Al-AlusiYa-Sin · 36:20–27

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Ya-Sin 36:20–27

36:20Page 441

وَجَآءَ مِنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ رَجُلٞ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢٠

And there came from the farthest end of the city a man, running. He said, "O my people, follow the messengers.

﴿وجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ﴾ أيْ: مِن أبْعَدِ مَواضِعِها رَجُلٌ؛ أيْ رَجُلٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى؛ فَتَنْوِينُهُ لِلتَّعْظِيمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّنْكِيرُ لِإفادَةِ أنَّ المُرْسَلِينَ لا يَعْرِفُونَهُ لِيَتَواطَؤُوا مَعَهُ واسْمُهُ - عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي مِجْلَزٍ وكَعْبِ الأحْبارِ ومُجاهِدٍ ومُقاتِلٍ - حَبِيبٌ وهو ابْنُ إسْرائِيلَ عَلى ما قِيلَ، وقِيلَ: ابْنُ مِرِّي، وكانَ عَلى المَشْهُورِ نَجّارًا، وقِيلَ: كانَ حَرّاثًا، وقِيلَ: قَصّارًا، وقِيلَ: إسْكافًا، وقِيلَ: نَحّاتًا لِلْأصْنامِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جامِعًا لِهَذِهِ الصِّفاتِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ كانَ في غارٍ مُؤْمِنًا يَعْبُدُ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ فَلَمّا سَمِعَ أنَّ قَوْمَهُ كَذَّبُوا الرُّسُلَ جاءَ يَسْعى؛ أيْ: يَعْدُو ويُسْرِعُ في مَشْيِهِ حِرْصًا عَلى نُصْحِ قَوْمِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ يَسْمَعُ أنَّ قَوْمَهُ عَزَمُوا عَلى قَتْلِ الرُّسُلِ فَقَصْدِي وجْهُ اللَّهِ تَعالى بِالذَّبِّ عَنْهُمْ، فَ: ”سَعى“ هُنا مِثْلَها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَعى لَها سَعْيَها﴾ [الإسْراءِ: 19] وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ وكَوْنُهُ في غارٍ لا يُنافِي مَجِيئَهُ مِن أقْصى المَدِينَةِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ في أقْصاها غارٌ، نَعَمْ؛ هَذا القَوْلُ ظاهِرٌ في أنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا وهو يُنافِي أنَّهُ كانَ نَحّاتًا لِلْأصْنامِ.

وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ يَنْحِتُ التَّماثِيلَ لا لِلْعِبادَةِ وكانَ في تِلْكَ الشَّرِيعَةِ مُباحًا، وحُكِيَ القَوْلُ بِإيمانِهِ عَنِ ابْنِ أبِي لَيْلى ونَقَلَ في البَحْرِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: سُبّاقُ الأُمَمِ ثَلاثَةٌ لَمْ يَكْفُرُوا قَطُّ طَرْفَةَ عَيْنٍ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وصاحِبُ يس، ومُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ.

وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ وجَماعَةٌ هَذا حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكَذا ذَكَرُوا أنَّهُ مِمَّنْ آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَما آمَنَ بِهِ تُبَّعٌ الأكْبَرُ ووَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ وغَيْرُهُما، ولَمْ يُؤْمِن أحَدٌ بِنَبِيٍّ غَيْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلَ ظُهُورِهِ.وقِيلَ: كانَ مَجْذُومًا، وكانَ مَنزِلُهُ أقْصى بابٍ مِن أبْوابِ المَدِينَةِ، عَبَدَ الأصْنامَ سَبْعِينَ سَنَةً يَدْعُوهم لِكَشْفِ ضُرِّهِ فَلَمْ يُكْشَفْ، فَلَمّا دَعاهُ الرُّسُلُ إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى قالَ: هَلْ مِن آيَةٍ؟ قالُوا: نَعَمْ. نَدْعُو رَبَّنا القادِرَ يُفَرِّجُ عَنْكَ ما بِكَ. فَقالَ: إنَّ هَذا لَعَجَبٌ؛ لِي سَبْعُونَ سَنَةً أدْعُو هَذِهِ الآلِهَةَ فَلَمْ تَسْتَطِعْ تَفْرِيجَهُ فَكَيْفَ يُفَرِّجُهُ رَبُّكم في غَداةٍ واحِدَةٍ؟ قالُوا: رَبُّنا عَلى ما يَشاءُ قَدِيرٌ، وهَذِهِ لا تَنْفَعُ شَيْئًا ولا تَضُرُّ. فَآمَنَ ودَعَوْا رَبَّهم سُبْحانَهُ فَكَشَفَ عَزَّ وجَلَّ ما بِهِ كَأنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ، فَأقْبَلَ عَلى التَّكَسُّبِ، فَإذا أمْسى تَصَدَّقَ بِنِصْفِ كَسْبِهِ، وأنْفَقَ النِّصْفَ الآخَرَ عَلى نَفْسِهِ وعِيالِهِ، فَلَمّا هَمَّ قَوْمُهُ بِقَتْلِ الرُّسُلِ جاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى، وعَلى هَذا نَحْتُهُ لِلْأصْنامِ غَيْرُ مُشْكِلٍ ولا يَحْتاجُ إلى ذَلِكَ الجَوابِ البَعِيدِ، نَعَمْ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ خَبَرِ: ”سُبّاقُ الأُمَمِ ثَلاثَةٌ“ وأنَّهُ مِمَّنْ آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَما آمَنَ تُبَّعٌ مُنافاةٌ، وكَوْنُ إيمانِهِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما كانَ عَلى يَدِ الرُّسُلِ وإنْ كانَ خِلافَ الظّاهِرِ دافِعٌ لِلْمُنافاةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأخِيرِ فَتَبْقى المُنافاةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الخَبَرِ الأوَّلِ إلّا أنْ يُقالَ: المُرادُ سُبّاقُ الأُمَمِ إلى الإيمانِ بَعْدَ الدَّعْوَةِ ثَلاثَةٌ لَمْ يَكْفُرُوا بَعْدَها قَطُّ طَرْفَةَ عَيْنٍ، ومِمّا يَدُلُّ بِظاهِرِهِ أنَّ الرَّجُلَ لَمْ يَكُنْ قَبْلُ مُؤْمِنًا ما حُكِيَ أنَّ المُرْسَلَيْنِ اللَّذَيْنِ أُرْسِلا

صفحة 226

أوَّلًا لَمّا قَرُبا إلى المَدِينَةِ رَأياهُ يَرْعى غَنَمًا فَسَألَهُما فَأخْبَراهُ فَقالَ: أمَعَكُما آيَةٌ؟ فَقالا: نَشْفِي المَرِيضَ، ونُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، وكانَ لَهُ ولَدٌ مَرِيضٌ فَمَسَحاهُ فَبَرِئَ فَآمَنَ، وحَمْلُ: ”آمَنَ“ عَلى أظْهَرِ الإيمانِ خِلافُ الظّاهِرِ، والَّذِي يَتَرَجَّحُ في نَظَرِي أنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا بِالمُرْسَلِينَ قَبْلَ مَجِيئِهِ ونُصْحِهِ لِقَوْمِهِ ولا جَزْمَ لِي بِإيمانِهِ ولا عَدَمِهِ قَبْلَ إرْسالِ الرُّسُلِ، وظَواهِرُ الأخْبارِ في ذَلِكَ مُتَعارِضَةٌ، ومَعَ هَذا لَمْ يَتَحَقَّقْ عِنْدِي صِحَّةُ شَيْءٍ مِنها. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.

﴿وجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ﴾ هُنا مُقَدَّمًا عَلى ”رَجُلٌ“ عَكْسَ ما جاءَ في القَصَصِ، وجَعَلَهُ أبُو حَيّانَ مِنَ التَّفَنُّنِ في البَلاغَةِ.

وقالَ الخَفاجِيُّ: قَدَّمَ الجارَّ والمَجْرُورَ عَلى الفاعِلِ الَّذِي حَقُّهُ التَّقْدِيمُ بَيانًا لِفَضْلِهِ؛ إذْ هَداهُ اللَّهُ تَعالى مَعَ بُعْدِهِ عَنْهم وإنَّ بُعْدَهُ لَمْ يَمْنَعْهُ عَنْ ذَلِكَ؛ ولِذا عَبَّرَ بِالمَدِينَةِ هُنا بَعْدَ التَّعْبِيرِ بِالقَرْيَةِ إشارَةً إلى السِّعَةِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى يَهْدِي مَن يَشاءُ سَواءٌ قَرُبَ أوْ بَعُدَ، وقِيلَ: قُدِّمَ لِلِاهْتِمامِ حَيْثُ تَضَمَّنَ الإشارَةَ إلى أنَّ إنْذارَهم قَدْ بَلَغَ أقْصى المَدِينَةِ؛ فَيُشْعِرُ بِأنَّهم أتَوْا بِالبَلاغِ المُبِينِ، وقِيلَ: إنَّهُ لَوْ أُخِّرَ تُوُهِّمَ تَعَلُّقُهُ بِ: ”يَسْعى“ فَلَمْ يُفِدْ أنَّهُ مِن أهْلِ المَدِينَةِ مَسْكَنُهُ في طَرَفِها؛ وهو المَقْصُودُ، وجُمْلَةُ: ”يَسْعى“ صِفَةُ ”رَجُلٌ“ وجَوَّزَ كَوْنَها حالًا مِنهُ مَن جَوَّزَ مَجِيءَ الحالِ مِنَ النَّكِرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ”قالَ“ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ عِنْدَ مَجِيئِهِ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ وجُوِّزَ كَوْنُهُ بَيانًا لِلسَّعْيِ؛ بِمَعْنى قَصَدَ وجْهَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. ولا يَخْفى ما فِيهِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ رِسالَتِهِمْ لِحَثِّهِمْ عَلى اتِّباعِهِمْ كَما أنَّ خِطابَهم بِ: ”يا قَوْمِ“ لِتَأْلِيفِ قُلُوبِهِمْ واسْتِمالَتِها نَحْوَ قَبُولِ نَصِيحَتِهِ.

36:21Page 441

ٱتَّبِعُواْ مَن لَّا يَسۡـَٔلُكُمۡ أَجۡرٗا وَهُم مُّهۡتَدُونَ ٢١

Follow those who do not ask of you [any] payment, and they are [rightly] guided.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكم أجْرًا﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ ولِلتَّوَسُّلِ بِهِ إلى وصْفِهِمْ بِما يَتَضَمَّنُ نَفْيَ المانِعِ عَنِ اتِّباعِهِمْ بَعْدَ الإشارَةِ إلى تَحَقُّقِ المُقْتَضى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾ أيْ: ثابِتُونَ عَلى الِاهْتِداءِ بِما هم عَلَيْهِ إلى خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ فِيها ما يُؤَكِّدُ كَوْنَهم لا يَسْألُونَ الأجْرَ ولا ما يَتْبَعُهُ مِن طَلَبِ جاهٍ وعُلُوٍّ؛ ولِذا جُعِلَتْ إيغالًا حَسَنًا نَحْوَ قَوْلِ: الخَنْساءِ:

وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارٌ

والظّاهِرُ أنَّ الرَّجُلَ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إلّا بَعْدَ سَبْقِ إيمانِهِ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ جاءَ يَسْعى فَسَمِعَ كَلامَهم وفَهِمَهُ ثُمَّ قالَ لَهُمْ: أتَطْلِبُونَ أجْرًا عَلى دَعْوَتِكم هَذِهِ؟ قالُوا: لا. فَدَعا عِنْدَ ذَلِكَ قَوْمَهُ إلى اتِّباعِهِمْ والإيمانِ بِهِمْ قائِلًا: ”يا قَوْمِ“ إلَخْ، ولِلنَّحْوِيِّينَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ وجْهانِ، أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ ”مِن“ بَدَلًا مِنَ ”المُرْسَلِينَ“ بِإعادَةِ العامِلِ كَما أُعِيدَ إذا كانَ حَرْفَ جَرٍّ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ﴾ وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُهم. وثانِيهِما -وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُمْهُورُ- أنَّهُ لَيْسَ بِبَدَلٍ؛ فَإنَّهُ مَخْصُوصٌ بِما إذا كانَ العامِلُ المُعادُ حَرْفَ جَرٍّ، أمّا إذا كانَ رافِعًا أوْ ناصِبًا فَيُسَمُّونَ ذَلِكَ بِالتَّتْبِيعِ لا بِالبَدَلِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى نَقْصِ مَن يَأْخُذُ أُجْرَةً عَلى شَيْءٍ مِن أفْعالِ الشَّرْعِ. والبَحْثُ مُسْتَوْفًى في الفُرُوعِ.

36:22Page 441

وَمَالِيَ لَآ أَعۡبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢٢

And why should I not worship He who created me and to whom you will be returned?

﴿وما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ تَلَطُّفٌ في إرْشادِ قَوْمِهِ بِإيرادِهِ في مَعْرِضِ المُناصَحَةِ لِنَفْسِهِ وإمْحاضِ النُّصْحِ حَيْثُ أراهم أنَّهُ اخْتارَ لَهم ما يَخْتارُ لِنَفْسِهِ، والمُرادُ تَقْرِيعُهم عَلى تَرْكِ عِبادَةِ خالِقِهِمْ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ مُبالَغَةً في تَهْدِيدِهِمْ بِتَخْوِيفِهِمْ بِالرُّجُوعِ إلى شَدِيدِ العِقابِ مُواجِهَةً وصَرِيحًا. ولَوْ قالَ: ”وإلَيْهِ أُرْجَعُ“ كانَ فِيهِ تَهْدِيدٌ بِطْرِيقِ التَّعْرِيضِ، وعَدَ التَّعْبِيرُ بِ: ”إلَيْهِ تُرْجَعُونَ“ بَعْدَ التَّعْبِيرِ بِ: ”ما لِيَ لا أعْبُدُ“ مِن بابِ الِالتِفاتِ لِمَكانِ التَّعْرِيضِ بِالمُخاطَبِينَ فِي: ”ما لِيَ لا أعْبُدُ“ إلَخْ. فَيَكُونُ المُعَبَّرُ عَنْهُ في الأُسْلُوبَيْنِ واحِدًا بِناءً عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الخَطِيبُ والسَّعْدُ التَّفْتازانِيُّ مِن أنَّ التَّعْرِيضَ إمّا مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ؛ وهو هاهُنا مَجازٌ لِامْتِناعِ

صفحة 227

إرادَةِ المَوْضُوعِ لَهُ فَيَكُونُ اللَّفْظُ مُسْتَعْمَلًا في غَيْرِ ما وُضِعَ لَهُ فَيَتَّحِدُ المُعَبَّرُ عَنْهُ، وحَقَّقَ السَّيِّدُ السَّنَدُ أنَّ المَعْنى التَّعْرِيضِيَّ مِن مُسْتَتْبَعاتِ التَّرْتِيبِ، واللَّفْظُ لَيْسَ بِمُسْتَعْمَلٍ فِيهِ بَلْ هو بِالنِّسْبَةِ إلى المُسْتَعْمَلِ فِيهِ إمّا حَقِيقَةٌ أوْ مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ؛ وعَلَيْهِ فَضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ فِي: ”ما لِيَ“ إلَخْ. لَيْسَ مُسْتَعْمَلًا في المُخاطَبِينَ فَلا يَكُونُ المُعَبَّرُ عَنْهُ في الأُسْلُوبَيْنِ واحِدًا فَلا التِفاتَ، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ الآيَةِ مِنَ الِاحْتِباكِ. والأصْلُ: ﴿وما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ وإلَيْهِ أُرْجَعُ، وما لَكم لا تَعْبُدُونَ الَّذِي فَطَرَكم وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ. فَحُذِفَ مِنَ الأوَّلِ نَظِيرَ ما ذُكِرَ في الثّانِي وبِالعَكْسِ وهو مُفَوِّتٌ لِما سَمِعْتَ، وظاهِرُ كَلامِ الواحِدِيِّ أنَّهُ لا تَعْرِيضَ في الآيَةِ؛ حَيْثُ قالَ: لَمّا قالَ الرَّجُلُ: ﴿يا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ إلَخْ. رَفَعُوهُ إلى المَلِكِ فَقالَ لَهُ المَلِكُ: أفَأنْتَ تَتْبَعُهُمْ؟ فَقالَ: ما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي. أيْ: أيُّ شَيْءٍ لِي إذا لَمْ أعْبُدْ خالِقِي ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ تُرَدُّونَ عِنْدَ البَعْثِ فَيَجْزِيكم بِكُفْرِكُمْ، ورُدَّ عَلَيْهِ بِأنَّهُ إذا رَجَعَ الإنْكارُ إلَيْهِ دُونَ القَوْمِ لَمْ يَكُنْ لِخِطابِهِمْ بِ: ”تُرْجَعُونَ“ مَعْنًى. وكانَ الظّاهِرُ ”أُرْجَعُ“.

وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الرَّجُلَ كانَ في غَيْظٍ شَدِيدٍ مِن تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ وتَوَعُّدِهِمْ إيّاهم فانْتَهَزَ الفُرْصَةَ لِلِانْتِقامِ، فَلَمّا تَمَكَّنَ مِن تَهْدِيدِهِمْ أوْقَعَ قَوْلَهُ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ في البَيْنِ؛ أيْ: ما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي مَنَّ عَلَيَّ بِنِعْمَةِ الإيجادِ ونِعْمَةِ الِانْتِقامِ مِنكم والتَّشَفِّي مِن غَيْظِكُمْ؛ إذْ تُرْجَعُونَ إلَيْهِ فَيَجْزِيكم بِكُفْرِكم وتَكْذِيبِكُمُ الرُّسُلَ وعِنادِكُمْ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ النَّظْمَ الجَلِيلَ لا يُساعِدُ عَلى هَذا، وهو ظاهِرٌ فِيما تَقَدَّمَ.

36:23–25Page 441

ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةً إِن يُرِدۡنِ ٱلرَّحۡمَٰنُ بِضُرّٖ لَّا تُغۡنِ عَنِّي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا يُنقِذُونِ ٢٣

Should I take other than Him [false] deities [while], if the Most Merciful intends for me some adversity, their intercession will not avail me at all, nor can they save me?

إِنِّيٓ إِذٗا لَّفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٢٤

Indeed, I would then be in manifest error.

إِنِّيٓ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمۡ فَٱسۡمَعُونِ ٢٥

Indeed, I have believed in your Lord, so listen to me."

وقَدْ عادَ إلى المَساقِ الأوَّلِ مِنَ التَّلَطُّفِ بِالإرْشادِ فَقالَ: ﴿أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ إنْكارٌ ونَفْيٌ لِاتِّخاذِ جِنْسِ الآلِهَةِ عَلى الإطْلاقِ وفِيهِ مِن تَحْمِيقِ مَن يَعْبُدُ الأصْنامَ ما فِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهم شَيْئًا﴾ اسْتِئْنافٌ سِيقَ لِتَعْلِيلِ النَّفْيِ المَذْكُورِ، وجَعْلُهُ صِفَةً لِ: ”آلِهَةً“ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ رُبَّما يُوهِمُ أنَّ هُناكَ آلِهَةً لَيْسَتْ كَذَلِكَ، ومَعْنى: ”لا تُغْنِي...“ إلَخْ: لا تَنْفَعُنِي شَيْئًا مِنَ النَّفْعِ، وهو إمّا عَلى حَدِّ: لا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ. أيْ لا شَفاعَةَ لَهم حَتّى تَنْفَعَنِي، وإمّا عَلى فَرْضِ وُقُوعِ الشَّفاعَةِ؛ أيْ: لا تُغْنِي عَنِّي شَفاعَتُهم لَوْ وقَعَتْ شَيْئًا. ”ولا يُنْقِذُونِ“ يُخَلَّصُونَ مِن ذَلِكَ الضُّرِّ بِالنَّصْرِ والمُظاهَرَةِ، وهو تَرَقٍّ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى؛ بَدَأ أوَّلًا بِنَفْيِ الجاهِ وذَكَرَ ثانِيًا انْتِفاءَ القُدْرَةِ وعَبَّرَ عَنْهُ بِانْتِفاءِ الإنْقاذِ؛ لِأنَّهُ نَتِيجَتُهُ، وفَتَحَ ياءَ المُتَكَلِّمِ في ”يُرِدْنِي“ طَلْحَةُ السَّمّانُ عَلى ما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وعِيسى الهَمَذانِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ، ورُوِيَتْ عَنْ نافِعٍ وعاصِمٍ وأبِي عَمْرٍو، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ: ”إنْ يَرِدْنِي الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ“ بِمَعْنى: إنْ يُورِدْنِي ضُرًّا؛ أيْ: يَجْعَلُنِي مَوْرِدًا لِلضُّرِّ اه.

قالَ أبُو حَيّانَ: كَأنَّهُ -واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ- رَأى في كُتُبِ القِراءاتِ: «يَرِدْنِي» بِفَتْحِ الياءِ فَتُوُهِّمَ أنَّها ياءُ المُضارَعَةِ؛ فَجَعَلَ الفِعْلَ مُتَعَدِّيًا بِالياءِ المُعَدِّيَةِ كالهَمْزَةِ فَلِذَلِكَ أدْخَلَ عَلَيْهِ هَمْزَةَ التَّعْدِيَةِ ونَصَبَ بِهِ اثْنَيْنِ، والَّذِي في كُتُبِ الشَّواذِّ أنَّها ياءُ الإضافَةِ المَحْذُوفَةُ خَطًّا ونُطْقًا لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، قالَ في كِتابِ ابْنِ خالَوَيْهِ: بِفَتْحِ الياءِ ياءِ الإضافَةِ، وقالَ في اللَّوامِحِ: «أنْ يَرِدْنِي الرَّحْمَنُ» بِالفَتْحِ وهو أصْلُ الياءِ البَصَرِيَّةِ؛ أيْ المُثْبَتَةِ بِالخَطِّ الَّذِي يُرى بِالبَصَرِ لَكِنَّ هَذِهِ مَحْذُوفَةٌ اه كَلامُهُ، وحُسْنُ الظَّنِّ بِالزَّمَخْشَرِيَ يَقْتَضِي خِلافَ ما ذَكَرَهُ: ”إنِّي إذًا“ أيْ: إذا اتَّخَذْتُ مِن دُونِهِ آلِهَةً لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ؛ فَإنَّ إشْراكَ ما يَصْنَعُ ولَيْسَ مِن شَأْنِهِ النَّفْعُ ولا دَفْعُ الضُّرِّ بِالخالِقِ المُقْتَدِرِ الَّذِي لا قادِرَ غَيْرُهُ ولا خَيْرَ إلّا خَيْرُهُ، ضَلالٌ وخَطَأٌ بَيِّنٌ لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى تَمْيِيزٍ ﴿إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ﴾ الظّاهِرُ أنَّ

صفحة 228

الخِطابَ لِقَوْمِهِ شافَهَهم بِذَلِكَ وصَدَعَ بِالحَقِّ إظْهارًا لِلتَّصَلُّبِ في الدِّينِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِما يَصْدُرُ مِنهُمْ، والجُمْلَةُ خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا ومَعْنًى، والتَّأْكِيدُ قِيلَ: إنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا مِن كَلامِهِ أنَّهُ آمَنَ بَلْ تَرَدَّدُوا في ذَلِكَ لَمّا سَمِعُوا مِنهُ ما سَمِعُوا.

وإضافَةُ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِهِمْ لِتَحْقِيقِ الحَقِّ والتَّنْبِيهِ عَلى بُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ اتِّخاذِ الأصْنامِ أرْبابًا؛ أيْ: إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم فاسْمَعُونِ؛ أيْ: فاسْمَعُوا قَوْلِي فَإنِّي لا أُبالِي بِما يَكُونُ مِنكم عَلى ذَلِكَ، وقِيلَ: مُرادُهُ دَعَوْتُهم إلى الخَيْرِ الَّذِي اخْتارَهُ لِنَفْسِهِ، وقِيلَ: لَمْ يُرِدْ بِهَذا الكَلامِ إلّا أنْ يُغْضِبَهم ويَشْغَلَهم عَنِ الرُّسُلِ بِنَفْسِهِ لَمّا رَآهم لا يَنْجَعُ فِيهِمُ الوَعْظُ وقَدْ عَزَمُوا عَلى الإيقاعِ بِهِمْ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ المُضافَ المَحْذُوفَ عامًّا، وفَسَّرَ السَّماعَ بِالقَبُولِ كَما فِي: سَمِعَ اللَّهُ تَعالى لِمَن حَمِدَهُ. أيْ: فاسْمَعُوا جَمِيعَ ما قُلْتُهُ واقْبَلُوهُ وهو مِمّا يُسْمَعُ.

وجَعْلُ الخِطابِ لِلْقَوْمِ في الجُمْلَتَيْنِ هو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وكَعْبٍ ووَهْبٍ وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: لَمّا قالَ صاحِبُ يس: ﴿يا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ خَنَقُوهُ لِيَمُوتَ فالتَفَتَ إلى الأنْبِياءِ فَقالَ: ﴿إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكم فاسْمَعُونِ﴾ أيْ: فاشْهَدُوا فالخِطابُ فِيهِما لِلرُّسُلِ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ، وأكَّدَ الخَبَرَ إظْهارًا لِصُدُورِهِ عَنْهُ بِكَمالِ الرَّغْبَةِ والنَّشاطِ، وأضافَ الرَّبَّ إلى ضَمِيرِهِمْ رَوْمًا لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ وإظْهارًا لِلِاخْتِصاصِ والِاقْتِداءِ بِهِمْ كَأنَّهُ قالَ: بِرَبِّكُمُ الَّذِي أرْسَلَكم أوِ الَّذِي تَدْعُونَنا إلى الإيمانِ بِهِ، وطَلَبَ السَّماعَ مِنهم لِيَشْهَدُوا لَهُ بِالإيمانِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقِيلَ: الخِطابُ الأوَّلُ لِقَوْمِهِ، والثّانِي لِلرُّسُلِ خاطَبَهم عَلى جِهَةِ الِاسْتِشْهادِ بِهِمْ والِاسْتِحْفاظِ لِلْأمْرِ عِنْدَهُمْ، وقِيلَ: الخِطابانِ لِلنّاسِ جَمِيعًا، ورُوِيَ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: «فاسْمَعُونَ» بِفَتْحِ النُّونِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: هَذا خَطَأٌ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ؛ فَإمّا أنْ تُحْذَفَ كَما حُذِفَتْ نُونُ الإعْرابِ ويُقالُ: فاسْمَعُوا، وإمّا أنْ تَبْقى وتُكْسَرَ، ومِنَ النّاسِ مَن وجَّهَهُ بِأنَّ الأصْلَ ”فاسْمَعُونا“ أيْ: فاسْمَعُوا كَلامَنا؛ أيْ: كَلامِي وكَلامَهم لِتَشْهَدُوا بِما كانَ مِنِّي ومِنهم.

36:26–27Page 441

قِيلَ ٱدۡخُلِ ٱلۡجَنَّةَۖ قَالَ يَٰلَيۡتَ قَوۡمِي يَعۡلَمُونَ ٢٦

It was said, "Enter Paradise."1 He said, "I wish my people could know

بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلۡمُكۡرَمِينَ ٢٧

Of how my Lord has forgiven me and placed me among the honored."

﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما وقَعَ لَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ إذْنٌ لَهُ بِدُخُولِ الجَنَّةِ حَقِيقَةً، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ الرَّجُلَ قَدْ فارَقَ الدُّنْيا فَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ بَعْدَ أنْ قالَ ما قالَ قَتَلُوهُ بِوَطْءِ الأرْجُلِ حَتّى خَرَجَ قَصَبُهُ مِن دُبُرِهِ وأُلْقِيَ في بِئْرٍ؛ وهي الرَّسُّ، وقالَ السُّدِّيُّ: رَمَوْهُ بِالحِجارَةِ وهو يَقُولُ: اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي حَتّى ماتَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: رَمَوْهُ في حُفْرَةٍ ورَدُّوا التُّرابَ عَلَيْهِ فَماتَ، وعَنِ الحَسَنِ حَرَّقُوهُ حَتّى ماتَ وعَلَّقُوهُ في بَرِّ المَدِينَةِ وقَبْرُهُ في سُورِ أنْطاكِيَةَ، وقِيلَ: نَشَرُوهُ بِالمِنشارِ حَتّى خَرَجَ مِن بَيْنِ رِجْلَيْهِ.

ودُخُولُهُ الجَنَّةَ بَعْدَ المَوْتِ دُخُولُ رُوحِهِ وطَوافُها فِيها كَدُخُولِ سائِرِ الشُّهَداءِ، وقِيلَ: الأمْرُ لِلتَّبْشِيرِ لا لِلْإذْنِ بِالدُّخُولِ حَقِيقَةً. قالَتْ لَهُ مَلائِكَةُ المَوْتِ ذَلِكَ بِشارَةً لَهُ بِأنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ يَدْخُلُها إذا دَخَلَها المُؤْمِنُونَ بَعْدَ البَعْثِ، وحُكِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ.

أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ﴾ وجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وجاءَ في رِوايَةٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: لَمّا أرادَ قَوْمُهُ قَتْلَهُ رَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى إلى السَّماءِ حَيًّا كَما رُفِعَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى السَّماءِ فَهو في الجَنَّةِ لا يَمُوتُ إلّا بِفَناءِ السَّماءِ وهَلاكِ الجَنَّةِ، فَإذا أعادَ اللَّهُ تَعالى الجَنَّةَ أُعِيدَ لَهُ دُخُولُها؛ فالأمْرُ كَما في الأوَّلِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ قُتِلَ، وادَّعى ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّهُ تَواتَرَ الأخْبارُ والرِّواياتُ بِذَلِكَ، وقَوْلُ قَتادَةَ أدْخَلَهُ اللَّهُ تَعالى الجَنَّةَ وهو فِيها حَيُّ يُرْزَقُ لَيْسَ نَصًّا في نَفْيِ القَتْلِ. وفي البَحْرِ أنَّهُ أرادَ

صفحة 229

بِقَوْلِهِ وهو فِيها حَيٌّ يُرْزَقُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: 169] وقالَ بَعْضُهُمْ: الجُمْلَةُ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ما حالُهُ عِنْدَ لِقاءِ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ بَعْدَ ذَلِكَ التَّصَلُّبِ في دِينِهِ. فَقِيلَ: قِيلَ: أدَخَلَ الجَنَّةَ، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ، ولَعَلَّ الأوْلى ما أشَرْنا إلَيْهِ أوَّلًا، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: قِيلَ لَهُ لِأنَّ الغَرَضَ المُهِمَّ بَيانُ المَقُولِ لا القائِلِ والمَقُولِ لَهُ.

* * *

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ أيْضًا كَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ أنْ أخْبَرَ عَنْهُ بِما أخْبَرَ: فَماذا قالَ عِنْدَ نَيْلِهِ تِلْكَ الكَرامَةَ السَّنِيَّةَ؟ قالَ إلَخْ، وإنَّما تَمَنّى عِلْمَ قَوْمِهِ بِحالِهِ لِيَحْمِلَهم ذَلِكَ عَلى اكْتِسابِ مِثْلِهِ بِالتَّوْبَةِ عَنِ الكُفْرِ والدُّخُولِ في الإيمانِ والطّاعَةِ جَرْيًا عَلى سُنَنِ الأوْلِياءِ في كَظْمِ الغَيْظِ والتَّرَحُّمِ عَلى الأعْداءِ، وفي الحَدِيثِ نُصْحُ قَوْمِهِ حَيًّا ومَيِّتًا.

وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمَنِّيهِ ذَلِكَ لِيَعْلَمُوا أنَّهم كانُوا عَلى خَطَأٍ عَظِيمٍ في أمْرِهِ، وأنَّهُ كانَ عَلى صَوابٍ ونَصِيحَةٍ وشَفَقَةٍ، وأنَّ عَداوَتَهم لَمْ تُكْسِبْهُ إلّا فَوْزًا ولَمْ تُعْقِبْهُ إلّا سَعادَةً؛ لِأنَّ في ذَلِكَ زِيادَةَ غِبْطَةٍ لَهُ وتَضاعُفَ لَذَّةٍ وسُرُورٍ، والوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى، والظّاهِرُ أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، والعائِدُ مُقَدَّرٌ؛ أيْ: يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِالَّذِي غَفَرَ لِي بِهِ أيْ بِسَبَبِهِ رَبِّي أوْ بِالَّذِي غَفَرَهُ؛ أيْ: بِالغُفْرانِ الَّذِي غَفَرَهُ لِي رَبِّي، والمُرادُ تَعْظِيمُ مَغْفِرَتِهِ تَعالى لَهُ فَتَؤُولُ إلى المَصْدَرِيَّةِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ بِالَّذِي غَفَرَهُ لِي رَبِّي مِنَ الذُّنُوبِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ إذْ يَؤُولُ إلى تَمَنِّي عِلْمِهِمْ بِذُنُوبِهِ المَغْفُورَةِ ولا يَحْسُنُ ذَلِكَ، وكَذا عَطْفُ: ”وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ“ عَلَيْهِ لا يَنْتَظِمُ، وما قِيلَ مِن أنَّ الغَرَضَ مِنهُ الأعْلامُ بِعِظَمِ مَغْفِرَةِ اللَّهِ تَعالى ووُفُورِ كَرَمِهِ وسِعَةِ رَحْمَتِهِ فَلا يَبْعُدُ حِينَئِذٍ إرادَةُ مَعْنى الِاطِّلاعِ عَلَيْها لِذَلِكَ، بَلْ هو أوْقَعُ في النَّفْسِ مِن ذِكْرِ المَغْفِرَةِ مُجَرَّدَةً عَنْ ذِكْرِ المَغْفُورِ لِاحْتِمالِ حَقارَتِهِ تَكَلُّفٌ. وأجازَ الفَرّاءُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً والجارُّ صِلَةُ ”غَفَرَ“ أيْ: بِأيِّ شَيْءٍ غَفَرَ لِي رَبِّي. يُرِيدُ بِهِ المُهاجَرَةَ عَنْ دِينِهِمْ والمُصابَرَةَ عَلى أذِيَّتِهِمْ حَتّى قُتِلَ. وتَعَقَّبَهُ الكِسائِيُّ بِأنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَقِيلَ: ”بِمَ“ بِغَيْرِ ألِفٍ؛ فَإنَّ اللُّغَةَ الفَصِيحَةَ حَذْفُها إذا جُرَّتْ ما الِاسْتِفْهامِيَّةُ بِحَرْفِ جَرٍّ نَحْوَ: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ وقَوْلُهُ:

عَلامَ أقُولُ الرُّمْحُ أثْقَلَ عاتِقِي إذا أنا لَمْ أطْعُنْ إذا الخَيْلُ كَرَّتِ

فَرْقًا بَيْنَها وبَيْنَ المَوْصُولَةِ، وإثْباتُها نادِرٌ، وقِيلَ: مُخْتَصٌّ بِالضَّرُورَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ:

عَلى ما قامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمٌ ∗∗∗ كَخِنْزِيرٍ تَمَرَّغَ في رَمادِ

وقَوْلُهُ:

إنّا قَتَلْنا بِقَتْلانا سَراتَكُمُ ∗∗∗ أهْلَ اللِّواءِ فَفِيما يَكْثُرُ القَتْلُ

وقِراءَةُ عِكْرِمَةَ وعِيسى: «عَمّا يَتَساءَلُونَ» وقَرَأ: «مَنِ المُكَرَّمِينَ» مُشَدَّدَ الرّاءِ، مَفْتُوحَها، مَفْتُوحَ الكافِ.تَمَّ والحَمْدُ لِلَّهِ الجُزْءُ الثّانِي والعِشْرُونَ ويَلِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الجُزْءُ الثّالِثُ والعِشْرُونَ وأوَّلُهُ: ﴿وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ﴾

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском