Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ya-Sin 36:58–64
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَلامٌ﴾ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ما بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ ولُزُومُ الضَّمِيرِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وقَوْلُهُ تَعالى:
صفحة 38
(قَوْلًا) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ صِفَةُ ”سَلامًا“، وقَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ صِفَةُ (قَوْلًا) أيْ سَلامٌ يُقالُ لَهم قَوْلًا مِن جِهَةِ رَبٍّ رَحِيمٍ أيْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ مِن جِهَتِهِ تَعالى بِلا واسِطَةٍ تَعْظِيمًا لَهُمْ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ وجَماعَةٌ عَنْ جابِرٍ قالَ: «قالَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنا أهْلُ الجَنَّةِ في نَعِيمِهِمْ إذْ سَطَعَ لَهم نُورٌ فَرَفَعُوا رُؤُوسَهم فَإذا الرَّبُّ قَدْ أشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِن فَوْقِهِمْ فَقالَ السَّلامُ عَلَيْكم يا أهْلَ الجَنَّةِ وذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى ﴿سَلامٌ قَوْلا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ قالَ فَيَنْظُرُ إلَيْهِمْ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَلا يَلْتَفِتُونَ إلى شَيْءٍ مِنَ النَّعِيمِ ما دامُوا يَنْظُرُونُ إلَيْهِ حَتّى يَحْتَجِبَ عَنْهم ويَبْقى نُورُهُ وبَرَكَتُهُ عَلَيْهِمْ في دِيارِهِمْ»
وقِيلَ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَلى الأوَّلِ الأكْثَرُونَ، وأمّا ما قِيلَ إنَّ ذَلِكَ سَلامُ المَلائِكَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ عِنْدَ المَوْتِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، والبَدَلِيَّةُ المَذْكُورَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّ ما عامَّةٌ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِها خاصٌّ أوْ عَلى ادِّعاءِ الِاتِّحادِ تَعْظِيمًا، ولا بَأْسَ في إبْدالِ هَذِهِ النَّكِرَةِ مِنها عَلى تَقْدِيرِ مَوْصُولِيِّتَها لِأنَّها نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِالجُمْلَةِ بَعْدَها، عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُلْتَزَمَ جَوازُ إبْدالِ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ قُبْحٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿سَلامٌ﴾ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ صِفَتُهُ أيْ هو أوْ ذَلِكَ سَلامٌ يُقالُ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ، والضَّمِيرُ لِـ ”ما“ وكَذا الإشارَةُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِـ ”ما“ أيْ لَهم ما يَدَّعُونَ سالِمٌ أوْ ذُو سَلامَةٍ مِمّا يُكْرَهُ، ”وقولا“ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ سَلامٌ أيْ عِدَةٌ مِن رَبٍّ رَحِيمٍ، وهَذِهِ الوَصْفِيَّةُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ ما نَكِرَةً مَوْصُوفَةً ولا يَصِحُّ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها مَوْصُولَةً لِلتَّخالُفِ تَعْرِيفًا وتَنْكِيرًا وأنْ يَكُونَ خَبَرًا لِـ ”ما“، و(لَهُمْ) مُتَعِلِّقٌ بِهِ لِبَيانِ الجِهَةِ كَما يُقالُ لِزَيْدٍ الشَّرَفُ مُتَوَفِّرٌ أيْ ما يَدَّعُونَ سالِمٌ لَهم خالِصٌ لا شَوْبَ فِيهِ، ونَصْبُ (قَوْلًا) عَلى ما سَمِعْتَ آنِفًا.
وفِي الكَشّافِ الأوْجَهُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ وهو مِن مَجازِهِ فَيَكُونُ الكَلامُ جُمْلَةً مَفْصُولَةً عَمّا سَبَقَ ولا ضَيْرَ في نَصْبِ النَّكِرَةِ عَلى ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ ولَهم سَلامٌ يُقالُ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ، وقُدِّرَ الخَبَرُ مُقَدَّمًا لِتَكُونَ الجُمْلَةُ عَلى أُسْلُوبِ أخَواتِها لا لِيَسُوغَ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ فَإنَّ النَّكِرَةَ مَوْصُوفَةٌ بِالجُمْلَةِ بَعْدَها، وظاهِرُ كَلامِهِمْ تَقْدِيرُ العاطِفِ أيْضًا ويُمْكِنُ أنَّ لا يُقَدَّرَ، وفَصْلُ الجُمْلَةِ عَلى ما قِيلَ لِأنَّها كالتَّعْلِيلِ لِما تَضَمَّنَتْهُ لِآيٍ قَبْلَها فَإنَّ سَلامَ الرَّبِّ الرَّحِيمِ مَنشَأُ كُلِّ تَعْظِيمٍ وتَكْرِيمٍ، وجُوِّزَ - عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً - تَقْدِيرُ الخَبَرِ المَحْذُوفِ عَلَيْهِمْ، قالَ الإمامُ: فَيَكُونُ ذَلِكَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ تَعالى في الدُّنْيا كَأنَّهُ سُبْحانَهُ حَكى لَنا وقالَ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ﴾ ثُمَّ لَمّا كَمُلَ بَيانُ حالِهِمْ قالَ ﴿سَلامٌ﴾ عَلَيْهِمْ وهَذا كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ﴾، ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾، فَيَكُونُ - جَلَّ وعَلا - قَدْ أحْسَنَ إلى عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ كَما أحْسَنَ إلى عِبادِهِ المُرْسَلِينَ ثُمَّ قالَ:
وهَذا وجْهٌ مُبْتَكَرٌ جَيِّدٌ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ فَنَقُولُ: أوْ نَقُولُ تَقْدِيرُهُ سَلامٌ عَلَيْكم ويَكُونُ هَذا نَوْعًا مِنَ الِالتِفاتِ حَيْثُ قالَ تَعالى لَهم كَذا وكَذا ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ اهـ.
ووَجْهُ الِابْتِداءِ بِـ ”سَلامٌ“ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ مَوْصُوفًا كانَ أمْ لا مَعْرُوفٌ عِنْدَ أصاغِرِ الطَّلَبَةِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ ”سِلْمٌ“ بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ ومَعْناهُ سَلامٌ. وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: مُسالِمٌ لَهم أيْ ذَلِكَ مُسالِمٌ ولَيْسَ بِذاكَ.
وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ وعِيسى والغَنَوِيُّ ”سَلامًا“ بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ أيْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ سَلامًا أوْ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ”ما“ في الخَبَرِ أوْ مِنها عَلى القَوْلِ بِجَوازِ مَجِيءِ الحالِ مِنَ المُبْتَدَأِ أيْ ولَهم مُرادُهم خالِصًا.
36:59Page 444
وَٱمۡتَٰزُواْ ٱلۡيَوۡمَ أَيُّهَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٥٩
[Then He will say], "But stand apart today, you criminals.1
صفحة 39
﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ أيِ انْفَرِدُوا عَنِ المُؤْمِنِينَ إلى مَصِيرِكم مِنَ النّارِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أيِ اعْتَزِلُوا عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، وعَنِ الضَّحّاكِ لِكُلِّ كافِرٍ بَيْتٌ مِنَ النّارِ يَكُونُ فِيهِ لا يَرى ولا يُرى أيْ عَلى خِلافِ ما لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الِاجْتِماعِ مَعَ مَن يُحِبُّونَ، ولَعَلَّ هَذا بَعْدَ زَمانٍ مِن أوَّلِ دُخُولِهِمْ فَلا يُنافِي عَتابَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا الوارِدَ في آياتٍ أُخُرَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ﴾ ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ لِكُلِّ صِنْفٍ كافِرٍ كاليَهُودِ والنَّصارى، وجَوَّزَ الإمامُ كَوْنَ الأمْرِ أمْرَ تَكْوِينٍ كَما فِي”كن فيكون“ عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لَهم ذَلِكَ فَتَظْهَرُ عَلَيْهِمْ سِيماءٌ يُعْرَفُونَ بِها كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ ولا يَخْفى بُعْدُهُ، والجُمْلَةُ عَطْفًا إمّا عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ المَسُوقَةِ لِبَيانِ أحْوالِ أصْحابِ الجَنَّةِ مِن عِطْفِ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ فَلا يَضُرُّ التَّخالُفُ إنْشائِيَّةً وخَبَرِيَّةً، وكَأنَّ تَغْيِيرَ السَّبْكِ لِتَخْيِيلِ كَمالِ التَّبايُنِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ وحالَيْهِما، وإمّا عَلى مُضْمَرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ حِكايَةُ حالِ أصْحابِ الجَنَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ إثْرَ بَيانِ كَوْنِهِمْ في شُغْلٍ عَظِيمِ الشَّأْنِ وفَوْزِهِمْ بِنَعِيمٍ مُقِيمٍ يَقْصُرُ عَنْهُ البَيانُ فَلْيَقَرُّوا بِذَلِكَ عَيْنًا وامْتازُوا عَنْهم أيُّها المُجْرِمُونَ.
قالَ أبُو السُّعُودِ، وقالَ الخَفاجِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِتَقْدِيرِ ”ويُقالُ امْتازُوا“ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ”يُقالُ“ المُقَدَّرِ العامِلِ في ”قَوْلًا“ وهو أقْرَبُ وأقَلُّ تَكَلُّفًا؛ لِأنَّ حَذْفَ القَوْلِ وقِيامِ مَعْمُولِهِ مَقامَهُ كَثِيرٌ حَتّى قِيلَ فِيهِ هو البَحْرُ حَدِّثْ عَنْهُ ولا حَرَجَ، وفِيهِ بَحْثٌ يَظْهَرُ بِأدْنى تَأمُّلٍ، وقِيلَ: إنَّ المَذْكُورَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ إلى هُنا تَفْصِيلٌ لِلْمُجْمَلِ السّابِقِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولا تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وبُنِيَ عَلَيْهِ أنَّ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ مُتَضَمِّنٌ لِمَعْنى الطَّلَبِ عَلى مَعْنى فَلْيَمْتَزِ المُؤْمِنُونَ عَنْكم يا أهْلَ المَحْشَرِ إلى الجَنَّةِ وامْتازُوا عَنْهم إلى النّارِ، وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ لَيْسَ بِظاهِرٍ إذْ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ غُنْيَةٌ عَنِ الآخَرِ ثُمَّ قالَ: والوَجْهُ أنَّ المَقْصُودَ عَطْفُ جُمْلَةِ قِصَّةِ أصْحابِ النّارِ عَلى جُمْلَةِ قِصَّةِ أصْحابِ الجَنَّةِ وأوْثَرَها هُنا الطَّلَبُ زِيادَةً لِلتَّهْوِيلِ والتَّعْنِيفِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿اصْلَوْها اليَوْمَ﴾ وإنْ كانَ لا بُدَّ مِنَ التَّضْمِينِ فالمَعْطُوفُ أوْلى بِأنْ يُجْعَلَ في مَعْنى الخَبَرِ عَلى مَعْنى وأنَّ المُجْرِمِينَ مُمْتازُونَ مُنْفَرِدُونَ.
وفائِدَةُ العُدُولِ ما في الخِطابِ والطَّلَبِ مِنَ النُّكْتَةِ اهـ، وما ذَكَرَهُ مِن حَدِيثٍ أغْناهُ أحَدُ الأمْرَيْنِ عَنِ الآخَرَ سَهْلٌ لِكَوْنِ الأمْرِ تَقْدِيرِيًّا مَعَ أنَّ الِامْتِيازَ الأوَّلَ عَلى وجْهِ الإكْرامِ وتَحْقِيقِ الوَعْدِ، والآخَرَ عَلى وجْهِ الإهانَةِ وتَعْجِيلِ الوَعِيدِ فَيُفِيدُ كُلٌّ مِنهُما ما لا يُفِيدُهُ الآخَرُ، نَعَمْ قالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ في ذَلِكَ: إنَّ اعْتِبارَ فَلْيَمْتَزِ المُؤْمِنُونُ وإضْمارَهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ السَّدادِ لِما أنَّ المَحْكِيَّ عَنْهم لَيْسَ مَصِيرَهم إلى ما ذَكَرَ مِنَ الحالِ المَرْضِيَّةَ حَتّى يَتَسَنّى تَرْتِيبُ الأمْرِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ بَلْ إنَّما هو اسْتِقْرارُهم عَلَيْها بِالفِعْلِ، وكَوْنُ ذَلِكَ تَنْزِيلَ المُتَرَقَّبِ مَنزِلَةَ الواقِعِ لا يُجْدِي نَفْعًا لِأنَّ مَناطَ الِاعْتِبارِ والإضْمارِ انْسِياقُ الأفْهامِ إلَيْهِ وانْصِبابُ نَظْمِ الكَلامِ عَلَيْهِ فَبَعْدَ التَّنْزِيلِ المَذْكُورِ وإسْقاطِ التَّرَقُّبِ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ يَكُونُ التَّصَدِّي لِإضْمارِ شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ إخْراجًا لِلنَّظْمِ الكَرِيمِ عَنِ الجَزالَةِ بِالمَرَّةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا فَرْقَ في هَذا بَيْنَ التَّضْمِينِ والإضْمارِ، والَّذِي يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّ ما ذُكِرَ لا يُفِيدُ أكْثَرَ مِن أوْلَوِيَّةِ تَقْدِيرِ ”فَلْيَقَرُّوا عَيْنًا“ عَلى تَقْدِيرِ ”فَلْيَمْتازُوا“ فَلْيُفْهَمْ. وقالَ بَعْضُ الأذْكِياءِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ امتازوا فِعْلًا ماضِيًا والضَّمِيرُ لِلْمُؤْمِنِينَ أيِ انْفَرَدَ المُؤْمِنُونَ عَنْكم بِالفَوْزِ بِالجَنَّةِ ونَعِيمِها أيُّها المُجْرِمُونَ فَفِيهِ تَحْسِيرٌ لَهم والعَطْفُ حِينَئِذٍ مِن عَطْفِ الفِعْلِيَّةِ الخَبَرِيَّةِ عَلى الِاسْمِيَّةِ الخَبَرِيَّةِ ولا مَنعَ مِنهُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مَعَ ما فِيهِ مِنَ المُخالَفَةِ لِلْأُسْلُوبِ المَعْرُوفِ مِن وُقُوعِ النِّداءِ مَعَ الأمْرِ - نَحْوُ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ - قَلِيلُ الجَدْوى وما ذَكَرَهُ مِنَ التَّحْسِيرِ يَكْفِي فِيهِ ما قَبْلُ مِن ذِكْرِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ
صفحة 40
التَّنَعُّمِ وأيْضًا المَأْثُورُ يَأْبى عَنْهُ غايَةَ الإباءِ وهو كالنَّصِّ في أنَّ امتازوا فِعْلُ أمْرٍ ولا يَكادُ يَخْطُرُ لِقارِئٍ ذَلِكَ.
36:60Page 444
۞ أَلَمۡ أَعۡهَدۡ إِلَيۡكُمۡ يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ أَن لَّا تَعۡبُدُواْ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٦٠
Did I not enjoin upon you, O children of Adam, that you not worship Satan - [for] indeed, he is to you a clear enemy -
﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ مِن جُمْلَةِ ما يُقالُ لَهم بِطَرِيقِ التَّقْرِيعِ والإلْزامِ والتَّبْكِيتِ بَيْنَ الأمْرِ بِالِامْتِيازِ والأمْرِ بِمَقاساةِ حَرِّ جَهَنَّمَ، والعَهْدُ الوَصِيَّةُ والتَّقَدُّمُ بِأمْرٍ فِيهِ خَيْرٌ ومَنفَعَةٌ، والمُرادُ بِهِ هاهُنا ما كانَ مِنهُ تَعالى عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مِنَ الأوامِرَ والنَّواهِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها قَوْلُهُ - تَعالى - يا ﴿بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ﴾ الآيَةَ، وقَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ وغَيْرُهُما مِنَ الآياتِ الوارِدَةِ في هَذا المَعْنى، وقِيلَ: هو المِيثاقُ المَأْخُوذُ عَلَيْهِمْ في عالَمِ الذَّرِّ إذْ قالَ سُبْحانَهُ لَهم ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ وقِيلَ: هو ما نُصِبَ لَهم مِنَ الحُجَجِ العَقْلِيَّةِ والسَّمْعِيَّةِ الآمِرَةِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى الزّاجِرَةِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَكَأنَّهُ اسْتِعارَةٌ لِإقامَةِ البَراهِينِ والمُرادُ بِعِبادَةِ الشَّيْطانِ طاعَتُهُ فِيما يُوَسْوِسُ بِهِ إلَيْهِمْ ويُزَيِّنُهُ لَهم عَبَّرَ عَنْها بِالعِبادَةِ لِزِيادَةِ التَّحْذِيرِ والتَّنْفِيرِ عَنْها ولِوُقُوعِها في مُقابَلَةِ عِبادِتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِها عِبادَةُ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الآلِهَةِ الباطِلِ، وإضافَتُها إلى الشَّيْطانِ لِأنَّهُ الآمِرُ بِها والمُزَيِّنُ لَها فالتَّجَوُّزُ في النِّسْبَةِ، وقَرَأ طَلْحَةُ والهُذَيْلُ بْنُ شُرَحْبِيلَ الكُوفِيُّ ”إعْهَدْ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ قالَهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ وقالَ هي لُغَةُ تَمِيمٍ، وهَذا الكَسْرُ في النُّونِ والتّاءِ أكْثَرُ مِن بَيْنِ أحْرُفِ المُضارَعَةِ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَرَأ الهُذَيْلِ وابْنُ وثّابٍ ”ألَمِ إعْهَدْ“ بِكَسْرِ المِيمِ والهَمْزَةِ وفَتْحِ الهاءِ وهي مِن كَسْرِ حَرْفِ المُضارَعَةِ سِوى الياءِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ وثّابٍ ”ألَمْ أعْهِدْ“ بِكَسْرِ الهاءِ ويُقالَ عَهَدَ وعَهِدَ اهـ.
ولَعَلَّهُ أرادَ أنَّ كَسْرَ المِيمَ يَدُلُّ عَلى كَسْرِ الهَمْزَةِ لِأنَّ حَرَكَةَ المِيمِ هي الحَرَكَةُ الَّتِي نُقِلَتْ إلَيْها مِنَ الهَمْزَةِ وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ بَعْدَ نَقْلِ حَرَكَتِها لا أنَّ المِيمَ مَكْسُورَةٌ والهَمْزَةَ بَعْدَها مَكْسُورَةٌ أيْضًا فَتُلْفَظُ بِها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قُرِئَ ”إعْهَدْ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وبابُ فَعِلَ كُلُّهُ يَجُوزُ في حُرُوفِ مُضارَعَتِهِ الكَسْرَ إلّا في الياءِ و”أعْهِدْ“ بِكَسْرِ الهاءِ وقَدْ جَوَّزَ الزَّجّاجُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ نَعِمَ يَنْعَمُ وضَرَبَ يَضْرِبُ و”أحْهَدْ“ بَإبْدالِ العَيْنِ وحْدَها حاءً مُهْمَلَةً و”أحَّدْ“ بِإبْدالِها مَعَ إبْدالِ الهاءِ وإدْغامِها وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، ومِنهُ قَوْلُهم دَحّا مَحّا أيْ دَعْها مَعْها، وما ذَكَرَهُ مِن قَوْلِهِ: إلّا في الياءِ مَبْنِيٌّ عَلى بَعْضِ اللُّغاتِ وعَنْ بَعْضِ كَلْبٍ أنَّهم يَكْسِرُونَ الياءَ أيْضًا فَيَقُولُونَ يِعْلَمُ مَثَلًا وقَوْلُهُ في أحْهَدْ وأحَّدْ لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ هو المَشْهُورُ، وقِيلَ: أحْهَدْ لُغَةُ هُذَيْلٍ وأحَّدْ لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ وقَوْلُهم دَحّا مَحّا إمّا يُرِيدُونَ بِهِ دَعْ هَذِهِ القِرْبَةَ مَعَ هَذِهِ المَرْأةِ أوْ دَعْ هَذِهِ المَرْأةَ مَعَ هَذِهِ القِرْبَةِ ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ ظاهِرُ العَداوَةِ وهو تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ الِانْتِهاءِ، وقِيلَ: تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ وعَداوَةُ اللَّعِينِ جاءَتْ مِن قَبْلِ عَداوَتِهِ لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والنِّداءُ بِوَصْفِ النُّبُوَّةِ لِآدَمَ كالتَّمْهِيدِ لِهَذا التَّعْلِيلِ والتَّأْكِيدِ لِعَدَمِ جَرْيِهِمْ عَلى مُقْتَضى العِلْمِ فَهم والمُنْكِرُونَ سَواءٌ
36:61Page 444
وَأَنِ ٱعۡبُدُونِيۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٦١
And that you worship [only] Me? This is a straight path.
﴿وأنِ اعْبُدُونِي﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ عَلى أنَّ ﴿أنْ﴾ فِيها مُفَسِّرَةٌ لِلْعَهْدِ الَّذِي فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ حُذِفَ عَنْها الجارُّ أيْ ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم في تَرْكِ عِبادَةِ الشَّيْطانِ وفي عِبادَتِي، وتَقْدِيمُ النَّهْيِ عَلى الأمْرِ لِما أنَّ حَقَّ التَّخْلِيَةِ التَّقَدُّمُ عَلى التَّحْلِيَةِ قِيلَ: ولِيَتَّصِلَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ بِناءً عَلى أنَّ الإشارَةَ إلى عِبادَتِهِ تَعالى لِأنَّهُ المَعْرُوفُ في الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ. وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الإشارَةَ إلى ما عُهِدَ إلَيْهِمْ مِن تَرْكِ عِبادَةِ الشَّيْطانِ وفِعْلِ عِبادَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
ورُجِّحَ بِأنَّ عِبادَتَهُ تَعالى إذا لَمْ تَنْفَرِدْ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ لا تُسَمّى صِراطًا مُسْتَقِيمًا فَتَأمَّلْ! والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ جِيءَ بِها لِبَيانِ المُقْتَضِي لِلْعَهْدِ بِعِبادَتِهِ تَعالى أوْ لِلْعَهْدِ بِشِقَّيْهِ، والتَّنْكِيرُ لِلْمُبالَغَةِ والتَّعْظِيمِ أيْ هَذا صِراطٌ بَلِيغٌ
صفحة 41
فِي اسْتِقامَتِهِ جامِعٌ لِكُلِّ ما يَجِبُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ واصِلٌ لِمَرْتَبَةٍ يَقْصُرُ عَنْها التَّوْصِيفُ والتَّعْرِيفُ ولِذا لَمْ يَقُلْ هَذا الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ أوْ هَذا هو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ، وإنْ كانَ مُفِيدًا لِلْحَصْرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّنْكِيرُ لِلتَّبْعِيضِ عَلى مَعْنى هَذا بَعْضُ الصُّرُطِ المُسْتَقِيمَةِ وهو لِلْهَضْمِ مِن حِقِّهِ عَلى الكَلامِ المُنْصِفِ، وفِيهِ إدْماجُ التَّوْبِيخِ عَلى مَعْنى أنَّهُ لَوْ كانَ بَعْضَ الصُّرُطِ المَوْصُوفَةِ بِالِاسْتِقامَةِ لَكَفى ذَلِكَ في انْتِهاجِهِ كَيْفَ وهو الأصْلُ والعِدَّةُ كَما قِيلَ:
وأقُولُ بَعْضُ النّاسِ عَنْكِ كِنايَةً خَوْفَ الوُشاةِ وأنْتِ كُلُّ النّاسِ
وفِيهِ أنَّ المَطْلُوبَ الِاسْتِقامَةُ، والأمْرُ دائِرٌ مَعَها، وقَلِيلُها كَثِيرٌ.
36:62Page 444
وَلَقَدۡ أَضَلَّ مِنكُمۡ جِبِلّٗا كَثِيرًاۖ أَفَلَمۡ تَكُونُواْ تَعۡقِلُونَ ٦٢
And he had already led astray from among you much of creation, so did you not use reason?
﴿ولَقَدْ أضَلَّ مِنكم جِبِلا كَثِيرًا﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ وتَأْكِيدِ التَّقْرِيعِ بِبَيانِ عَدَمِ اتِّعاظِهِمْ بِغَيْرِهِمْ أثَرَ بَيانِ نَقْضِهِمُ العَهْدَ، فالخِطابُ لِمُتَأخِّرِيهِمُ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمْ كُفّارٌ خُصُّوا بِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ لِتُضاعُفِ جِناياتِهِمْ، وإسْنادُ الإضْلالِ إلى ضَمِيرِ الشَّيْطانِ لِأنَّهُ المُباشِرُ لِلْإغْواءِ.
والجِبِلُّ- قالَ الرّاغِبُ - الجَماعَةُ العَظِيمَةُ أُطْلِقَ عَلَيْهِمْ تَشْبِيهًا بِالجَبَلِ في العِظَمِ، وعَنِ الضَّحّاكِ أقَلُّ الجِبِلِّ وهي الأُمَّةُ العَظِيمَةُ عَشْرَةُ آلافٍ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِالجَماعَةِ وبَعْضٌ بِالأُمَّةِ بِدُونِ الوَصْفِ، وقِيلَ هو الطَّبْعُ المَخْلُوقُ عَلَيْهِ الَّذِي لا يَنْتَقِلُ كَأنَّهُ جَبَلٌ وهو هُنا خِلافُ الظّاهِرِ.
وقَرَأ العَرَبِيّانِ، والهُذَيْلُ ”جُبْلًا“ بِضَمِّ الجِيمِ وإسْكانِ الباءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمَّتَيْنِ مَعَ تَخْفِيفِ اللّامِ والحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والزُّهْرِيُّ وابْنُ هُرْمُزَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ وحَفْصُ بْنُ حُمَيْدٍ بِضَمَّتَيْنِ وتَشْدِيدِ اللّامِ، والأشْهَبُ العَقِيلِيُّ واليَمانِيُّ وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ الجِيمِ وسُكُونِ الباءِ، والأعْمَشُ بِكَسْرَتَيْنِ وتَخْفِيفِ اللّامِ، جَمْعُ جِبْلَةٍ نَحْوَ فِطْرَةٌ وفِطَرٌ، وقَرَأ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وبَعْضُ الخُراسانِيِّينَ ”جِيلًا“ بِكَسْرِ الجِيمِ بَعْدَها ياءٌ آخِرُ الحُرُوفِ واحِدُ الأجْيالِ وهو الصِّنْفُ مِنَ النّاسِ كالعَرَبِ والرُّومِ.
﴿أفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ أيْ أكُنْتُمْ تُشاهِدُونَ آثارَ عُقُوباتِهِمْ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ أنَّها لِضَلالِهِمْ، أوْ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ شَيْئًا أصْلًا حَتّى تَرْتَدِعُوا عَمّا كانُوا عَلَيْهِ كَيْلا يَحِيقَ بِكُمُ العَذابُ الألِيمُ.
وقَرَأ طَلْحَةُ وعِيسى وعاصِمٌ في رِوايَةِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْهُ بِياءِ الغَيْبَةِ فالضَّمِيرُ لِلْجِبِلِّ.
36:63Page 444
هَٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ ٦٣
This is the Hellfire which you were promised.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ يُخاطِبُونَ بِهِ بَعْدَ تَمامِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ والإلْزامِ والتَّبْكِيتِ عِنْدَ إشْرافِهِمْ عَلى شَفِيرِ جَهَنَّمَ أيْ هَذِهِ الَّتِي تَرَوْنَها جَهَنَّمُ الَّتِي لَمْ تَزالُوا تُوعَدُونَ بِدُخُولِها عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - والمُبَلِّغِينَ عَنْهم بِمُقابَلَةِ عِبادَةِ الشَّيْطانِ
36:64Page 444
ٱصۡلَوۡهَا ٱلۡيَوۡمَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٦٤
[Enter to] burn therein today for what you used to deny."1
﴿اصْلَوْها اليَوْمَ﴾ أمْرُ تَحْقِيرٍ وإهانَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ﴾ إلَخْ أيْ قاسُوا حَرَّها في هَذا اليَوْمِ الَّذِي لَمْ تَسْتَعِدُّوا لَهُ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: أيْ صِيرُوا صَلاها أوْ وقُودَها.
وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: الزَمُوا العَذابَ بِها وأصْلُ الصَّلا اللُّزُومُ ومِنهُ المُصْلى الَّذِي يَجِيءُ في أثَرِ السّابِقِ لِلُزُومِهِ أثَرَهُ.
﴿بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ كُفْرِكُمُ المُسْتَمِرِّ في الدُّنْيا، فالباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ و”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ واحْتِمالُ كَوْنِها مَوْصُولَةً بَعِيدٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences