Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
As-Saffat 37:102–110
37:102Page 449
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعۡيَ قَالَ يَٰبُنَيَّ إِنِّيٓ أَرَىٰ فِي ٱلۡمَنَامِ أَنِّيٓ أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ قَالَ يَٰٓأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٠٢
And when he reached with him [the age of] exertion,1 he said, "O my son, indeed I have seen in a dream that I [must] sacrifice you, so see what you think." He said, "O my father, do as you are commanded. You will find me, if Allāh wills, of the steadfast."
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ فَصِيحَةٌ تُعْرِبُ عَنْ مُقَدَّرٍ قَدْ حُذِفَ تَعْوِيلًا عَلى شَهادَةِ الحالِ وإيذانًا بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى التَّصْرِيحِ بِهِ لِاسْتِحالَةِ التَّخَلُّفِ؛ أيْ: فَوَهَبْناهُ لَهُ ونَشَأ، فَلَمّا بَلَغَ رُتْبَةَ أنْ يَسْعى مَعَهُ في أشْغالِهِ وحَوائِجِهِ، و”مَعَ“ ظَرْفٌ لِلسَّعْيِ وهي تَدُلُّ عَلى مَعْنى الصُّحْبَةِ واسْتِحْداثِها، وتَعَلُّقِها بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ؛ لِأنَّ صِلَةَ المَصْدَرِ لا تَتَقَدَّمُهُ لِأنَّهُ عِنْدَ العَمَلِ مُؤَوَّلٌ بِأنِ المَصْدَرِيَّةِ، والفِعْلُ ومَعْمُولُ الصِّلَةِ لا يَتَقَدَّمُ عَلى المَوْصُولِ؛ لِأنَّهُ كَتَقَدُّمِ جُزْءِ الشَّيْءِ المُرَتَّبِ الأجْزاءِ عَلَيْهِ، أوْ لِضَعْفِهِ عَنِ العَمَلِ، فِيهِ بَحْثٌ، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ التَّأْوِيلَ المَذْكُورَ عَلى المَشْهُورِ في المَصْدَرِ المُنَكَّرِ دُونَ المُعَرَّفِ، وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّهُ إذا سُلِّمَ العُمُومُ فَلَيْسَ كُلُّ ما أُوِّلَ بِشَيْءٍ حُكْمُهُ حُكْمُ ما أُوِّلَ بِهِ، وأما ثالِثًا فَلِأنَّ المُقَدَّمَ هُنا ظَرْفٌ وقَدِ اشْتَهَرَ أنَّهُ يُغْتَفَرُ فِيهِ ما لا يُغْتَفَرُ في غَيْرِهِ.
وصَرَّحُوا بِأنَّهُ يَكْفِيهِ رائِحَةُ الفِعْلِ وبِهَذا يَضْعُفُ حَدِيثُ المَنعِ لِضَعْفِ العامِلِ عَنِ العَمَلِ، فالحَقُّ أنَّهُ لا حاجَةَ في مِثْلِ ذَلِكَ إلى التَّقْدِيرِ مُعَرَّفًا كانَ المَصْدَرُ أوْ مُنَكَّرًا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ﴾ وهو الَّذِي ارْتَضاهُ الرِّضى وقالَ بِهِ العَلّامَةُ الثّانِي، واخْتارَ صاحِبُ الفَرائِدِ كَوْنَها مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ (السَّعْيَ) أيْ فَلَمّا بَلَغَ السَّعْيَ حالَ كَوْنِ ذَلِكَ السَّعْيِ كائِنًا مَعَهُ، وفِيهِ أنَّ السَّعْيَ مَعَهُ مَعْناهُ اتِّفاقُهُما فِيهِ، فالصُّحْبَةُ بَيْنَ الشَّخْصَيْنِ فِيهِ، وما قَدَّرَهُ يَقْتَضِي الصُّحْبَةَ بَيْنَ السَّعْيِ وإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولا يُطابِقُ المَقامَ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِـ”بَلَغَ“، ورُدَّ بِأنَّهُ يَقْتَضِي بُلُوغَهُما مَعًا حَدَّ السَّعْيِ لِما سَمِعْتَ مِن مَعْنى (مَعَ)، وهو غَيْرُ صَحِيحٍ، وأُجِيبَ بِأنَّ مَعَ عَلى ذَلِكَ لِمُجَرَّدِ الصُّحْبَةِ عَلى
صفحة 128
أنْ تَكُونَ مُرادِفَةَ ”عِنْدَ“ نَحْوُ: فُلانٌ يَتَغَنّى مَعَ السُّلْطانِ، أيْ عِنْدَهُ، ويَكُونُ حاصِلُ المَعْنى: بَلَغَ عِنْدَ أبِيهِ وفي صُحْبَتِهِ مُتَخَلِّقًا بِأخْلاقِهِ مُتَطَبِّعًا بِطِباعِهِ، ويَسْتَدْعِي ذَلِكَ كَمالَ مَحَبَّةِ الأبِ إيّاهُ، ويَجُوزُ عَلى هَذا أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ (بَلَغَ). ومِن مَجِيءِ (مَعَ) لِمُجَرَّدِ الصُّحْبَةِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةَ عَنْ بِلْقِيسَ ﴿وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَلْتَكُنْ فِيما نَحْنُ فِيهِ مِثْلَها في تِلْكَ الآيَةِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذاكَ مَعْنى مَجازِيٌّ، والحِمْلُ عَلى المَجازِ هُنالِكَ لِلصّارِفِ، ولا صارِفَ فِيما نَحْنُ فِيهِ، فَلْيُحْمَلْ عَلى الحَقِيقَةِ، عَلى أنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ هُنالِكَ أنْ تَكُونَ لِمَعِيَّةِ الفاعِلِ لِجَوازِ أنْ يُرادَ أسْلَمْتُ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ مَثَلًا، وتَقْدِيمُ (مَعَ) إشْعارٌ مِنها بِأنَّها كانَتْ تَظُنُّ أنَّها عَلى دِينٍ قَبْلُ، وأنَّها مُسْلِمَةٌ لِلَّهِ تَعالى فِيما كانَتْ تَعْبُدُ مِنَ الشَّمْسِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ إسْلامٌ يُعْتَدُّ بِهِ مِن أثَرِ مُتابَعَةِ نَبِيِّهِ لا إسْلامٌ كالأوَّلِ فاسِدٌ، قالَ صاحِبُ الكَشْفِ: وهَذا مَعْنًى صَحِيحٌ حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ أوْلى، وإنْ حُمِلَ عَلى مَعِيَّةِ الفاعِلِ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن مَحْذُوفٍ، نَحْوُ: مَعَ بُلُوغِ دَعَوْتِهِ وإظْهارِ مُعْجِزَتِهِ؛ لِأنَّ فَرْقَ ما بَيْنَ المُقَيَّدِ ومُطْلَقِ الجَمْعِ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّهُ لا مانِعَ مِن إرادَةِ الحَقِيقَةِ واسْتِحْداثِ إسْلامِهِما مَعًا عَلى مَعْنى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وافَقَها أوْ لَقَّنَها، ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى. وقِيلَ يُرادُ بِالسَّعْيِ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِ (مَعَ) بِـ(بَلَغَ) المَسْعى، وهو الجَبَلُ المَقْصُودُ إلَيْهِ بِالمَشْيِ، وهو تَكَلُّفٌ لا يُصارُ إلَيْهِ.
وبِالجُمْلَةِ، الأوْلى تَعَلُّقُها بِالسَّعْيِ، والتَّخْصِيصُ لِأنَّ الأبَ أكْمَلُ في الرِّفْقِ وبِالِاسْتِصْلاحِ لَهُ فَلا يَسْتَسْعِيهِ قَبْلَ أوانِهِ، أوْ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - اسْتَوْهَبَهُ لِذَلِكَ، وفِيهِ عَلى الأوَّلِ بَيانُ أوانِهِ، وأنَّهُ في غَضاضَةِ عُودِهِ كانَ فِيهِ ما فِيهِ مِن رَصانَةِ العَقْلِ ورَزانَةِ الحِلْمِ حَتّى أجابَ بِما أجابَ، وعَلى الثّانِي بَيانُ اسْتِجابَةِ دُعائِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ لِلْغُلامِ يَوْمَئِذٍ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، والوَلَدُ أحَبُّ ما يَكُونُ عِنْدَ أبِيهِ في سِنٍّ يَقْدِرُ فِيهِ عَلى إعانَةِ الأبِ وقَضاءِ حاجَةٍ ولا يَقْدِرُ فِيهِ عَلى العِصْيانِ.
﴿قالَ يا بُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَأى في مَنامِهِ أنَّهُ فَعَلَ ذَبْحَهُ، فَحَمَلَهُ عَلى ما هو الأغْلَبُ في رُؤْيا الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مِن وُقُوعِها بِعَيْنِها، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ رَأى ما تَأْوِيلُهُ ذَلِكَ لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ وذَكَرَ التَّأْوِيلَ، كَما يَقُولُ المُمْتَحَنُ وقَدْ رَأى أنَّهُ راكِبٌ في سَفِينَةٍ رَأيْتُ في المَنامِ أنِّي ناجٍ مِن هَذِهِ المِحْنَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ رَأى مُعالَجَةَ الذَّبْحَ ولَمْ يَرَ إنْهارَ الدَّمِ فَـ(أنِّي أذْبَحُكَ) أنِّي أُعالِجُ ذَبْحَكَ، ويُشْعِرُ صَنِيعَ بَعْضِهِمُ اخْتِيارَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أُتِيَ في المَنامِ، فَقِيلَ لَهُ: اذْبَحِ ابْنَكَ، ورُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيٌ كالوَحْيِ في اليَقَظَةِ، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ رَأى لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ كَأنَّ قائِلًا يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُكَ بِذَبْحِ ابْنِكَ، فَلَمّا أصْبَحَ رَوَّأ في ذَلِكَ وفَكَّرَ مِنَ الصَّباحِ إلى الرَّواحِ أمِنَ اللَّهِ تَعالى هَذا الحُلُمُ أمْ مِنَ الشَّيْطانِ؟ فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فَلَمّا أمْسى رَأى مِثْلَ ذَلِكَ فَعَرَفَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ عَرَفَةَ، ثُمَّ رَأى مِثْلَهُ في اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ فَهَمَّ بِنَحْرِهِ فَسُمِّيَ يَوْمَ النَّحْرِ، وقِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ حِينَ بَشَّرَتْهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ، قالَ: هو إذَنْ ذَبِيحُ اللَّهِ، فَلَمّا وُلِدَ وبَلَغَ حَدَّ السَّعْيِ مَعَهُ قِيلَ لَهُ: أوْفِ بِنَذْرِكَ، ولَعَلَّ هَذا القَوْلَ كانَ في المَنامِ وإلّا فَما يَصْنَعُ قَوْلُهُ ﴿إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ﴾ وفي كَلامِ التَّوْراةِ الَّتِي بِأيْدِي اليَهُودِ اليَوْمَ ما يَرْمُزُ إلى أنَّ الأمْرَ بِالذَّبْحِ كانَ لَيْلًا، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - خُذِ ابْنَكَ وامْضِ إلى بَلَدِ العِبادَةِ وأصْعِدْهُ ثَمَّ قُرْبانًا عَلى أحَدِ الجِبالِ الَّذِي أُعَرِّفُكَ بِهِ، قِيلَ: فَأدْلَجَ إبْراهِيمُ بِالغَداةِ... إلَخْ، فالأمْرُ إمّا مَنامًا وإمّا يَقَظَةً لَكِنْ وقَعَ تَأْكِيدًا لِما في المَنامِ؛ إذْ لا مَحِيصَ عَنِ الإيمانِ بِما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْنا فِيما أعْجَزَ بِهِ الثَّقَلَيْنِ مِنَ القُرْآنِ، والحَزْمُ الجَزْمُ بِكَوْنِهِ في المَنامِ لا غَيْرَ؛ إذْ لا يُعَوَّلُ عَلى ما في أيْدِي اليَهُودِ ولَيْسَ في الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ ما يَدُلُّ عَلى وُقُوعِهِ يَقَظَةً أيْضًا.
صفحة 129
ولَعَلَّ السِّرَّ في كَوْنِهِ مَنامًا لا يَقَظَةً أنْ تَكُونَ المُبادَرَةُ إلى الِامْتِثالِ أدُلَّ عَلى كَمالِ الِانْقِيادِ والإخْلاصِ.
وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ في المَنامِ دُونَ اليَقَظَةِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ حالَتَيِ الأنْبِياءِ يَقِظَةً ومَنامًا سَواءٌ في الصِّدْقِ، والأوَّلُ أوْلى، والتَّأْكِيدُ لِما في تَحَقُّقِ المُخْبَرِ بِهِ مِنَ الِاسْتِبْعادِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ في المَوْضِعَيْنِ قِيلَ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ الماضِيَةِ لِنَوْعِ غَرابَةٍ، وقِيلَ: في الأوَّلِ لِتَكَرُّرِ الرُّؤْيا، وفي الثّانِي لِلِاسْتِحْضارِ المَذْكُورِ أوْ لِتُكَرُّرِ الذَّبْحِ حَسَبَ تَكَرُّرِ الرُّؤْيا، أوْ لِلْمُشاكَلَةِ، ومَن نَظَرَ بَعْدُ ظَهَرَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ.
﴿فانْظُرْ ماذا تَرى﴾ مِنَ الرَّأْيِ، وإنَّما شاوَرَهُ في ذَلِكَ - وهو حَتْمٌ - لِيَعْلَمَ ما عِنْدَهُ فِيما نَزَلَ مِن بَلاءِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَيُثَّبِتَ قَدَمَهُ إنْ جَزِعَ، ويَأْمَنَ عَلَيْهِ إنْ سَلَّمَ، ولِيُوَطِّنَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ فَيُهَوِّنَ عَلَيْهِ ويَكْتَسِبَ المَثُوبَةَ بِالِانْقِيادِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى قَبْلَ نُزُولِهِ، ولِيَكُونَ سُنَّةً في المُشاوَرَةِ، فَقَدْ قِيلَ: لَوْ شاوَرَ آدَمُ المَلائِكَةَ في أكْلِهِ مِنَ الشَّجَرَةِ لَما فَرَطَ مِنهُ ذَلِكَ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”ماذا تُرِي“ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الرّاءِ خالِصَةً، أيْ ما الَّذِي تُرِينِي إيّاهُ مِنَ الصَّبْرِ وغَيْرِهِ؟ أوْ أيَّ شَيْءٍ تُرِينِي؟ عَلى أنَّ ما مُبْتَدَأٌ وذا مَوْصُولٌ خَبَرُهُ ومَفْعُولَيْ ”تَرى“ مَحْذُوفانِ، أوْ ”ماذا“ كالشَّيْءِ الواحِدِ مَفْعُولٌ ثانٍ لِتَرى والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، وقُرِئَ ”ماذا تُرى“ بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الرّاءِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، أيْ ماذا تُرِيكَ نَفْسُكَ مِنَ الرَّأْيِ، و(انْظُرْ) في جَمِيعِ القِراءاتِ مُعَلَّقَةٌ عَنِ العَمَلِ وفي ”ماذا“ الِاحْتِمالانِ. فَلا تَغْفُلْ.
﴿قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ أيِ الَّذِي تُؤْمَرُ بِهِ فَحُذِفَ الجارُّ والمَجْرُورُ دَفْعَةً، أوْ حُذِفَ الجارُّ أوَّلًا فَعُدِّيَ الفِعْلُ بِنَفْسِهِ، نَحْوُ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ، ثُمَّ حُذِفَ المَجْرُورُ بَعْدَ أنْ صارَ مَنصُوبًا ثانِيًا، والحَذْفُ الأوَّلُ شائِعٌ مَعَ الأمْرِ حَتّى كادَ يُعَدُّ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ، فَكَأنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ حَذْفانِ، أوِ افْعَلْ أمْرَكَ عَلى أنَّ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، والمُرادُ بِالمَصْدَرِ الحاصِلُ بِالمَصْدَرِ، أيِ: المَأْمُورُ بِهِ، ولا فَرْقَ في جَوازِ إرادَةِ ذَلِكَ مِنَ المَصْدَرِ بَيْنَ أنْ يَكُونَ صَرِيحًا وأنْ يَكُونَ مَسْبُوكًا.
وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِ إبْراهِيمَ إضافَةٌ إلى المَفْعُولِ، ولا يَخْفى بُعْدُ هَذا الوَجْهِ، وهَذا الكَلامُ يَقْتَضِي تَقَدُّمَ الأمْرِ، وهو غَيْرُ مَذْكُورٍ، فَإمّا أنْ يَكُونَ فُهِمَ مِن كَلامِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ رَأى أنَّهُ يَذْبَحُهُ مَأْمُورًا، أوْ عَلِمَ أنَّ رُؤْيا الأنْبِياءِ حَقٌّ وأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ إلّا بِأمْرٍ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلْإيذانِ بِغَرابَةِ ذَلِكَ، مِثْلُها في كَلامِ إبْراهِيمَ عَلى وجْهٍ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ ما قالَهُ لَمْ يَكُنْ إلّا عَنْ حُلُمٍ غَيْرِ مَشُوبٍ بِجَهْلٍ بِحالِ المَأْمُورِ بِهِ، وقِيلَ: لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الأمْرَ مُتَعَلِّقٌ بِهِ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِ مُسْتَمِرٌّ إلى حِينِ الِامْتِثالِ بِهِ، وقِيلَ: لِتَكَرُّرِ الرُّؤْيا، وقِيلَ: جِيءَ بِها لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ أمْرٌ، وإنَّما كانَتْ رُؤْيا الذَّبْحِ، فَأخْبَرَهُ بِها، فَعَلِمَ لِعِلْمِهِ بِمَقامِ أبِيهِ، وإنَّهُ مِمَّنْ لا يَجِدُ الشَّيْطانُ سَبِيلًا بِإلْقاءِ الخَيالاتِ الباطِلَةِ إلَيْهِ في المَنامِ - أنَّهُ سَيَكُونُ ذَلِكَ، ولا يَكُونُ إلّا بِأمْرٍ إلَهِيٍّ، فَقالَ لَهُ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ بَعْدُ مِنَ الذَّبْحِ الَّذِي رَأيْتَهُ في مَنامِكَ، ولَمّا كانَ خِطابُ الأبِ (يا بُنَيَّ) عَلى سَبِيلِ التَّرَحُّمِ قالَ هُوَ: (يا أبَتِ) عَلى سَبِيلِ التَّوْقِيرِ والتَّعْظِيمِ، ومَعَ ذَلِكَ أتى بِجَوابٍ حَكِيمٍ لِأنَّهُ فَوَّضَ الأمْرَ حَيْثُ اسْتَشارَهُ، فَأجابَ بِأنَّهُ لَيْسَ مُجاوِزَها وإنَّما الواجِبُ إمْضاءُ الأمْرِ.
﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ عَلى قَضاءِ اللَّهِ تَعالى ذَبْحًا كانَ أوْ غَيْرَهُ، وقِيلَ: عَلى الذَّبْحِ، والأوَّلُ أوْلى لِلِعُمُومِ، ويَدْخُلُ الذَّبْحُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وفي قَوْلِهِ ﴿مِنَ الصّابِرِينَ﴾ دُونَ صابِرًا وإنْ كانَتْ رُؤُوسُ الآيِ تَقْتَضِي ذَلِكَ مِنَ التَّواضُعِ ما فِيهِ، وقِيلَ ولَعَلَّهُ وُفِّقَ لِلصَّبْرِ بِبَرَكَتِهِ مَعَ بَرَكَةِ الِاسْتِثْناءِ، ومُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا لَمْ يَسْلُكْ هَذا المَسْلَكَ مِنَ التَّواضُعِ في قَوْلِهِ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾ حَيْثُ لَمْ يَنْظِمْ نَفْسَهُ الكَرِيمَةَ في سِلْكِ
صفحة 130
الصّابِرِينَ؛ بَلْ أخْرَجَ الكَلامَ عَلى وجْهٍ لا يُشْعِرُ بِوُجُودِ صابِرٍ سِواهُ - لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ الصَّبْرُ مَعَ أنَّهُ لَمْ يُهْمِلْ أمْرَ الِاسْتِثْناءِ. وفِيهِ أيْضًا إغْراءٌ لِأبِيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى الصَّبْرِ لِما يَعْلَمُ مِن شَفَقَتِهِ عَلَيْهِ مَعَ عِظَمِ البَلاءِ، حَيْثُ أشارَ إلى أنَّ لِلَّهِ تَعالى عِبادًا صابِرِينَ، وهي زَهْرَةُ رَبِيعٍ لا تَتَحَمَّلُ الفَرْكَ.
37:103Page 450
فَلَمَّآ أَسۡلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلۡجَبِينِ ١٠٣
And when they had both submitted1 and he put him down upon his forehead,
﴿فَلَمّا أسْلَما﴾ أيِ اسْتَسْلَما وانْقادا لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، فالفِعْلُ لازِمٌ، أوْ سَلَّمَ الذَّبِيحُ نَفْسَهُ وإبْراهِيمُ ابْنَهُ عَلى أنَّهُ مُتَعَدٍّ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ.
وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللَّهِ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ والأعْمَشُ والثَّوْرِيُّ ”سَلَّما“، وخُرِّجَتْ عَلى ما سَمِعْتَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى فَوَّضا إلَيْهِ تَعالى في قَضائِهِ وقَدَرِهِ، وقُرِئَ ”اسْتَسْلَما“ وأصْلُ الأفْعالِ الثَّلاثَةِ سَلِمَ هَذا لِفُلانٍ، إذا خَلُصَ لَهُ فَإنَّهُ سَلِمَ مِن أنْ يُنازَعَ فِيهِ ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ صَرَعَهُ عَلى شِقِّهِ فَوَقَعَ جَبِينُهُ عَلى الأرْضِ، وأصْلُ التَّلِّ الرَّمْيُ عَلى التَّلِّ وهو التُّرابُ المُجْتَمِعُ ثُمَّ عَمَّمَ في كُلِّ صَرْعٍ، والجَبِينُ أحَدُ جانِبَيِ الجَبْهَةِ وشَذَّ جَمْعُهُ عَلى أجْبُنٍ، وقِياسُهُ في القِلَّةِ أجْبِنَةٌ كَكَثِيبٍ وأكْثِبَةٍ، وفي الكَثْرَةِ جُبْنانٌ وجُبُنٌ كَكُثْبانٍ وكُثُبٍ، واللّامُ لِبَيانِ ما خَرَّ عَلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ﴾ وقَوْلِهِ:
وخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْفَمِ
ولَيْسَتْ لِلتَّعْدِيَةِ، وقِيلَ المُرادُ كَبَّهُ عَلى وجْهِهِ وكانَ ذَلِكَ بِإشارَةٍ مِنهُ. أخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ لِأبِيهِ: لا تَذْبَحْنِي وأنْتَ تَنْظُرُ إلى وجْهِي عَسى أنْ تَرْحَمَنِي فَلا تُجْهِزَ عَلَيَّ، ارْبِطْ يَدَيَّ إلى رَقَبَتِي ثُمَّ ضَعْ وجْهِي لِلْأرْضِ، فَفَعَلَ فَكانَ ما كانَ، ولا يَخْفى أنَّ إرادَةَ ذَلِكَ مِنَ الآيَةِ بَعِيدٌ، نَعَمْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الذَّبِيحُ قالَ هَذا.
وفِي الآثارِ حِكايَةُ أقْوالٍ غَيْرِ ذَلِكَ أيْضًا، مِنها ما في خَبَرٍ لِلسُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ لِأبِيهِ عَلَيْهِما السَّلامُ: يا أبَتِ اشْدُدْ رِباطِي حَتّى لا اضْطَرَبَ، واكْفُفْ عَنْ ثِيابِكَ حَتّى لا يَنْتَضِحَ عَلَيْها مَن دَمِي شَيْءٌ فَتَراهُ أُمِّي فَتَحْزَنَ، وأسْرِعْ مَرَّ السِّكِّينِ عَلى حَلْقِي فَيَكُونَ أهْوَنَ لِلْمَوْتِ عَلَيَّ، فَإذا أتَيْتَ أُمِّي فاقْرَأْ عَلَيْها السَّلامَ مِنِّي فَأقْبَلَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ يُقَبِّلُهُ، وكُلٌّ مِنهُما يَبْكِي، ومِنها ما في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ أحْمَدُ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ لِأبِيهِ وكانَ عَلَيْهِ قَمِيصٌ أبْيَضُ يا أبَتِ لَيْسَ لِي ثَوْبٌ تُكَفِّنُنِي فِيهِ غَيْرُهُ فاخْلَعْهُ حَتّى تُكَفِّنَنِي فِيهِ فَعالَجَهُ لِيَخْلَعَهُ فَكانَ ما قَصَّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ الصَّخْرَةِ الَّتِي بِمِنًى، وعَنِ الحَسَنِ في المَوْضِعِ المُشْرِفِ عَلى مَسْجِدِ مِنًى، وعَنِ الضَّحّاكِ في المَنحَرِ الَّذِي يُنْحَرُ فِيهِ اليَوْمَ، وقِيلَ كانَ بِبَيْتِ المَقْدِسِ وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ كَعْبٍ، وحَكى الإمامُ مَعَ هَذا القَوْلِ أنَّهُ كانَ بِالشّامِ.
37:104–105Page 450
وَنَٰدَيۡنَٰهُ أَن يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ ١٠٤
We called to him, "O Abraham,
قَدۡ صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡيَآۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٠٥
You have fulfilled the vision." Indeed, We thus reward the doers of good.
﴿ونادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ قِيلَ ناداهُ مِن خَلْفِهِ مَلَكٌ مِن قِبَلِهِ تَعالى بِذَلِكَ، و”أنْ“ مُفَسِّرَةٌ بِمَعْنى أيْ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ”قَدْ صَدَّقْتَ“ بِحَذْفِها، وقُرِئَ ”صَدَقْتَ“ بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ فَيّاضٌ ”الرِّيّا“ بِكَسْرِ الرّاءِ والإدْغامِ، وتَصْدِيقُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الرُّؤْيا تَوْفِيَتُهُ حَقَّها مِنَ العَمَلِ وبَذْلُ وُسْعِهِ في إيقاعِها، وذَلِكَ بِالعَزْمِ والإتْيانِ بِالمُقَدِّماتِ، ولا يَلْزَمُ فِيهِ وُقُوعُ ما رَآهُ بِعَيْنِهِ، وقِيلَ هو إيقاعُ تَأْوِيلِها، وتَأْوِيلُها ما وقَعَ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ الإمامِ أنَّهُ الِاعْتِرافُ بِوُجُوبِ العَمَلِ بِها، ولا يَدُلُّ عَلى الإتْيانِ بِكُلِّ ما رَآهُ في المَنامِ، وهَلْ أمَرَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الشَّفْرَةَ عَلى حَلْقِهِ أمْ لا؟ قَوْلانِ؛ ذَهَبَ إلى الثّانِي مِنهُما كَثِيرٌ مِنَ الأجِلَّةِ، وقَدْ أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا أخَذَ الشَّفْرَةَ وأرادَ أنْ يَذْبَحَهُ نُودِيَ مِن خَلْفِهِ أنْ يا إبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا، وأخْرَجَ هو وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْهُ أنَّهُ عالَجَ قَمِيصَهُ لِيَخْلَعَهُ فَنُودِيَ بِذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنْهُ أيْضًا فَلَمّا أدْخَلَ يَدَهُ لِيَذْبَحَهُ فَلَمْ يَحْمِلِ المُدْيَةَ حَتّى
صفحة 131
نُودِيَ أنْ يا إبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا فَأمْسَكَ يَدَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ مِن مُجاهِدٍ: فَلَمّا أدْخَلَ يَدَهُ لِيَذْبَحَهُ نُودِيَ أنْ يا إبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا فَأمْسَكَ يَدَهُ ورَفَعَ رَأْسَهُ فَرَأى الكَبْشَ يَنْحَطُّ إلَيْهِ حَتّى وقَعَ عَلَيْهِ فَذَبَحَهُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أخْرَجَها عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أيْضًا وابْنُ المُنْذِرِ أنَّهُ أمَرَّ السِّكِّينَ فانْقَلَبَتْ، وإلى عَدَمِ الإمْرارِ ذَهَبَتِ اليَهُودُ أيْضًا لِما في تَوْراتِهِمْ: مَدَّ إبْراهِيمُ يَدَهُ فَأخَذَ السِّكِّينَ، فَقالَ لَهُ مَلاكُ اللَّهِ مِنَ السَّماءِ قائِلًا: يا إبْراهِيمُ! يا إبْراهِيمُ! قالَ: لَبَّيْكَ قالَ: لا تَمُدَّ يَدَكَ إلى الغُلامِ ولا تَصْنَعْ بِهِ شَيْئًا، وذَهَبَ إلى الأوَّلِ طائِفَةٌ؛ فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ أمَرَّها ولَمْ تَقْطَعْ مَعَ عَدَمِ المانِعِ؛ لِأنَّ القَطْعَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى فِيها، أوْ عِنْدَها عادَةً، وقَدْ لا يَخْلُقُ سُبْحانَهُ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ أمَرَّها ولَمْ تَقْطَعْ لِمانِعٍ، فَقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قامَ إلَيْهِ بِالشَّفْرَةِ فَبَرَكَ عَلَيْهِ فَجَعَلَ اللَّهُ تَعالى ما بَيْنَ لَبَّتِّهِ إلى مَنحَرِهِ نُحاسًا لا تُؤَثِّرُ فِيهِ الشَّفْرَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جَرَّ السِّكِّينَ عَلى حَلْقِهِ فَلَمْ يُنْحَرْ، وضَرَبَ اللَّهُ تَعالى عَلى حَلْقِهِ صَفِيحَةً مِن نُحاسٍ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تالِي التَّلْخِيصِ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ قالَ: أضْجَعَهُ ووَضَعَ الشَّفْرَةِ فَقَلَبَها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ بِسَنَدٍ فِيهِ الواقِدَيُّ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ نَحَرَ في حَلْقِهِ فَإذا هو قَدْ نَحَرَ في نُحاسٍ فَشَحَذَ الشَّفْرَةَ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا بِالحَجَرِ، وضُعِّفَ جَمِيعُ ذَلِكَ. وقِيلَ إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَبَحَ، لَكِنْ كانَ كُلَّما قَطَعَ مَوْضِعًا مِنَ الحَلْقِ أوْصَلَهُ اللَّهُ تَعالى، وزَعَمُوا وُرُودَ ذَلِكَ في بَعْضِ الأخْبارِ، ولا يَكادُ يَصِحُّ، وسَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَقامِ مِنَ الكَلامِ، وجَوابُ لَمّا مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ بَعْدَ ﴿صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ أيْ كانَ ما كانَ مِمّا تَنْطِقُ بِهِ الحالُ ولا يُحِيطُ بِهِ المَقالُ مِنِ اسْتِبْشارِهِما وشُكْرِهِما اللَّهُ تَعالى عَلى ما أنْعَمَ عَلَيْهِما مِن دَفْعِ البَلاءِ بَعْدَ حُلُولِهِ والتَّوْفِيقِ لِما لَمْ يُوَفِّقْ غَيْرَهُما لِمِثْلِهِ، وإظْهارِ فَضْلِهِما مَعَ إحْرازِ الثَّوابِ العَظِيمِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وهو أوْلى مِن تَقْدِيرِ ”فَإذا“ ونَحْوِهِ، وقَدَّرَهُ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ بَعْدَ ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أيْ أجْزَلْنا أجْرَهُما، وعَنِ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ تَقْدِيرُهُ قَبْلَ (وتَلَّهُ)، قالَ في البَحْرِ: والتَّقْدِيرُ فَلَمّا أسْلَما أسْلَما وتَلَّهُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو عِنْدُهم كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى
أيْ أجَزْنا وانْتَحى، وهو كَما تَرى، وقالَ الكُوفِيُّونَ: الجَوابُ مُثْبَتٌ وهو (ونادَيْناهُ) عَلى زِيادَةِ الواوِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو (وتَلَّهُ) عَلى زِيادَتِها أيْضًا، ولَعَلَّ الأوْلى ما تَقَدَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ابْتِداءُ كَلامٍ غَيْرُ داخِلٍ في النِّداءِ، وهو تَعْلِيلٌ لِإفْراجِ تِلْكَ الشِّدَّةِ المَفْهُومِ مِنَ الجَوابِ المُقَدَّرِ أوْ مِنَ الجَوابِ المَذْكُورِ؛ أعْنِي نادِيَنا... إلَخْ، عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ الجَوابُ أوْ مِنهُ، وإنْ لَمْ يَكُنِ الجَوابُ والعِلَّةُ في المَعْنى إحْسانَهُما، وكَوْنُهُ تَعْلِيلًا لِما انْطَوى عَلَيْهِ الجَوابُ مِنَ الشُّكْرِ لَيْسَ بِشَيْءٍ.
﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ أيِ الِابْتِلاءُ والِاخْتِبارُ البَيِّنُ الَّذِي يَتَمَيَّزُ فِيهِ المُخْلِصُ مِن غَيْرِهِ، أوِ المِحْنَةُ البَيِّنَةُ وهي المِحْنَةُ الظّاهِرَةُ صُعُوبَتُها، وما وقَعَ لا شَيْءَ أصْعَبَ مِنهُ، ولا تَكادُ تَخْفى صُعُوبَتُهُ عَلى أحَدٍ، ولِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ يَبْتَلِيَ مَن شاءَ بِما شاءَ، وهو سُبْحانَهُ الحَكِيمُ الفَعّالُ لِما يُرِيدُ. ولَعَلَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ لِبَيانِ كَوْنِهِما مِنَ المُحْسِنِينَ، وقِيلَ لِبَيانِ حِكْمَةِ ما نالَهُما، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ هي مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا فَلْيُتَدَبَّرْ.
﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ﴾ بِحَيَوانٍ يُذْبَحُ بَدَلَهُ ﴿عَظِيمٍ﴾ قِيلَ: أيْ عَظِيمُ الجُثَّةِ سَمِينٌ، وهو كَبْشٌ أبْيَضُ أقْرَنُ أعْيَنُ وفي رِوايَةٍ: أمْلَحُ بَدَلَ أبْيَضَ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ وعْلٌ أُهْبِطَ عَنْ ثَبِيرٍ، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ ووافَقَهُمُ الحَسَنُ في رِوايَةٍ رَواها عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وفِيها أنَّ اسْمَهُ حَرِيرٌ، واليَهُودُ عَلى أنَّهُ كَبْشٌ أيْضًا. وفَسَّرَ المُعَظِّمُ العَظِيمَ بِعَظِيمِ القَدْرِ
صفحة 132
وذَلِكَ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِأنَّهُ الكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَهُ هابِيلُ فَتُقُبِّلَ مِنهُ وبَقِيَ يَرْعى في الجَنَّةِ إلى يَوْمِ هَذا الفِداءِ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُما قالا: عِظَمُهُ كَوْنُهُ مِن كِباشِ الجَنَّةِ رَعى فِيها أرْبَعِينَ خَرِيفًا.
وقالَ مُجاهِدٌ وُصِفَ بِالعِظَمِ لِأنَّهُ مُتَقَبَّلٌ يَقِينًا، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: لِأنَّهُ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ نَسْلٍ بَلْ عَنِ التَّكْوِينِ، وقالَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: لِأنَّهُ جَرَتِ السُّنَّةُ بِهِ وصارَ دِينًا باقِيًا آخَرَ الدَّهْرِ، وقِيلَ لِأنَّهُ فُدِيَ بِهِ نَبِيٌّ وابْنُ نَبِيٍّ، وهُبُوطُهُ مِن ثَبِيرٍ، كَما قالَ الحَسَنُ في الوَعْلِ، وجاءَ ذَلِكَ في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وفِي رِوايَةٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ وجَدَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ رُبِطَ بِسَمُرَةٍ في أصْلِ ثَبِيرٍ.
«وعَنْ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ قاعِدًا بِالمَنحَرِ فَحَدَّثَنِي قُرَشِيٌّ عَنْ أبِيهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لَهُ: إنَّ الكَبْشَ نَزَلَ عَلى إبْراهِيمَ في هَذا المَكانِ».
وفِي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ خَرَجَ عَلَيْهِ كَبْشٌ مِنَ الجَنَّةِ قَدْ رَعى فِيها أرْبَعِينَ خَرِيفًا فَأرْسَلَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ابْنَهُ واتَّبَعَهُ فَرَماهُ بِسَبْعِ حَصَياتٍ وأحْرَجَهُ عِنْدَ الجَمْرَةِ الأوْلى فَأفْلَتَ، ورَماهُ بِسَبْعِ حَصَياتٍ وأحْرَجَهُ عِنْدَ الجَمْرَةِ الوُسْطى فَأفْلَتَ، ورَماهُ بِسَبْعِ حَصَياتٍ وأحْرَجَهُ عِنْدَ الجَمْرَةِ الكُبْرى فَأتى بِهِ المَنحَرَ مِن مِنًى فَذَبَحَ، قِيلَ: وهَذا أصْلُ سُنِّيَّةِ رَمْيِ الجِمارِ، والمَشْهُورُ أنَّ أصْلَ السُّنِّيَّةِ رَمْيُ الشَّيْطانِ هُناكَ، فَفي خَبَرٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّ الشَّيْطانَ أرادَ أنْ يُصِيبَ حاجَتَهُ مِن إبْراهِيمَ وابْنِهِ يَوْمَ أُمِرَ بِذَبْحِهِ فَتَمَثَّلَ بِصَدِيقٍ لَهُ، فَأرادَ أنْ يَصُدَّهُ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ، فَتَعَرَّضَ لِابْنِهِ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ، فَأتى الجَمْرَةَ فانْتَفَخَ حَتّى سَدَّ الوادِيَ ومَعَ إبْراهِيمَ مَلَكٌ فَقالَ لَهُ: ارْمِ يا إبْراهِيمُ! فَرَمى بِسَبْعِ حَصَياتٍ يُكَبِّرُ في أثَرِ كُلِّ حَصاةٍ، فَأفْرَجَ لَهُ عَنِ الطَّرِيقِ ثُمَّ انْطَلَقَ حَتّى أتى الجَمْرَةَ الثّانِيَةَ فَسَدَّ الوادِيَ أيْضًا، فَقالَ المَلَكُ: ارْمِ يا إبْراهِيمُ! فَرَمى كَما في الأُولى، وهَكَذا في الثّالِثَةِ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ الفِداءَ كانَ بِحَيَوانٍ واحِدٍ وهو المَعْرُوفُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فُدِيَ بِكَبْشَيْنِ أمْلَحَيْنِ أقْرَنَيْنِ أعْيَنَيْنِ، ولا أعْرِفُ لَهُ صِحَّةً، ويُرادُ بِالذِّبْحِ - عَلَيْهِ، لَوْ صَحَّ - الجِنْسُ، والفادِي عَلى الحَقِيقَةِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ سُبْحانَهُ: (فَدَيْناهُ) عَلى التَّجَوُّزِ في الفِداءِ، أيْ أمَرْنا أوْ أعْطَيْنا، أوْ في إسْنادِهِ إلَيْهِ تَعالى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ أيْضًا، وفائِدَةُ العُدُولِ عَنِ الأصْلِ التَّعْظِيمُ.
37:108–109Page 450
وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ١٠٨
And We left for him [favorable mention] among later generations:
سَلَٰمٌ عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ ١٠٩
"Peace upon Abraham."
﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ سَبَقَ ما يُعْلَمُ مِنهُ بَيانُهُ عِنْدَ تَفْسِيرِ نَظِيرِهِ في آخِرِ قِصَّةِ نُوحٍ، ولَعَلَّ ذِكْرَ (فِي العالِمَيْنِ) هُناكَ وعَدَمَ ذِكْرِهِ هُنا لِما أنَّ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الشُّهْرَةِ لِكَوْنِهِ كَآدَمَ ثانٍ لِلْبَشَرِ، ونَجاةُ مَن نَجا مِن أهْلِ الطُّوفانِ بِبَرَكَتِهِ ما لَيْسَ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى إبْقاءِ ذِكْرِهِ الجَمِيلِ فِيما بَيْنُ الأُمَمِ لا إلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ فِيما سَبَقَ، فَلا تَكْرارَ وطُرِحَ هُنا (إنّا) قِيلَ مُبالَغَةٌ في دَفْعِ تَوَهُّمِ اتِّحادِهِ مَعَ ما سَبَقَ، كَيْفَ وقَدْ سِيقَ الأوَّلُ تَعْلِيلًا لِجَزاءِ إبْراهِيمِ وابْنِهِ عَلَيْهِما السَّلامُ بِما أُشِيرَ إلَيْهِ قَبْلُ، وسِيقَ هَذا تَعْلِيلًا لِجَزاءِ إبْراهِيمَ وحْدَهُ بِما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ﴾ .. إلَخْ، وما ألْطَفَ الحَذْفَ هُنا اقْتِصارًا حَيْثُ كانَ فِيما قَبْلَهُ ما يُشْبِهُ ذَلِكَ مِن عَدَمِ ذِكْرِ الِابْنِ والِاقْتِصارِ عَلى إبْراهِيمَ.
وقِيلَ لَعَلَّ ذَلِكَ اكْتِفاءً بِذِكْرِ (إنّا) مَرَّةً في هَذِهِ القِصَّةِ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّهُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ قِصَّةَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ تَتِمَّ فَإنَّ ما بَعْدُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ﴾ .. إلَخْ مِن تَكْمِلَةِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِخِلافِ سائِرِ القِصَصِ الَّتِي جَعَلَ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ مُقَطِّعًا لَها، فَإنَّ ما بَعْدُ لَيْسَ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِما قَبْلُ، ومَعَ هَذا لَمْ تَخْلُ القِصَّةُ مِن مِثْلِ تِلْكَ الجُمْلَةِ بِجَمِيعِ كَلِماتِها وسَلَكَ فِيها هَذا المَسْلَكَ اعْتِناءً بِها، فَتَأمَّلْ!
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences