Al-AlusiYa-Sin · 36:35–37

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Ya-Sin 36:35–37

36:35Page 442

لِيَأۡكُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦ وَمَا عَمِلَتۡهُ أَيۡدِيهِمۡۚ أَفَلَا يَشۡكُرُونَ ٣٥

That they may eat of His fruit.1 And their hands have not produced it,2 so will they not be grateful?

﴿لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ (جَعْلِنا)

صفحة 8

وتَأْخِيرُهُ عَنْ تَفْجِيرِ العُيُونِ لِأنَّهُ مِن مَبادِئَ الثَّمَرِ أيْ وجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ ورَتَّبْنا مَبادِئَ ثَمَرِها لِيَأْكُلُوا، وضَمِيرُ (ثَمَرِهِ) عائِدٌ عَلى المَجْعُولِ وهو الجَنّاتُ ولِذا أفْرَدَ وذَكَّرَ ولَمْ يَقُلْ مِن ثَمَرِها أيِ الجَنّاتِ أوْ مِن ثَمَرِهِما أيِ النَّخِيلِ والأعْنابِ، ومِثْلُهُ ما قِيلَ عائِدٌ عَلى المَذْكُورِ والضَّمِيرُ قَدْ يَجْرِي مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ كَما في قَوْلِ رُؤْبَةَ:

فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ

فَإنَّهُ أرادَ كَما قالَ لِأبِي عُبَيْدَةَ وقَدْ سَألَهُ كَأنَّ ذاكَ، وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الماءِ لِدَلالَةِ العُيُونِ عَلَيْهِ، أوْ لِكَوْنِ الكَلامِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ماءِ العُيُونِ، وقِيلَ عَلى النَّخِيلِ واكْتُفِيَ بِهِ لِلْعِلْمِ بِاشْتِراكِ الأعْنابِ مَعَهُ في ذَلِكَ، وقِيلَ عَلى التَّفْجِيرِ المَفْهُومِ مِن (فَجَّرْنا) والمُرادُ بِـ (ثَمَرِهِ) فَوائِدُهُ، كَما تَقُولُ: ثَمَرَةُ التِّجارَةِ الرِّبْحُ، أوْ هو ظاهِرُهُ والإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ والكُلُّ كَما تَرى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - وإضافَةُ الثَّمَرِ إلَيْهِ - تَعالى - لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - خالِقُهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِيَأْكُلُوا مِمّا خَلَقَهُ اللَّهُ - تَعالى - مِنَ الثَّمَرِ. وكانَ الظّاهِرُ (مِن ثَمَرِنا) لِضَمِيرِ العَظَمَةِ عَلى قِياسِ ما تَقَدَّمَ إلّا أنَّهُ التَفْتَ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ لِأنَّ الأكْلَ والتَّعَيُّشَ مِمّا يَشْغَلُ عَنِ اللَّهِ - تَعالى - فَيُناسِبُ الغَيْبَةَ، فالِالتِفاتُ في مَوْقِعِهِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ هَذا لَيْسَ مِن مَظانِّهِ لِأنَّهُ أوْلى بِضَمِيرِ الواحِدِ المُطاعِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالإحْياءِ والجَعْلِ والتَّفْجِيرِ وقَدْ أُسْنِدَتْ إلَيْهِ. ورُدَّ بِأنَّ ما سَبَقَ أفْخَمُ لِأنَّها أفْعالٌ عامَّةُ النَّفْعِ ظاهِرَةٌ في كَمالِ القُدْرَةِ، والثَّمَرُ أحَطُّ مَرْتَبَةً مِنَ الحَبِّ ولِذا لَمْ يُورَدْ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِصاصِ فَلا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ التَّفْخِيمَ. كَيْفَ وقَدْ جَعَلَ بَعْضُهُمُ الثَّمَرَ خَلْقَ اللَّهِ - تَعالى - وكَمالَهُ بِفِعْلِ الآدَمِيِّ، وبِما تَقَدَّمَ يُسْتَغْنى عَمّا ذُكِرَ. وقَرَأ طَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ ”مِن ثُمُرِهِ“ بِضَمَّتَيْنِ، وهي لُغَةٌ فِيهِ أوْ هو جَمْعُ ثِمارٍ.

وقَرَأ الأعْمَشُ ”مِن ثُمْرِهِ“ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ ﴿وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ﴾ ”ما“ مَوْصُولَةٌ في مَحَلِّ جَرِّ عَطْفٍ عَلى (ثَمَرِهِ) وجَعْلُهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ (مِن ثَمَرِهِ) خِلافُ الظّاهِرِ؛ أيْ ولْيَأْكُلُوا مِنَ الَّذِي عَمِلُوهُ أوْ صَنَعُوهُ بِقُواهُمْ، والمُرادُ بِهِ ما يُتَّخَذُ مِنَ الثَّمَرِ كالعَصِيرِ والدِّبْسِ وغَيْرِهِما، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ مِنَ الَّذِي عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ بِالغَرْسِ والسَّقْيِ والإبارِ ولَيْسَ بِذاكَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ (ما) نَكِرَةً مَوْصُوفَةً أيْ ومِن شَيْءٍ عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ. والأوَّلُ أظْهَرُ، وقِيلَ: ما نافِيَةٌ وضَمِيرُ (عَمِلَتْهُ) راجِعٌ إلى الثَّمَرِ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، والمُرادُ مِن نَفْيِ عَمَلِ أيْدِيهِمْ إيّاهُ أنَّهُ بِخَلْقِ اللَّهِ - تَعالى - لا بِفِعْلِهِمْ ولا تَقُولُ المَشايِخُ بِالتَّوْلِيدِ، ورُوِيَ القَوْلُ بِأنَّها نافِيَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ، وظاهِرُ كَلامِ الحَبْرِ أنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى ”شَيْئًا“ المَوْصُوفِ المَحْذُوفِ والجُمْلَةُ حالٌ مِنهُ، فَقَدْ رَوى سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: وجَدُوهُ مَعْمُولًا لَمْ تَعْمَلْهُ أيْدِيهِمْ يَعْنِي الفُراتَ ودِجْلَةَ ونَهْرَ بَلْخٍ وأشْباهَها وفِيهِ بُعْدٌ. وأُيِّدَ القَوْلُ بِالمَوْصُولِيَّةِ بِقِراءَةِ طَلْحَةَ، وعِيسى، وحَمْزَةَ، والكِسائِيِّ، وأبِي بَكْرٍ ”وما عَمِلَتْ“ بِلا هاءٍ، ووَجْهُ التَّأْيِيدِ أنَّ المَوْصُولَ مَعَ الصِّلَةِ كاسْمٍ واحِدٍ فَيَحْسُنُ مَعَهُ لِاسْتِطالَتِهِ ولِاقْتِضائِهِ إيّاهُ ودَلالَتِهِ عَلَيْهِ يَكُونُ كالمَذْكُورِ، وتَقْدِيرُ اسْمٍ ظاهِرٍ غَيْرُ ظاهِرٍ، وقالَ الطِّيبِيُّ: جَعْلُها نافِيَةً أوْلى مِن جَعْلِها مَوْصُولَةً لِئَلّا يُوهِمَ اسْتِقْلالَهم بِالعَمَلِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ الأيْدِي لِلتَّأْكِيدِ في هَذا المَقامِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا﴾ لِأنَّ التَّرْكِيبَ مِن بابِ أخَذْتُهُ بِيَدِي ورَأيْتُهُ بِعَيْنِي وحِينَئِذٍ لا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ - تَعالى -: (أحْيَيْناها) ... إلَخْ تَفْسِيرًا لِكَوْنِ الأرْضِ المَيْتَةِ آيَةً. وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ

صفحة 9

العَمَلَ مِنَ العِبادِ بِمَعْنى الكَسْبِ وقَدْ جاءَ بِما (قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ) و(بِما قَدَّمَتْ يَداكَ) فَهَذا التَّأْكِيدُ دافِعٌ لِلْإيهامِ. انْتَهى، فَلا تَغْفُلْ.

وجُوِّزَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ كَوْنُ ما مَصْدَرِيَّةً أيْ و(عَمَلِ أيْدِيهِمْ) ويُرادُ بِالمَصْدَرِ اسْمُ المَفْعُولِ أيْ مَعْمُولِ أيْدِيهِمْ، فَيَعُودُ إلى مَعْنى المَوْصُولَةِ ولا يَخْفى ما فِيهِ.

﴿أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ إنْكارٌ واسْتِقْباحٌ لِعَدَمِ شُكْرِهِمْ لِلْمُنْعِمِ بِالنِّعَمِ المَعْدُودَةِ بِالتَّوْحِيدِ والعِبادَةِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: أيَرَوْنَ هَذِهِ النِّعَمَ أوْ أيَتَنَعَّمُونَ بِها فَلا يَشْكُرُونَ المُنْعِمَ بِها؟

36:36Page 442

سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَٰجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ وَمِنۡ أَنفُسِهِمۡ وَمِمَّا لَا يَعۡلَمُونَ ٣٦

Exalted is He who created all pairs1 - from what the earth grows and from themselves and from that which they do not know.

﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَنْزِيهِهِ - تَعالى - عَمّا فَعَلُوهُ مِن تَرْكِ شُكْرِهِ - عَزَّ وجَلَّ - واسْتِعْظامِ ما ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِن بَدائِعِ آثارِ قُدْرَتِهِ وأسْرارِ حِكْمَتِهِ ورَوائِعِ نَعْمائِهِ المُوجِبَةِ لِشُكْرِهِ - تَعالى - وتَخْصِيصِ العِبادَةِ بِهِ - سُبْحانَهُ - والتَّعْجِيبِ مِن إخْلالِهِمْ بِذَلِكَ والحالُ هَذِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في (سُبْحانَ) . وفي الإرْشادِ هُنا أنَّهُ عَلَمٌ لِلتَّسْبِيحِ الَّذِي هو التَّبْعِيدُ عَنِ السُّوءِ اعْتِقادًا وقَوْلًا أيِ اعْتِقادَ البُعْدِ عَنْهُ والحُكْمِ بِهِ مِن سَبَحَ في الأرْضِ والماءِ إذا بَعُدَ فِيهِما وأمْعَنَ، وانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ أُسَبِّحُ سُبْحانَهُ أيْ أُنَزِّهُهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ عَقْدًا وعَمَلًا تَنْزِيهًا خاصًّا بِهِ حَقِيقًا بِشَأْنِهِ عَزَّ شَأْنُهُ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ مِن جِهَةِ الِاشْتِقاقِ وجِهَةِ العُدُولِ إلى التَّفْعِيلِ وجِهَةِ العُدُولِ عَنِ المَصْدَرِ الدّالِّ عَلى الجِنْسِ إلى الِاسْمِ المَوْضُوعِ لَهُ خاصَّةً، لا سِيَّما العِلْمُ وجِهَةِ إقامَتِهِ مَقامَ المَصْدَرِ مَعَ الفِعْلِ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ كَغُفْرانٍ أُرِيدَ بِهِ التَّنَزُّهُ التّامُّ والتَّباعُدُ الكُلِّيُّ عَنِ السُّوءِ فَفِيهِ مُبالَغَةٌ مِن جِهَةِ إسْنادِ التَّنَزُّهِ إلى الذّاتِ المُقَدَّسِ فالمَعْنى تَنَزَّهَ بِذاتِهِ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ - تَعالى - تَنَزُّهًا خاصًّا بِهِ سُبْحانَهُ، فالجُمْلَةُ عَلى هَذا إخْبارٌ مِنهُ - تَعالى - بِتَنَزُّهِهِ وبَراءَتِهِ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ مِمّا فَعَلُوهُ وما تَرَكُوهُ؛ وعَلى الأوَّلِ حُكْمٌ مِنهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِذَلِكَ وتَلْقِينٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَقُولُوهُ ويَعْتَقِدُوا مَضْمُونَهُ ولا يُخِلُّوا بِهِ ولا يَغْفُلُوا عَنْهُ.

وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ الفِعْلَ النّاصِبَ أمْرًا أيْ سَبِّحُوا سُبْحانَ، والمُرادُ بِالأزْواجِ الأنْواعُ والأصْنافُ، وقالَ الرّاغِبُ: الأزْواجُ جَمْعُ زَوْجٍ ويُقالُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ القَرِينَيْنِ ولِكُلِّ ما يَقْتَرِنُ بِآخَرَ مُماثِلًا لَهُ أوْ مُضادًّا، وكُلُّ ما في العالَمِ زَوْجٌ مِن حَيْثُ إنَّ لَهُ ضِدًّا ما أوْ مَثَلًا ما أوْ تَرْكِيبًا ما، بَلْ لا يَنْفَكُّ بِوَجْهٍ مِن تَرْكِيبِ صُورَةٍ ومادَّةٍ وجَوْهَرٍ وعَرَضٍ.

﴿مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ﴾ بَيانٌ لِلْأزْواجِ، والمُرادُ بِهِ كُلُّ ما يَنْبُتُ فِيها مِنَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ وغَيْرِها.

﴿ومِن أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ وخَلَقَ الأزْواجَ مِن أنْفُسِهِمْ، أيِ الذَّكَرَ والأُنْثى.

﴿ومِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ والأزْواجَ مِمّا لَمْ يُطْلِعْهُمُ اللَّهُ - تَعالى - ولَمْ يَجْعَلْ لَهم طَرِيقًا إلى مَعْرِفَتِهِ بِخُصُوصِيّاتِهِ، وإنَّما أطْلَعَهم - سُبْحانَهُ - عَلى ذَلِكَ بِطَرِيقِ الإجْمالِ عَلى مِنهاجِ ﴿ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ لِما نِيطَ بِهِ وُقُوفُهم عَلى عِظَمِ قُدْرَتِهِ وسِعَةِ مُلْكِهِ وجَلالَةِ سُلْطانِهِ - عَزَّ وجَلَّ. ولَعَلَّهُ لَمّا كانَ العِلْمُ مِن أخَصِّ صِفاتِ الرُّبُوبِيَّةِ لَمْ يُثْبَتْ عَلى وجْهِ الكَمالِ والإحاطَةِ لِأحَدٍ سِواهُ - سُبْحانَهُ، ولَوْ كانَ بِطَرِيقِ الفَيْضِ مِنهُ - تَبارَكَ وتَعالى - عَلى أنَّ ظَرْفَ المُمْكِنِ يَضِيقُ عَنِ الإحاطَةِ، فَما يَجْهَلُهُ كُلُّ أحَدٍ أكْثَرُ مِمّا يَعْلَمُهُ بِكَثِيرٍ، وقَدْ يُقالُ عَلى بَعْضِ الِاعْتِباراتِ: إنَّ ما يَعْلَمُهُ كُلُّ أحَدٍ مُتَناهٍ وما يَجْهَلُهُ غَيْرُ مُتَناهٍ، ولا نِسْبَةَ بَيْنَ المُتَناهِي وغَيْرِ المُتَناهِي أصْلًا، فَلا نِسْبَةَ بَيْنَ مَعْلُومِ كُلِّ أحَدٍ ومَجْهُولِهِ، وتَأمَّلْ في هَذا مَعَ دَعْوى بَعْضِ الأكابِرِ الوُقُوفَ عَلى الأعْيانِ الثّابِتَةِ والِاطِّلاعِ عَلَيْها وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا.

36:37Page 442

وَءَايَةٞ لَّهُمُ ٱلَّيۡلُ نَسۡلَخُ مِنۡهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظۡلِمُونَ ٣٧

And a sign for them is the night. We remove1 from it the [light of] day, so they are [left] in darkness.

﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾ بَيانٌ لِقُدْرَتِهِ تَعالى الباهِرَةِ في الزَّمانِ بَعْدَ ما بَيَّنَها سُبْحانَهُ في المَكانِ، و(آيَةٌ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ و(اللَّيْلُ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، وقَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَوْنِهِ آيَةً، وفي التَّرْكِيبِ احْتِمالاتٌ أُخَرُ تُعْلَمُ مِمّا مَرَّ، إلّا أنَّ الأرْجَحَ ما ذُكِرَ أيْ نَكْشِفُ ونُزِيلُ الضَّوْءَ مِن مَكانِ اللَّيْلِ ومَوْضِعِ إلْقاءِ ظِلِّهِ وظُلْمَتِهِ وهو الهَواءُ،

صفحة 10

فالنَّهارُ عِبارَةٌ عَنِ الضَّوْءِ إمّا عَلى التَّجَوُّزِ أوْ عَلى حَذْفِ المُضافِ، وقَوْلُهُ - تَعالى -: (مِنهُ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ وذَلِكَ لِأنَّ النَّهارَ واللَّيْلَ عِبارَتانِ عَنْ زَمانِ كَوْنِ الشَّمْسِ فَوْقَ الأُفُقِ وتَحْتَهُ، ولا مَعْنى لِكَشْفِ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ. وأصْلُ السَّلْخِ كَشْطُ الجِلْدِ عَنْ نَحْوِ الشّاةِ، فاسْتُعِيرَ لِكَشْفِ الضَّوْءِ عَنْ مَكانِ اللَّيْلِ ومَلْقى ظُلْمَتِهِ وظِلِّهِ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً مُصَرِّحَةً، والجامِعُ ما يُعْقَلُ مِن تَرَتُّبِ أمْرٍ عَلى آخَرَ، فَإنَّهُ يَتَرَتَّبُ ظُهُورُ اللَّحْمِ عَلى كَشْطِ الجِلْدِ وظُهُورُ الظُّلْمَةِ عَلى كَشْفِ الضَّوْءِ عَنْ مَكانِ اللَّيْلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في النَّهارِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وفي السَّلْخِ اسْتِعارَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ، والجُمْهُورُ عَلى ما ذَكَرْنا. و(مِنَ) ابْتِدائِيَّةٌ، وقِيلَ: تَبْعِيضِيَّةٌ، وجَعْلُها سَبَبِيَّةً لَيْسَ بِشَيْءٍ، وهَذا التَّفْسِيرُ مَحْكِيٌّ عَنِ الفَرّاءِ، ونَحْوُهُ تَفْسِيرُ السَّلْخِ بِالنَّزْعِ، واسْتِعْمالُ الفاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا هم مُظْلِمُونَ﴾ أيْ داخِلُونَ في الظَّلامِ؛ كَما يُفِيدُهُ هَمْزَةُ الإفْعالِ عَلَيْهِ - ظاهِرٌ، ووَقَعَ في عِبارَةِ الشَّيْخِ عَبْدِ القاهِرِ والإمامِ السَّكّاكِيِّ ”أنَّ المُسْتَعارَ لَهُ في الآيَةِ ظُهُورُ النَّهارِ مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، والمُسْتَعارَ مِنهُ ظُهُورُ المَسْلُوخِ مِن جِلْدِهِ“، وذَلِكَ - عَلى ما قالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ والفاضِلُ اليَمَنِيُّ - مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِ الزَّجّاجِ ”مَعْنى نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ نُخْرِجُ مِنهُ النَّهارَ إخْراجًا لا يَبْقى مَعَهُ شَيْءٌ مِن ضَوْئِهِ“، فالظُّهُورُ في عِبارَتِهِما بِمَعْنى الخُرُوجِ، وهو يَتَعَدّى بِـ”مِن“ فَلا حاجَةَ إلى جَعْلِها بِمَعْنى عَنْ.

وقَدْ جاءَ بِهَذا المَعْنى كَما في قَوْلِ عُمَرَ لِأبِي عُبَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: اظْهَرْ بِمَن مَعَكَ مِنَ المُسْلِمِينَ إلَيْها، أيِ الأرْضِ، يَعْنِي اخْرُجُ إلى ظاهِرِها. وفي حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: «(كانَ ﷺ يُصَلِّي العَصْرَ ولَمْ يَظْهَرِ الفَيْءُ بَعْدُ مِنَ الحُجْرَةِ.)» أيْ لَمْ يَخْرُجْ إلى ظاهِرِها، فَسَقَطَ ما أُورِدَ عَلَيْهِ مِن أنَّهُ لَوْ أُرِيدَ الظُّهُورُ لَقِيلَ ”فَإذا هم مُبْصِرُونَ“ ولَمْ يَقُلْ ”فَإذا هم مُظْلِمُونَ“؛ لَأنَّ الواقِعَ عَقِيبَ ظُهُورِ النَّهارِ مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ إنَّما هو الإبْصارُ لا الإظْلامُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى حَمْلِ العِبارَةِ عَلى القَلْبِ؛ أيْ ظُهُورِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ مِنَ النَّهارِ، وبَعْضُهم رَفَعَ هَذا الإيرادَ بِأنَّ النَّهارَ عِبارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ المُدَّةِ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ أوِ الشَّمْسِ إلى الغُرُوبِ لا عَنْ بَعْضِها، فالواقِعُ عَقِيبَ هَذِهِ المُدَّةِ كُلِّها الدُّخُولُ في الظَّلامِ. وتَعَقَّبَهُ السّالِكُوتِيُّ بِأنَّ الدُّخُولَ في الظَّلامِ مُتَرَتِّبٌ عَلى السَّلْخِ لا عَلى انْقِضاءِ مُدَّةِ النَّهارِ.

ولَعَلَّ مُرادَ البَعْضِ أنَّ السَّلْخَ بِمَعْنى ظُهُورِ النَّهارِ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بِظُهُورِ كُلِّ أجْزائِهِ ومَتى ظَهَرَتْ أجْزاءُ النَّهارِ كُلُّها انْقَضَتْ مُدَّتُهُ، وذَكَرَ العَلّامَةُ القُطْبُ أنَّ السَّلْخَ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى النَّزْعِ نَحْوُ سَلَخْتُ الإهابَ عَنِ الشّاةِ، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الإخْراجِ نَحْوُ سَلَخْتُ الشّاةَ مِنَ الإهابِ، والشّاةُ مَسْلُوخَةٌ، فَذَهَبَ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ والسَّكّاكِيُّ إلى الثّانِي وغَيْرُهُما إلى الأوَّلِ، فاسْتِعْمالُ الفاءِ في (فَإذا هُمْ) ظاهِرٌ عَلى قَوْلِ الغَيْرِ، وأمّا عَلى قَوْلِهِما فَإنَّما يَصِحُّ مِن جِهَةِ أنَّها مَوْضُوعَةٌ لِما يُعَدُّ في العادَةِ مُرَتَّبًا غَيْرَ مُتَراخٍ، وهَذا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأُمُورِ والعاداتِ، فَقَدْ يَطُولُ الزَّمانُ والعادَةُ في مَثَلِهِ تَقْتَضِي عَدَمَ اعْتِبارِ المُهْلَةِ، وقَدْ يَكُونُ بِالعَكْسِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ. فَإنَّ زَمانَ النَّهارِ وإنْ تَوَسَّطَ بَيْنَ إخْراجِ النَّهارِ مِنَ اللَّيْلِ وبَيْنَ دُخُولِ الظَّلامِ لَكِنْ لِعِظَمِ دُخُولِ الظَّلامِ بَعْدَ إضاءَةِ النَّهارِ وكَوْنِهِ مِمّا يَنْبَغِي أنْ لا يَحْصُلَ إلّا في أضْعافِ ذَلِكَ الزَّمانِ عَدَّ الزَّمانَ قَرِيبًا وجَعَلَ اللَّيْلَ كَأنَّهُ يُفاجِئُهم عَقِيبَ إخْراجِ النَّهارِ مِنَ اللَّيْلِ بِلا مُهْلَةٍ.

ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ إذا المُفاجِئَةَ إنَّما تَصِحُّ إذا جُعِلَ السَّلْخُ بِمَعْنى الإخْراجِ كَما يُقالُ: أخْرَجَ النَّهارَ مِنَ اللَّيْلِ فَفاجَأهُ دُخُولُ اللَّيْلِ فَإنَّهُ مُسْتَقِيمٌ بِخِلافَ ما إذا جُعِلَ بِمَعْنى النَّزْعِ فَإنَّهُ لا يَسْتَقِيمُ أنْ يُقالَ: نَزَعَ ضَوْءَ الشَّمْسِ عَنِ الهَواءِ فَفاجَأهُ الظَّلامُ، كَما لا يَسْتَقِيمُ أنْ يُقالَ: كَسَرْتُ الكُوزَ فَفاجَأهُ الِانْكِسارُ؛ لِأنَّ دُخُولَهم في الظَّلامِ عَيْنُ حُصُولِ الظَّلامِ فَيَكُونُ نِسْبَةُ دُخُولِهِمْ في الظَّلامِ إلى نَزْعِ ضَوْءِ النَّهارِ كَنِسْبَةِ الِانْكِسارِ إلى الكَسْرِ فَلِهَذا جَعَلا السَّلْخَ

صفحة 11

بِمَعْنى الإخْراجِ دُونَ النِّزاعِ اهـ كَلامُهُ، وقَوّاهُ العَلّامَةُ الثّانِي بِأنَّهُ لا شَكَّ أنَّ الشَّيْءَ إنَّما يَكُونُ آيَةً إذا اشْتَمَلَ عَلى نَوْعِ اسْتِغْرابٍ واسْتِعْجابٍ بِحَيْثُ يَفْتَقِرُ إلى نَوْعِ اقْتِدارٍ إنَّما هو مُفاجَأةُ الظَّلامِ عَقِيبَ ظُهُورِ النَّهارِ لا عَقِيبَ زَوالِ ضَوْءِ النَّهارِ.

وقالَ السّالِكُوتِيُّ: إنَّ عَدَمَ اسْتِقامَةِ المُفاجَأةِ فِيما ذُكِرَ لِأنَّها إنَّما تُتَصَوَّرُ فِيما لا يَكُونُ مُتَرَقَّبًا بَلْ يَحْصُلُ بَغْتَةً وحِينَئِذٍ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ في الجَوابِ: إنَّ نَزْعَ الضَّوْءِ عَنِ اللَّيْلِ لِكَوْنِ ظُهُورِهِ في غايَةِ الكَمالِ كانَ المُتَرَقَّبُ فِيهِ أنْ يَكُونَ في مُدَّةٍ مَدِيدَةٍ، فَحُصُولُ الظَّلامِ بَعْدَهُ في مُدَّةٍ قَصِيرَةٍ أمْرٌ غَيْرُ مُتَرَقَّبٍ، ثُمَّ قالَ: وبِهَذا ظَهَرَ الجَوابُ عَنِ التَّقْوِيَةِ، وقِيلَ: إنَّ الظُّلْمَةَ لِكَوْنِها مِمّا تَنْفِرُ عَنْها الطِّباعُ وتَكْرَهُها النُّفُوسُ يَكُونُ حُصُولُها كَأنَّهُ غَيْرُ مُتَرَقَّبٍ ويَكْفِي نَفْسُ السَّلْخِ في الدَّلالَةِ عَلى الِاقْتِدارِ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ ما سَبَقَ عَنِ الطِّيبِيِّ واليَمَنِيِّ أنَّ الشَّيْخَ والسَّكّاكِيَّ أرادا إخْراجَ النَّهارِ مِنَ اللَّيْلِ إخْراجًا لا يَبْقى مَعَهُ شَيْءٌ مِن ضَوْئِهِ كَما قالَ الزَّجّاجُ، ومَآلُهُ إزالَةُ ضَوْءِ النَّهارِ مِن مَكانِ اللَّيْلِ ومَوْضِعِ ظُلْمَتِهِ كَما قالَ الفَرّاءُ، وجاءَ في كَلامِهِمُ الظُّهُورُ بِمَعْنى الزَّوالِ كَما في قَوْلِ أبِي ذُؤَيْبٍ:

وعَيَّرَها الواشُونَ أنِّي أُحِبُّها وتِلْكَ شِكاةٌ ظاهِرٌ عَنْكَ عارُها

وحَكى الجَوْهَرِيُّ: يُقالُ هَذا أمْرٌ ظاهِرٌ عَنْكَ عارُهُ أيْ زائِلٌ. وقالَ المَرْزُوقِيُّ في قَوْلِ الحَماسِيِّ:

وذَلِكَ عارٌ يا ابْنَ رَيْطَةَ ظاهِرُ

أيْضًا، كَذَلِكَ فَلا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ في كَلامِ الشَّيْخَيْنِ بِهَذا المَعْنى، ويُرادُ بِالظُّهُورِ الإظْهارُ، والتَّعْبِيرُ بِهِ مُساهَلَةٌ لِظُهُورِ أنَّ (نَسْلَخُ) مُتَعَدٍّ فَيَرْجِعُ الأمْرُ إلى الإزالَةِ فَيَتَّحِدُ كَلامِهِما بِما قالَهُ الفَرّاءُ وكَذا عَلى ما قِيلَ المُرادُ بِالظُّهُورِ الخُرُوجُ عَلى وجْهِ المُفارَقَةِ لِظُهُورِ الزَّوالِ فِيهِ حِينَئِذٍ وأمْرُ المُساهَلَةِ عَلى حالِهِ، وعَلى القَوْلِ بِالِاتِّحادِ يَجِيءُ اعْتِراضُ العَلّامَةِ والجَوابُ هو الجَوابُ فَتَأمَّلْ واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى الصَّوابِ.

وفِي الآيَةِ عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الأصْلَ الظُّلْمَةُ والنُّورَ طارِئٌ عَلَيْها يَسْتُرُها بِضَوْئِهِ وفي الحَدِيثِ ما يُشْعِرُ بِذَلِكَ أيْضًا. رَوى الإمامُ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الخَلَقَ في ظُلْمَةٍ ثُمَّ ألْقى عَلَيْهِمْ مِن نُورِهِ فَمَن أصابَهُ مِن نُورِهِ اهْتَدى ومَن أخْطَأهُ ضَلَّ» .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском