Al-AlusiYa-Sin · 36:69–75

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Ya-Sin 36:69–75

36:69Page 444

وَمَا عَلَّمۡنَٰهُ ٱلشِّعۡرَ وَمَا يَنۢبَغِي لَهُۥٓۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ وَقُرۡءَانٞ مُّبِينٞ ٦٩

And We did not give him [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] knowledge of poetry, nor is it befitting for him. It is not but a message and a clear Qur’ān

﴿وما عَلَّمْناهُ﴾ بِتَعْلِيمِ الكِتابِ المُشْتَمِلِ عَلى هَذا البَيانِ والتَّلْخِيصِ في أمْرِ المَبْدَأِ والمَعادِ ﴿الشِّعْرَ﴾ إذْ لا يَخْفى عَلى مَن بِهِ أدْنى مُسْكَةٍ أنَّ هَذا الكِتابَ الحَكِيمَ المُتَضَمِّنَ لِجَمِيعِ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ عَلى أُسْلُوبٍ أفْحَمَ كُلَّ مِنطِيقٍ - يُبايِنُ الشِّعْرَ، ولا مِثْلٌ الثُّرَيّا لِلثَّرى، أمّا لَفْظًا فَلِعَدَمِ وزْنِهِ وتَقْفِيَتِهِ، وأمّا مَعْنًى فَلِأنَّ الشِّعْرَ تَخَيُّلاتٌ مُرَغِّبَةٌ أوْ مُنَفِّرَةٌ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ وهو مَقَرُّ الأكاذِيبِ، ولِذا قِيلَ أعْذَبُهُ أكْذَبُهُ، والقُرْآنُ حِكَمٌ وعَقائِدُ وشَرائِعُ.

والمُرادُ مِن نَفْيِ تَعْلِيمِهِ ﷺ بِتَعْلِيمِ الكِتابِ الشِّعْرَ نَفْيُ أنْ يَكُونَ القُرْآنَ شِعْرًا عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ لِأنَّ

صفحة 47

ما عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى هو القُرْآنُ، وإذا لَمْ يَكُنِ المُعَلَّمُ شِعْرًا لَمْ يَكُنِ القُرْآنُ شِعْرًا البَتَّةَ، وفِيهِ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَيْسَ بِشاعِرٍ إدْماجًا ولَيْسَ هُناكَ كِنايَةٌ تَلْوِيحِيَّةٌ كَما قِيلَ، وهَذا رَدٌّ لِما كانُوا يَقُولُونَهُ مِن أنَّ القُرْآنَ شِعْرٌ والنَّبِيَّ ﷺ شاعِرٌ، وغَرَضُهم مِن ذَلِكَ أنَّ ما جاءَ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ القُرْآنِ افْتِراءٌ وتَخَيُّلٌ وحاشاهُ ثُمَّ حاشاهُ مِن ذَلِكَ.

﴿وما يَنْبَغِي لَهُ﴾ اعْتِراضٌ لِتَقْرِيرِ ما أُدْمِجَ أيْ لا يَلِيقُ ولا يَصْلُحُ لَهُ ﷺ الشِّعْرُ لِأنَّهُ يَدْعُو إلى تَغْيِيرِ المَعْنى لِمُراعاةِ اللَّفْظِ والوَزْنِ ولِأنَّ أحْسَنَهُ المُبالَغَةُ والمُجازَفَةُ والإغْراقُ في الوَصْفِ وأكْثَرُهُ تَحْسِينُ ما لَيْسَ بِحَسَنٍ وتَقْبِيحُ ما لَيْسَ بِقَبِيحٍ، وكُلُّ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي الكَذِبَ أوْ يُحاكِيهِ الكَذِبُ وجَلَّ جَنابُ الشّارِعِ عَنْ ذَلِكَ كَذا قِيلَ.

وقالَ ابْنُ الحاجِبِ: أيْ لا يَسْتَقِيمُ عَقْلًا أنْ يَقُولَ ﷺ الشِّعْرَ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مِمَّنْ يَقُولُهُ لَتَطَرَّقَتِ التُّهْمَةُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ في أنَّ ما جاءَ بِهِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ وأنَّهُ مِن تِلْكَ القُوَّةِ الشِّعْرِيَّةِ ولِذا عَقَّبَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكافِرِينَ﴾ لِأنَّهُ إذا انْتَفَتِ الرِّيبَةُ لَمْ يَبْقِ إلّا المُعانَدَةُ فَيَحِقُّ القَوْلُ عَلَيْهِمْ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ الإيجازَ يَرْفَعُ التُّهْمَةَ وإلّا فَكَوْنُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في المَرْتَبَةِ العُلْيا مِنَ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ في النَّثْرِ لَيْسَ بِأضْعَفَ مِن قَوْلِ الشِّعْرِ في كَوْنِهِ مَظِنَّةَ تَطَرُّقِ التُّهْمَةِ بَلْ رُبَّما يُتَخَيَّلُ أنَّهُ أعْظَمُ مِن قَوْلِ الشِّعْرِ في ذَلِكَ فَلَوْ كانَتْ عِلَّةُ مَنعِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ الشِّعْرِ ما ذُكِرَ لَزِمَ أنْ يُمْنَعَ مِنَ الكَلامِ الفَصِيحِ البَلِيغِ سَدًّا لِبابِ الرِّيبَةِ ودَحْضًا لِلشُّبْهَةِ وإعْظامًا لِلْحُجَّةِ فَحَيْثُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ اكْتِفاءً بِالإعْجازِ وأنَّ التُّهْمَةَ والرَّيْبَ مَعَهُ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَصْدُرَ مِن عاقِلٍ ولِذا نُفِيَ الرَّيْبُ مَعَ أنَّهُ وقَعَ عِلْمٌ أنَّ العِلَّةَ في أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لا يَنْبَغِي لَهُ الشِّعْرُ شَيْءٌ آخَرُ، واخْتارَ هَذا ابْنُ عَطِيَّةَ وجَعَلَ العِلَّةَ ما في قَوْلِ الشِّعْرِ مِنَ التَّخْيِيلِ والتَّزْوِيقِ لِلْقَوْلِ وهو قَرِيبٌ مِمّا سَمِعْتَ أوَّلًا، وهو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ، وفي الآيَةِ عَلَيْهِ دَلالَةٌ عَلى غَضاضَةِ الشِّعْرِ وهي ظاهِرَةٌ في أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمْ يُعْطَ طَبِيعَةً شِعْرِيَّةً اعْتِناءً بِشَأْنِهِ ورَفْعًا لِقَدْرِهِ وتَبْعِيدًا لَهُ ﷺ مِن أنْ يَكُونَ فِيهِ مَبْدَأٌ لِما يُخِلُّ بِمَنصِبِهِ في الجُمْلَةِ.

وإنَّما لَمْ يُعْطَ ﷺ القُدْرَةَ عَلى الشِّعْرِ مَعَ حِفْظِهِ عَنْ إنْشائِهِ لِأنَّ ذَلِكَ سَلَبَ القُدْرَةَ عَلَيْهِ في الإبْعادِ عَمّا يُخِلُّ بِمَنصِبِهِ الجَلِيلِ ﷺ، ونَظِيرُ ما ذَكَرْنا العِصْمَةُ والحِفْظُ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ المَواهِبِ اللَّدُنْيَّةِ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلى الشِّعْرِ إلّا أنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أنْ يُشْعِرَ ولَيْسَ بِذاكَ، نَعَمِ القَوْلُ بِحُرْمَةِ إنْشاءِ الشَّعْرِ مَقْبُولٌ ومَعْناهُ - عَلى القَوْلِ السّابِقِ عَلى ما قِيلَ - حُرْمَةُ التَّوَصُّلِ إلَيْهِ، وقَدْ يُقالُ: لا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، وحُرْمَةُ الشَّيْءِ تُجامِعُ عَدَمَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، وهَلْ عَدَمُ الشِّعْرِ خاصٌّ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أوْ عامٌّ لِنَوْعِ الأنْبِياءِ؟ قالَ بَعْضُهُمْ: هو عامٌّ لِهَذِهِ الآيَةِ؛ إذْ لا يَظْهَرُ لِلْخُصُوصِ نُكْتَةٌ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خاصًّا والنُّكْتَةُ زِيادَةُ التَّكْرِيمِ لِما أنَّ مَقامَهُ ﷺ فَوْقَ مَقامِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ويَكُونُ الثّابِتُ لَهُمُ الحِفْظَ عَنِ الإنْشاءِ مَعَ ثُبُوتِ القُدْرَةِ عَلَيْهِ وإنْ صَحَّ خَبَرُ إنْشاءِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَوْمَ قُتِلَ ولَدُهُ:

تَغَيَّرَتِ البِلادُ ومَن عَلَيْها ووَجْهُ الأرْضِ مُغْبَرٌّ قَبِيحْ

تَغَيَّرَ كُلُّ ذِي طَعْمٍ ولَوْنٍ ∗∗∗ وقَلَّ بَشاشَةُ الوَجْهِ الصَّبِيحْ

اِتَّضَحَ أمْرُ الخُصُوصُ وعُلِمَ أنْ لا حِفْظَ مِنَ الإنْشاءِ أيْضًا، ولَعَلَّ الحِفْظَ حِينَئِذٍ مِمّا فِيهِ ما يَشِينَ ويُخِلُّ بِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ مُطْلَقًا، والنُّكْتَةُ في الخُصُوصِ ظاهِرَةٌ عَلى ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ الحاجِبِ لِأنَّ أعْظَمَ مُعْجِزاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ

صفحة 48

والسَّلامُ القُرْآنُ، فَرُبَّما تَحْصُلُ التُّهْمَةُ فِيهِ لَوْ قالَ ﷺ الشِّعْرُ وكَذَلِكَ مُعْجِزاتُ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - فَتَأمَّلْ.

”وأيا“ ما كانَ لا يَرِدُ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - «قالَ يَوْمَ حُنَيْنٍ وهو عَلى بَغْلَتِهِ البَيْضاءِ وأبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ آخُذٌ بِزِمامِها ولَمْ يَبْقَ مَعَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ النّاسِ إلّا قَلِيلٌ:

- أنا النَّبِيُّ لا كَذِبْ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ-» لِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ شِعْرٌ فَقَدْ عَرَّفُوهُ بِأنَّهُ الكَلامُ المُقَفّى المَوْزُونُ عَلى سَبِيلِ القَصْدِ وهَذا مِمّا اتَّفَقَ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن غَيْرِ قَصْدٍ لِوَزْنِهِ، ومِثْلُهُ يَقَعُ كَثِيرًا في الكَلامِ المَنثُورِ ولا يُسَمّى شِعْرًا ولا قائِلُهُ شاعِرًا، ولا يُتَوَهَّمُ مِنِ انْتِسابِهِ ﷺ فِيهِ إلى جِدِّهِ دُونَ أبِيهِ دَلِيلُ القَصْدِ لِأنَّ النِّسْبَةَ إلى الجِدِّ شائِعَةٌ ولِأنَّهُ هو الَّذِي قامَ بِتَرْبِيَتِهِ حَيْثُ تُوُفِّيَ أبُوهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وهو حَمْلٌ، فَحِينَ وُلِدَ قامَ بِأمْرِهِ فَوْقَ ما يَقُومُ الوالِدُ بِأمْرِ الوَلَدِ؛ ولِأنَّهُ كانَ مَشْهُورًا بَيْنَهم بِالصِّدْقِ والشَّرَفِ والعِزَّةِ؛ فَلِذا خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِيَكُونَ كالدَّلِيلِ عَلى ما قَبْلُ أوْ كَمانِعٍ آخَرَ مِنَ الِانْهِزامِ ولِأنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ كانُوا يَدْعُونَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِابْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ. ومِنهُ حَدِيثُ ضِمامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ: ”أيُّكُمُ ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟“ عَلى أنَّ مِنهم مَن لَمْ يَعُدَّ الرَّجَزَ مُطْلَقًا، وأصْلُهُ ما كانَ عَلى مُسْتَفْعِلُنْ سِتَّ مَرّاتٍ شِعْرًا ولِذا يُسَمّى قائِلُهُ راجِزًا لا شاعِرًا، وعَنِ الخَلِيلِ أنَّ المَشْطُورَ مِنهُ وهو ما حُذِفَ نِصْفُهُ فَبَقِيَ وزْنُهُ مُسْتَفْعِلُنْ ثَلاثَ مَرّاتٍ، والمَنهُوكَ وهو ما حُذِفَ ثُلْثاهُ فَبَقِيَ وزْنُهُ مُسْتَفْعِلُنْ مَرَّتَيْنِ لَيْسا بِشِعْرٍ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّ المَجْزُوءَ وهو ما حُذِفَ مِن كُلِّ مِصْراعٍ مِنهُ جُزْءٌ فَبَقِيَ وزْنُهُ مُسْتَفْعِلُنْ أرْبَعَ مَرّاتٍ كَذَلِكَ، فَقَوْلُهُ ﷺ أنا النَّبِيُّ لا كَذِبْ إنْ كانَ نِصْفَ بَيْتٍ فَهو مَجْزُوءٌ فَلَيْسَ بِشِعْرٍ عَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ، وإنْ فُرِضَ أنَّ هُناكَ قَصْدًا وإنْ كانَ بَيْتًا تامًّا فَهو لَيْسَ بِشِعْرٍ أيْضًا عَلى الرِّوايَةِ الأوْلى، وكَوْنُهُ لَيْسَ بِشِعْرٍ عَلى قَوْلِ مَن لا يَرى الرَّجَزَ مُطْلَقًا شِعْرًا ظاهِرٌ.

وجاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حَرَّكَ الباءَ مِن (كَذِبَ) و(المُطَّلِبِ) فَلا يَكُونُ ذَلِكَ مَوْزُونًا فَكَوْنُهُ لَيْسَ بِشِعْرٍ أظْهَرُ وأظْهَرُ، والقَوْلُ بِأنَّ ضَمِيرَ (لَهُ) لِلْقُرْآنِ المَعْلُومِ مِنَ السِّياقِ أيْ وما يَصِحُّ لِلْقُرْآنِ أنْ يَكُونَ شِعْرًا فَيَجُوزَ صُدُورُ الشِّعْرِ عَنْهُ ﷺ، ولا يَحْتاجُ إلى تَوْجِيهٍ لَيْسَ بِشَيْءٍ، فَإنَّهُ يَكْفِي في نَفْيِ الشِّعْرِ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾ مَعَ أنَّ الظّاهِرَ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأوْلى التَّوْجِيهاتِ إخْراجُ ذَلِكَ مِنَ الشِّعْرِ بِانْتِفاءِ القَصْدِ وبِذَلِكَ يَخْرُجُ ما وقَعَ في القُرْآنِ مِن نَظائِرِهِ مِنهُ، وقَدْ ذَكَرْنا لَكَ فِيما مَرَّ كَثِيرًا مِنها، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لا يَنْبَغِي لَهُ التَّكَلُّمُ بِشِعْرٍ قالَهُ بَعْضُ الشُّعَراءِ والمُتَمَثَّلِ بِهِ، وفي الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ التَّكَلُّمِ بِالبَيْتِ مُتَّزِنًا نادِرًا كَما رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْشَدَ بَيْتَ ابْنِ رَواحَةَ:

يَبِيتُ يُجافِي جَنْبَهُ عَنْ فِراشِهِ ∗∗∗ إذا اسْتَثْقَلَتْ بِالمُشْرِكِينَ المَضاجِعُ

وإنْشادُهُ إيّاهُ كَذَلِكَ مَذْكُورٌ في البَحْرِ، ورُوِيَ أنَّهُ ﷺ أصابَ أُصْبُعَهُ الشَّرِيفَةَ حَجَرٌ في بَعْضِ غَزَواتِهِ فَدَمِيَتْ فَتَمَثَّلَ بِقَوْلِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ: عَلى ما قالَهُ ابْنُ هِشامٍ في السِّيرَةِ أوِ ابْنُ رَواحَةَ عَلى ما صَحَّحَهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ:

صفحة 49

ما أنْتَ إلّا أُصْبُعٌ دَمِيَتْ ∗∗∗ وفي سَبِيلِ اللَّهِ ما لَقِيَتْ

قِيلَ: هو لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في قَوْلِهِ ﷺ أنا النَّبِيُّ إلَخْ، إلّا أنَّ هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَشْطُورًا إذا كانَ كُلٌّ مِن شَطْرَيْهِ بَيْتًا وعَلى وُقُوعِ التَّكَلُّمِ بِالبَيْتِ غَيْرَ مُتَّزِنٍ مَعَ إحْرازِ المَعْنى كَثِيرًا كَما رُوِيَ «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْشَدَ:

سَتُبْدِي لَكَ الأيّامُ ما كُنْتَ جاهِلًا ∗∗∗ ويَأْتِيكَ مَن لَمْ تُزَوَّدْ بِالأخْبارِ

فَقالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَيْسَ هَكَذا يا رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ”إنِّي واللَّهِ ما أنا بِشاعِرٍ ولا يَنْبَغِي لِي“،» وفي خَبَرٍ أخْرَجَهُ أحْمَدُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا اسْتَراثَ الخَبَرَ تَمَثَّلَ بِبَيْتِ طَرَفَةَ

ويَأْتِيكَ مَن لَمْ تُزَوِّدْ بِالأخْبارِ.» وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ «أنَّهُ ﷺ كانَ يَتَمَثَّلُ بِهَذا البَيْتِ:

كَفى بِالإسْلامِ والشَّيْبِ لِلْمَرْءِ ناهِيًا

فَقالَ أبُو بَكْرٍ: أشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ما عَلَّمَكَ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَكَ،» وأخْرَجَ ابْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي الزِّنادِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِلْعَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ: أرَأيْتَ قَوْلَكَ:

أتُجْعَلُ نَهْبِي ونَهْبَ العَبِيدِ بَيْنَ الأقْرَعِ وعُيَيْنَةَ فَقالَ لَهُ أبُو بَكْرٍ: رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِأبِي أنْتَ وأُمِّي يا رَسُولَ اللَّهِ ما أنْتَ بِشاعِرٍ ولا راوِيَةٍ ولا يَنْبَغِي لَكَ إنَّما قالَ بَيْنَ عُيَيْنَةَ والأقْرَعِ،» ورُوِيَ «أنَّهُ قِيلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: مَن أشْعَرُ النّاسِ؟ فَقالَ: الَّذِي يَقُولُ:

ألَمْ تَرَيانِي كُلَّما جِئْتُ طارِقًا ∗∗∗ وجَدْتُ بِها وإنْ لَمْ تُطَيَّبْ طِيبًا

» وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ فِيهِ مَجْهُولٌ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ ما جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ شِعْرٍ قَطُّ إلّا بَيْتًا واحِدًا:

تَفاءَلْ بِما تَهْوى يَكُنْ فَلَقَلَّما يُقالُ لِشَيْءٍ كانَ إلّا تَحَقَّقْ

قالَتْ عائِشَةُ: ولَمْ يُقَلْ تَحَقَّقا لِئَلّا يُعْرِبَهُ فَيَصِيرَ شِعْرًا، ثُمَّ إنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَعَ هَذا لَمْ يَكُنْ يُحِبُّ الشِّعْرَ فَفي مُسْنَدِ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ أبْغَضُ الحَدِيثِ إلَيْهِ ﷺ الشِّعْرَ،» وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لَأنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أحَدِكم قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِن أنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» وهَذا ظاهِرٌ في ذَمِّ الإكْثارِ مِنهُ، وما رُوِيُ عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ قالَ: كانَ الشِّعْرُ أحَبَّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن كَثِيرٍ مِنَ الكَلامِ - مُنافٍ لِما سَمِعْتَ عَنِ المُسْنَدِ، ولَعَلَّ الجَمْعَ بِالتَّفْصِيلِ بَيْنَ شِعْرٍ وشِعْرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في الشِّعْرِ مُفَصَّلًا في سُورَةِ الشُّعَراءِ فَتَذْكَّرْ.

﴿إنْ هُوَ﴾ أيْ ما القُرْآنُ ﴿إلا ذِكْرٌ﴾ أيْ عِظَةٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وإرْشادٌ لِلثِّقْلَيْنِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾، ﴿وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ أيْ كِتابٌ سَماوِيٌّ ظاهِرٌ أنَّهُ لَيْسَ مِن كَلامِ البَشَرِ لِما فِيهِ مِنَ الإعْجازِ الَّذِي ألْقَمَ مَن تَصَدّى لِلْمُعارَضَةِ الحَجَرَ

36:70Page 444

لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّٗا وَيَحِقَّ ٱلۡقَوۡلُ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧٠

To warn whoever is alive1 and justify the word [i.e., decree] against the disbelievers.

﴿لِيُنْذِرَ﴾ أيِ القُرْآنُ أوِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ ”لِتُنْذِرَ“ بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ اليَمانِيُّ ”لِيُنْذَرَ“ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ونَقَلَها ابْنُ خالَوَيْهِ عَنِ الجَحْدَرِيِّ وقالَ: عَنْ أبِي السِّمالِ واليَمانِيِّ أنَّهُما قَرَءا ”لِيَنْذَرَ“ بِفَتْحِ الياءِ والذّالِ مُضارِعُ نَذِرَ بِالشَّيْءِ بِكَسْرِ الذّالِ إذا عَلِمَ بِهِ.

﴿مَن كانَ حَيًّا﴾ أيْ عاقِلًا كَما أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ الضَّحّاكِ، وفِيهِ اسْتِعارَةٌ

صفحة 50

مُصَرِّحَةٌ بِتَشْبِيهِ العَقْلِ بِالحَياةِ، أوْ مُؤْمِنًا بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِهِ بِالكافِرِينَ، وفِيهِ أيْضًا اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ لِتَشْبِيهِ الإيمانِ بِالحَياةِ، ويَجُوزُ كَوْنُهُ مَجازًا مُرْسَلًا لِأنَّهُ سَبَبٌ لِلْحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ الأبَدِيَّةِ، والمُضِيُّ في ”كانَ“ بِاعْتِبارِ ما في عِلْمِهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِتَحَقُّقِهِ، وقِيلَ كانَ بِمَعْنى يَكُونُ، وقِيلَ في الكَلامِ مَجازُ المُشارَفَةِ ونَزَلَتْ مَنزِلَةَ المُضِيِّ وهو كَما تَرى، وتَخْصِيصُ الإنْذارِ بِهِ لِأنَّهُ المُنْتَفِعُ بِذَلِكَ ﴿ويَحِقَّ القَوْلُ﴾ أيْ تَجِبُ كَلِمَةُ العَذابِ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ المَوْسُومِينَ بِهَذا الوَسْمِ المُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ، وفي إيرادِهِمْ بِمُقابَلَةِ مَن كانَ حَيًّا إشْعارٌ بِأنَّهم لِخُلُوِّهِمْ عَنْ آثارِ الحَياةِ وأحْكامِها كالمَعْرِفَةِ أمْواتٌ في الحَقِيقَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ قَرِينَتُها اسْتِعارَةٌ أُخْرى. وكَأنَّهُ جِيءَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿لِيُنْذِرَ﴾ إلَخْ رُجُوعًا إلى ما بُدِئَ بِهِ السُّورَةُ مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ . ولَوْ نَظَرَتْ إلى هَذا التَّخَلُّصِ مِن حَدِيثِ المَعادِ إلى حَدِيثِ القُرْآنِ والإنْذارِ لَقَضَيْتَ العَجَبَ مِن حُسْنِ مَوْقِعِهِ.

36:71Page 445

أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا خَلَقۡنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتۡ أَيۡدِينَآ أَنۡعَٰمٗا فَهُمۡ لَهَا مَٰلِكُونَ ٧١

Do they not see that We have created for them from what Our hands1 have made, grazing livestock, and [then] they are their owners?

﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّعْجِيبِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى جُمْلَةٍ مَنفِيَّةٍ مُقَدَّرَةٍ مُسْتَتْبَعَةٍ لِلْمَعْطُوفِ أيْ ألَمْ يَتَفَكَّرُوا أوْ ألَمْ يُلاحِظُوا أوْ ألَمْ يَعْلَمُوا عِلْمًا يَقِينِيًّا مُشابِهًا لِلْمُعايَنَةِ. زَعَمَ بَعْضُهم أنَّ هَذا عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى:”ألم يروا كم أهلكنا“ إلَخْ والأوَّلُ لِلْحَثِّ عَلى التَّوْحِيدِ بِالتَّحْذِيرِ مِنَ النِّقَمِ وهَذا بِالتَّذْكِيرِ بِالنِّعَمِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنّا خَلَقْنا لَهُمْ﴾ أيْ لِأجْلِهِمْ وانْتِفاعِهِمْ ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ أيْ مِمّا تَوَلَّيْنا إحْداثَهُ بِالذّاتِ مِن غَيْرِ مَدْخَلٍ لِغَيْرِنا فِيهِ لا خَلْقًا ولا كَسْبًا.

والكَلامُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ فِيما ذُكِرَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَدْ كُنِّيَ عَنِ الإيجادِ بِعَمَلِ الأيْدِي فِيمَن لَهُ ذَلِكَ ثُمَّ بَعْدَ الشُّيُوعِ أُرِيدَ بِهِ ما أُرِيدُ مَجازًا مُتَفَرِّعًا عَلى الكِنايَةِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: المُرادُ بِالعَمَلِ الإحْداثُ وبِالأيْدِي القُدْرَةُ مَجازًا، وأُوثِرَتْ صِيغَةُ التَّعْظِيمِ، والأيْدِي مَجْمُوعَةٌ تَعْظِيمًا لِشَأْنِ الأثَرِ، وإنَّهُ أمْرٌ عَجِيبٌ وصُنْعٌ غَرِيبٌ ولَيْسَ بِذاكَ، وقِيلَ: الأيْدِي مَجازٌ عَنِ المَلائِكَةِ المَأْمُورِينَ بِمُباشَرَةِ الأعْمالِ حَسْبَما يُرِيدُهُ - عَزَّ وجَلَّ - في عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ كَمَلائِكَةِ التَّصْوِيرِ ومَلائِكَةِ نَفْخِ الأرْواحِ في الأبْدانِ بَعْدَ إكْمالِ تَصْوِيرِها ونَحْوِهِمْ، ولا يَخْفى ما فِيهِ.

ونَحْوُهُ ما قِيلَ: الأيْدِي مَجازٌ عَنِ الأسْماءِ فَإنَّ كُلَّ أثَرٍ في العالَمِ بِواسِطَةِ اسْمٍ خاصٍّ مِن أسْمائِهِ عَزَّ وجَلَّ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الآيَةَ مِنَ المُتَشابِهِ عِنْدَ السَّلَفِ وهم لا يَجْعَلُونَ اليَدَ مُضافَةً إلَيْهِ تَعالى بِمَعْنى القُدْرَةِ أُفْرِدَتْ- كَـ ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ - أوْ ثُنِّيَتْ - كَـ ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ - أوْ جُمِعَتْ كَما هُنا؛ بَلْ يُثْبِتُونَ اليَدَ لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - كَما أثْبَتَها لِنَفْسِهِ مَعَ التَّنْزِيهِ النّاطِقِ بِهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وارْتَضاهُ كَثِيرٌ مِمَّنْ وفَّقَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الخَلْقِ، ولا أرى الطّاعِنِينَ عَلَيْهِمْ إلّا جَهَلَةً ﴿أنْعامًا﴾ مَفْعُولُ ﴿خَلَقْنا﴾ وأُخِّرَ عَنِ الجارَّيْنِ المُتَعَلِّقَيْنِ بِهِ؛ اعْتِناءً بِالمُقَدَّمِ، وتَشْوِيقًا إلى المُؤَخَّرِ، وجَمْعًا بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن أحْكامِهِ المُتَفَرِّعَةِ عَلَيْهِ، والمُرادُ بِالأنْعامِ الأزْواجُ الثَّمانِيَةُ وخَصَّها بِالذِّكْرِ لِما فِيها مِن بَدائِعِ الفِطْرَةِ وكَثْرَةِ المَنافِعِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ .

﴿فَهم لَها مالِكُونَ﴾ أيْ مُتَمَلِّكُونَ لَها بِتَمْلِيكِنا إيّاها لَهُمْ، والفاءُ قِيلَ لِلتَّفْرِيعِ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ خَلَقْنا لَهم أنْعامًا ومَلَّكْناها لَهم فَهم بِسَبَبِ ذَلِكَ مالِكُونَ لَها، وقِيلَ لِلتَّفْرِيعِ عَلى خَلْقِها لَهم وفِيهِ خَفاءٌ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُلْكُ بِمَعْنى القُدْرَةِ والقَهْرِ مَن مَلَكْتُ العَجِينَ إذا أجَدْتَ عَجْنَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ مَنِيعٍ الفَزارِيَّ وقَدْ سُئِلَ عَنْ حالِهِ بَعْدَ إذْ كَبُرَ:

أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولا أمْلِكَ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا

صفحة 51

والأوَّلُ أظْهَرُ لِيَكُونَ ما بَعْدُ تَأْسِيسًا لا تَأْكِيدًا، وأيًّا ما كانَ فَـ ”لَها“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”مالِكُونَ“ واللّامُ مُقَوِّيَةٌ لِلْعَمَلِ وقُدِّمَ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ مَعَ الِاهْتِمامِ، وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْرارِ مالِكِيَّتِهِمْ لَها واسْتِمْرارِها.

36:72Page 445

وَذَلَّلۡنَٰهَا لَهُمۡ فَمِنۡهَا رَكُوبُهُمۡ وَمِنۡهَا يَأۡكُلُونَ ٧٢

And We have tamed them for them, so some of them they ride, and some of them they eat.

﴿وذَلَّلْناها لَهُمْ﴾ أيْ وصَيَّرْناها سَهْلَةً غَيْرَ مُسْتَعْصِيَةٍ عَلَيْهِمْ في شَيْءٍ مِمّا يُرِيدُونَ بِها حَتّى الذَّبْحُ حَسَبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿فَمِنها رَكُوبُهُمْ﴾ فَإنَّ الفاءَ فِيهِ لِتَفْرِيعِ أحْكامِ التَّذْلِيلِ عَلَيْهِ وتَفْصِيلِها أيْ فَبَعْضٌ مِنها مَرْكُوبُهُمْ، فَرُكُوبٌ فُعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَحَصُورٍ وحَلُوبٍ وقَزُوعٍ وهو مِمّا لا يَنْقاسُ. وقَرَأ أُبَيٌّ وعائِشَةُ ”رَكُوبَتُهُمْ“ بِالتّاءِ وهي فَعُولَةٌ بِمَعْنى مُفَعْوِلَةٍ كَحَلُوبَةٍ، وقِيلَ جَمْعُ رَكُوبٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ فَعُولَةٌ بِفَتْحِ الفاءِ في الجُمُوعِ ولا في أسْمائِها. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ وأبُو البَرَهْسَمِ ”رُكُوبُهُمْ“ بِضَمِّ الرّاءِ وبِغَيْرِ تاءٍ وهو مَصْدَرٌ كالقُعُودِ والدُّخُولِ، فَإمّا أنْ يُؤَوَّلَ بِالمَفْعُولِ أوْ يُقَدَّرَ مُضافٌ في الكَلامِ إمّا في جانِبِ المُسْنَدِ إلَيْهِ أيْ ذُو رُكُوبِهِمْ أوْ في جانِبِ المُسْنَدِ أيْ فَمِن مَنافِعِها رُكُوبُهم ﴿ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ أيْ وبَعْضٌ مِنها يَأْكُلُونَ لَحْمَهُ، والتَّبْعِيضُ هُنا بِاعْتِبارِ الأجْزاءِ وفِيما قِيلَ بِاعْتِبارِ الجُزْئِيّاتِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، وغُيِّرَ الأُسْلُوبُ لِأنَّ الأكْلَ عامٌّ في الأنْعامِ جَمِيعِها وكَثِيرٌ مُسْتَمِرٌّ بِخِلافِ الرُّكُوبِ، كَذا قِيلَ، وقِيلَ: الفِعْلُ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ المَصْدَرِ وهو بِمَعْنى المَفْعُولِ لِلْفاصِلَةِ.

36:73Page 445

وَلَهُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ وَمَشَارِبُۚ أَفَلَا يَشۡكُرُونَ ٧٣

And for them therein are [other] benefits and drinks, so will they not be grateful?

﴿ولَهم فِيها﴾ أيْ في الأنْعامِ بِكِلا قِسْمَيْها ﴿مَنافِعُ﴾ غَيْرُ الرُّكُوبِ والأكْلِ كالجُلُودِ والأصْوافِ والأوْبارِ وغَيْرِها وكالحِراثَةِ بِالثِّيرانِ ﴿ومَشارِبُ﴾ جَمْعُ مَشْرَبٍ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ والمُرادُ بِهِ اللَّبَنُ، وخُصَّ مَعَ دُخُولِهِ في المَنافِعِ لِشَرَفِهِ واعْتِناءِ العَرَبِ بِهِ، وجُمِعَ بِاعْتِبارِ أصْنافِهِ ولا رَيْبَ في تَعَدُّدِها، وتَعْمِيمُ المَشارِبِ لِلزُّبْدِ والسَّمْنِ والجُبْنِ والأقِطِ لا يَصِحُّ إلّا بِالتَّغْلِيبِ أوِ التَّجَوُّزِ لِأنَّها غَيْرُ مَشْرُوبَةٍ ولا حاجَةَ إلَيْهِ مَعَ دُخُولِها في المَنافِعِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ المُشارِبُ جَمْعَ مَشْرَبٍ مَوْضِعِ الشُّرْبِ.

قالَ الإمامُ: وهو الآنِيَةُ فَإنَّ مِنَ الجُلُودِ يُتَّخَذُ أوانِي الشُّرْبِ مِنَ القِرَبِ ونَحْوِها، وقالَ الخَفاجِيُّ: إذا كانَ مَوْضِعًا فالمَشارِبُ هي نَفْسُها لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (فِيها) فَإنَّها مَقَرُّهُ، ولَعَلَّهُ أظْهَرُ مِن قَوْلِ الإمامِ.

﴿أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ أيْ يُشاهِدُونَ هَذِهِ النِّعَمَ فَلا يَشْكُرُونَ المُنْعِمَ بِها ويَخُصُّونَهُ سُبْحانَهُ بِالعِبادَةِ

36:74Page 445

وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةٗ لَّعَلَّهُمۡ يُنصَرُونَ ٧٤

But they have taken besides Allāh [false] deities that perhaps they would be helped.

﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ تَعالى الَّذِي رَأوْا مِنهُ تِلْكَ القُدْرَةَ الباهِرَةَ والنِّعَمَ الظّاهِرَةَ وعَلِمُوا أنَّهُ سُبْحانَهُ المُتَفَرِّدُ بِها ﴿آلِهَةً﴾ مِنَ الأصْنامِ وأشْرَكُوها بِهِ - عَزَّ وجَلَّ - في العِبادَةِ ﴿لَعَلَّهم يُنْصَرُونَ﴾ رَجاءَ أنْ يُنْصَرُوا أوْ لِأجْلِ أنْ يُنْصَرُوا مِن جِهَتِهِمْ فِيما نَزَلَ بِهِمْ وأصابَهم مِنَ الشَّدائِدِ أوْ يَشْفَعُوا لَهم في الآخِرَةِ،

36:75Page 445

لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَهُمۡ وَهُمۡ لَهُمۡ جُندٞ مُّحۡضَرُونَ ٧٥

They are not able to help them, and they [themselves] are for them soldiers in attendance.1

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ ... إلَخِ اسْتِئْنافٌ سِيقَ لِبَيانِ بُطْلانِ رَأْيِهِمْ، وخَيْبَةِ رَجائِهِمْ، وانْعِكاسِ تَدْبِيرِهِمْ، أيْ لا تَقْدِرُ آلِهَتُهم عَلى نَصْرِهِمْ، وقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: ”يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ﴿يَسْتَطِيعُونَ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ وضَمِيرُ ﴿نَصْرَهُمْ﴾ لِلْأصْنامِ“ لَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا ﴿وهُمْ﴾ أيْ أُولَئِكَ المُتَّخِذُونَ المُشْرِكُونَ ﴿لَهُمْ﴾ أيْ لِآلِهَتِهِمْ ﴿جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ أيْ مُعَدُّونَ لِحِفْظِهِمْ والذَّبِّ عَنْهم في الدُّنْيا.

أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّ المُشْرِكِينَ جُنْدٌ لِآلِهَتِهِمْ في الدُّنْيا مُحْضَرُونَ لِلنّارِ في الآخِرَةِ، وجاءَ بِذَلِكَ في رِوايَةٍ أخْرَجَهاابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ، واخْتارَ بَعْضُ الأجِلَّةِ

صفحة 52

أنَّ المَعْنى: والمُشْرِكُونَ لِآلِهَتِهِمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ يَوْمَ القِيامَةِ إثْرَهم في النّارِ، وجَعْلُهم جُنْدًا مِن بابِ التَّهَكُّمِ والِاسْتِهْزاءِ، وكَذَلِكَ لامُ ”لَهُمْ“ الدّالَّةَ عَلى النَّفْعِ، وقِيلَ ”هم“ لِلْآلِهَةِ وضَمِيرُ ﴿لَهُمْ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ أيْ: وإنَّ الآلِهَةَ مُعَدُّونَ مُحْضَرُونَ لِعَذابِ أُولَئِكَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ القِيامَةِ لِأنَّهم يُجْعَلُونَ وقُودَ النّارِ، أوْ مُحْضَرُونَ عِنْدَ حِسابِ الكَفَرَةِ إظْهارًا لِعَجْزِهِمْ وإقْناطًا لِلْمُشْرِكِينَ عَنْ شَفاعَتِهِمْ وجَعْلِهِمْ جُنْدًا، والتَّعْبِيرُ بِاللّامِ في الوَجْهَيْنِ عَلى ما مَرَّ آنِفًا، واخْتِلافُ مَراجِعِ الضَّمائِرِ في الآيَةِ لَيْسَ مِنَ التَّفْكِيكِ المَحْظُورِ، والواوُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿وهُمْ﴾ إلَخْ عَلى جَمِيعِ ما مَرَّ إمّا عاطِفَةٌ أوْ حالِيَّةٌ؛ إلّا أنَّ الحالَ مُقَدَّرَةٌ في بَعْضِ الأوْجُهِ كَما لا يَخْفى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском