Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
يس
Ya-Sin
Ya Sin · Meccan · 83 ayahs
سُورَةُ (يس)
صَحَّ مِن حَدِيثِ الإمامِ أحْمَدَ وأبِي داوُدَ والنَّسائِيِّ وابْنِ ماجَهْ والطَّبَرانِيِّ وغَيْرِهِمْ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «يس قَلْبُ القُرْآنِ،» وعَدَّ ذَلِكَ أحَدَ أسْمائِها، وبَيَّنَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ وجْهَ إطْلاقِ ذَلِكَ عَلَيْها بِأنَّ المَدارَ عَلى الإيمانِ وصِحَّتِهِ بِالِاعْتِرافِ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ وهو مُقَرَّرٌ فِيها عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وأحْسَنِهِ، ولِذا شُبِّهَتْ بِالقَلْبِ الَّذِي بِهِ صِحَّةُ البَدَنِ وقِوامُهُ، واسْتَحْسَنَهُ الإمامُ الرّازِيُّ، وأوْرَدَهُ عَلى ظاهِرِهِ أنَّ كُلَّ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ لا يَصِحُّ الإيمانُ بِدُونِهِ، فَلا وجْهَ لِاخْتِصاصِ الحَشْرِ والنَّشْرِ بِذَلِكَ.
وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِالصِّحَّةِ في كَلامِ الحُجَّةِ ما يُقابِلُ السَّقَمَ والمَرَضَ ولا شَكَّ أنَّ مَن صَحَّ إيمانُهُ بِالحَشْرِ يَخافُ مِنَ النّارِ ويَرْغَبُ في الجَنَّةِ دارِ الأبْرارِ، فَيَرْتَدِعُ عَنِ المَعاصِي الَّتِي هي كَأسْقامِ الإيمانِ إذْ بِها يَخْتَلُّ ويَضْعُفُ ويَشْتَغِلُ بِالطّاعاتِ الَّتِي هي
صفحة 209
كَحِفْظِ الصِّحَّةِ ومَن لَمْ يَقْوَ إيمانُهُ بِهِ كانَ حالُهُ عَلى العَكْسِ فَشابَهَ الِاعْتِرافُ بِهِ بِالقَلْبِ الَّذِي بِصَلاحِهِ يَصْلُحُ البَدَنُ وبِفَسادِهِ يَفْسُدُ.
وجُوِّزَ أنْ يُقالَ وجْهُ الشَّبَهِ بِالقَلْبِ أنَّ بِهِ صَلاحَ البَدَنِ وفَسادُهُ، وهو غَيْرُ مُشاهَدٍ في الحِسِّ، وهو مَحَلٌّ لِانْكِشافِ الحَقائِقِ والأُمُورِ الخَفِيَّةِ، وكَذا الحَشْرُ مِنَ المُغَيَّباتِ، وفِيهِ يَكُونُ اِنْكِشافُ الأُمُورِ والوُقُوفُ عَلى حَقائِقِ المَقْدُورِ، وبِمُلاحَظَتِهِ وإصْلاحِ أسْبابِهِ تَكُونُ السَّعادَةُ الأبَدِيَّةُ، وبِالإعْراضِ عَنْهُ وإفْسادِ أسْبابِهِ يُبْتَلى بِالشَّقاوَةِ السَّرْمَدِيَّةِ.
وفِي الكَشْفِ لَعَلَّ الإشارَةَ النُّبُوَّةُ في تَسْمِيَةِ هَذِهِ السُّورَةِ قَلْبًا، وقَلْبُ كُلِّ شَيْءٍ لُبُّهُ وأصْلُهُ الَّذِي ما سِواهُ إمّا مِن مُقَدِّماتِهِ وإمّا مِن مُتَمِّماتِهِ إلى ما أسْفَلْناهُ في تَسْمِيَةِ الفاتِحَةِ بِأُمِّ القُرْآنِ مِن أنَّ المَقْصُودَ مِن إرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ إرْشادُ العِبادِ إلى غايَتِهِمُ الكَمالِيَّةِ في المَعادِ، وذَلِكَ بِالتَّحَقُّقِ والتَّخَلُّقِ المَذْكُورَيْنِ هُنالِكَ وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِسُلُوكِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، ومَدارُ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ عَلى بَيانِ ذَلِكَ أتَمَّ بَيانٍ اه.
ويُعْلَمُ مِنهُ وجْهُ اِخْتِصاصِ الحَشْرِ بِما ذُكِرَ في كَلامِ الحُجَّةِ فَلا وجْهَ لِقَوْلِ البَعْضِ في الِاعْتِراضِ عَلَيْهِ فَلا وجْهَ الخ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى آخِرَ الكَلامِ في تَفْسِيرِ السُّورَةِ الإشارَةُ إلى ما اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن أُمَّهاتِ عِلْمِ الأُصُولِ والمَسائِلِ المُعْتَبَرَةِ بَيْنَ الفُحُولِ وتَقْرِيرُها إيّاها بِأبْلَغِ وجْهٍ وأتَمِّهِ، ولَعَلَّ هَذا هو السِّرُّ في الأمْرِ الوارِدِ في صَحِيحِ الأخْبارِ بِقِراءَتِها عَلى المَوْتى، أيِ المُحْتَضَرِينَ.
وتُسَمّى أيْضًا العَظِيمَةَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، أخْرَجَ أبُو نَصْرٍ السَّجْزِيُّ في الإبانَةِ وحَسَّنَهُ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ في القُرْآنِ لَسُورَةً تُدْعى العَظِيمَةَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ويُدْعى صاحِبُها الشَّرِيفُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى يُشَفِّعُ صاحِبُها يَوْمَ القِيامَةِ في أكْثَرَ مِن رَبِيعَةَ ومُضَرَ وهي سُورَةُ يس وذَكَرَ أنَّها تُسَمّى أيْضًا المُعِمَّةَ والمُدافِعَةَ القاضِيَةَ»».
أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ حَسّانَ بْنِ عَطِيَّةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««سُورَةُ يس تُدْعى في التَّوْراةِ المُعِمَّةَ تَعُمُّ صاحِبَها بِخَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وتُكابِدُ عَنْهُ بَلْوى الدُّنْيا والآخِرَةِ وتَدْفَعُ عَنْهُ أهاوِيلَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وتُدْعى المُدافِعَةَ القاضِيَةَ تَدْفَعُ عَنْ صاحِبِها كُلَّ سُوءٍ وتَقْضِي لَهُ كُلَّ حاجَةٍ»» الخَبَرَ. وتَعَقَّبَهُ البَيْهَقِيُّ فَقالَ: تَفَرَّدَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ الجَدْعانِيُّ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ دِفاعٍ وهو مُنْكَرٌ.
وهِيَ عَلى ما أخْرَجَ اِبْنُ الضَّرِيسِ والنَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ مَكِّيَّةٌ، واسْتَثْنى مِنها بَعْضُهم قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتى﴾ الآيَةَ، مُدَّعِيًا أنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ «لَمّا أرادَ بَنُو سَلَمَةَ النَّقْلَةَ إلى قُرْبِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ وكانُوا في ناحِيَةِ المَدِينَةِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ آثارَكم تُكْتَبُ» فَلَمْ يَنْتَقِلُوا،» وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما قِيلَ في ذَلِكَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ الآيَةَ، لِأنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ فَتَكُونُ مَدَنِيَّةً، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا صِحَّةَ لَهُ.
وآيُها ثَلاثٌ وثَمانُونَ آيَةً في الكُوفِيِّ واثْنَتانِ وثَمانُونَ في غَيْرِهِ.
وجاءَ مِمّا يَشْهَدُ بِفَضْلِها وعُلُوِّ شَأْنِها عِدَّةُ أخْبارٍ وآثارٍ وقَدْ مَرَّ آنِفًا بَعْضُ ذَلِكَ، وصَحَّ مِن حَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ: «لا يَقْرَؤُوها عَبْدٌ يُرِيدُ اللَّهَ تَعالى والدّارَ الآخِرَةَ إلّا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ».
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ والدّارِمِيُّ مِن حَدِيثِ أنَسٍ: ««مَن قَرَأ يس كَتَبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ بِقِراءَتِها قِراءَةَ القُرْآنِ عَشْرَ مَرّاتٍ»،» ولا يَلْزَمُ مِن هَذا تَفْضِيلُ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ، إذِ المُرادُ بِقِراءَةِ القُرْآنِ قِراءَتُهُ دُونَ يس، وقالَ الخَفاجِيُّ: لا يَلْزَمُ ذَلِكَ إذْ يَكْفِي في صِحَّةِ التَّفْضِيلِ المَذْكُورِ التَّغايُرُ الِاعْتِبارِيُّ فَإنَّ يس مِن حَيْثُ تِلاوَتُها فَرْدَةً غَيْرُ كَوْنِها
صفحة 210
مَقْرُوءَةً في جُمْلَتِهِ، كَما إذا قُلْتَ: الحَسْناءُ في الحُلَّةِ الحَمْراءِ أحْسَنُ مِنها في البَيْضاءِ، وقَدْ يَكُونُ لِلشَّيْءِ مُفْرَدًا ما لَيْسَ لَهُ مَجْمُوعًا مَعَ غَيْرِهِ، كَما يُشاهَدُ في بَعْضِ الأدْوِيَةِ، ورَجا أنْ يَكُونَ أقْرَبَ مِمّا قَدَّمْنا وأنا لا أرْجُو ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ الثَّوابُ المَذْكُورُ مُضاعَفًا، أيْ كُلُّ حَرْفٍ بِعَشَرَةِ حَسَناتٍ ولا بِدَعَ في تَفْضِيلِ العَمَلِ القَلِيلِ عَلى الكَثِيرِ فَلِلَّهِ تَعالى أنْ يَمُنَّ بِما شاءَ عَلى مَن شاءَ، ألا تَرى ما صَحَّ أنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ أقْصَرُ الأُمَمِ أعْمارًا وأكْثَرُها ثَوابًا وأنْكَرُ الخُصُوصِيّاتِ مُكابَرَةً، ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ مَن قالَ:
فَإنْ تَفُقِ الأنامَ وأنْتَ مِنهم فَإنَّ المِسْكَ بَعْضُ دَمِ الغَزالِ
وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ مَن قَرَأها أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ كَمَن قَرَأ القُرْآنَ اِثْنَتَيْنِ وعِشْرِينَ مَرَّةً.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ) عَنْ أبِي قِلابَةَ - وهو مِن كِبارِ التّابِعِينَ- أنَّ مَن قَرَأها فَكَأنَّما قَرَأ القُرْآنَ إحْدى عَشْرَةَ مَرَّةً.
وعَنْ أبِي سَعِيدٍ أنَّهُ قالَ مَن قَرَأ يس مَرَّةً فَكَأنَّما قَرَأ القُرْآنَ مَرَّتَيْنِ.
وحَدِيثُ العَشْرِ مَرْفُوعٌ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ ومَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ وعُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ وأبِي هُرَيْرَةَ وأنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم فَعَلَيْهِ المُعَوَّلُ، ووَجْهُ اِتِّصالِها بِما قَبْلَها عَلى ما قالَهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ في سُورَةِ [فاطِرٍ: 37، 42] قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ﴾ وأُرِيدَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وقَدْ أعْرَضُوا عَنْهُ وكَذَّبُوهُ اِفْتَتَحَ هَذِهِ السُّورَةَ بِالإقْسامِ عَلى صِحَّةِ رِسالَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنَّهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ لِيُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ، وقالَ سُبْحانَهُ في [فاطِرٍ: 13] ﴿وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ﴾ وفي هَذِهِ السُّورَةِ ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾، ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ [يس: 38] إلى غَيْرِ ذَلِكَ ولا يَخْفى أنَّ أمْرَ المُناسَبَةِ يَتِمُّ عَلى تَفْسِيرِ النَّذِيرِ بِغَيْرِهِ ﷺ أيْضًا، فَتَأمَّلْ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿يس﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في ( الم ) ونَحْوِهِ مِنَ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُّورِ إعْرابًا ومَعْنًى عِنْدَ كَثِيرٍ، وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: يس يا إنْسانُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ زِيادَةٌ بِالحَبَشِيَّةِ وفي أُخْرى عَنْهُ أيْضًا في لُغَةِ طَيِّئٍ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنْ صَحَّ هَذا فَوَجْهُهُ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ يا أُنَيْسِينُ فَكَثُرَ النِّداءُ بِهِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ حَتّى اِقْتَصَرُوا عَلى شَطْرِهِ، كَما في القَسَمِ م اللَّهِ في اَيْمُنِ اللَّهِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ المَنقُولَ عَنِ العَرَبِ في تَصْغِيرِ إنْسانٍ أُنَيْسِيانٌ بِياءٍ قَبْلَ الألْفِ وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإنْسانَ مِنَ النِّسْيانِ، وأصْلُهُ أُنْسِيانٌ فَلَمّا صُغِّرَ رَدَّهُ التَّصْغِيرُ إلى أصْلِهِ ولا نَعْلَمُهم قالُوا في تَصْغِيرِهِ أُنَيْسِينٌ، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ بَقِيَّةُ أُنَيْسِينٍ فَلا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا أنْ يُبْنى عَلى الضَّمِّ ولا يَبْقى مَوْقُوفًا لِأنَّهُ مُنادى مُقْبَلٌ عَلَيْهِ، ومَعَ ذَلِكَ لا يَجُوزُ التَّصْغِيرُ في أسْماءِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما لا يَجُوزُ في أسْماءِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وما ذَكَرَهُ في (م) مِن أنَّهُ شَطْرُ اَيْمُنِ قَوْلٌ، ومِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن يَقُولُ (م) حَرْفُ قَسَمٍ ولَيْسَ شَطْرُ اَيْمُنِ، اِنْتَهى.
قالَ الخَفاجِيُّ: لُزُومُ البِناءِ عَلى الضَّمِّ مِمّا لا كَلامَ فِيهِ فَلَعَلَّ مَن فَسَّرَهُ بِذَلِكَ يَقْرَؤُهُ بِالضَّمِّ عَلى الأوْجَهِ فِيهِ، وأمّا الِاعْتِراضانِ الآخَرانِ فَلا وُرُودَ لَهُما أصْلًا، فَأمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ مَن يَقُولُ أُنَيْسِيانٌ عَلى خِلافِ القِياسِ، وهو الأصَحُّ لا يَلْزَمُهُ فِيما غُيِّرَ مِنهُ أنْ يُقَدِّرَهُ كَذَلِكَ وهو لَمْ يَلْفِظْ بِهِ حَتّى يُقالَ لَهُ: إنَّكَ نَطَقْتَ بِما لَمْ تَنْطِقْ بِهِ العَرَبُ بَلْ هو أمْرٌ تَقْدِيرِيٌّ، فَإذا قالَ: المُقَدَّرُ مَفْرُوضٌ عِنْدِي عَلى القِياسِ هَلْ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ السُّؤالُ، وأمّا الأخِيرُ فَلِأنَّ
صفحة 211
التَّصْغِيرَ في نَحْوِ ذَلِكَ إنَّما يَمْتَنِعُ مِنّا، وأمّا مِنَ اللَّهِ تَعالى فَلَهُ سُبْحانُهُ أنْ يُطْلِقَ عَلى نَفْسِهِ عَزَّ وجَلَّ وعُظَماءِ خَلْقِهِ ما أرادَ ويُحْمَلُ حِينَئِذٍ عَلى ما يَلِيقُ كالتَّعْظِيمِ والتَّحْبِيبِ ونَحْوِهِ مِن مَعانِي التَّصْغِيرِ، كَما قالَ اِبْنُ الفارِضِ:
ما قُلْتُ حُبَيِّبِي مِنَ التَّحْقِيرِ ∗∗∗ بَلْ يَعْذُبُ اِسْمُ الشَّيْءِ بِالتَّصْغِيرِ
واَلَّذِي قالَهُ أبُو حَيّانَ في تَوْجِيهِ ذَلِكَ أنَّهم يَقُولُونَ إيسانٌ بِمَعْنى إنْسانٍ ويَجْمَعُونَ عَلى أياسِينُ فَهَذا مِنهُ، ولا يَخْفى أنَّهُ يَحْتاجُ إلى إثْباتٍ، وبُعْدُهُ لا يَخْفى ما في التَّخْرِيجِ عَلَيْهِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: يا حَرْفُ نِداءٍ، والسِّينُ مُقامَةٌ مَقامَ إنْسانٍ اُنْتُزِعَ مِنهُ حَرْفٌ فَأُقِيمُ مَقامَهُ، ونَظِيرُهُ ما جاءَ في الحَدِيثِ «كَفى بِالسَّيْفِ شا» أيْ شاهِدًا، وأُيِّدَ بِما ذَهَبَ إلَيْهِ اِبْنُ عَبّاسٍ في (حم)، (عسق) ونَحْوِهِ مِن أنَّها حُرُوفٌ مِن جُمْلَةِ أسْماءٍ لَهُ تَعالى وهي رَحِيمٌ وعَلِيمٌ وسَمِيعٌ وقَدِيرٌ ونَحْوَ ذَلِكَ، وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ كابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ (يس) بِمَجْمُوعِهِ اِسْمٌ مِن أسْمائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو ظاهِرُ قَوْلِ السَّيِّدِ الحِمْيَرِيِّ:
يا نَفْسُ لا تَمَحَّضِي بِالوِدِّ جاهِدَةً ∗∗∗ عَلى المَوَدَّةِ إلّا آلَ ياسِينا
ولِتَسْمِيَتِهِ ﷺ بِهَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ الجَلِيلَيْنِ سِرٌّ جَلِيلٌ عِنْدَ الواقِفِينَ عَلى أسْرارِ الحُرُوفِ، وقَدْ تَكَلَّمْتُ ولِلَّهِ تَعالى الحَمْدُ فِيما تَعَلَّقَ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ الشَّرِيفَةِ ثَلاثَةَ أيّامٍ أشْرَعُ كُلَّ يَوْمٍ مِنها بَعْدَ العَصْرِ وأخْتِمُ قُبَيْلَ المَغْرِبِ، وذَلِكَ في مَجْلِسٍ وعْظِيٍّ في المَسْجِدِ الجامِعِ الدّاوُدِيِّ، واليَوْمَ لا أسْتَطِيعُ أنْ أذْكُرَ مِن ذاكَ بِنْتَ شَفَةٍ بَلْ لا أتَذَكَّرُ مِنهُ إلّا رَسْمًا هَبَّ عَلَيْهِ عاصِفُ الزَّمانِ الغَشُومُ فَنَسَفَهُ فَحَسْبِي اللَّهُ عَمَّنْ سِواهُ فَلا رَبَّ غَيْرُهُ ولا يُرْجى إلّا خَيْرُهُ.
وقُرِئَ بِفَتْحِ الياءِ وإمالَتِها مَحْضًا وبَيْنَ بَيْنَ، وقَرَأ جَمْعٌ بِسُكُونِ النُّونِ مُدْغَمَةً في الواوِ، وآخِرُونَ بِسُكُونِها مُظْهَرَةً والقِراءَتانِ سَبْعِيَّتانِ، وقَرَأ اِبْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى بِفَتْحِ النُّونِ، قالَ أبُو حاتِمٍ قِياسُ قَوْلِ قَتادَةَ أنَّهُ قَسَمٌ أنْ يَكُونَ عَلى حَدِّ (اَللَّهِ لَأفْعَلَنَّ) بِالنَّصْبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا بِإضْمارِ باءِ القَسَمِ وهو مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ، وقالَ الزَّجّاجُ: النَّصْبُ عَلى تَقْدِيرِ اُتْلُ يس، وهَذا عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ اِسْمٌ لِلسُّورَةِ، وقِيلَ هو مَبْنِيٌّ والتَّحْرِيكُ لِلْجِدِّ في الهَرَبِ مِنَ اِلْتِقاءِ السّاكِنَيْنِ والفَتْحُ لِلْخِفَّةِ كَما في أيْنَ، وسَبَبُ البِناءِ غَيْرُ خَفِيٍّ عَلَيْكَ إذا أحَطْتَ خَبَرًا بِما قَرَّرُوا في «الم» أوَّلَ سُورَةِ البَقَرَةِ، ولا تَغْفُلْ عَمّا قالُوا في النَّصْبِ بِإضْمارِ فِعْلِ القَسَمِ مِن أنَّهُ لا يُسَوَّغُ لِما فِيهِ مِن جَمْعِ قَسَمَيْنِ عَلى مُقْسَمٍ عَلَيْهِ واحِدٍ وهو مُسْتَكْرَهٌ، ولا سَبِيلَ إلى جَعْلِ الواوِ بَعْدُ لِلْعَطْفِ لا لِلْقَسَمِ لِمَكانِ الِاخْتِلافِ إعْرابًا.
وقَرَأ الكَلْبِيُّ بِضَمِّ النُّونِ وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ مُنادًى مَقْصُودٌ بِناءً عَلى أنَّهُ بِمَعْنى إنْسانٍ أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، ويُقَدَّرُ هَذِهِ إذا كانَ اِسْمًا لِلسُّورَةِ وهَذا إنْ كانَ اِسْمًا لِلْقُرْآنِ، وهو يُطْلَقُ عَلى البَعْضِ كَما يُطْلَقُ عَلى الكُلِّ، وجَعْلُهُ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ وهو قَسَمٌ، أيْ يس قَسَمِي نَحْوَ أمانَةُ اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ بِالرَّفْعِ لا يَخْفى حالُهُ، وقِيلَ الضَّمَّةُ فِيهِ ضَمَّةُ بِناءٍ كَما في حَيْثُ.
وقَرَأ أبُو السَّمّالِ وابْنُ أبِي إسْحاقَ أيْضًا بِكَسْرِها، وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ لِلْجِدِّ في الهَرَبِ عَنِ السّاكِنَيْنِ بِما هو الأصْلِيُّ، فَتَأمَّلْ وتَذَكَّرْ.
﴿والقُرْآنِ﴾ اِبْتِداءُ قَسَمٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى يس عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَجْرُورًا بِإضْمارِ باءِ القَسَمِ لا أنَّهُ قَسَمٌ بَعْدَ قَسَمٍ لِما سَمِعْتَ مِن كَلامِهِمْ.
﴿الحَكِيمِ﴾ أيْ ذِي حِكْمَةٍ عَلى أنَّهُ صِيغَةُ نِسْبَةٍ كَلابِنٍ وتامِرٍ أيْ مُتَضَمِّنٌ إيّاها، أوِ النّاطِقُ بِالحِكْمَةِ كالحَيِّ عَلى أنْ يَكُونَ مِنَ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ، أوِ المُتَّصِفُ
صفحة 212
بِالحِكْمَةِ عَلى أنَّ الإسْنادَ مَجازِيٌّ وحَقِيقَتُهُ الإسْنادُ إلى اللَّهِ تَعالى المُتَكَلِّمُ بِهِ.
وفِي البَحْرِ هو إمّا فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعَلٍ كَ أعْقَدْتُ العَسَلَ فَهو عَقِيدٌ أيْ مُعْقَدٌ، وإمّا لِلْمُبالَغَةِ مِن حاكِمٍ.
﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ جَوابٌ لِلْقَسَمِ، والجُمْلَةُ لِرَدِّ إنْكارِ الكَفَرَةِ رِسالَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقَدْ قالُوا: ﴿لَسْتَ مُرْسَلا﴾ [اَلرَّعْدِ: 43] وتَقَدَّمَ ما يُشْعِرُ بِأنَّهم عَلى جانِبٍ عَظِيمٍ مِنَ الإنْكارِ، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلا نُفُورًا﴾ [فاطِرٍ: 42] اِسْتِكْبارًا في الأرْضِ ومَكْرَ السَّيِّئِ، وهَذِهِ الآيَةُ مِن جُمْلَةِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى في جَوابِهِمْ عَنْ إنْكارِهِمْ ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ [اَلرَّعْدِ: 43].
وتَخْصِيصُ القُرْآنِ بِالإقْسامِ بِهِ أوَّلًا وبِوَصْفِهِ بِالحَكِيمِ ثانِيًا تَنْوِيهٌ بِشَأْنِهِ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِأنَّ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ قائِلًا: إنَّهُ الأحْسَنُ في العَرَبِيَّةِ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ أوِ الواقِعِ اِسْمَ إنَّ بِناءً عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ الحالَ مِنَ المُبْتَدَأِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالمُرْسَلِينَ ولَيْسَ المُرادُ بِهِ الحالَ أوِ الِاسْتِقْبالَ، أيْ لَمِنَ الَّذِينَ أُرْسِلُوا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِن عائِدِ المَوْصُولِ المُسْتَتِرِ في اِسْمِ الفاعِلِ، أوْ حالًا مِن نَفْسِ ﴿المُرْسَلِينَ﴾ .
واَلزَّمَخْشَرِيُّ لَمْ يَذْكُرْ مِن هَذِهِ الأوْجُهِ سِوى كَوْنِهِ خَبَرًا وكَوْنِهِ صِلَةً لِلْمُرْسَلِينَ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ ما يَعُمُّ العَقائِدَ والشَّرائِعَ الحَقَّةَ ولَيْسَ الغَرَضُ مِنَ الإخْبارِ الإعْلامَ بِتَمْيِيزِ مَن أُرْسِلَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ عَنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ لَيْسَ عَلى صِفَتِهِ لِيُقالَ إنَّ ذَلِكَ حاصِلٌ قَبْلَهُ لِما أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّ المُرْسَلِينَ لا يَكُونُونَ إلّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ بَلِ الغَرَضُ الإعْلامُ بِأنَّهُ مَوْصُوفٌ بِكَذا وأنَّ ما جاءَ بِهِ المَوْصُوفُ بِكَذا تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِما فَسَلَكا في مَسْلَكٍ سُلُوكًا لِطَرِيقِ الِاخْتِصارِ.
وأيْضًا التَّنْكِيرُ في ﴿صِراطٍ﴾ لِلتَّفْخِيمِ فَهو دالٌّ عَلى أنَّهُ أُرْسِلَ مِن بَيْنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمَةِ عَلى صِراطٍ لا يُكْتَنَهُ وصَفُهُ وهَذا شَيْءٌ لَمْ يُعْلَمْ قَبْلُ، ولا يَرِدُ أنَّ الطَّرِيقَ المُسْتَقِيمَ واحِدٌ لَيْسَ إلّا، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ لِأنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ شارِعٍ مِنهاجًا هو مُسْتَقِيمٌ وبِاعْتِبارِ الرُّجُوعِ إلى المُرْسِلِ تَعالى شَأْنُهُ الكُلُّ مُتَّحِدٌ وبِاعْتِبارِ الِاخْتِصاصِ بِالمُرْسَلِ والشَّرائِعِ، مُخْتَلِفٌ فَصَحَّ أنَّهُ أُرْسِلَ مِن بَيْنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمَةِ الخ، وأيْضًا هو فَرْضٌ والفَرْضُ تَعْظِيمُ هَذا الصِّراطِ بِأنَّهُ لا صِراطَ أقْوَمُ مِنهُ واقِعًا أوْ مَفْرُوضًا ولا نَظَرَ إلى أنْ هُنالِكَ آخَرُ أوَّلًا، وهَذا قَرِيبٌ مِن أُسْلُوبِ: مِثْلُكَ لا يَفْعَلُ كَذا، فافْهَمْ ولا تَغْفُلْ.
36:5Page 440
تَنزِيلَ ٱلۡعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ٥
[This is] a revelation of the Exalted in Might, the Merciful,
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلَ العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ نَصْبٌ عَلى المَدْحِ أوْ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ نُزِّلَ تَنْزِيلَ.
وقَرَأ جَمْعٌ مِنَ السَّبْعَةِ وأبُو بَكْرٍ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والحَسَنُ والأعْرَجُ والأعْمَشُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والمَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ أيْ هو تَنْزِيلٌ أيْ مُنَزَّلُ العَزِيزِ الرَّحِيمِ، والضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ ويَجُوزُ إبْقاؤُهُ عَلى أصْلِهِ بِجَعْلِهِ عَيْنَ التَّنْزِيلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَبَرَ (يس) إنْ كانَ المُرادُ بِها السُّورَةَ، والجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ مُعْتَرِضَةٌ، والقَسَمُ لِتَأْكِيدِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ والمُقْسَمِ بِهِ اِهْتِمامًا فَلا يُقالُ: إنَّ الكُفّارَ يُنْكِرُونَ القُرْآنَ فَكَيْفَ يُقْسَمُ بِهِ لِإلْزامِهِمْ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ واليَزِيدِيُّ والقُورَضِيُّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةَ بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن ( القُرْآنِ ) أوِ الوَصْفِيَّةِ لَهُ.
وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ إظْهارٌ لِفَخامَةِ القُرْآنِ الإضافِيَّةِ بَعْدَ بَيانِ فَخامَتِهِ الذّاتِيَّةِ بِوَصْفِهِ بِالحِكْمَةِ، وفي تَخْصِيصِ الِاسْمَيْنِ الكَرِيمَيْنِ المُعْرَبَيْنِ عَنِ الغَلَبَةِ الكامِلَةِ والرَّحْمَةِ الفاضِلَةِ حَثٌّ عَلى الإيمانِ بِهِ تَرْهِيبًا وتَرْغِيبًا وإشْعارًا بِأنَّ
صفحة 213
تَنْزِيلَهُ ناشِئٌ عَنْ غايَةِ الرَّحْمَةِ حَسْبَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [اَلْأنْبِياءِ: 107].
36:6Page 440
لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمۡ فَهُمۡ غَٰفِلُونَ ٦
That you may warn a people whose forefathers were not warned, so they are unaware.
﴿لِتُنْذِرَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِتَنْزِيلٍ أوْ بِفِعْلِهِ المُضْمَرِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي في إعْرابِهِ أيْ نُزِّلَ تَنْزِيلَ العَزِيزِ الرَّحِيمِ لِتُنْذِرَ بِهِ أوْ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ أيْ أُرْسِلْتَ أوْ إنَّكَ مُرْسَلٌ لِتُنْذِرَ ﴿قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ أيْ لَمْ تُنْذَرْ آباؤُهم عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ فَما نافِيَةٌ والجُمْلَةُ صِفَةُ ﴿قَوْمًا﴾ مُبَيِّنَةٌ لِغايَةِ اِحْتِياجِهِمْ إلى الإنْذارِ، والمُرادُ بِالإنْذارِ الإعْلامُ أوِ التَّخْوِيفُ ومَفْعُولُهُ الثّانِي مَحْذُوفٌ أيْ عَذابًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْذَرْناكم عَذابًا قَرِيبًا﴾ [اَلنَّبَأِ: 40] والمُرادُ بِآبائِهِمْ آباؤُهُمُ الأدْنَوْنَ وإلّا فالأبْعَدُونَ قَدْ أنْذَرَهم إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَلَّغَهم شَرِيعَةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وقَدْ كانَ مِنهم مَن تَمَسَّكَ بِشَرْعِهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ ثُمَّ تَراخى الأمْرُ وتَطاوَلَ المُدَدُ، فَلَمْ يَبْقَ مِن شَرِيعَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا الِاسْمُ، وفي البَحْرِ الدُّعاءُ إلى اللَّهِ تَعالى لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْ كُلِّ أُمَّةٍ إمّا بِمُباشَرَةٍ مِن أنْبِيائِهِمْ وإمّا بِنَقْلٍ إلى وقْتِ بَعْثَةِ نَبِيِّنا ﷺ، والآياتُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى أنَّ قُرَيْشًا ما جاءَهم نَذِيرٌ مَعْناها لَمْ يُباشِرْهم ولا آباءَهُمُ القَرِيبِينَ. وأمّا أنَّ النِّذارَةَ اِنْقَطَعَتْ فَلا، ولَمّا شُرِعَتْ آثارُها نَدْرُسُ بَعْثَ النَّبِيِّ ﷺ وما ذَكَرَهُ المُتَكَلِّمُونَ مِن حالِ أهْلِ الفَتَراتِ فَهو عَلى حَسَبِ الفَرْضِ اه.
وعَلَيْهِ فالمَعْنى ما أنْذَرَ آباءَهم رَسُولٌ، أيْ لَمْ يُباشِرْهم بِالإنْذارِ لا أنَّهُ لَمْ يُنْذِرْهم مُنْذِرٌ أصْلًا، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ أنْذَرَهم مَن لَيْسَ بِنَبِيٍّ كَزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وقَسِّ بْنِ ساعِدَةَ، فَلا مُنافاةَ بَيْنَ ما هُنا وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطِرٍ: 24] ولَيْسَ في ذَلِكَ إنْكارُ الفَتْرَةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [اَلْمائِدَةِ: 19] لِأنَّها فَتْرَةُ إرْسالٍ وانْقِطاعُها زَمانًا لا فَتْرَةَ إنْذارٍ مُطْلَقًا.
وعَنْ عِكْرِمَةَ ما بِمَعْنى الَّذِي، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَوْصُوفَةً وهي عَلى الوَجْهَيْنِ مَفْعُولٌ ثانٍ لِ (تُنْذِرَ) أيْ لِتُنْذَرَ قَوْمًا الَّذِي أنْذَرَهُ أوْ شَيْئًا أنْذَرَهُ الرُّسُلُ آباءَهُمُ الأبْعَدِينَ، وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً فَتَكُونُ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ أيْ لِتُنْذِرَ قَوْمًا إنْذارًا مِثْلَ إنْذارِ الرُّسُلِ آباءَهُمُ الأبْعَدِينَ، وقِيلَ هي زائِدَةٌ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
﴿فَهم غافِلُونَ﴾ هو عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مُتَفَرِّعٌ عَلى نَفْيِ الإنْذارِ ومُتَسَبِّبٌ عَنْهُ والضَّمِيرُ لِلْفَرِيقَيْنِ أيْ لَمْ يُنْذَرْ آباؤُهم فَهم جَمِيعًا لِأجْلِ ذَلِكَ غافِلُونَ، وعَلى الأوْجُهِ الباقِيَةِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتُنْذِرَ﴾ أوْ بِما يُفِيدُهُ ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ وارِدٌ لِتَعْلِيلِ إنْذارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ إرْسالِهِ بِغَفْلَتِهِمُ المَحُوجَةِ إلَيْهِ نَحْوَ اِسْقِهِ فَإنَّهُ عَطْشانُ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْقَوْمِ خاصَّةً، فالمَعْنى فَهم غافِلُونَ عَنْهُ أيْ عَمّا أُنْذِرَ آباؤُهم.
وقالَ الخَفاجِيُّ: يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِهَذا عَلى الأوَّلِ أيْضًا وتَعَلُّقُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتُنْذِرَ﴾ عَلى الوُجُوهِ، وجَعْلُ الفاءِ تَعْلِيلِيَّةً والضَّمِيرُ لَهم أوْ لِآبائِهِمُ اه، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ المُنْساقَ إلى الذِّهْنِ ما قُرِّرَ أوَّلًا.
36:7Page 440
لَقَدۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ عَلَىٰٓ أَكۡثَرِهِمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٧
Already the word [i.e., decree] has come into effect upon most of them, so they do not believe.
﴿لَقَدْ حَقَّ﴾ جَوابٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ، أيْ واَللَّهِ لَقَدْ ثَبَتَ ووَجَبَ ﴿القَوْلُ﴾ الَّذِي قُلْتُهُ لِإبْلِيسَ يَوْمٍ قالَ: ( لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ ) [اَلْحِجْرِ: 39، ص: 82] وهو ( لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ ) [هُودٍ: 119، السَّجْدَةِ: 13] ﴿عَلى أكْثَرِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ (حَقَّ)، والمُرادُ سَبَقَ في عِلْمِي دُخُولُ أكْثَرِهِمْ فِيمَن أمْلَأُ مِنهم جَهَنَّمَ وهم تَبَعَةُ إبْلِيسَ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ تَقْدِيمُ الجَنَّةِ عَلى النّاسِ، وصَرَّحَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: 85] .
ولا مانِعَ مِن أنْ يُرادَ بِالقَوْلِ لَكِنَّ المَشْهُورَ ما تَقَدَّمَ، وظاهِرُ كَلامِ الرّاغِبِ أنَّ المُرادَ بِالقَوْلِ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ ولا حاجَةَ إلى اِلْتِزامٍ ذَلِكَ، وقِيلَ: الجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِالقَوْلِ ويُقالُ قالَ عَلَيْهِ إذا تَكَلَّمَ فِيهِ بِالشَّرِّ، والمُرادُ لَقَدْ ثَبَتَ في الأزَلِ عَذابِي لَهُمْ، وفِيهِ ما فِيهِ، ويُؤَيِّدُ تَعَلُّقَهُ بِ (حَقَّ) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يُونُسَ: 96]، ونَقَلَ
صفحة 214
أبُو حَيّانَ أنَّ المَعْنى حَقَّ القَوْلُ الَّذِي قالَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ التَّوْحِيدِ وغَيْرِهِ وبِأنَّ بُرْهانَهُ وهو كَما تَرى.
﴿فَهُمْ﴾ أيِ الأكْثَرُ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِإنْذارِكَ إيّاهُمْ، والفاءُ تَفْرِيعِيَّةٌ داخِلَةٌ عَلى الحُكْمِ المُسَبَّبِ عَمّا قَبْلَهُ، فَيُفِيدُ أنَّ ثُبُوتَ القَوْلِ عَلَيْهِمْ عِلَّةٌ لِتَكْذِيبِهِمْ وكُفْرِهِمْ وهو عِلَّةٌ لَهُ بِاعْتِبارِ سَبْقِ العِلْمِ بِسُوءِ اِخْتِيارِهِمْ وما هم عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ، فَإنْ عِلْمَهُ تَعالى لا يَتَعَلَّقُ بِالأشْياءِ إلّا عَلى ما هي عَلَيْهِ في أنْفُسِها، ومَآلُهُ إلى أنَّ سُوءَ اِخْتِيارِهِمْ وما هم عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ عِلَّةٌ لِتَكْذِيبِهِمْ وعَدَمِ إيمانِهِمْ بَعْدَ الإنْذارِ، فَلَيْسَ هُناكَ جَبْرٌ مَحْضٌ ولا أنَّ المَعْلُومَ تابِعٌ لِلْعِلْمِ. وقالَ بَعْضُهُمُ: الفاءُ إمّا تَفْرِيعِيَّةٌ وكَوْنُ ثُبُوتِ القَوْلِ عِلَّةً لِعَدَمِ إيمانِهِمْ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المَعْلُومَ تابِعٌ لِلْعِلْمِ، وإمّا تَعْلِيلِيَّةٌ مُفِيدَةٌ أنَّ عَدَمَ الإيمانِ عِلَّةٌ لِثُبُوتِ القَوْلِ بِناءً عَلى أنَّ العِلْمَ تابِعٌ لِلْمَعْلُومِ ولا يَلْزَمُ الجَبْرُ عَلى الوَجْهَيْنِ، أمّا عَلى الثّانِي فَظاهِرٌ، وأمّا عَلى الأوَّلِ فَلِأنَّ العِلْمَ لَيْسَ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً عِنْدَ القائِلِ بِذَلِكَ بَلْ لِاخْتِيارِهِمْ وكَسْبِهِمْ مُدْخَلٌ فِيهِ، فَتَأمَّلْ، والتَّفْرِيعُ هو الَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences