Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ya-Sin 36:65–68
36:65Page 444
ٱلۡيَوۡمَ نَخۡتِمُ عَلَىٰٓ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَتُكَلِّمُنَآ أَيۡدِيهِمۡ وَتَشۡهَدُ أَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٦٥
That Day, We will seal over their mouths, and their hands will speak to Us, and their feet will testify about what they used to earn.
﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ﴾ كِنايَةٌ عَنْ مَنعِهِمْ مِنَ التَّكَلُّمِ، ولا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ هُناكَ خَتْمٌ عَلى أفْواهِهِمْ حَقِيقَةً.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخَتْمُ مُسْتَعارًا لِمَعْنى المَنعِ بِأنْ يُشَبِّهَ إحْداثَ حالَةٍ في أفْواهِهِمْ مانِعَةٍ مِنَ التَّكَلُّمِ بِالخَتْمِ الحَقِيقِيِّ ثُمَّ يُسْتَعارُ لَهُ الخَتْمُ ويُشْتَقُّ مِنهُ نَخْتِمُ فالِاسْتِعارَةُ تَبَعِيَّةٌ أيِ اليَوْمَ نَمْنَعُ أفْواهَهم مِنَ الكَلامِ مَنعًا شَبِيهًا بِالخَتْمِ، والأوَّلُ
صفحة 42
أوْلى في نَظَرِي ﴿وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ بِالَّذِي اسْتَمَرُّوا عَلى كَسْبِهِ في الدُّنْيا وكَأنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ قَدْ تَنازَعَ فِيهِ ”تُكَلِّمُ وتَشْهَدُ“، ولَعَلَّ المَعْنى - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - تُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ بِالَّذِي اسْتَمَرُّوا عَلى عَمَلِهِ ولَمْ يَتُوبُوا عَنْهُ وتُخْبِرُنا بِهِ وتَقُولُ فَعَلُوا بِنا وبِواسِطَتِنا كَذا وكَذا وتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أرْجُلُهم بِذَلِكَ.
ونِسْبَةُ التَّكْلِيمِ إلى الأيْدِي دُونَ الشَّهادَةِ لِمَزِيدِ اخْتِصاصِها بِمُباشَرَةِ الأعْمالِ حَتّى أنَّها كَثُرَ نِسْبَةُ العَمَلِ إلَيْها بِطَرِيقِ الفاعِلِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ﴾ وقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ﴾ وقَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا - ﴿فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولا كَذَلِكَ الأرْجُلُ فَكانَتِ الشَّهادَةُ أنْسَبَ بِها لِما أنَّها لَمْ تُضَفْ إلَيْها الأعْمالُ فَكانَتْ كالأجْنَبِيَّةِ، وكانَ التَّكْلِيمُ أنْسَبَ بِالأيْدِي لِكَثْرَةِ مُباشَرَتِها الأعْمالَ وإضافَتِها إلَيْها فَكَأنَّها هي العامِلَةُ، هَذا مَعَ ما في جَمْعِ التَّكْلِيمِ مَعَ الخَتْمِ عَلى الأفْواهِ المُرادُ مِنهُ المَنعُ مِنَ التَّكَلُّمِ - مِنَ الحُسْنِ.
وكَأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا صَدَّرَ آيَةَ النُّورِ وهي قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهُمْ﴾ بِالشَّهادَةِ وذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - الأعْضاءَ مِنَ الأعالِي إلى الأسافِلِ أسْنَدَها إلى الجَمِيعِ، ولَمْ يَخُصَّ سُبْحانَهُ الأيْدِيَ بِالتَّكْلِيمِ لِوُقُوعِها بَيْنَ الشُّهُودِ مَعَ أنَّ ما يَصْدُرُ مِنها شَهادَةٌ أيْضًا في الحَقِيقَةِ، فَإنَّ كَوْنَها عامِلَةً لَيْسَ عَلى الحَقِيقَةِ بَلْ هي آلَةٌ والعامِلُ هو الإنْسانُ حَقِيقَةً، وكانَ اعْتِبارُ الشَّهادَةِ مِنَ المَصْدَرِ هُناكَ أوْفَقَ بِالمَقامِ لِسَبْقِ قِصَّةِ الإفْكِ، وما يَتَعَلَّقُ لَها ولِذا نَصَّ فِيها عَلى الألْسِنَةِ ولَمْ يَنُصَّ هاهُنا عَلَيْها بَلِ الآيَةُ ساكِتَةٌ عَنِ الإفْصاحِ بِأمْرِها مِنَ الشَّهادَةِ وعَدَمِها، والخَتْمُ عَلى الأفْواهِ لَيْسَ بِعَدَمِ شَهادَتِها إذِ المُرادُ مِنهُ مَنعُ المُحَدَّثِ عَنْهم عَنِ التَّكَلُّمِ بِألْسِنَتِهِمْ وهو أمْرٌ وراءَ تَكَلُّمِ الألْسِنَةِ أنْفُسِها وشَهادَتِها بِأنْ يُجْعَلَ فِيها عِلْمٌ وإرادَةٌ وقُدْرَةٌ عَلى التَّكَلُّمِ فَتَتَكَلَّمُ هي وتَشْهَدُ بِما تَشْهَدُ وأصْحابُها مَخْتُومٌ عَلى أفْواهِهِمْ لا يَتَكَلَّمُونَ.
ومِنهُ يَعْلَمُ أنَّ آيَةَ النُّورِ لَيْسَ فِيها ما هو نَصٌّ في عَدَمِ الخَتْمِ عَلى الأفْواهِ، نَعَمِ الظّاهِرُ هُناكَ أنْ لا خَتْمَ، وهُنا أنْ لا شَهادَةَ مِنَ الألْسِنَةِ، وعَلى هَذا الظّاهِرِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُحَدَّثُ عَنْهُ في الآيَتَيْنِ واحِدًا بِأنْ يُخْتَمَ عَلى أفْواهِهِمْ وتُنْطَقُ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم أوَّلًا ثُمَّ يُرْفَعُ الخَتْمُ وتَشْهَدُ ألْسِنَتُهم إمّا مَعَ تَجَدُّدِ ما يَكُونُ مِنَ الأيْدِي والأرْجُلِ أوْ مَعَ عَدَمِهِ والِاكْتِفاءِ بِما كانَ قَبْلُ مِنهُما، وذَلِكَ إمّا في مَقامٍ واحِدٍ مِن مَقاماتِ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ في مَقامَيْنِ، ولَيْسَ في كُلٍّ مِنَ الآيَتَيْنِ ما يَدُلُّ عَلى الحَصْرِ ونَفْيِ شَهادَةِ غَيْرِ ما ذُكِرَ مِنَ الأعْضاءِ فَلا مُنافاةَ بَيْنَهُما وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿حَتّى إذا ما جاءُوها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ هُناكَ شَهادَةُ السَّمْعِ والأبْصارِ والألْسِنَةِ والأيْدِي والأرْجُلِ وسائِرِ الأعْضاءِ كَما يُشْعِرُ بِهَذا ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى ”والجُلُودُ“ في آيَةِ السَّجْدَةِ لَكِنْ لَمْ يُذْكَرْ بَعْضٌ مِن ذَلِكَ في بَعْضٍ مِنَ الآياتِ اكْتِفاءً بِذِكْرِهِ في البَعْضِ الآخَرِ مِنها، أوْ دَلالَتِهِ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُحَدَّثُ عَنْهُ في كُلِّ طائِفَةٍ مِنَ النّاسِ، وقَدْ جَعَلَ بَعْضُهُمُ المُحَدَّثَ عَنْهُ في آيَةِ السَّجْدَةِ قَوْمَ ثَمُودٍ، وحَمْلُ أعْداءِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ ﴿وحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِن الجِنِّ والإنْسِ﴾ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُحَدَّثُ عَنْهُ في آيَةِ النُّورِ أصْحابَ الإفْكِ مِنَ المُنافِقِينَ والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ إنَّ آيَةَ السَّجْدَةِ ظاهِرَةٌ في أنَّ الشَّهادَةَ عِنْدَ المَجِيءِ إلى النّارِ، وآيَةُ النُّورِ لَيْسَ فِيها ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَيُشْعِرُ كَلامُ البَعْضِ بِأنَّ الخَتْمَ والشَّهادَةَ فِيها بَعْدَ خِطابِ المُحَدَّثِ عَنْهم بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها اليَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ فَيَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَ المَجِيءِ إلى النّارِ أيْضًا، قالَ في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ﴾ ... إلَخِ التِفاتٌ إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذِكْرَ أحْوالِهِمُ القَبِيحَةِ اسْتَدْعى أنْ يُعْرَضَ عَنْهم وتُحْكى أحْوالُهُمُ الفَظِيعَةُ لِغَيْرِهِمْ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإيماءِ إلى أنَّ
صفحة 43
ذَلِكَ مِن مُقْتَضَياتِ الخَتْمِ لِأنَّ الخِطابَ لِتَلَقِّي الجَوابِ، وقَدِ انْقَطَعَ بِالكُلِّيَّةِ، لَكِنْ قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ:
إنَّ الشَّهادَةَ تَتَحَقَّقُ في مَوْقِفِ الحِسابِ لا بَعْدَ تَمامِ السُّؤالِ والجَوابِ وسَوْقِهِمْ إلى النّارِ، والأخْبارُ ظاهِرَةٌ في ذَلِكَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ مِن حَدِيثِ «يُدَعى الكافِرُ والمُنافِقُ لِلْحِسابِ فَيَعْرِضُ رَبُّهُ عَلَيْهِ عَمَلَهُ فَيَجْحَدُ ويَقُولُ أيْ رَبِّ وعِزَّتِكَ لَقَدْ كَتَبَ عَلَيَّ هَذا المَلَكُ ما لَمْ أعْمَلْ فَيَقُولُ لَهُ المَلَكُ أما عَمِلْتَ كَذا في يَوْمِ كَذا في مَكانِ كَذا فَيَقُولُ لا وعِزَّتِكَ أيْ رَبِّ ما عَمِلْتُهُ فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ خَتَمَ عَلى فِيهِ فَإنِّي أحْسَبُ أوَّلَ ما تَنْطِقُ مِنهُ فَخِذُهُ اليُمْنى ثُمَّ تَلا ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ﴾ الآيَةَ»
وفِي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ وأبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إنَّهُ يَلْقى العَبْدُ رَبَّهُ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى لَهُ أيْ فُلُ ألَمْ أُكْرِمْكَ إلى أنْ قالَ ﷺ فَيَقُولُ آمَنتُ بِكَ وبِكِتابِكَ وبِرَسُولِكَ وصَلَّيْتُ وصُمْتُ وتَصَدَّقْتُ ويُثْنِي بِخَيْرِ ما اسْتَطاعَ فَيَقُولُ: ألا نَبْعَثُ شاهِدَنا عَلَيْكَ فَيُفَكِّرُ في نَفْسِهِ مِنَ الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيَّ فَيُخْتَمُ عَلى فِيهِ ويُقالُ لِفَخِذِهِ انْطِقِي فَتَنْطِقُ فَخِذُهُ ولَحْمُهُ وعِظامَهُ بِعَمَلِهِ» .
وفِي بَعْضِ الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ العَبْدَ يَطْلُبُ شاهِدًا مِنهُ فَيُخْتَمُ عَلى فِيهِ،
أخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وابْنُ أبِي الدُّنْيا - واللَّفْظُ لَهُ - «عَنْ أنَسٍ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ﴾ قالَ كُنّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَضَحَكَ حَتّى بَدَتْ نَواجِذُهُ قالَ: أتُدْرُونَ مِمَّ ضَحِكْتُ؟ قُلْنا: لا يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: مِن مُخاطَبَةِ العَبْدِ رَبَّهُ يَقُولُ: يا رَبِّ ألَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ فَيَقُولُ: بَلى فَيَقُولُ: إنِّي لا أُجِيزُ عَلَيَّ إلّا شاهِدًا مِنِّي! فَيَقُولُ: كَفى بِنَفْسِكَ عَلَيْكَ شَهِيدًا وبِالكِرامِ الكاتِبِينَ شُهُودًا فَيُخْتَمُ عَلى فِيهِ ويُقالُ لِأرْكانِهِ انْطِقِي فَتَنْطِقُ بِأعْمالِهِ ثُمَّ يُخَلِّي بَيْنَهُ وبَيْنَ الكَلامِ فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وسُحْقًا فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُناضِلُ”» . والجَمْعُ بِالتِزامِ القَوْلِ بِالتَّعَدُّدِ فَتارَةً يَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَ الحِسابِ وأُخْرى عِنْدَ النّارِ، والقَوْلُ بِاخْتِلافِ أحْوالِ النّاسِ فِيما ذَكَرَ.
وما تَقَدَّمَ في حَدِيثِ أبِي مُوسى مِن أنَّ الفَخِذَ اليُمْنى أوَّلُ ما تَنْطِقُ عَلى ما يَحْسَبُ، جَزَمَ بِهِ الحَسَنُ، وأخْرَجَ أحْمَدُ وجَماعَةٌ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «“إنَّ أوَّلَ عَظْمٍ مِنَ الإنْسانِ يَتَكَلَّمُ يَوْمَ يُخْتَمُ عَلى الأفْواهِ فَخِذُهُ مِنَ الرِّجْلِ الشِّمالِ”». ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ التَّكَلُّمَ والشَّهادَةَ بِنُطْقٍ حَقِيقَةٌ وذَلِكَ بَعْدَ إعْطاءِ اللَّهِ تَعالى الأعْضاءَ حَياةً وعِلْمًا وقُدْرَةً فَيُرَدُّ بِذَلِكَ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ البَيِّنَةَ المَخْصُوصَةَ شَرْطٌ فِيما ذُكِرَ، وإسْنادُ الخَتْمِ إلَيْهِ تَعالى دُونَ ما بَعْدُ قِيلَ لِئَلّا يُحْتَمَلَ الجَبْرُ عَلى الشَّهادَةِ والكَلامِ فَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِاخْتِيارِ الأعْضاءِ المَذْكُورَةِ بَعْدَ إقْدارِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّهُ أدَلُّ عَلى تَفْضِيحِ المُحَدَّثِ عَنْهم. وهَلْ يَشْهَدُ كُلُّ عُضْوٍ بِما فُعِلَ بِهِ أوْ يَشْهَدُ بِذَلِكَ وبِما فُعِلَ بِغَيْرِهِ؟ فِيهِ خِلافٌ والثّانِي أبْلَغُ في التَّفْظِيعِ، والعِلْمُ بِالمَشْهُودِ بِهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حُصُولُهُ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ ولا يَكُونُ حاصِلًا في الدُّنْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حُصُولُهُ في الدُّنْيا بِأنْ تَكُونَ الأعْضاءُ قَدْ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى فِيها الإدْراكَ فَهي تُدْرِكُ الأفْعالَ كَما يُدْرِكُها الفاعِلُ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ رَدَّ اللَّهُ تَعالى لَها ما كانَ وجَعَلَها مُسْتَحْضِرَةً لِما عَمِلَتْهُ أوَّلًا وأنْطَقَها نُطْقًا يَفْقَهُهُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ، وهَذا نَحْوُ ما قالُوا مِن تَسْبِيحِ جَمِيعِ الأشْياءِ بِلِسانِ القالِ واللَّهُ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، والعَقْلُ لا يُحِيلُ ذَلِكَ، ولَيْسَ هو بِأبْعَدَ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى فِيها العِلْمَ والإرادَةَ والقُدْرَةَ حَتّى تَنْطِقَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَمَن يُؤْمِن بِهَذا فَلْيُؤْمِن بِذَلِكَ، والتَّشَبُّثُ بِذَيْلِ الِاسْتِبْعادِ يَجُرُّ إلى إنْكارِ الحَشْرِ بِالكُلِّيَّةِ - والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى - أوْ تَأْوِيلِهِ بِما أوَّلَهُ بِهِ الباطِنِيَّةُ الَّذِينَ قَتْلُ واحِدٍ مِنهُمْ- قالَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ- أفْضَلُ مِن قَتْلِ مِائَةٍ كافِرٍ، وعَلى هَذا تَكُونُ الآيَةُ مِن مُؤَيِّداتِ القَوْلِ بِالتَّسْبِيحِ القالِيِّ لِلْجَماداتِ ونَحْوِها، وعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يُؤَيَّدُ القَوْلُ بِجَوازِ شَهادَةِ الشّاهِدِ إذا حَصَلَ عِنْدَهُ العِلْمُ الَّذِي يَقْطَعُ بِهِ بِأيِّ وجْهٍ حَصَلَ وإنْ لَمْ يَشْهَدْ ذَلِكَ ولا حَضَرَهُ، وقَدْ أفادَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ
صفحة 44
قُدِّسَ سِرُّهُ في تَفْسِيرِهِ المُسَمّى بِإيجازِ البَيانِ في تَرْجَمَةِ القُرْآنِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ يُفِيدُ جَوازَ ذَلِكَ، وذِكَرَ فِيهِ أنَّ الشّاهِدَ يَأْثَمُ إنْ لَمْ يَشْهَدْ بِعِلْمِهِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما لِلْفُقَهاءِ في المَسْألَةِ مِنَ الكَلامِ، وكَأنَّ الشَّهادَةَ عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي بَعْدَ الِاسْتِشْهادِ بِأنْ يُقالَ لِلْأرْكانِ: ألَمْ يَفْعَلْ كَذا؟ فَتَقُولُ: بَلى فَعَلَ.
ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ بَعْدَ أنْ تُؤْمَرَ الأرْكانُ بِالشَّهادَةِ بِأنْ يُقالَ لَها: اشْهَدِي بِما فَعَلُوا فَتَشْهَدُ مُعَدِّدَةً أفْعالَهُمْ، وهَذا إمّا بِأنْ تَذْكُرَ جَمِيعَ أفْعالِهِمْ مِنَ المَعاصِي وغَيْرِها غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ المَعْصِيَةَ عَنْ غَيْرِها، وكَوْنُ ذَلِكَ شَهادَةً عَلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ الواقِعِ لِتَضَمُّنِها ضَرَرَهم بِذِكْرِ ما هو مَعْصِيَةٌ في نَفْسِ الأمْرِ، وإمّا بِأنْ تَذْكُرَ المَعاصِيَ فَقَطْ، وهَذا يَحْتاجُ إلى التِزامِ القَوْلِ بِأنَّ الأرْكانَ تُمَيِّزَ في الدُّنْيا ما كانَ مَعْصِيَةً مِنَ الأفْعالِ ما لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ولا أظُنُّكَ تَقُولُ بِهِ ولَمْ أسْمَعْ أنَّ أحَدًا يَدَّعِيهِ.
وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ تَكْلِيمَ الأرْكانِ وشَهادَتَها دَلالَتُها عَلى أفْعالِها وظُهُورِ آثارِ المَعاصِي عَلَيْها بِأنْ يُبَدِّلَ اللَّهُ تَعالى هَيْئاتِها بِأُخْرى يَفْهَمُ مِنها أهْلُ الحَشْرِ ويَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى ما صَدَرَ مِنهم فَجُعِلَتِ الدَّلالَةُ الحالِيَّةُ بِمَنزِلَةِ المَقالِيَّةِ مَجازًا، وفِيهِ أنَّهُ لا يُصارُ إلى المَجازِ مَعَ إمْكانِ الحَقِيقَةِ لا سِيَّما وما يَأْتِي في سُورَةِ السَّجْدَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ظاهِرٌ جِدًّا في النُّطْقِ القالِيِّ والإخْبارُ أظْهَرُ وأظْهَرُ، نَعَمْ يَهُونُ عَلى هَذا القَوْلِ أمْرُ الِاسْتِبْعادِ ولا يَكادُ يَتْرُكُ لِأجْلِهِ الظَّواهِرَ العُلَماءُ الأمْجادُ، وهَذا والآيَةُ كالظّاهِرَةِ في تَكْلِيفِ الكُفّارِ بِالفُرُوعِ؛ إذْ لَوْ لَمْ يَكُونُوا مُكَلَّفِينَ بِها لا فائِدَةَ في شَهادَةِ الأعْضاءِ بِما كَسَبُوا، وإتْمامُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِها وتَخْصِيصُ ما كَسَبُوا بِالكُفْرِ مِمّا لا يَكادُ يُلْتَفِتُ إلَيْهِ، ولا أظُنُّ أنَّ أحَدًا يَقُولُ بِهِ بَلْ رُبَّما يَدَّعِي تَخْصِيصَهُ بِما سِوى الكُفْرِ بِناءً عَلى أنَّهُ مِن أفْعالِ القَلْبِ دُونَ الأعْضاءِ الَّتِي تَشْهَدُ لَكِنِ الَّذِي يَتَرَجَّحُ في نَظَرِي العُمُومِ.
وشَهادَتُها بِهِ إمّا بِشَهادَتِها بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الأفْعالِ البَدَنِيَّةِ والأقْوالِ اللِّسانِيَّةِ أوْ بِالعِلْمِ الضَّرُورِيِّ الَّذِي يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى لَها ذَلِكَ اليَوْمَ أوْ بِالعِلْمِ الحاصِلِ لَها بِخَلْقٍ لِلَّهِ تَعالى في الدُّنْيا فَتَعْلَمُهُ بِواسِطَةِ الأفْعالِ والأقْوالِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ أوْ بِطَرِيقٍ آخَرَ يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعالى، وهي ظاهِرَةٌ في أنَّ الحَشْرَ يَكُونُ بِأجْزاءِ البَدَنِ الأصْلِيَّةِ لا بِبَدَنٍ آخَرَ لَيْسَ فِيهِ الأجْزاءُ الأصْلِيَّةُ لِلْبَدَنِ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا؛ إذْ أرْكانُ ذَلِكَ البَدَنِ لَمْ تَكُنِ الأعْمالُ السَّيِّئَةُ مَعْمُولَةً بِها فَلا يَحْسُنُ الشَّهادَةُ بِها مِنها فَلْيُحْفَظْ. وقُرِئَ“يُخْتَمُ”مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ“وتَتَكَلَّمُ أيْدِيهِمْ”بِتاءَيْنِ، وقُرِئَ“ولْتُكَلِّمْنا أيْدِيهِمْ ولِتَشْهَدْ أرْجُلُهُمْ”بِلامِ الأمْرِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُ الأعْضاءَ بِالكَلامِ والشَّهادَةِ. ورَوى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ طَلْحَةَ أنَّهُ قَرَأ“ولِتُكَلِّمَنا أيْدِيهِمْ ولِتَشْهَدَ" بِلامِ كَيْ والنَّصْبُ عَلى مَعْنى لِتَكْلِيمِ الأيْدِي إيّانا ولِشَهادَةِ الأرْجُلِ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ
36:66Page 444
وَلَوۡ نَشَآءُ لَطَمَسۡنَا عَلَىٰٓ أَعۡيُنِهِمۡ فَٱسۡتَبَقُواْ ٱلصِّرَٰطَ فَأَنَّىٰ يُبۡصِرُونَ ٦٦
And if We willed, We could have obliterated their eyes, and they would race to [find] the path, and how could they see?1
﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ﴾ بَيانُ أنَّهُمُ اليَوْمَ في قَبْضَةِ القُدْرَةِ ومُسْتَحِقُّونَ لِلْعَذابِ إلّا أنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ لِحِكْمَتِهِ - جَلَّ وعَلا - الباهِرَةِ، والطَّمْسُ إزالَةُ الأثَرِ بِالمَحْوِ، والمَعْنى لَوْ نَشاءُ الطَّمْسَ عَلى أعْيُنِهِمْ وإزالَةَ ضَوْئِها وصُورَتِها بِالكُلِّيَّةِ بِحَيْثُ تَعُودُ مَمْسُوحَةً لَطَمَسْنا عَلَيْها وأذْهَبْنا أثَرَها.
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالطَّمْسِ إذْهابُ الضَّوْءِ مِن غَيْرِ إذْهابِ العُضْوِ وأثَرِهِ أيْ ولَوْ نَشاءُ لَأعْمَيْناهُمْ، وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ - وإنْ كانَ المَعْنى عَلى المُضِيِّ - لِإفادَةِ أنَّ عَدَمَ الطَّمْسِ عَلى أعْيُنِهِمْ لِاسْتِمْرارِ عَدَمِ المَشِيئَةِ، فَإنَّ المُضارِعَ المَنفِيَّ الواقِعَ مَوْقِعَ المُضِيِّ لَيْسَ بِنَصٍّ في إفادَةِ انْتِفاءِ اسْتِمْرارِ الفِعْلِ بَلْ قَدْ يُفِيدُ اسْتِمْرارَ انْتِفائِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَبَقُوا الصِّراطَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿لَطَمَسْنا﴾ عَلى الفَرْضِ و”الصِّراطَ“ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ فَأرادُوا الِاسْتِباقَ إلى الطَّرِيقِ الواضِحِ المَأْلُوفِ لَهم.
﴿فَأنّى يُبْصِرُونَ﴾ أيْ فَكَيْفَ يُبْصِرُونَ ذَلِكَ الطَّرِيقَ
صفحة 45
وجِهَةَ السُّلُوكِ، والمَقْصُودُ إنْكارُ إبْصارِهِمْ، وحاصِلُهُ: لَوْ نَشاءُ لَأذْهَبْنا أحْداقَهم وأبْصارَهم فَلَوْ أرادُوا الِاسْتِباقَ وسُلُوكَ الطَّرِيقِ الَّذِي اعْتادُوا سُلُوكَهُ لا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ ولا يُبْصِرُونَهُ، وتَأْوِيلُ ”اسْتَبَقُوا“ بِـ ”أرادُوا الِاسْتِباقَ“ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ، وقِيلَ لا حاجَةَ لِتَأْوِيلِهِ فَإنَّ الأعْمى يَجُوزُ شُرُوعَهُ في السِّباقِ، ونُصِبَ ﴿الصِّراطَ﴾ بِنَزْعِ الخافِضِ ولَمْ يُنْصَبْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِأنَّهُ كالطَّرِيقِ مَكانٌ مُخْتَصٌّ، ومَثَلُهُ لا يَنْتَصِبُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ مَفْعُولًا بِهِ لِتَضْمِينِ ”اسْتَبَقُوا“ مَعْنى ابْتَدَرُوا، ونُقِلَ عَنِ الأساسِ في قِسْمِ الحَقِيقَةِ ﴿فاسْتَبَقُوا الصِّراطَ﴾ ابْتَدَرُوهُ، قالَ في الكَشْفِ: فَعَلَيْهِ لا تَضْمِينَ، وادَّعى بَعْضُهم تَوَهُّمَ دَعْوى أنَّ ذَلِكَ مَعْنًى حَقِيقِيٌّ، وصاحِبُ الأساسِ إنَّما ذَكَرَهُ في آخِرِ قَسَمِ المَجازِ، والمَعْنى لَوْ شِئْنا لَفَعَلْنا ما فَعَلْنا في أعْيُنِهِمْ فَلَوْ أرادُوا الِاسْتِباقَ مُتْبَدِرِينَ الطَّرِيقَ لا يُبْصِرُونَ، وقِيلَ: يَجُوزُ كَوْنُهُ مَفْعُولًا بِهِ عَلى أنَّ ”اسْتَبَقُوا“ بِمَعْنى سَبَقُوا ويَجْعَلُ الطَّرِيقَ مَسْبُوقًا عَلى التَّجَوُّزِ في النِّسْبَةِ أوِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ، أوْ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى جاوَزُوا، قالَ في القامُوسِ: اسْتَبَقَ الصِّراطَ جاوَزَهُ وظاهَرَهُ أنَّهُ حَقِيقَةٌ في ذَلِكَ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هو مَجازٌ والعَلاقَةُ اللُّزُومُ، والمَعْنى ولَوْ نَشاءُ لَفَعَلْنا ما فَعَلْنا في أعْيُنِهِمْ فَلَوْ طالَبُوا أنْ يُخْلَفُوا الصِّراطَ الَّذِي اعْتادُوا المَشْيَ فِيهِ لَعَجَزُوا ولَمْ يَعْرِفُوا طَرِيقًا، يَعْنِي أنَّهم لا يَقْدِرُونَ إلّا عَلى سُلُوكِ الطَّرِيقِ المُعْتادِ دُونَ ما وراءَهُ مِن سائِرِ الطُّرُقِ والمَسالِكِ كَما تَرى العُمْيانَ يَهْتَدُونَ فِيما ألِفُوا وضَرَبُوا بِهِ مِنَ المَقاصِدِ دُونَ غَيْرِها.
وذَهَبَ ابْنُ الطَّراوَةِ إلى أنَّ الصِّراطَ والطَّرِيقَ وما أشْبَهَهُما مِنَ الظُّرُوفِ المَكانِيَّةِ لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً فَيَجُوزُ انْتِصابُها عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وهَذا خِلافُ ما صَرَّحَ بِهِ سِيبَوَيْهِ وجَعَلَ انْتِصابَها عَلى الظَّرْفِيَّةِ مِنَ الشُّذُوذِ وأنْشَدَ:
لَدْنٌ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ فِيهِ كَما عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ
والمَعْنى في الآيَةِ لَوِ انْتَصَبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لَوْ نَشاءُ لَفَعَلْنا ما فَعَلْنا في أعْيُنِهِمْ فَلَوْ أرادُوا أنْ يَمْشُوا مُسْتَبِقِينَ في الطَّرِيقِ المَأْلُوفِ كَما كانَ ذَلِكَ هِجِّيراهم لَمْ يَسْتَطِيعُوا، وحَمْلُ الأعْيُنِ عَلى ما هو الظّاهِرُ مِنها - أعْنِي الأعْضاءَ المَعْرُوفَةَ - والصِّراطِ عَلى الطَّرِيقِ المَحْسُوسِ هو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ حَمْلُ الأعْيُنِ عَلى البَصائِرِ والصِّراطَ عَلى الطَّرِيقِ المَعْقُولِ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وجَماعَةٌ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ أعْمَيْناهم وأضْلَلْناهم عَنِ الهُدى ﴿فَأنّى يُبْصِرُونَ﴾ فَكَيْفَ يَهْتَدُونَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ. وقَرَأ عِيسى ”فاسْتَبِقُوا“ عَلى الأمْرِ وهو عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ فَيُقالُ لَهُمُ: اسْتِبَقُوا، وهو أمْرُ تَعْجِيزٍ؛ إذْ لا يُمْكِنُهُمُ الِاسْتِباقُ مَعَ طَمْسِ الأعْيُنِ
36:67Page 444
وَلَوۡ نَشَآءُ لَمَسَخۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمۡ فَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ مُضِيّٗا وَلَا يَرۡجِعُونَ ٦٧
And if We willed, We could have deformed them, [paralyzing them] in their places so they would not be able to proceed, nor could they return.1
﴿ولَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ﴾ أيْ لَحَوَّلْنا صُوَرَهم إلى صُوَرٍ أُخْرى قَبِيحَةٍ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْ لَمَسَخْناهم قِرَدَةً وخَنازِيرَ، وقِيلَ: لَمَسَخْناهم حِجارَةً ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي صالِحٍ، ويُعْلَمُ مِن هَذا الخِلافِ أنَّ في مَسْخِ الحَيَوانِ المَخْصُوصِ لا يُشْتَرَطُ بَقاءُ الصُّورَةِ الحَيَوانِيَّةِ، وسَمّى بَعْضُهم قَلْبَ الحَيَوانِ جَمادًا رَسْخًا وقَلْبَهُ نَباتًا فَسْخًا، وخُصَّ المَسْخُ بِقَلْبِهِ حَيَوانًا آخَرَ، ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ عَلى قِياسِ السّابِقِ أيْ ولَوْ نَشاءُ مَسْخَهم عَلى مَكانَتِهِمْ لَمَسَخْناهم ﴿عَلى مَكانَتِهِمْ﴾ أيْ مَكانِهِمْ كالمَقامَةِ والمَقامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في مَعْنى الآيَةِ لَوْ نَشاءُ لَأهْلَكْناهم في مَساكِنِهِمْ.
وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وجَماعَةٌ المَعْنى لَوْ نَشاءُ لَأقْعَدْناهم وأزْمَنّاهم وجَعَلْناهم كُسْحًا لا يَقُومُونَ. وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو بَكْرٍ ”مَكاناتِهِمْ“ بِالجَمْعِ لِتَعَدُّدِهِمْ ﴿فَما اسْتَطاعُوا﴾ لِذَلِكَ ﴿مُضِيًّا﴾ أيْ ذَهابًا إلى مَقاصِدِهِمْ ﴿ولا يَرْجِعُونَ﴾
صفحة 46
قِيلَ هو عَطْفٌ عَلى ﴿مُضِيًّا﴾ المَفْعُولِ بِهِ لِـ”اسْتَطاعُوا“ وهو مِن بابِ- تَسْمَعَ بِالمُعِيدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ- فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ فَما اسْتَطاعُوا مُضِيًّا ولا رُجُوعًا وإلّا فَمَفْعُولُ ”اسْتَطاعُوا“ لا يَكُونُ جُمْلَةً، والتَّعْبِيرُ بِذَلِكَ دُونَ الِاسْمِ الصَّرِيحِ قِيلَ لِلْفَواصِلِ مَعَ الإيماءِ إلى مُغايَرَةِ الرُّجُوعِ لِلْمُضِيِّ بِناءً عَلى ما قالَ الإمامُ مِن أنَّهُ أهْوَنُ مِنَ المُضِيِّ لِأنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ سُلُوكِ الطَّرِيقِ مِن قَبْلُ والمُضِيُّ لا يُنْبِئُ عَنْهُ، وقِيلَ لِذَلِكَ مَعَ الإيماءِ إلى اسْتِمْرارِ النَّفْيِ نَظَرًا إلى ظاهِرِ اللَّفْظِ، ويَكُونُ هُناكَ تَرَقٍّ مِن جِهَتَيْنِ إذا لُوحِظَ ما أوْمَأ إلَيْهِ الإمامُ، وقِيلَ لَهُ مَعَ الإيماءِ إلى أنَّ الرُّجُوعَ المَنفِيَّ ما كانَ عَنْ إرادَةٍ واخْتِيارٍ فَإنَّ اعْتِبارَهُما في الفِعْلِ المُسْنَدِ إلى الفاعِلِ أقْرَبُ إلى التَّبادُرِ مِنِ اعْتِبارِهِما في المَصْدَرِ.
واقْتَصَرَ بَعْضُهم في النُّكْتَةِ عَلى رِعايَةِ الفَواصِلِ، والإمامُ يَعُدُّ الِاقْتِصارَ عَلى رِعايَةِ الفَواصِلِ في بَيانِ نُكْتَةِ العُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ تَقْصِيرًا، وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ما اسْتَطاعُوا، والمُرادُ ولا يَرْجِعُونَ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ لِما أنَّهُ قَدْ طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ، وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى ما ذُكِرَ إلّا أنَّ المَعْنى ولا يَرْجِعُونَ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ المَسْخِ، ولَيْسَ بِالبَعِيدِ.
وعَلى القَوْلَيْنِ المُرادُ بِالمُضِيِّ الذَّهابُ عَنِ المَكانِ، ونَفْيُ اسْتِطاعَتِهِ مُغْنٍ عَنْ نَفْيِ اسْتِطاعَةِ الرُّجُوعِ، وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ أنَّ هَذا وكَذا ما قَبْلُهُ لَوْ كانَ لَكانَ في الدُّنْيا، وقالَ ابْنُ سَلامٍ: هَذا التَّوَعُّدُ كُلُّهُ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ ولا يَكادُ يَصِحُّ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ.
وأصْلُ ﴿مُضِيًّا﴾ مُضُويٌ اجْتَمَعَتِ الواوُ ساكِنَةً مَعَ الياءِ فَقُلِبَتْ ياءً كَما هو القاعِدَةُ، وأُدْغِمَتِ الياءُ في الياءِ وقُلِبَتْ ضَمَّةُ الضّادِ كَسْرَةً لِتَخِفَّ وتُناسِبَ الياءَ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وأحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ ”مِضِيًّا“ بِكَسْرِ المِيمِ اتِّباعًا لِحَرَكَةِ الضّادِ كالعُتِيِّ بِضَمِّ العَيْنِ والعِتِيِّ بِكَسْرِها. وقُرِئَ ”مَضِيًّا“ بِفَتْحِ المِيمِ فَيَكُونُ مِنَ المَصادِرِ الَّتِي جاءَتْ عَلى فَعِيلٍ كالرَّسِيمِ والوَجِيفِ والصَّئِيِّ بِفَتْحِ الصّادِ المُهْمَلَةِ بَعْدَها هَمْزَةٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ ياءٌ مُشَدَّدَةٌ مَصْدَرُ صَأى الدِّيكُ أوِ الفَرْخُ إذا صاحَ
36:68Page 444
وَمَن نُّعَمِّرۡهُ نُنَكِّسۡهُ فِي ٱلۡخَلۡقِۚ أَفَلَا يَعۡقِلُونَ ٦٨
And he to whom We grant long life We reverse in creation;1 so will they not understand?
﴿ومَن نُعَمِّرْهُ﴾ أيْ نُطِلْ عُمْرَهُ ﴿نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ﴾ نُقَلِّبُهُ فِيهِ فَلا يَزالُ يَتَزايَدُ ضَعْفُهُ وانْتِقاصُ بَنَيْتِهِ وقُواهُ عَكْسَ ما كانَ عَلَيْهِ بَدْءُ أمْرِهِ، وفِيهِ تَشْبِيهُ التَّنْكِيسِ المَعْنَوِيُّ بِالتَّنْكِيسِ الحِسِّيِّ واسْتِعارَةِ الحِسِّيِّ لَهُ، وعَنْ سُفْيانَ أنَّ التَّنْكِيسَ في سَنِّ ثَمانِينَ سَنَةً، والحَقُّ أنَّ زَمانَ ابْتِداءِ الضَّعْفِ وانْتِقاصِ البِنْيَةِ مُخْتَلِفٌ لِاخْتِلافِ الأمْزِجَةِ والعَوارِضِ كَما لا يَخْفى.
والكَلامُ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا﴾ إلَخْ عَطْفَ العِلَّةِ عَلى المَعْلُولِ لِأنَّهُ كالشّاهِدِ لِذَلِكَ.
وقَرَأ جَمْعٌ مِنَ السَّبْعَةِ ”نُنْكِسْهُ“ مُخَفَّفًا مِنَ الإنْكاسِ ﴿أفَلا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ أيَرُونَ ذَلِكَ فَلا يَعْقِلُونَ أنَّ مَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ قَدَرَ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ الطَّمْسِ والمَسْخِ وأنَّ عَدَمَ إيقاعِهِما لِعَدَمِ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ تَعالى بِهِما.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ ذَكْوانَ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ عَيّاشٍ ”تَعْقِلُونَ“ بِتاءِ الخِطابِ لِجِرْيِ الخِطابِ قَبْلَهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences