Al-AlusiYa-Sin · 36:41–51

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Ya-Sin 36:41–51

36:41Page 443

وَءَايَةٞ لَّهُمۡ أَنَّا حَمَلۡنَا ذُرِّيَّتَهُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ ٤١

And a sign for them is that We carried their forefathers1 in a laden ship.

﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أيْ أوْلادَهُمْ، قالَ الرّاغِبُ: الذَّرِّيَّةُ أصْلُها الصِّغارُ مِنَ الأوْلادِ ويَقَعُ في التَّعارُفِ عَلى الصِّغارِ والكِبارِ مَعًا ويُسْتَعْمَلُ لِلْواحِدِ والجَمْعِ، وأصْلُهُ لِلْجَمْعِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ، فَقِيلَ: هو مِن ذَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ فَتُرِكَ هَمْزَتُهُ نَحْوُ بَرِيَّةٍ ورَوِيَّةٍ، وقِيلَ: أصْلُهُ ذُرْوِيَّةٌ، وقِيلَ: هو فُعْلِيَّةٌ مِنَ الذَّرِّ نَحْوُ قُمْرِيَّةٍ، واسْتَظْهَرَ حَمْلَهُ عَلى الأوْلادِ مُطْلَقًا أبُو حَيّانَ، وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يُحْمَلَ عَلى الكِبارِ لِأنَّهُمُ المَبْعُوثُونَ لِلتِّجارَةِ أيْ حَمَلْناهم حِينَ يَبْعَثُونَهم لِلتِّجارَةِ ﴿فِي الفُلْكِ﴾ أيِ السَّفِينَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ عَلى ما في مَجْمَعِ البَيانِ لِأنَّها تَدُورُ في الماءِ ﴿المَشْحُونِ﴾ أيِ المَمْلُوءِ، وقِيلَ: هو مُسْتَعْمَلٌ عَلى أصْلِهِ وهُمُ الأوْلادُ الصِّغارُ الَّذِينَ يَسْتَصْحِبُونَهُمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ النِّساءُ فَإنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِنَّ، وفي الحَدِيثِ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - «نَهى عَنْ قَتْلِ الذَّرارِيِّ،» وفُسِّرَ بِالنِّساءِ.

وفِي الفائِقِ «قالَ حَنْظَلَةُ الكاتِبُ: كُنّا في غَزاةٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَأى امْرَأةً مَقْتُولَةً فَقالَ: هاهَ ما كانَتْ هَذِهِ تُقاتِلُ الحَقْ خالِدًا وقُلْ لا تَقْتُلَنَّ ذُرِّيَّةً ولا عَسِيفًا،» وهي نَسْلُ الرَّجُلِ وأُوقِعَتْ عَلى النِّساءِ كَقَوْلِهِمْ لِلْمَطَرِ سَماءٌ ويُرادُ بِالنِّساءِ اللّاتِي يَسْتَصْحِبُونَهُنَّ وتَخْصِيصُ الذُّرِّيَّةِ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ بِالذِّكْرِ لِأنَّ اسْتِقْرارَهم

صفحة 27

وتَماسُكَهم في الفُلْكِ أعْجَبُ، وقِيلَ: تُطْلَقُ الذُّرِّيَّةُ عَلى الآباءِ وعَلى الأبْناءِ قالَهُ أبُو عُثْمانَ وتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بِأنَّهُ تَخْلِيطٌ لا يُعْرَفُ في اللُّغَةِ، وقِيلَ: الذُّرِّيَّةُ النُّطَفُ والفُلْكُ المَشْحُونُ بُطُونُ النِّساءِ ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ ونُسِبَ إلى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وفي الآيَةِ ما يُبْعِدُهُ وهو أشْبَهُ شَيْءٍ بِتَأْوِيلاتِ الباطِنِيَّةِ، والمُرادُ بِالفُلْكِ جِنْسُهُ والوَصْفُ بِالمَشْحُونِ أقْوى في الِامْتِنانِ بِسَلامَتِهِمْ فِيهِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ أبْعَدُ مِنَ الخَطَرِ، وإرادَةُ الجِنْسِ مَرْوِيَّةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ،

36:42Page 443

وَخَلَقۡنَا لَهُم مِّن مِّثۡلِهِۦ مَا يَرۡكَبُونَ ٤٢

And We created for them from the likes of it that which they ride.

وفُسِّرَ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ عَلَيْهِ بِالإبِلِ فَإنَّها سَفائِنُ البَرِّ لِكَثْرَةِ ما تَحْمِلُ وقِلَّةِ كَلالِها في المَسِيرِ، وإطْلاقُ السَّفائِنِ عَلَيْها شائِعٌ كَما قِيلَ:

سَفائِنُ بَرٍّ والسَّرابُ بِحارُها

ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ، وفَسَّرَهُ مُجاهِدٌ بِالأنْعامِ الإبِلِ وغَيْرِها، وعَنْ أبِي مالِكٍ وأبِي صالِحٍ وغَيْرِهِما - وهي رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا - أنَّ المُرادَ بِالفُلْكِ سَفِينَةُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى أنَّ التَّعْرِيفَ لِلْعَهْدِ فَما عِبارَةٌ عَمّا سَمِعْتَ أيْضًا عِنْدَ بَعْضٍ وعِنْدَ آخَرِينَ هي السُّفُنُ والزَّوارِقُ الَّتِي كانَتْ بَعْدَ تِلْكَ السَّفِينَةِ. واسْتَشْكَلَ حَمْلَ ذُرِّيَّتَهم في سَفِينَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ بِحَمْلِ آبائِهِمُ الأقْدَمِينَ وفي أصْلابِهِمْ هَؤُلاءِ وذُرِّيَّتُهُمْ، وتَخْصِيصُ الذُّرِّيَّةِ مَعَ أنَّهم مَحْمُولُونَ بِالتَّبَعِ لِأنَّهُ أبْلَغُ في الِامْتِنانِ حَيْثُ تَضَمَّنَ بَقاءَ عَقِبِهِمْ، وأدْخَلُ في التَّعَجُّبِ ظاهِرًا حَيْثُ تَضَمَّنَ حَمْلَ ما لا يَكادُ يُحْصى كَثْرَةً في سَفِينَةٍ واحِدَةٍ مَعَ الإيجازِ؛ لِأنَّهُ كانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ حَمَلْناهم ومَن مَعَهم لِيَبْقى نَسْلُهم. فَذِكْرُ الذُّرِّيَّةِ يَدُلُّ عَلى بَقاءِ النَّسْلِ وهو يَسْتَلْزِمُ سَلامَةَ أُصُولِهِمْ، فَدَلَّ بِلَفْظٍ قَلِيلٍ عَلى مَعْنًى كَثِيرٍ، وقالَ الإمامُ: يُحْتَمَلُ عِنْدِي أنَّ التَّخْصِيصَ لِأنَّ المَوْجُودِينَ كانُوا كُفّارًا لا فائِدَةَ في وُجُودِهِمْ أيْ لَمْ يَكُنِ الحَمْلُ حَمْلًا لَهم وإنَّما كانَ حَمْلًا لِما في أصْلابِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ حَمَلْنا ذُرِّيّاتِ جِنْسِهِمْ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: ضَمِيرُ ”لهم“ لِأهْلِ مَكَّةَ وضَمِيرُ ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ لِلْقُرُونِ الماضِيَةِ الَّذِينَ هم مِنهم وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمانَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وجَوَّزَ الإمامُ كَوْنَ الضَّمِيرَيْنِ لِلْعِبادِ في قَوْلِهِ تَعالى يا ﴿حَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ ولا يَكُونُ المُرادُ في كُلٍّ أشْخاصًا مُعَيَّنِينَ بَلْ ذَلِكَ عَلى نَحْوِ هَؤُلاءِ القَوْمِ هم قَتَلُوا أنْفُسَهم عَلى مَعْنى قَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا، فالمَعْنى: آيَةٌ لِكُلِّ بَعْضٍ مِنهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّةَ كُلِّ بَعْضٍ مِنهم أوْ ذَرِّيَّةَ بَعْضٍ مِنهم. وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ، ورَجَّحَ تَفْسِيرَ ما بِالإبِلِ ونَحْوِها مِنَ الأنْعامِ دُونَ السُّفُنِ بِأنَّ المُتَبادِرَ مِنَ الخَلْقِ الإنْشاءُ والِاخْتِراعُ فَيَبْعُدُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِما هو مَصْنُوعُ العِبادِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ، وتَبادُرَ الإنْشاءِ مَمْنُوعٌ وعَلَيْهِ يَكُونُ في الآيَةِ رَدٌّ عَلى المُعْتَزِلَةِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ ”ما“ مَوْصُولَةً، ”ومن“ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِلْبَيانِ وأنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ وجُوِّزَ زِيادَتُها عَلى نَظَرِ الأخْفَشِ ورَأْيِهِ، والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ ”لهم الثّانِي عائِدٌ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ الأوَّلِ، وجُوِّزَ عَوْدُهُ عَلى الذُّرِّيَّةِ، وجُوِّزَ أيْضًا عَوْدُ ضَمِيرِ“ مثله”عَلى مَعْلُومٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ تَقْدِيرُهُ مِن مِثْلِ ما ذَكَرْنا مِنَ المَخْلُوقاتِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ﴾ وهو أبْعَدُ مِنَ العَيُّوقِ، وأيًّا ما كانَ فَلا يَخْفى مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وإنَّما لَمْ يُؤْتَ بِها عَلى أُسْلُوبِ أخَواتِها بِأنْ يُقالَ: وآيَةٌ لَهُمُ الفُلْكُ حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم فِيهِ كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها﴾، ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ لِأنَّهُ لَيْسَ الفُلْكُ نَفْسُهُ عَجَبًا وإنَّما حَمْلُهم فِيهِ هو العَجَبُ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والأعْمَشُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبانُ بْنُ عُثْمانَ“ذُرِّيّاتِهِمْ" بِالجَمْعِ، وكَسَرَ زَيْدٌ وأبانٌ الذّالَ

36:43Page 443

وَإِن نَّشَأۡ نُغۡرِقۡهُمۡ فَلَا صَرِيخَ لَهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنقَذُونَ ٤٣

And if We should will, We could drown them; then no one responding to a cry would there be for them, nor would they be saved

﴿وإنْ نَشَأْ﴾ إغْراقَهم ﴿نُغْرِقْهُمْ﴾ في الماءِ مَعَ ما حَمَلْناهم فِيهِ مِنَ الفُلْكِ وما يَرْكَبُونَ

صفحة 28

مِنَ السُّفُنِ والزَّوارِقِ، فالكَلامُ مِن تَمامِ ما تَقَدَّمَ، فَإنْ كانَ المُرادُ بِما هُناكَ السُّفُنَ والزَّوارِقَ فالأمْرُ ظاهِرٌ، وإنْ كانَ المُرادُ بِها الإبِلَ ونَحْوَها كانَ الكَلامُ مِن تَمامِ صَدْرِ الآيَةِ، أيْ: نُغْرِقْهم مَعَ ما حَمَلْناهم فِيهِ مِنَ الفُلْكِ، وكانَ حَدِيثُ خَلْقِ الإبِلِ ونَحْوِها في البَيْنِ اسْتِطْرادًا لِلتَّماثُلِ، ولِما في ذَلِكَ مِن نَوْعِ بُعْدٍ قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ﴿وإنْ نَشَأْ﴾ ... إلَخْ يُرَجِّحُ حَمْلَ ﴿الفُلْكِ﴾ عَلى الجِنْسِ وما عَلى السُّفُنِ والزَّوارِقِ المَوْجُودَةِ بَيْنَ بَنِي آدَمَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وفي تَعْلِيقِ الإغْراقِ بِمَحْضِ المَشِيئَةِ إشْعارٌ بِأنَّهُ قَدْ تَكامَلَ ما يَسْتَدْعِي إهْلاكَهم مِن مَعاصِيهِمْ ولَمْ يَبْقَ إلّا تَعَلُّقُ مَشِيئَتِهِ تَعالى بِهِ، وقِيلَ: إنَّ في ذَلِكَ إشارَةً إلى الرَّدِّ عَلى مَن يَتَوَهَّمُ أنَّ حَمْلَ الفُلْكِ الذُّرِّيَّةَ مِن غَيْرِ أنْ يَغْرِقَ أمْرٌ تَقْتَضِيهِ الطَّبِيعَةُ ويَسْتَدْعِيهِ امْتِناعُ الخَلاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ ”نُغَرِّقْهُمْ“ بِالتَّشْدِيدِ.

﴿فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ أيْ فَلا مُغِيثَ لَهم يَحْفَظُهم مِنَ الغَرَقِ، وتَفْسِيرُ الصَّرِيخِ بِالمُغِيثِ مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ، ويَكُونُ بِمَعْنى الصّارِخِ وهو المُسْتَغِيثُ ولا يُرادُ هُنا، ويَكُونُ مَصْدَرًا كالصُّراخِ ويُتَجَوَّزُ بِهِ عَنِ الإغاثَةِ لِأنَّ المُسْتَغِيثَ يُنادِي مَن يَسْتَغِيثُ بِهِ فَيَصْرُخُ لَهُ ويَقُولُ: جاءَكَ العَوْنُ والنَّصْرُ. قالَ المُبَرِّدُ في أوَّلِ الكامِلِ: قالَ سَلامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ:

كُنّا إذا ما أتانا صارِخٌ فَزِعٌ كانَ الصُّراخُ لَهُ فَزَعُ المَطانِيبِ

يَقُولُ إذا أتانا مُسْتَغِيثٌ كانَتْ إغاثَتُهُ الجِدَّ في نُصْرَتِهِ، وجُوِّزَ إرادَتُهُ هُنا أيْ فَلا إغاثَةَ لَهم ﴿ولا هم يُنْقَذُونَ﴾ أيْ يَنْجُونَ مِنَ المَوْتِ بِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ

36:44Page 443

إِلَّا رَحۡمَةٗ مِّنَّا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٖ ٤٤

Except as a mercy from Us and provision for a time.

﴿إلا رَحْمَةً مِنّا ومَتاعًا﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ الشّامِلَةِ لِلْباعِثِ المُتَقَدِّمِ والغايَةِ المُتَأخِّرَةِ أيْ لا يُغاثُونَ ولا يُنْقَذُونَ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِرَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ مِن قِبَلِنا داعِيَةٍ إلى الإغاثَةِ والإنْقاذِ وتَمْتِيعٍ بِالحَياةِ مُتَرَتِّبٍ عَلَيْهِما، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالرَّحْمَةِ ما يُقارِنُ التَّمْتِيعَ بِالحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَيَكُونُ كِلاهُما غايَةً لِلْإغاثَةِ والإنْقاذِ أيْ لِنَوْعٍ مِنَ الرَّحْمَةِ وتَمْتِيعٍ، وإلى كَوْنِهِ اسْتِثْناءً مُفَرِّغًا مِمّا يَكُونُ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ والكِسائِيُّ، والِاسْتِثْناءُ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ مُتَّصِلٌ، وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ عَلى مَعْنًى: ولَكِنْ رَحْمَةٌ مِنّا ومَتاعٌ يَكُونانِ سَبَبًا لِنَجاتِهِمْ. ولَيْسَ بِذاكَ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ النَّصْبَ بِتَقْدِيرِ الباءِ أيْ إلّا بِرَحْمَةٍ ومَتاعٍ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”يُنْقَذُونَ“ ولَمّا حُذِفَ انْتَصَبَ مَجْرُورُهُ بِنَزْعِ الخافِضِ. وقِيلَ: هو عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ إلّا أنْ نَرْحَمَهم رَحْمَةً ونُمَتِّعَهم تَمْتِيعًا، ولا يَخْفى حالُهُ وكَذا حالُ ما قَبْلُهُ.

﴿إلى حِينٍ﴾ أيْ إلى زَمانٍ قُدِّرَ فِيهِ - حَسَبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ - آجالُهُمْ، ومِن هُنا أخَذَ أبُو الطَّيِّبِ قَوْلَهُ:

ولَمْ أسْلَمْ لِكَيْ أبْقى ولَكِنْ سَلِمْتُ مِنَ الحِمامِ إلى الحِمامِ

والظّاهِرُ أنَّ المُحَدَّثَ عَنْهُ مَن يَشاءُ اللَّهُ تَعالى إغْراقَهُمْ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ ﴿فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ ... إلَخِ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنِ المُسافِرِينَ في البَحْرِ ناجِينَ كانُوا أوْ مُغْرَقِينَ أيْ لا نَجاةَ لَهم إلّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسَ مَرْبُوطًا بِالمُغْرَقِينَ، وقَدْ يَصِحُّ رَبْطُهُ بِهِ، والأوَّلُ أحْسَنُ فَتَأمَّلْهُ اهـ، وقَدْ تَأمَّلْناهُ فَوَجَدْناهُ لا حُسْنَ فِيهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ أحْسَنَ.

والفاءُ ظاهِرَةٌ في تَعَلُّقِ ما بَعْدَها بِما قَبْلَها

36:45Page 443

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيكُمۡ وَمَا خَلۡفَكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٤٥

But when it is said to them, "Beware of what is before you and what is behind you;1 perhaps you will receive mercy..."2

﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ﴾ إلَخْ بَيانٌ لِإعْراضِهِمْ عَنِ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةِ بَعْدَ بَيانِ إعْراضِهِمْ عَنِ الآياتِ الآفاقِيَّةِ الَّتِي كانُوا يُشاهِدُونَها وعَدَمِ تَأمُّلِهِمْ فِيها أيْ: إذا قِيلَ لِأهْلِ مَكَّةَ بِطَرِيقِ الإنْذارِ بِما نَزَلَ مِنَ الآياتِ أوْ بِغَيْرِهِ ﴿اتَّقُوا ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ﴾ قالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: أيْ عَذابَ الأُمَمِ الَّتِي قَبِلَكُمْ، والمُرادُ

صفحة 29

اتَّقُوا مِثْلَ عَذابِهِمْ ﴿وما خَلْفَكُمْ﴾ أيْ عَذابَ الآخِرَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ في رِوايَةٍ عَكْسِ ذَلِكَ، وجاءَ عَنْهُ في رِوايَةٍ أُخْرى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ما تَقَدَّمَ مِن ذُنُوبِهِمْ وما خَلْفَهم ما يَأْتِي مِنها، وعَنِ الحَسَنِ مِثْلُهُ، وقِيلَ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ نَوازِلُ السَّماءِ وما خَلْفَهم نَوائِبُ الأرْضِ، وقِيلَ ما بَيْنَ أيْدِيهِمُ المَكارِهُ مِن حَيْثُ يَحْتَسِبُونَ وما خَلْفَهُمُ المَكارِهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ، وحاصِلُ الأمْرِ عَلى ما قِيلَ اتَّقُوا العَذابَ أوِ اتَّقُوا ما يَتَرَتَّبُ العَذابُ عَلَيْهِ ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ حالٌ مِن واوِ اتَّقُوا أوْ غايَةٌ لَهُ راجِينَ أنْ تُرْحَمُوا أوْ كَيْ تُرْحَمُوا، وفُسِّرَتِ الرَّحْمَةُ بِالإنْجاءِ مِنَ العَذابِ، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ ثِقَةٌ بِانْفِهامِهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى

36:46Page 443

وَمَا تَأۡتِيهِم مِّنۡ ءَايَةٖ مِّنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِمۡ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ ٤٦

And no sign comes to them from the signs of their Lord except that they are from it turning away.

﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ انْفِهامًا بَيِّنًا، أمّا إذا كانَ الإنْذارُ بِالآيَةِ الكَرِيمَةِ فَبِعِبارَةِ النَّصِّ، وأمّا إذا كانَ بِغَيْرِها فَبِدَلالَتِهِ لِأنَّهم حِينَ أعْرَضُوا عَنْ آياتِ رَبِّهِمْ فَلِأنَّ يُعْرِضُوا عَنْ غَيْرِها بِطَرِيقِ الأوْلى كَأنَّهُ قِيلَ: وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا العَذابَ أوِ اتَّقُوا ما يُوجِبُهُ أعْرَضُوا لِأنَّهُمُ اعْتادُوهُ وتَمَرَّنُوا عَلَيْهِ، وما نافِيَةٌ وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ، ومِنَ الأوْلى مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ والثّانِيَةُ تَبْعِيضِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ ”آيَةٍ“، وإضافَةُ الآياتِ إلى اسْمِ الرَّبِّ المُضافِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِتَفْخِيمِ شَأْنِها المُسْتَتْبَعِ لِتَهْوِيلِ ما اجْتَرَءُوا عَلَيْهِ في حَقِّها، والمُرادُ بِها إمّا هَذِهِ الآياتُ النّاطِقَةُ بِما فُصِّلَ مِن بَدائِعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى وسَوابِغِ آلائِهِ تَعالى المُوجِبَةِ لِلْإقْبالِ عَلَيْها والإيمانِ. وإيتاؤُها نُزُولُ الوَحْيِ بِها، أيْ ما نَزَلَ الوَحْيُ بِآيَةٍ مِنَ الآياتِ النّاطِقَةِ بِذَلِكَ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، وأمّا ”ما“ يَعُمُّها والآياتِ التَّكْوِينِيَّةَ الشّامِلَةَ لِلْمُعْجِزاتِ وتَعاجِيبِ المَصْنُوعاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الآياتُ الثَّلاثُ المَعْدُودَةُ آنِفًا. وإيتاؤُها ظُهُورُها لَهم أيْ ما ظَهَرَتْ لَهم آيَةٌ مِنَ الآياتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ مِن شُؤُونِهِ تَعالى الشّاهِدَةِ بِوَحْدانِيَّتِهِ سُبْحانَهُ وتَفَرُّدِهِ تَعالى بِالأُلُوهِيَّةِ إلّا كانُوا عَنْها مَعْرَضَيْنِ تارِكَيْنِ لِلنَّظَرِ الصَّحِيحِ فِيها المُؤَدِّي إلى الإيمانِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ.

وفِي الكَلامِ إشارَةٌ إلى اسْتِمْرارِهِمْ عَلى الإعْراضِ حَسَبَ اسْتِمْرارِ إتْيانِ الآياتِ، و(عَنْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (مُعْرِضِينَ) قُدِّمَتْ عَلَيْهِ لِلْحَصْرِ الِادِّعائِي مُبالَغَةً في تَقْبِيحِ حالِهِمْ، وقِيلَ لِلْحَصْرِ الإضافِيِّ أيْ مُعْرِضِينَ عَنْها لا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، وقِيلَ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ، والجُمْلَةُ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِن مَفْعُولِ ”تَأْتِي“ أوْ مِن فاعِلِهِ المُتَخَصِّصِ بِالوَصْفِ لِاشْتِمالِها عَلى ضَمِيرِ كُلٍّ مِنهُما، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ ما تَأْتِيهِمْ آيَةٌ مِن آياتِ رَبِّهِمْ في حالٍ مِن أحْوالِهِمْ إلّا حالَ إعْراضِهِمْ عَنْها أوْ ما تَأْتِيهِمْ آيَةٌ مِنها في حالٍ مِن أحْوالِها إلّا حالَ إعْراضِهِمْ عَنْها.

وجُمْلَةُ ﴿وما تَأْتِيهِمْ﴾ إلَخْ- عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ كَلامُ الكَشّافِ- تَذْيِيلٌ يُؤَكِّدُ ما سَبَقَ مِن حَدِيثِ الإعْراضِ، وإلى كَوْنِهِ تَذْيِيلًا ذَهَبَ الخَفاجِيُّ، ثُمَّ قالَ: فَتَكُونُ مُعْتَرِضَةً أوْ حالًا مَسُوقَةً لِتَأْكِيدٍ ما قَبْلَها لِشُمُولِها لِما تَضْمَنُهُ مَعَ زِيادَةِ إفادَةِ التَّعْلِيلِ الدّالِّ عَلى الجَوابِ المُقَدَّرِ المُعَلَّلِ بِهِ، فَلَيْسَ مِن حَقِّها الفَصْلُ لِأنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ كَما تَوَهَّمَ فَتَأمَّلْ.

36:47Page 443

وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنُطۡعِمُ مَن لَّوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطۡعَمَهُۥٓ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٤٧

And when it is said to them, "Spend from that which Allāh has provided for you," those who disbelieve say to those who believe, "Should we feed one whom, if Allāh had willed, He would have fed? You are not but in clear error."

﴿وإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ أعْطاكم سُبْحانَهُ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ والإنْعامِ مِن أنْواعِ الأمْوالِ، وعَبَّرَ بِذَلِكَ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ وتَرْغِيبًا في الإنْفاقِ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ وتَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ جِنايَتِهِمْ في تَرْكِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ، وكَذَلِكَ الإتْيانُ بِـ ”مِن“ التَّبْعِيضِيَّةِ، والكَلامُ عَلى ما قِيلَ لِذَمِّهِمْ عَلى تَرْكِ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ تَعالى أثَرَ ذَمِّهِمْ عَلى تَرْكِ تَعْظِيمِهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِتَرْكِ التَّقْوى، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهم أخَلُّوا بِجَمِيعِ التَّكالِيفِ لِأنَّها كُلَّها تَرْجِعُ إلى أمْرَيْنِ: التَّعْظِيمِ لِلَّهِ تَعالى والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ هو لِلْإشارَةِ إلى عَدَمِ مُبالاتِهِمْ بِنُصْحِ النّاصِحِ وإرْشادِهِ إيّاهم إلى ما يَدْفَعُ

صفحة 30

البَلاءَ عَنْهم نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا﴾ إلَخْ والمَعْنى عَلَيْهِ؛ إذا قِيلَ لَهم بِطَرِيقِ النَّصِيحَةِ والإرْشادِ إلى ما فِيهِ نَفْعُهم أنْفَقُوا بَعْضَ ما آتاكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى المُحْتاجِينَ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يَرُدُّ البَلاءَ ويَدْفَعُ المَكارِهَ ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ﴾ والأوَّلُ أظْهَرُ، والظّاهِرُ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الَّذِينَ قِيلَ لَهم أنْفَقُوا، وعَدَلَ عَنْ ضَمِيرِهِمْ إلى الظّاهِرِ إيماءً إلى عِلَّةِ القَوْلِ المَذْكُورِ، وفي كَوْنِ القَوْلِ لِلَّذِينِ آمَنُوا إيماءً إلى أنَّهُمُ القائِلُونَ، قِيلَ: لَمّا أسْلَمَ حَواشِي الكُفّارِ مِن أقْرِبائِهِمْ ومَوالِيهِمْ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ قَطَعُوا عَنْهم ما كانُوا يُواسُونَهم بِهِ وكانَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ قَبْلَ نُزُولِ آياتِ القِتالِ، فَنَدَبَهُمُ المُؤْمِنُونَ إلى صِلَةِ حَواشِيهِمْ، فَقالُوا: ﴿أنُطْعِمُ﴾ إلَخْ، وقِيلَ: شَحَّتْ قُرَيْشٌ بِسَبَبِ أزْمَةٍ عَلى المَساكِينِ مِن مُؤْمِنٍ وغَيْرِهِ فَنَدَبَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ إلى النَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ فَقالُوا هَذا القَوْلَ، وقِيلَ: قالَ فُقَراءُ المُؤْمِنِينَ أعْطُونا ما زَعَمْتُمْ مِن أمْوالِكم أنَّها لِلَّهِ تَعالى فَحَرَمُوا وقالُوا ذَلِكَ، ورُوِيَ هَذا عَنْ مُقاتِلٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ بِمَكَّةَ زَنادِقَةٌ إذا أُمِرُوا بِالصَّدَقَةِ قالُوا لا واللَّهِ أيُفْقِرُهُ اللَّهُ تَعالى ونُطْعِمُهُ نَحْنُ؟ وكانُوا يَسْمَعُونَ المُؤْمِنِينَ يُعَلِّقُونَ الأفْعالَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى يَقُولُونَ لَوْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لَأغْنى فُلانًا ولَوْ شاءَ لَأعَزَّهُ ولَوْ شاءَ سُبْحانَهُ لَكانَ كَذا فَأخْرَجُوا هَذا الجَوابَ مَخْرَجَ الِاسْتِهْزاءِ بِالمُؤْمِنِينَ وبِما كانُوا يَقُولُونَ.

وقالَ القُشَيْرِيُّ أيْضًا: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ الزَّنادِقَةِ لا يُؤْمِنُونَ بِالصّانِعِ وأنْكَرُوا وُجُودَهُ، فَقَوْلُهم ”لَوْ يَشاءُ اللَّهُ“ مِن بابِ الِاسْتِهْزاءِ بِالمُسْلِمِينَ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلى اعْتِقادِ المُخاطَبِينَ، ويُفْهَمُ مِن هَذا أنَّ الزِّنْدِيقَ مَن يُنْكِرُ الصّانِعَ، وقَدْ حَقَّقَ الأمْرَ فِيهِ عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ ابْنُ الكَمالِ في رِسالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ فارْجِعْ إلَيْها إنْ أرَدْتَ ذَلِكَ. وعَنِ الحَسَنِ، وأبِي خالِدٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ أُمِرُوا بِالإنْفاقِ عَلى الفُقَراءِ فَقالُوا ذَلِكَ. وظاهِرُ ما تَقَدَّمَ يَقْتَضِي أنَّها في كُفّارِ مَكَّةَ أُمِرُوا بِالإنْفاقِ مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى وهو عامٌّ في الإطْعامِ وغَيْرِهِ فَأجابُوا بِنَفْيِ الإطْعامِ الَّذِي لَمْ يَزالُوا يَفْتَخِرُونَ بِهِ دَلالَةً عَلى نَفْيِ غَيْرِهِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى ولِذا لَمْ يَقُلْ أنُنْفِقُ.

وقِيلَ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لِأنَّ الإطْعامَ هو المُرادُ مِنَ الإنْفاقِ أوْ لِأنَّ ﴿نُطْعِمُ﴾ بِمَعْنى نُعْطِي ولَيْسَ بِذاكَ، و﴿أطْعَمَهُ﴾ جَوابُ ﴿لَوْ﴾ ووُرُودُ المُوجِبِ جَوابًا بِغَيْرِ لامٍ فَصِيحٌ ومِنهُ ﴿أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهُمْ﴾، ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ نَعَمِ الأكْثَرُ مَجِيئُهُ بِاللّامِ.

والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ مِن تَتِمَّةِ قَوْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينِ آمَنُوا أيْ ما أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ ظاهِرٍ حَيْثُ طَلَبْتُمْ مِنّا ما يُخالِفُ مَشِيئَةَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَعَمْرِي إنَّ الإناءَ يَنْضَحُ بِما فِيهِ فَإنَّ جَوابَهم يَدُلُّ عَلى غايَةِ ضَلالِهِمْ وفَرْطِ جَهْلِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ تَعالى يُطْعِمُ بِأسْبابٍ مِنها حَثِّ الأغْنِياءِ عَلى إطْعامِ الفُقَراءِ وتَوْفِيقِهِمْ سُبْحانَهُ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَوابًا مِن جِهَتِهِ تَعالى زَجَرَ بِهِ الكَفَرَةَ وجَهْلَهم بِهِ أوْ حِكايَةً لِجَوابِ المُؤْمِنِينَ لَهم فَيَكُونُ عَلى الوَجْهَيْنِ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا جَوابًا لِما عَسى أنْ يُقالَ ما قالَ اللَّهُ تَعالى أوْ ما قالَ المُؤْمِنُونَ في جَوابِهِمْ؟

36:48Page 443

وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤٨

And they say, "When is this promise, if you should be truthful?"

وقَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ويَقُولُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى الشَّرْطِيَّةِ السّابِقَةِ مُفِيدٌ لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ الَّذِي هو مَبْدَأُ كُلِّ قَبِيحٍ، والنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَزَلْ يَعِدُهم بِذَلِكَ، ومِمّا يَسْتَحْضِرُ في أذْهانِهِمْ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأوامِرِ فَلِذا أتَوْا بِالإشارَةِ إلى القَرِيبِ في قَوْلِهِمْ ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ يَعْنُونَ وعْدَ البَعْثِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ الِاسْتِهْزاءِ وأرادُوا مَتى يَكُونُ ذَلِكَ ويَتَحَقَّقُ في الخارِجِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيما تَقُولُونَ وتَعِدُونَ فَأخْبَرُونا بِذَلِكَ، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ

صفحة 31

والمُؤْمِنِينَ لِما أنَّهم أيْضًا كانُوا يَتْلُونَ عَلَيْهِمُ الآياتِ الدّالَّةَ عَلَيْهِ والآمِرَةَ بِالإيمانِ بِهِ وكَأنَّهُ لَمْ يُعْتَبَرْ كَوْنُهُ شَرًّا لَهم ولِذا عَبَّرُوا بِالوَعْدِ دُونَ الوَعِيدِ، وقِيلَ: إنَّ ذاكَ لِأنَّهم زَعَمُوا أنَّ لَهُمُ الحُسْنى عِنْدَ اللَّهِ تَعالى إنْ تَحَقَّقَ البَعْثُ بِناءً عَلى أنَّ الآيَةَ في غَيْرِ المُعَطِّلَةِ.

36:49Page 443

مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ تَأۡخُذُهُمۡ وَهُمۡ يَخِصِّمُونَ ٤٩

They do not await except one blast1 which will seize them while they are disputing.

﴿ما يَنْظُرُونَ﴾ جَوابٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى أيْ ما يَنْتَظِرُونَ ﴿إلا صَيْحَةً﴾ عَظِيمَةً ﴿واحِدَةً﴾ وهي النَّفْخَةُ الأوْلى في الصُّورِ الَّتِي يَمُوتُ بِها أهْلُ الأرْضِ. وعَبَّرَ بِالإنْظارِ نَظَرًا إلى ظاهِرِ قَوْلِهِمْ ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ أوْ لِأنَّ الصَّيْحَةَ لَمّا كانَتْ لا بُدَّ مِن وُقُوعِها جُعِلُوا كَأنَّهم مُنْتَظِرُوها ﴿تَأْخُذُهُمْ﴾ تَقْهَرُهم وتَسْتَوْلِي عَلَيْهِمْ فَيَهْلِكُونَ ﴿وهم يَخِصِّمُونَ﴾ أيْ يَتَخاصَمُونَ ويَتَنازَعُونَ في مُعامَلاتِهِمْ ومَتاجِرِهِمْ لا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ شَيْءٌ مِن مَخايِلِها كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ فَلا يَغْتَرُّوا بِعَدَمِ ظُهُورِ عَلائِمِها حَسَبَما يُرِيدُونَ ولا يَزْعُمُونَ أنَّها لا تَأْتِي، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَيُنَفَخَنَّ في الصُّورِ والنّاسُ في طُرُقِهِمْ وأسْواقِهِمْ ومَجالِسِهِمْ حَتّى أنَّ الثَّوْبَ لَيَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ يَتَساوَمانِ فَما يُرْسِلُهُ أحَدُهُما مِن يَدِهِ حَتّى يُنْفَخَ في الصُّورِ فَيُصْعَقُ بِهِ» وهي الَّتِي قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ما يَنْظُرُونَ إلا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ إلَخْ، وأخْرَجَ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَتَقُوَمَنَّ السّاعَةُ وقَدْ نَشَرَ الرَّجُلانِ ثَوْبَهُما بَيْنَهُما فَلا يَتَبايَعانِهِ ولا يَطْوِيانِهِ ولَتَقُوَمَنَّ السّاعَةُ والرَّجُلُ يَلِيطُ حَوْضَهُ فَلا يُسْقى مِنهُ ولَتَقُوَمَنَّ السّاعَةُ وقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ نَعْجَتِهِ فَلا يَطْعَمُهُ ولَتَقُوَمَنَّ السّاعَةُ وقَدْ رَفَعَ أُكْلَتَهُ إلى فَمِهِ فَلا يَطْعَمُها»

وأصْلُ ”يَخِصِّمُونَ“ يَخْتَصِمُونَ وبِهِ قَرَأ أُبِيٌّ فَسُكِّنَتِ التّاءُ وأُدْغِمَتْ في الصّادِ بَعْدَ قَلْبِها صادًا ثُمَّ كُسِرَتِ الخاءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الكَسْرُ لِاتِّباعِ حَرَكَةِ الصّادِ الثّانِيَةِ والسّاكِنُ لا يَضُرُّ حاجِزًا.

وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو والأعْرَجُ وشِبْلٌ وابْنُ قُسْطَنْطِينَ بِإدْغامِ التّاءِ في الصّادِ ونَقْلِ حَرَكَتِها وهي الفَتْحَةُ إلى الخاءِ، وأبُو عَمْرٍو أيْضًا وقالُونُ بِخَلَفٍ بِاخْتِلاسِ حَرَكَةِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ، وعَنْهُما إسْكانُ الخاءِ وتَخْفِيفُ الصّادِ مِن خَصَمَهُ إذا جادَلَهُ، والمَفْعُولُ عَلَيْها مَحْذُوفٌ أيْ يَخْصِمُ بَعْضُهم بَعْضًا، وقِيلَ ”يَخِصِّمُونَ“ مُجادَلَتُهم عَنْ أنْفُسِهِمْ، وبَعْضُهم يَكْسِرُ ياءَ المُضارَعَةِ اتِّباعًا لِكَسْرَةِ الخاءِ وشَدِّ الصّادِ، وكَسْرُ ياءِ المُضارَعَةِ لُغَةٌ حَكاها سِيبَوَيْهِ عَنِ الخَلِيلِ في مَواضِعَ، وعَنْ نافِعٍ أنَّهُ قَرَأ بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ المَكْسُورَةِ، وفِيها الجَمْعُ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ عَلى حَدِّهِ المَعْرُوفِ، وكَأنَّهُ يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَهُما إذا كانَ الثّانِي مُدْغَمًا كانَ الأوَّلُ حَرْفَ مَدٍّ أيْضًا أمْ لا، وهَذا ما اخْتَرْناهُ في نَقْلِ القِراءاتِ تَبَعًا لِبَعْضِ الأجِلَّةِ، والرُّواةُ في ذَلِكَ مُخْتَلِفُونَ.

36:50Page 443

فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ تَوۡصِيَةٗ وَلَآ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمۡ يَرۡجِعُونَ ٥٠

And they will not be able [to give] any instruction, nor to their people can they return.

﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ في شَيْءٍ مِن أُمُورِهِمْ إذا كانُوا فِيما بَيْنَ أهْلِيهِمْ، ونَصْبُ ﴿تَوْصِيَةً﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لَـ”يَسْتَطِيعُونَ“، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِمُقَدَّرٍ.

﴿ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ إذا كانُوا في خارِجِ أبْوابِهِمْ بَلْ تَبْغَتُهُمُ الصَّيْحَةُ فَيَمُوتُونَ حَيْثُما كانُوا ويَرْجِعُونَ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لا إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ”يُرْجَعُونَ“ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والضَّمائِرُ لِلْقائِلِينَ ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ لا مِن حَيْثُ أعْيانُهم أعْنِي أهْلَ مَكَّةَ الَّذِينَ كانُوا وقْتَ النُّزُولِ بَلْ لِمُنْكِرِي البَعْثِ مُطْلَقًا

36:51Page 443

وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ يَنسِلُونَ ٥١

And the Horn will be blown;1 and at once from the graves to their Lord they will hasten.

﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ بَيْنَها وبَيْنَ الأُولى أرْبَعُونَ، أيْ يُنْفَخُ فِيهِ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ.

وقَرَأ الأعْرَجُ ”الصُّوَرِ“ بِفَتْحِ الواوِ وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ.

﴿فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ﴾ أيِ القُبُورِ، جَمْعُ

صفحة 32

جَدَثٍ بِفَتْحَتَيْنِ، وقُرِئَ بِالفاءِ بَدَلَ الثّاءِ والمَعْنى واحِدٌ ﴿إلى رَبِّهِمْ﴾ مالِكِ أمْرِهِمْ ﴿يَنْسِلُونَ﴾ يُسْرِعُونَ بِطَرِيقِ الإجْبارِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ قِيلَ: وذِكْرُ (الرَّبِّ) لِلْإشارَةِ إلى إسْراعِهِمْ بَعْدَ الإساءَةِ إلى مَن أحْسَنَ إلَيْهِمْ حِينَ اضْطُرُّوا إلَيْهِ، ولا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ لِجَوازِ اجْتِماعِ القِيامِ والنَّظَرِ والمَشْيِ أوْ لِتَقارُبِ زَمانِ القِيامِ ناظِرِينَ وزَمانِ الإسْراعِ في المَشْيِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُ بِضَمِّ السِّينِ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском