Al-AlusiYa-Sin · 36:76–82

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Ya-Sin 36:76–82

36:76Page 445

فَلَا يَحۡزُنكَ قَوۡلُهُمۡۘ إِنَّا نَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَ ٧٦

So let not their speech grieve you. Indeed, We know what they conceal and what they declare.

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ فَصِيحَةٌ أيْ إذا كانَ هَذا حالُهم مَعَ رَبِّهِمْ - عَزَّ وجَلَّ - فَلا تَحْزَنْ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ عَلَيْكَ: هو شاعِرٌ، أوْ إذا كانَ حالُهم يَوْمَ القِيامَةِ ما سَمِعْتَ فَلا تَحْزَنْ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ عَلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ -: إنَّ لَهُ شُرَكاءَ! تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، أوْ عَلَيْكَ هو شاعِرٌ أوْ عَلى اللَّهِ تَعالى وعَلَيْكَ ما لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ - عَزَّ وجَلَّ - وشَأْنِكَ، والِاقْتِصارُ في بَيانِ قَوْلِهِمْ عَلَيْهِ ﷺ بِأنَّهُ وحاشاهُ شاعِرٌ لِأنَّهُ الأوْفَقُ بِما تَقَدَّمُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ﴾ وقَدْ يُعَمَّمُ فَيَشْمَلُ جَمِيعَ ما لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ الأقْوالِ، وتَفْسِيرُ الشَّرْطِ الَّذِي أفْصَحَتْ عَنْهُ الفاءُ بِما ذَكَرْنا أوَّلًا هو المُناسِبُ لِما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وهم لَهم جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ وبِما ذَكَرْنا ثانِيًا هو المُناسِبُ لِما ذُكِرَ بَعْدُ في مَعْنى ذَلِكَ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ عَلى الأوَّلِ إذا كانُوا في هَذِهِ المَرْتَبَةِ مِن سَخافَةِ العُقُولِ حَيْثُ اتَّخَذُوا رَجاءَ النَّصْرِ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لا يَقْدِرُونَ عَلى نَصْرِهِمْ والذَّبِّ عَنْهُمْ، بَلْ هم يَذُبُّونَ عَنْ تِلْكَ الآلِهَةِ فَلا تَحْزَنْ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ عَلَيْكَ ما قالُوا، ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى، وأيًّا ما كانَ فالنَّهْيُ - وإنْ كانَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ مُتَوَجِّهًا إلى قَوْلِهِمْ لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ - مُتَوَجِّهٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والمُرادُ نَهْيُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَنِ التَّأثُّرِ مِنَ الحُزْنِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ كَما لا يَخْفى.

وقَرَأ نافِعٌ ”فَلا يُحْزِنْكَ“ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ مِن أحْزَنَ المَنقُولِ مِن حَزَنَ اللّازِمِ وجاءَ حَزَنَهُ وأحْزَنَهُ.

﴿إنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ تَعْلِيلٌ صَرِيحٌ لِلنَّهْيِ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ بَعْدِ تَعْلِيلِهِ بِطَرِيقِ الإشْعارِ بِناءً عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي في الشَّرْطِ فَإنَّ العِلْمَ بِما ذُكِرَ مَجازٌ عَنْ مُجازاتِهِمْ عَلَيْهِ أوْ كِنايَةٌ عَنْها لِلُزُومِها إيّاهُ؛ إذْ عِلْمُ المَلِكِ القادِرِ الحَكِيمِ بِما جَرى مِن عَدُوِّهِ الَّذِي تَقْتَضِي الحِكْمَةُ الِانْتِقامَ مِنهُ مُقْتَضٍ لِمُجازاتِهِ والِانْتِقامِ مِنهُ، وهو عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ قِيلَ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ وقَعَ جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: يا رَبِّ فَإذا كانَ حالُهم مَعَكَ ومَعَ نَبِيِّكَ ذَلِكَ فَماذا تَصْنَعُ بِهِمْ؟ فَقِيلَ: ﴿إنّا نَعْلَمُ﴾ إلَخْ أيْ نُجازِيهِمْ بِجَمِيعِ جِناياتِهِمْ، وقِيلَ: هو تَعْلِيلٌ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَلى الشَّرْطِ فَتَأمَّلْ، و”ما“ مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ نَعْلَمُ الَّذِي يُسِرُّونَهُ مِنَ العَقائِدِ الزّائِغَةِ والعَداوَةِ لَكَ ونَحْوِ ذَلِكَ، والَّذِي يُعْلِنُونَهُ مِن كَلِماتِ الإشْراكِ والتَّكْذِيبِ ونَحْوِها، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ: نَعْلَمُ إسْرارَهم وإعْلانَهُمْ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أوِ الفِعْلانِ مُنَزَّلانِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، والمُتَبادِرُ الأوَّلُ، وهو الأوْلى.

وتَقْدِيمُ السِّرِّ عَلى العَلَنِ لِبَيانِ إحاطَةِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِحَيْثُ إنَّ عِلْمَ السِّرِّ عِنْدَهُ تَعالى كَأنَّهُ أقْدَمُ مِن عِلْمِ العَلَنِ، وقِيلَ: لِأنَّ مَرْتَبَةَ السِّرِّ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى مَرْتَبَةِ العَلَنِ إذْ ما مِن شَيْءٍ يُعْلَنُ إلّا وهو أوْ مَبادِيهِ مُضْمَرٌ في القَلْبِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَتَعَلُّقُ عِلْمِهِ تَعالى بِحالَتِهِ الأُولى مُتَقَدِّمٌ عَلى تَعَلُّقِهِ بِحالَتِهِ الثّانِيَةِ حَقِيقَةً، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى الِاهْتِمامِ بِإصْلاحِ الباطِنِ فَإنَّهُ مِلاكُ الأمْرِ ولِأنَّهُ مَحَلُّ الِاشْتِباهِ المُحْتاجِ لِلْبَيانِ، وشاعَ أنَّ الوَقْفَ عَلى ﴿قَوْلُهُمْ﴾ مُتَعَيِّنٌ، وقِيلَ: لَيْسَ بِهِ؛

صفحة 53

لِأنَّهُ جُوِّزَ في ﴿إنّا نَعْلَمُ﴾ إلَخْ كَوْنُهُ مَقُولَ القَوْلِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن بابِ الإلْهابِ والتَّعْرِيضِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أوْ عَلى أنَّ المُرادَ فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ والِاسْتِهْزاءِ إنّا نَعْلَمُ إلَخْ، ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّهُ لَوْ قَرَأ قارِئٌ أنّا نَعْلَمُ بِالفَتْحِ وجَعَلَ ذَلِكَ بَدَلًا مِن ﴿قَوْلُهُمْ﴾ لا تَنْتَقِضُ صِلاتُهُ، ولا يُكَفَّرُ لَوِ اعْتَقَدَ ما يُعْطِيهِ مِنَ المَعْنى كَما لَوْ جَعَلَهُ تَعْلِيلًا عَلى حَذْفِ حَرْفِ التَّعْلِيلِ، والحَقُّ أنَّ مِثْلَ هَذا التَّوْجِيهِ لا بَأْسَ بِقَبُولِهِ في دَرْءِ الكُفْرِ، وأمّا أمْرُ الوَقْفِ فالَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُقالَ فِيهِ أنَّهُ عَلى قَوْلِهِمْ كالمُتَعَيِّنِ.

36:77Page 445

أَوَلَمۡ يَرَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ ٧٧

Does man not consider that We created him from a [mere] sperm-drop - then at once1 he is a clear adversary?

﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ بُطْلانِ إنْكارِهِمُ البَعْثَ بَعْدَ ما شاهَدُوا في أنْفُسِهِمْ ما يُوجِبُ التَّصْدِيقَ بِهِ، كَما أنَّ ما سَبَقَ مَسُوقٌ لِبَيانِ بُطْلانِ إشْراكِهِمْ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وبَعْدَ ما عايَنُوا فِيما بِأيْدِيهِمْ ما يُوجِبُ التَّوْحِيدَ والإسْلامَ، وقِيلَ: إنَّهُ تَسْلِيَةٌ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ وذَلِكَ بِتَهْوِينِ ما يَقُولُونَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى إنْكارِهِمُ الحَشْرَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى جُمْلَةٍ مُقَدَّرَةٍ هي مُسْتَتْبَعَةٌ لِلْمَعْطُوفِ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ إلَخْ أيْ ألَمْ يَتَفَكَّرِ الإنْسانُ ولَمْ يَعْلَمْ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ، أوْ هي عَيْنُ تِلْكَ الجُمْلَةِ أُعِيدَتْ تَأْكِيدًا لِلنَّكِيرِ السّابِقِ وتَمْهِيدًا لِإنْكارِ ما هو أحَقُّ مِنهُ بِالإنْكارِ؛ لِمّا أنَّ المُنْكَرَ عَيْنُ عِلْمِهِمْ بِما يَتَعَلَّقُ بِخَلْقِ أنْفُسِهِمْ، ولا رَيْبَ في أنَّ عِلْمَ الإنْسانِ بِأحْوالِ نَفْسِهِ أهَمُّ وإحاطَتَهُ بِها أسْهَلُ وأتَمُّ، فالإنْكارُ والتَّعْجِيبُ مِنَ الإخْلالِ بِذَلِكَ كَأنَّهُ قِيلَ: ألَمْ يَعْلَمُوا خَلْقَهُ تَعالى لِأسْبابِ مَعايِشِهِمْ ولَمْ يَعْلَمُوا خَلْقَهُ تَعالى لِأنْفُسِهِمْ أيْضًا مَعَ كَوْنِ العِلْمِ بِذَلِكَ في غايَةِ الظُّهُورِ ونِهايَةِ الأهَمِّيَّةِ؟ ويُشِيرُ كَلامُ بَعْضِ الأجِلَّةِ إلى أنَّ العَطْفَ عَلى ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ السّابِقِ، والجامِعُ ابْتِناءُ كُلٍّ مِنهُما عَلى التَّعْكِيسِ فَإنَّهُ تَعالى خَلَقَ لِلْإنْسانِ ما خَلَقَ لِيَشْكُرَ فَكَفَرَ وجَحَدَ المُنْعِمَ والنِّعَمَ! وخَلَقَهُ - سُبْحانَهُ - مِن نُطْفَةٍ قَذِرَةٍ لِيَكُونَ مُنْقادًا مُتَذَلِّلًا فَطَغى وتَكَبَّرَ وخاصَمَ، وإيرادُ الإنْسانِ مَوْرِدَ الضَّمِيرِ لِأنَّ مَدارَ الإنْكارِ مُتَعَلِّقٌ بِأحْوالِهِ مِن حَيْثُ هو إنْسانٌ.

وقَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿فَإذا هو خَصِيمٌ﴾ أيْ مُبالِغٌ في الخُصُومَةِ والجِدالِ الباطِلِ ﴿مُبِينٌ﴾ ظاهِرٌ مُتَجاهِرٌ في ذَلِكَ - عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ، داخِلٌ في حَيِّزِ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ كَأنَّهُ قِيلَ: أوَلَمْ يَرَ أنّا خَلَقْناهُ مِن أخَسِّ الأشْياءِ وأمْهِنْها فَفاجَأ خُصُومَتَنا في أمْرٍ يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ مَبْدَأُ فِطْرَتِهِ شَهادَةً بَيِّنَةً، وإيرادُ الجُمَلِ اسْمِيَّةً لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْرارِهِ في الخُصُومَةِ واسْتِمْرارِهِ عَلَيْها. وفي الحَواشِي الخَفاجِيَّةِ أنَّ تَعْقِيبَ الإنْكارِ بِالفاءِ وإذا الفُجائِيَّةِ عَلى ما يَقْتَضِي خِلافُهُ مُقَوٍّ لِلتَّعْجِيبِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، والخَصِيمُ إنَّما هو الكافِرُ المُنْكِرُ لِلْبَعْثِ مُطْلَقًا، نَعَمْ نَزَلَتِ الآيَةُ في كافِرٍ مَخْصُوصٍ، أخْرَجَ جَماعَةٌ مِنهُمُ الضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «جاءَ العاصِ بْنُ وائِلٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَظْمٍ حائِلٍ فَفَتَّهُ بِيَدِهِ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ أيُحْيِي اللَّهُ تَعالى هَذا بَعْدَ ما أرَمَّ؟ قالَ: نَعِمَ يَبْعَثُ اللَّهُ تَعالى هَذا ثُمَّ يُمِيتُكَ ثُمَّ يُحْيِيكَ ثُمَّ يُدْخِلُكَ نارَ جَهَنَّمَ» فَنَزَلَتِ الآياتُ ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ، وفي رِوايَةِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أنَّ الجائِيَ القائِلَ ذَلِكَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وهو الَّذِي قَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ بِالحَرْبَةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي مالِكٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ وعِكْرِمَةَ وغَيْرِهِمْ، كَما في الدُّرِّ المَنثُورِ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ الحَبْرِ أنَّهُ أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ، وفي أُخْرى عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِأنَّ نِسْبَةَ ذَلِكَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وهْمٌ؛ لِأنَّ السُّورَةَ والآيَةَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، ولِأنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبِيٍّ لَمْ يُجاهِرْ قَطُّ هَذِهِ المُجاهَرَةَ، وحُكِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ أنَّهُ أُمِّيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، والَّذِي اخْتارَهُ وادَّعى أنَّهُ أصَحُّ الأقْوالِ أنَّهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ ثُمَّ قالَ: ويُحْتَمَلُ أنَّ كُلًّا مِن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ وقَعَ مِنهُ ذَلِكَ، وقِيلَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ فَإذا هو بَعْدَ ما كانَ ماءً مَهِينًا رَجُلٌ مُمَيِّزٌ

صفحة 54

مِنطِيقٌ قادِرٌ عَلى الخِصامِ مُبِينٌ مُعْرِبٌ عَمّا في ضَمِيرِهِ فَصِيحٌ فَهو حِينَئِذٍ مَعْطُوفٌ عَلى ”خَلَقْناهُ“ والتَّعْقِيبُ والمُفاجَأةُ ناظِرانِ إلى خَلْقِهِ، ومبين مُتَعَدٍّ، والكَلامُ مِن مُتَمِّماتِ شَواهِدِ صِحَّةِ البَعْثِ،

36:78Page 445

وَضَرَبَ لَنَا مَثَلٗا وَنَسِيَ خَلۡقَهُۥۖ قَالَ مَن يُحۡيِ ٱلۡعِظَٰمَ وَهِيَ رَمِيمٞ ٧٨

And he presents for Us an example1 and forgets his [own] creation. He says, "Who will give life to bones while they are disintegrated?"

فَقَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وضَرَبَ لَنا مَثَلا﴾ مَعْطُوفٌ حِينَئِذٍ عَلى الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ داخِلٌ في حَيِّزِ الإنْكارِ، وأمّا عَلى الأوَّلِ فَهو عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ الفُجائِيَّةِ، والمَعْنى فَفاجَأ خُصُومَتَنا وضَرَبَ لَنا مَثَلًا أيْ أوْرَدَ في شَأْنِنا قِصَّةً عَجِيبَةً في نَفْسِ الأمْرِ هي في الغَرابَةِ كالمَثَلِ وهي إنْكارُ إحْيائِنا العِظامَ، أوْ قِصَّةً عَجِيبَةً في زَعْمِهِ واسْتَبْعَدَها وعَدَّها مِن قَبِيلِ المَثَلِ وأنْكَرَها أشَدَّ الإنْكارِ وهي إحْياؤُنا إيّاها، أوْ جَعَلَ لَنا مَثَلًا ونَظِيرًا مِنَ الخَلَقِ وقاسَ قُدْرَتَنا عَلى قُدْرَتِهِمْ ونَفى الكُلَّ عَلى العُمُومِ، وقَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ونَسِيَ خَلْقَهُ﴾ أيْ خَلْقَنا إيّاهُ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ الدّالِّ عَلى بُطْلانِ ما ضَرَبَهُ - إمّا عَطْفٌ عَلى ”ضَرَبَ“ داخِلٌ في حَيِّزِ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ بِإضْمارِ (قَدْ) أوْ بِدُونِهِ، ونِسْيانُ خَلْقِهِ بِأنْ لَمْ يَتَذَكَّرْهُ عَلى ما قِيلَ، وفِيهِ دَغْدَغَةٌ، أوْ تَرَكَ تَذَكُّرَهُ لِكُفْرِهِ وعِنادِهِ، أوْ هو كالنّاسِي لِعَدَمِ جَرْيِهِ عَلى مُقْتَضى التَّذَكُّرِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ ضَرْبِهِ المَثَلَ كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ مَثَلٍ ضَرَبَ؟ أوْ: ماذا قالَ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ مُنْكِرًا ذَلِكَ ناكِرًا مِن أحْوالِ العِظامِ ما تَبْعُدُ مَعَهُ مِنَ الحَياةِ غايَةَ البُعْدِ وهو كَوْنُها رَمِيمًا أيْ بالِيَةً أشَدَّ البِلى، والظّاهِرُ أنَّ (رَمِيمٌ) صِفَةٌ لا اسْمٌ جامِدٌ؛ فَإنْ كانَ مِن رَمَّ اللّازِمِ بِمَعْنى بَلِيَ فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٌ، وإنَّما لَمْ يُؤَنَّثْ لِأنَّهُ غَلَبَ اسْتِعْمالُهُ غَيْرَ جارٍ عَلى مَوْصُوفٍ فَأُلْحِقَ بِالأسْماءِ الجامِدَةِ، أوْ حُمِلَ عَلى فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ وهو يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، وقالَ مُحْيِي السُّنَّةِ: لَمْ يَقُلْ ”رَمِيمَةٌ“ لِأنَّهُ مَعْدُولٌ مِن فاعِلَةٍ فَكُلُّ ما كانَ مَعْدُولًا عَنْ وجْهِهِ ووَزْنِهِ كانَ مَصْرُوفًا عَنْ أخَواتِهِ، ومِثْلُهُ ”بَغِيًّا“ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ أسْقَطَ الهاءَ مِنها لِأنَّها كانَتْ مَصْرُوفَةً عَنْ باغِيَةٍ، وقالَ الأزْهَرِيُّ: إنَّ عِظامًا لِكَوْنِهِ بِوَزْنِ المُفْرَدِ كَكِتابٍ وقِرابٍ عُومِلَ مُعامَلَتَهُ فَقِيلَ ”رَمِيمٌ“ دُونَ ”رَمِيمَةٌ“ وذُكِّرَ لَهُ شَواهِدُ، وهو غَرِيبٌ. وإنْ كانَ مِن رَمَّ المُتَعَدِّي بِمَعْنى أبْلى يُقالُ: رَمَّهُ أيْ أبْلاهُ، وأصْلُ مَعْناهُ الأكْلُ كَما ذَكَرَهُ الأزْهَرِيُّ مِن رَمَّتِ الإبِلُ الحَشِيشَ فَكانَ ما بَلِيَ أكَلَتْهُ الأرْضُ فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وتَذْكِيرُهُ عَلى هَذا ظاهِرٌ لِلْإجْماعِ عَلى أنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ. وفي المُطْلِعِ: الرَّمِيمُ اسْمٌ غَيْرُ صِفَةٍ كالرُّمَّةِ والرُّفاتِ لا فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ أوْ مَفْعُولٍ ولِإجْلِ أنَّهُ اسْمٌ لا صِفَةٌ لا يُقالُ: لِمَ لَمْ يُؤَنَّثْ وقَدْ وقَعَ خَبَرًا لِمُؤَنَّثٍ؟ ولا يَخْفى أنَّ لَهُ فِعْلًا وهو رَمَّ كَما ذَكَرَهُ أهْلُ اللُّغَةِ وهو وزْنٌ مِن أوْزانِ الصِّفَةِ فَكَوْنُهُ جامِدًا غَيْرُ ظاهِرٍ.

36:79Page 445

قُلۡ يُحۡيِيهَا ٱلَّذِيٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلۡقٍ عَلِيمٌ ٧٩

Say, "He will give them life who produced them the first time; and He is, of all creation, Knowing."

﴿قُلْ﴾ تَبْكِيتًا لَهُ بِتَذْكِيرِ ما نَسِيَهُ مِن فِطْرَتِهِ الدّالَّةِ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ وإرْشادِهِ إلى طَرِيقَةِ الِاسْتِشْهادِ بِها ﴿يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها﴾ أيْ أوْجَدَها ورَبّاها ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أيْ في أوَّلِ مَرَّةٍ إذْ لَمْ يَسْبِقُ لَها إيجادٌ، ولا شَكَّ أنَّ الإحْياءَ بَعْدُ أهْوَنُ مِنَ الإنْشاءِ قَبْلُ، فَمَن قَدَرَ عَلى الإنْشاءِ كانَ عَلى الإحْياءِ أقْدَرَ وأقْدَرَ، ولا احْتِمالَ لِعُرُوضِ العَجْزِ فَإنَّ قُدْرَتَهُ - عَزَّ وجَلَّ - ذاتِيَّةٌ أزَلِيَّةٌ لا تَقْبَلُ الزَّوالَ ولا التَّغَيُّرَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.

وفِي الحَواشِي الخَفاجِيَّةِ كانَ الفارابِيُّ يَقُولُ ودِدْتُ لَوْ أنَّ أرِسْطُو وقَفَ عَلى القِياسِ الجَلِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ يُحْيِيها﴾ إلَخْ. وهو اللَّهُ تَعالى أنْشَأ العِظامَ وأحْياها أوَّلَ مَرَّةٍ، وكُلُّ مَن أنْشَأ شَيْئًا أوَّلًا قادِرٌ عَلى إنْشائِهِ وإحْيائِهِ ثانِيًا، فَيَلْزَمُ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - قادِرٌ عَلى إنْشائِها وإحْيائِها بِقُواها ثانِيًا، والآيَةُ ظاهِرَةٌ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ الشّافِعِيُّ قِيلَ ومالِكٌ وأحْمَدُ مِن أنَّ العَظْمَ تَحُلُّهُ الحَياةُ فَيُؤَثِّرُ فِيهِ المَوْتُ كَسائِرِ الأعْضاءِ وبَنَوْا عَلى ذَلِكَ الحُكْمَ بِنَجاسَةِ عَظْمِ المَيْتَةِ، ومَسْألَةُ حُلُولِ الحَياةِ

صفحة 55

فِي العَظْمِ وعَدَمِهِ مِمّا اخْتَلَفَ فِيهِ الفُقَهاءُ والحُكَماءُ، واسْتَدَلَّ مَن قالَ مِنهُما بِعَدَمِ حُلُولِها فِيهِ بِأنَّ الحَياةَ تَسْتَلْزِمُ الحِسَّ، والعَظْمُ لا إحْساسَ لَهُ، فَإنَّهُ لا يَتَألَّمُ بِقَطْعَهِ كَما يُشاهَدُ في القَرْنِ، وما قَدْ يَحْصُلُ في قَطْعِ العَظْمِ مِنَ التَّألُّمِ إنَّما هو لِما يُجاوِرْهُ، وقالَ ابْنُ زُهْرٍ في كِتابِ التَّيْسِيرِ: اضْطَرَبَ كَلامُ جالِينُوسَ في العِظامِ هَلْ لَها إحْساسٌ أمْ لا؟ والَّذِي ظَهَرَ لِي أنَّ لَها حِسًّا بَطِيئًا، ولَيْتَ شِعْرِي ما يَمْنَعُها مِنَ التَّعَفُّنِ والتَّفَتُّتِ في الحَياةِ غَيْرُ حُلُولِ الرُّوحِ الحَيَوانِيِّ فِيها! انْتَهى.

وبَعْضُ مَن ذَهَبَ مِنَ الفُقَهاءِ إلى أنَّ العِظامَ لا حَياةَ فِيها بَنى عَلَيْهِ الحُكْمَ بِطَهارَتِها مِنَ المِيتَةِ؛ إذِ المَوْتُ زَوالُ الحَياةِ فَحَيْثُ لَمْ تَحُلَّها الحَياةُ لَمْ يَحُلَّها المَوْتُ فَلَمْ تَكُنْ نَجِسَةً. وأوْرَدَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَةَ فَقِيلَ المُرادُ بِالعِظامِ فِيها صاحِبُها بِتَقْدِيرٍ أوْ تَجَوُّزٍ، أوِ المُرادُ بِإحْيائِها رَدُّها لِما كانَتْ عَلَيْهِ غَضَّةً رَطْبَةً في بَدَنٍ حَيٍّ حَسّاسٍ، ورُجِّحَ هَذا عَلى إرادَةِ صاحِبِها بِأنَّ سَبَبَ النُّزُولِ لا بُدَّ مِن دُخُولِهِ، وعَلى تِلْكَ الإرادَةِ لا يَدْخُلُ، ويَدْخُلُ عَلى تَأْوِيلِ إحْيائِها بِإعادَتِها لِما كانَتْ عَلَيْهِ. ولا يَخْفى أنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ، والظّاهِرُ مَعَ الشّافِعِيَّةِ ومِنَ الفُقَهاءِ القائِلِينَ بِعَدَمِ نَجاسَةِ عِظامِ المَيْتَةِ مَن رَأى قُوَّةَ الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ عَلى أنَّ العِظامَ تَحُلُّها الحَياةُ فَعَلَّلَ الطِّهارَةَ بِغَيْرِ ما سَمِعْتَ، فَقالَ: إنَّ نَجاسَةَ المَيْتَةِ لَيْسَتْ لِعَيْنِها بَلْ لِما فِيها مِنَ الرُّطُوبَةِ والدَّمِ السّائِلِ والعَظْمُ لَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ فَلِذا لَمْ يَكُنْ نَجِسًا، ومَنَعَ الشّافِعِيَّةُ كَوْنَ النَّجاسَةِ لِلرُّطُوبَةِ، وتَمامُ الكَلامِ في الفُرُوعِ.

﴿وهُوَ﴾ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿بِكُلِّ خَلْقٍ﴾ أيْ مَخْلُوقٍ ﴿عَلِيمٌ﴾ مُبالِغٌ في العِلْمِ فَيَعْلَمُ - جَلَّ وعَلا - بِجَمِيعِ الأجْزاءِ المُتَفَتِّتَةِ المُتَبَدِّدَةِ لِكُلِّ شَخْصٍ مِنَ الأشْخاصِ أُصُولِها وفُرُوعِها وأوْضاعِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ مِنَ الِاتِّصالِ والِانْفِصالِ والِاجْتِماعِ والِافْتِراقِ، فَيُعِيدُ كُلًّا مِن ذَلِكَ عَلى النَّمَطِ السّابِقِ مَعَ القُوى الَّتِي كانَتْ قَبْلُ، والجُمْلَةُ إمّا اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما تَقَدَّمَ، أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى الصِّلَةِ، والعُدُولُ إلى الِاسْمِيَّةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ عِلْمَهُ تَعالى بِما ذُكِرَ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ لَيْسَ كَإنْشائِهِ لِلْمُنْشَآتِ.

36:80Page 445

ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلۡأَخۡضَرِ نَارٗا فَإِذَآ أَنتُم مِّنۡهُ تُوقِدُونَ ٨٠

[It is] He who made for you from the green tree, fire, and then from it you ignite.

وقَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا﴾ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ، وعَدَمُ الِاكْتِفاءِ بِعَطْفِ صِلَتِهِ عَلى صِلَتِهِ لِلتَّأْكِيدِ ولِتَفاوُتِهِما في كَيْفِيَّةِ الدَّلالَةِ، والظَّرْفانِ مُتَعَلِّقانِ بِـ ”جَعَلَ“ قُدَّما عَلى ”نارًا“ مَفْعُولِهِ الصَّرِيحِ لِلِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، والأخضر صِفَةُ ”الشَّجَرِ“ وقُرِئَ ”الخَضْراءِ“، وأهْلُ الحِجازِ يُؤَنِّثُونَ الجِنْسَ المُمَيَّزُ واحِدُهُ بِالتّاءِ مِثْلَ الشَّجَرِ إذْ يُقالُ في واحِدِهِ شَجَرَةٌ، وأهْلُ نَجْدٍ يُذَكِّرُونَهُ إلّا ألْفاظًا اسْتُثْنِيَتْ في كُتُبِ النَّحْوِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ التَّذْكِيرَ لِرِعايَةِ اللَّفْظِ والتَّأْنِيثَ لِرِعايَةِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الأشْجارِ، والجَمْعُ تُؤَنَّثُ صِفَتُهُ، وقِيلَ: لِأنَّهُ في مَعْنى الشَّجَرَةِ وكَما يُؤَنَّثُ صِفَتُهُ يُؤَنَّثُ ضَمِيرَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ والمَشْهُورُ أنَّ المُرادَ بِهَذا الشَّجَرِ المَرْخُ والعَفارُ يُتَّخَذُ مِنَ المَرْخِ وهو ذَكَرُ الزَّنْدِ الأعْلى ومِنَ العَفارِ بِفَتْحِ العَيْنِ وهو أُنْثى الزَّنْدَةِ السُّفْلى ويُسْحَقُ الأوَّلُ عَلى الثّانِي وهُما خَضْراوانِ يُقَطَّرُ مِنهُما الماءُ فَتَنْقَدِحُ النّارُ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، وكَوْنُ المَرْخِ بِمَنزِلَةِ الذَّكَرِ والعَفارِ بِمَنزِلَةِ الأُنْثى هو ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ واللَّفْظُ كالشّاهِدِ لَهُ، وعَكَسَ الجَوْهَرِيُّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والكَلْبِي في كُلِّ شَجَرٍ نارٌ إلّا العُنّابِ، قِيلَ: ولِذا يُتَّخَذُ مِنهُ مِدَقُّ القَصّارِينَ، وأنْشَدَ الخَفاجِيُّ لِنَفْسِهِ:

أيا شَجَرَ العُنّابِ نارُكَ أوْقَدَتْ بِقَلْبِي وما العُنّابُ مِن شَجَرِ النّارِ

واشْتَهَرَ العُمُومُ وعَدَمُ الِاسْتِثْناءِ فَفي المَثَلِ: ”فِي كُلِّ شَجَرٍ نارٌ واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعَفارُ“ أيِ اسْتَكْثَرا مِنَ

صفحة 56

النّارِ مِن مَجَدَتِ الإبِلُ إذا وقَعَتْ في مَرْعًى واسِعٍ كَثِيرٍ، ومِنهُ رَجُلٌ ماجِدٌ أيْ مِفْضالٌ، واخْتارَ بَعْضُهم حَمْلَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ عَلى الجِنْسِ وما يُذْكَرُ مِنَ المَرْخِ والعَفارِ مِن بابِ التَّمْثِيلِ، وخُصّا لِكَوْنِهِما أسْرَعَ ورْيًا وأكْثَرَ نارًا كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ المَثَلُ، ومِن إرْسالِ المَثَلِ: المَرْخُ والعَفارُ لا يَلِدانِ غَيْرَ النّارِ.

﴿فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ﴾ كالتَّأْكِيدِ لِما قَبْلَهُ والتَّحْقِيقِ لَهُ أيْ فَإذا أنْتُمْ مِن ذَلِكَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ تُوقِدُونَ النّارَ لا تَشُكُّونَ في أنَّها نارٌ حَقِيقَةٌ تَخْرُجُ مِنهُ ولَيْسَتْ كَنارِ الحُباحِبِ، وأشارَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِي﴾ إلَخْ إلى أنَّ مَن قَدَرَ عَلى إحْداثِ النّارِ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ المائِيَّةِ المُضادَّةِ لَها بِكَيْفِيَّتِهِ فَإنَّ الماءَ بارِدٌ رَطْبٌ والنّارَ حارَةٌ يابِسَةٌ كانَ - جَلَّ وعَلا - أقْدَرَ عَلى إعادَةِ الغَضاضَةِ إلى ما كانَ غَضًّا فَيَبِسَ وبَلِيَ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ النّارَ يَخْلُقُها اللَّهُ تَعالى عِنْدَ سَحْقِ إحْدى الشَّجَرَتَيْنِ عَلى الأُخْرى لا أنَّ هُناكَ نارًا كامِنَةً تَخْرُجُ بِالسَّحْقِ ومن الشجر لا يَصْلُحُ دَلِيلًا لِذَلِكَ، وفي كُلِّ شَجَرٍ نارٌ مِن مُسامِحاتِ العَرَبِ فَلا تَغْفُلْ، وإيّاكَ واعْتِقادَ الكُمُونِ.

36:81Page 445

أَوَلَيۡسَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يَخۡلُقَ مِثۡلَهُمۚ بَلَىٰ وَهُوَ ٱلۡخَلَّٰقُ ٱلۡعَلِيمُ ٨١

Is not He who created the heavens and the earth Able to create the likes of them? Yes, [it is so]; and He is the Knowing Creator.

وقَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ ... إلَخِ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِتَحْقِيقِ مَضْمُونِ الجَوابِ الَّذِي أمَرَ ﷺ أنْ يُخاطِبَهم بِهِ ويُلْزِمَهُمُ الحُجَّةَ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والنَّفْيِ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ أيْ ألَيْسَ الَّذِي أنْشاها أوَّلَ مَرَّةٍ ولَيْسَ الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا ولَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ مَعَ كِبَرِ جِرْمِهِما وعِظَمِ شَأْنِهِما ﴿بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ في الصِّغَرِ والحَقارَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِما عَلى أنَّ المُرادَ بِمَثَلِهِمْ هم وأمْثالُهم أوْ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ هم أنْفُسُهم بِطَرِيقِ الكِنايَةِ كَما في مِثْلُكَ يَفْعَلُ كَذا، وقالَ بَعْضُهُمْ: مِثْلُهم في أُصُولِ الذّاتِ وصِفاتِها وهو المَعادُ، وسَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - تَفْصِيلُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ، وزَعَمَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَوْدَ ضَمِيرِ ﴿مِثْلَهُمْ﴾ لِلسَّماواتِ والأرْضِ لِشُمُولِهِما لِمَن فِيهِما مِنَ العُقَلاءِ؛ فَلِذا كانَ ضَمِيرُ العُقَلاءِ تَغْلِيبًا والمَقْصُودُ بِالكَلامِ دَفْعُ تَوَهُّمِ قِدَمِ العالَمِ المُقْتَضِي لِعَدَمِ إمْكانِ إعادَتِهِ، وهو تُكَلِّفٌ ومُخالِفٌ لِلظّاهِرِ، والمُشْرِكُونَ لا يَقُولُونَ بِقِدَمِ العالَمِ فِيما يَظْهَرُ. وتُعُقِّبَ أيْضًا بِأنَّ قِدَمَ العالَمِ لَوْ فُرِضَ مَعَ قِدَمِ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ وعَدَمِ تَناهِي أفْرادِهِ في جانِبِ المَبْدَأِ لا يَأْبى الحَشْرَ الجُسْمانِيَّ؛ إذْ هو بِالنِّسْبَةِ إلى المُكَلَّفِينَ وهم مُتَناهُونَ. وزَعْمُ أنَّ ما ثَبَتَ قِدَمُهُ اسْتَحالَ عَدَمُهُ غَيْرُ تامٍّ كَما قُرِّرَ في مَحَلِّهِ فَلا تَغْفُلْ! وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْرَجُ وسَلامٌ ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ ”يَقْدِرُ“ بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ القافِ فِعْلًا مُضارِعًا.

﴿بَلى﴾ جَوابٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى وتَصْرِيحٌ بِما أفادَهُ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ مِن تَقْرِيرِ ما بَعْدَ النَّفْيِ مِنَ القُدْرَةِ عَلى الخَلْقِ وإيذانٌ بِتَعْيِينِهِ لِلْجَوابِ نَطَقُوا بِهِ أوْ تَلَعْثَمُوا فِيهِ مَخافَةَ الِالتِزامِ، وقَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وهُوَ الخَلاقُ العَلِيمُ﴾ عَطْفٌ عَلى ما يُفِيدُهُ الإيجابُ أيْ بَلى هو سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ وهو - جَلَّ وعَلا - المُبالِغُ في الخَلْقِ والعِلْمِ كَيْفًا وكَمًّا.

وقَرَأ الحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ ”الخالِقُ“ بِزِنَةِ الفاعِلِ

36:82Page 445

إِنَّمَآ أَمۡرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيۡـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٨٢

His command is only when He intends a thing that He says to it, "Be," and it is.

﴿إنَّما أمْرُهُ﴾ أيْ شَأْنُهُ تَعالى شَأْنُهُ في الإيجادِ، وجُوِّزَ فِيهِ أنْ يُرادَ الأمْرُ القَوْلِيُّ فَيُوافِقَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ﴾ ويُرادُ بِهِ القَوْلُ النّافِذُ.

﴿إذا أرادَ شَيْئًا﴾ أيْ إيجادَ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ﴿أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ﴾ أيْ أُوجَدْ ﴿فَيَكُونُ﴾ أيْ فَهو يَكُونُ ويُوجَدُ، والظّاهِرُ أنَّ هُناكَ قَوْلًا لَفْظِيًّا هو لَفْظُ ”كُنْ“ وإلَيْهِ ذَهَبَ مُعْظَمُ السَّلَفِ، وشُؤُونُ اللَّهِ تَعالى وراءَ ما تَصِلُ إلَيْهِ الأفْهامُ فَدَعْ عَنْكَ الكَلامَ والخِصامَ، وقِيلَ لَيْسَ هُناكَ قَوْلٌ لَفْظِيٌّ لِئَلّا يَلْزَمَ التَّسَلْسُلُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ

صفحة 57

هُناكَ قَوْلٌ نَفْسِيٌّ وقَوْلُهُ لِلشَّيْءِ تَعَلُّقُهُ بِهِ، وفِيهِ ما يَأْباهُ السَّلَفُ غايَةَ الإباءِ، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّهُ لا قَوْلَ أصْلًا وإنَّما المُرادُ تَمْثِيلٌ لِتَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ تَعالى في مُرادِهِ بِأمْرِ الآمِرِ المُطاعِ لِلْمَأْمُورِ المُطِيعِ في سُرْعَةِ حُصُولِ المَأْمُورِ بِهِ مِن غَيْرِ امْتِناعٍ وتَوَقُّفٍ عَلى شَيْءٍ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ ”فَيَكُونَ“ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى ﴿يَقُولَ﴾ وجُوِّزَ كَوْنُهُ مَنصُوبًا في جَوابِ الأمْرِ، وأباهُ بَعْضُهم لِعَدَمِ كَوْنِهِ أمْرًا حَقِيقَةً، وفِيهِ بَحْثٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском