بِمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا إشارَةٌ إلى غايَةِ ضَلالِهِ حَتّى كَأنَّهُ غَلَبَ عَلى عَقْلِهِ وسَلَبَ تَمْيِيزَهُ فَشَأْنُ المَغْلُوبِ عَلى عَقْلِهِ ذَلِكَ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُ أبِي نُواسٍ:
اِسْقِنِي حَتّى تَرانِي حَسَنًا عِنْدِي القَبِيحُ
وظاهِرُ كَلامِ الزَّجّاجِ أنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ حَيْثُ قالَ: الجَوابُ عَلى ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما: ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ﴾ إلخ ويَكُونُ المَعْنى أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَأضَلَّهُ اللَّهُ ذَهَبَتْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً، وثانِيهِما: ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ إلخ ويَكُونُ المَعْنى أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ كَمَن هَداهُ اللَّهُ تَعالى، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ اِبْنُ مالِكٍ أيْضًا، واعْتَرَضَ اِبْنُ هِشامٍ عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي بِأنَّ الظَّرْفَ لا يَكُونُ جَوابًا وإنْ قُلْنا إنَّهُ جُمْلَةٌ، ووَجْهُهُ أنَّ الرَّضِيَّ صَرَّحَ بِأنَّهُ لا يَكُونُ مُسْتَقِرًّا في غَيْرِ الخَبَرِ والصِّفَةِ والصِّلَةِ والحالِ ولَمْ يُذْكَرِ الجَوابُ لا أنَّ ذَلِكَ لِعَدَمِ الفاءِ، وتَقْدِيرُها داخِلَةٌ عَلى مُبْتَدَأٍ يَكُونُ الظَّرْفُ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ بِتَمامِها جَزاءٌ غَيْرُ جائِزٍ لِما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ كَما قِيلَ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الزَّجّاجُ قَدْ ذَهَبَ إلى أنَّ مَن مَوْصُولَةٌ وأُطْلِقَ عَلى خَبَرِها الجَوابُ لِشَبَهِهِ بِهِ في المَعْنى، ألا تَراهم يُدْخِلُونَ الفاءَ في خَبَرِ المَوْصُولِ الَّذِي صِلَتُهُ جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ كَما يُدْخِلُونَها في جَوابِ الشَّرْطِ فَيَقُولُونَ الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، وفِيهِ أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ ولا قَرِينَةَ عَلى إرادَتِهِ سِوى عَدَمِ صِحَّةِ الجَزائِيَّةِ، وضُعِّفَ التَّقْدِيرُ الأوَّلُ بِالفَصْلِ بَيْنَ ما فِيهِ الحَذْفُ ودَلِيلِ المَحْذُوفِ مَعَ خَفاءِ رَبْطِ الجُمْلَةِ بِما قَبْلَها عَلَيْهِ، ولا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ مَن شَرْطِيَّةً جَوابُها فَرَآهُ لِما في ذَلِكَ مِنَ الرَّكاكَةِ الصِّناعِيَّةِ، فَإنَّ الماضِيَ في الجَوابِ لا يَقْتَرِنُ بِالفاءِ بِدُونِ قَدْ مَعَ خَفاءِ أمْرِ إنْكارِ رُؤْيَةِ سُوءِ العَمَلِ حَسَنًا بَعْدَ التَّزْيِينِ وتَفْرِيعِهِ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الحُكْمَيْنِ، وكَوْنُ الإنْكارِ لِما أنَّ المُزَيِّنَ هو الشَّيْطانُ العَدُوُّ، والتَّفْرِيعُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ لا يَخْفى حالُهُ فالوَجْهُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ جُعِلَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ تَعْلِيلًا لِسَبَبِيَّةِ التَّزْيِينِ لِرُؤْيَةِ القَبِيحِ حَسَنًا، وفِيهِ دَفْعُ اِسْتِبْعادِ أنْ يَرى الشَّخْصُ القَبِيحَ حَسَنًا بِتَزْيِينِ العَدُوِّ إيّاهُ بِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ التّابِعَةِ لِلْعِلْمِ المُتَعَلِّقِ بِالأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ، وإيذانٌ بِأنَّ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ الَّذِينَ زُيِّنَ لَهم سُوءُ عَمَلِهِمْ فَرَأوْهُ حَسَنًا مِمَّنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ضَلالَهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ تَفْرِيعٌ عَلَيْهِ، أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ الخ، وذَكَرَ المَوْلى سِعْدِيُّ جَلَبِيٍّ أنَّ الهَمْزَةَ في ﴿أفَمَن﴾ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ مِنَ التَّقْدِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ
صفحة 170
نُقِلا عَنِ الزَّجّاجِ لِإنْكارِ ذَهابِ نَفْسِهِ ﷺ عَلَيْهِ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً، والفاءُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ إلخ تَعْلِيلٌ لِما يُفْهِمُهُ النَّظْمُ الجَلِيلُ مِن أنَّهُ لا جَدْوى لِلتَّحَسُّرِ، وفي الكَشْفِ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الفَرِيقَيْنِ الَّذِينَ كَفَرُوا واَلَّذِينَ آمَنُوا قالَ سُبْحانَهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ يَعْنِي أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ مِن هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ كَمَن لَمْ يُزَيَّنْ لَهُ، فَكَأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لا فَقالَ تَعالى ﴿فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ ويُفْهَمْ مِن كَلامِ الطِّيبِيِّ أنَّ فاءَ ﴿فَلا تَذْهَبْ﴾ جَزائِيَّةٌ وفاءَ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ لِلتَّعْلِيلِ، وأنَّ الجُمْلَةَ مُقَدَّمَةٌ مِن تَأْخِيرٍ، فَقَدْ قالَ: إنَّهُ ﷺ كانَ حَرِيصًا عَلى إيمانِ القَوْمِ وأنْ يَسْلُكَ الضّالِّينَ في زُمْرَةِ المُهْتَدِي، فَقِيلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ لِذَلِكَ: أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ مِن هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ كَمَن لَمْ يُزَيَّنْ لَهُ، فَلا بُدَّ أنْ يُقِرَّ ﷺ بِالنَّفْيِ ويَقُولُ لا، فَحِينَئِذٍ يُقالُ لَهُ فَإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ فَقَدَّمَ وأخَّرَ اِنْتَهى، وفِيهِ نَظَرٌ، وفي الآياتِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ لَفٌّ ونَشْرٌ وبِذَلِكَ صَرَّحَ الطِّيبِيُّ ثُمَّ قالَ: الأحْسَنُ أنْ تُجْعَلَ الآياتُ مِنَ الجَمْعِ والتَّقْسِيمِ والتَّفْرِيقِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ جَمَعَ الفَرِيقَيْنِ مَعًا في حُكْمِ نِداءِ النّاسِ وجَمَعَ ما لَهُما مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ في حُكْمِ الوَعْدِ، وحَذَّرَهُما مَعًا عَنِ الغُرُورِ بِالدُّنْيا والشَّيْطانِ، وأمّا التَّقْسِيمُ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وأمّا التَّفْرِيقُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ لِأنَّهُ فَرَّقَ فِيهِ وبَيَّنَ التَّفاوُتَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ مِن هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ كَمَن لَمْ يُزَيَّنْ لَهُ، وفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ ظُهُورَ أنَّ الفاءَ في ﴿أفَمَن﴾ لِلتَّعْقِيبِ والهَمْزَةَ الدّاخِلَةَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِإنْكارِ المُساواةِ وتَقْرِيرِ البَوْنِ العَظِيمِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ وأنَّ المُخْتارَ مِن أوْجُهٍ ذَكَرَها السَّكّاكِيُّ في المِفْتاحِ تَقْدِيرُ كَمَن هَدّاهُ اللَّهُ تَعالى، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ ولَهم في نَظْمِ الآياتِ الكَرِيمَةِ كَلامٌ طَوِيلٌ غَيْرُ ما ذَكَرْناهُ، مَن أرادَهُ فَلْيَتْبَعْ كُتُبَ التَّفاسِيرِ والعَرَبِيَّةِ، ولَعَلَّ فِيما ذَكَرْناهُ مَقْنَعًا لِمَن أُوتِيَ ذِهْنًا سَلِيمًا وفَهْمًا مُسْتَقِيمًا.
والحَسَراتُ جَمْعُ حَسْرَةٍ وهي الغَمُّ عَلى ما فاتَهُ والنَّدَمُ عَلَيْهِ كَأنَّهُ اِنْحَسَرَ عَنْهُ ما حَمَلَهُ عَلى ما اِرْتَكَبَهُ أوِ اِنْحَسَرَ قُواهُ مِن فَرْطِ غَمٍّ أوْ أدْرَكَهُ إعْياءٌ عَنْ تَدارُكِ ما فَرَطَ مِنهُ، وانْتَصَبَتْ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ أيْ فَلا تَهْلِكْ نَفْسُكَ لِلْحَسَراتِ، والجَمْعُ مَعَ أنَّ الحَسْرَةَ في الأصْلِ مَصْدَرٌ صادِقٌ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَضاعُفِ اِغْتِمامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أحْوالِهِمْ أوْ عَلى كَثْرَةِ قَبائِحِ أعْمالِهِمُ المُوجِبَةِ لِلتَّأسُّفِ والتَّحَسُّرِ، ﴿وعَلَيْهِمْ﴾ صِلَةُ ﴿تَذْهَبْ﴾ كَما يُقالُ هَلَكَ عَلَيْهِ حُبًّا وماتَ عَلَيْهِ حُزْنًا، أوْ هو بَيانٌ لِلْمُتَحَسَّرِ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا ومُتَعَلِّقُهُ مُقَدَّرٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: عَلى مَن تَذْهَبُ؟ فَقِيلَ: عَلَيْهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِحَسَراتٍ بِناءً عَلى أنَّهُ يُغْتَفَرُ تَقْدِيمُ مَعْمُولِ المَصْدَرِ عَلَيْهِ إذا كانَ ظَرْفًا وهو الَّذِي أخْتارُهُ، واَلزَّمَخْشَرِيُّ لا يُجَوِّزُ ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حَسَراتٌ حالًا مِن ﴿نَفْسُكَ﴾ كَأنَّ كُلَّها صارَتْ حَسَراتٍ لِفَرْطِ التَّحَسُّرِ كَما قالَ جَرِيرٌ:
مَشَقَ الهَواجِرُ لَحْمَهُنَّ مَعَ السُّرى ∗∗∗ حَتّى ذَهَبْنَ كَلاكِلًا وصُدُورا
يُرِيدُ رَجَعْنَ كَلاكِلًا وصُدُورًا، أيْ لَمْ يَبْقَ إلّا كَلاكِلُها وصُدُورُها، وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ في البَيْتِ، وقالَ المُبَرِّدُ: كَلاكِلًا وصُدُورًا تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ، أيْ حَتّى ذَهَبَ كَلاكِلُها وصُدُورُها، ومِن هَذا قَوْلُهُ:
فَعَلى إثْرِهِمْ تَساقَطُ نَفْسِي ∗∗∗ حَسَراتٍ وذِكْرُهم لِي سَقامُ
صفحة 171
وفِيهِ مُبالَغاتٌ ثَلاثٌ، وقَرَأ عَبِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ «زَيَّنَ» مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، ونَصَبَ «سُوأ» وعَنْهُ أيْضًا «أسْوَأ» عَلى وزْنِ أفْعَلَ وأُرِيدَ بِأسْوَأ عَمَلُهُ الشِّرْكَ، وقَرَأ طَلْحَةُ «أمَن» بِغَيْرِ فاءٍ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: فالهَمْزَةُ لِلِاسْتِخْبارِ والتَّقْرِيرِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلنِّداءِ وحُذِفَ ما نُودِيَ لِأجْلِهِ، أيْ تَفَكَّرْ وارْجِعْ إلى اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ الخ، والظّاهِرُ أنَّها لِلْإنْكارِ كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وقَتادَةُ وعِيسى والأشْهَبُ وشَيْبَةُ وأبُو حَيْوَةَ وحُمَيْدٌ والأعْمَشُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ «تُذْهِبُ» مِن أذْهَبُ مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ «نَفْسَكَ» بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ ورُوِيَتْ عَنْ نافِعٍ.
﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ وفِيهِ وعِيدٌ لِلْكَفَرَةِ أيْ إنَّهُ تَعالى عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَهُ مِنَ القَبائِحِ فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ، والآياتُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ إلى هُنا نَزَلَتْ عَلى ما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في أبِي جَهْلٍ ومُشْرِكِي مَكَّةَ، وأخْرَجَ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّها نَزَلَتْ في عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأبِي جَهْلٍ حَيْثُ هَدى اللَّهُ تَعالى عُمَرَ وأضَلَّ أبا جَهْلٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences