Al-AlusiAs‑Saffat · 37:117–141

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

As-Saffat 37:117–141

37:117–123Page 450

وَءَاتَيۡنَٰهُمَا ٱلۡكِتَٰبَ ٱلۡمُسۡتَبِينَ ١١٧

And We gave them the explicit Scripture [i.e., the Torah],

وَهَدَيۡنَٰهُمَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ١١٨

And We guided them on the straight path.

وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِمَا فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ١١٩

And We left for them [favorable mention] among later generations:

سَلَٰمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ١٢٠

"Peace upon Moses and Aaron."

إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٢١

Indeed, We thus reward the doers of good.

إِنَّهُمَا مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٢٢

Indeed, they were of Our believing servants.

وَإِنَّ إِلۡيَاسَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٢٣

And indeed, Elias was from among the messengers,

﴿وآتَيْناهُما﴾ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ أيِ البَلِيغَ في البَيانِ، والتَّفْصِيلِ كَما يُشْعِرُ بِهِ زِيادَةُ البِنْيَةِ وهو التَّوْراةُ، ﴿وهَدَيْناهُما﴾ بِذَلِكَ ﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ المُوَصِّلَ إلى الحَقِّ والصَّوابِ بِما فِيهِ مِن تَفاصِيلِ الشَّرائِعِ وتَفارِيعِ الأحْكامِ، ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ الكَلامُ فِيهِ نَظِيرُ ما سَبَقَ في نَظِيرِهِ، ﴿وإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ قالَ الطَّبَرِيُّ: هو إلْياسُ بْنُ ياسِينَ بْنِ فَنُحاصَ بْنِ العَيْزارِ بْنِ هارُونَ أخِي مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، فَهو إسْرائِيلِيٌّ مِن سِبْطِ هارُونَ، وحَكى القُتَيْبِيُّ أنَّهُ مِن سِبْطِ يُوشَعَ،

صفحة 139

وحَكى الطَّبَرْسِيُّ أنَّهُ ابْنُ عَمِّ اليَسَعَ، وأنَّهُ بُعِثَ بَعْدَ حِزْقِيلَ، وفي العَجائِبِ لِلْكِرْمانِيِّ: أنَّهُ ذُو الكِفْلِ، وعَنْ وهْبٍ: أنَّهُ عُمِّرَ كَما عُمِّرَ الخَضِرُ، ويَبْقى إلى فَناءِ الدُّنْيا.

وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ مُوَكَّلٌ بِالفَيافِي، والخَضِرُ بِالبِحارِ والجَزائِرِ، وإنَّهُما يَجْتَمِعانِ بِالمَوْسِمِ في كُلِّ عامٍ، وحَدِيثُ اجْتِماعِهِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في بَعْضِ الأسْفارِ، وأكْلِهِ مَعَهُ مِن مائِدَةٍ نَزَلَتْ عَلَيْهِما عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ السَّماءِ هي خُبْزٌ وحُوتٌ وكَرَفْسٌ، وصَلاتِهِما العَصْرَ مَعًا رَواهُ الحاكِمُ عَنْ أنَسٍ، وقالَ: هَذا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإسْنادِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِنَ التَّعْمِيرِ، وما بَعْدَهُ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. وحَدِيثُ الحاكِمِ ضَعَّفَهُ البَيْهَقِيُّ، وقالَ الذَّهَبِيُّ: مَوْضُوعٌ، قَبَّحَ اللَّهُ تَعالى مَن وضَعَهُ، ثُمَّ قالَ: وما كُنْتُ أحْسَبُ، ولا أُجَوِّزُ أنَّ الجَهْلَ يَبْلُغُ بِالحاكِمِ إلى أنْ يُصَحِّحَ هَذا، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ إلْياسَ هو إدْرِيسُ، ونُقِلَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ: ”وإنَّ إدْرِيسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ“، والمُسْتَفِيضُ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ كالجُمْهُورِ، نَعَمْ، قَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والمِنهالُ بْنُ عَمْرٍو، والحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ الكُوفِيُّ كَذَلِكَ.

وقُرِئَ ”إدْراسَ“، وهو لُغَةٌ في إدْرِيسَ كَإبْراهامَ في إبْراهِيمَ، وإذا فُسِّرَ إلْياسُ بِإدْرِيسَ عَلى أنَّ أحَدَ اللَّفْظَيْنِ اسْمٌ والآخَرَ لَقَبٌ، فَإنْ كانَ المُرادُ بِهِما مَن سَمِعْتَ نَسَبَهُ فَلا بَأْسَ بِهِ، وإنْ كانَ المُرادُ بِهِما إدْرِيسُ المَشْهُورُ الَّذِي رَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى مَكانًا عَلِيًّا، وهو عَلى ما قِيلَ: أخْنُوخُ بْنُ يَزْدَ بْنِ مَهْلايِيلَ بْنِ أنُوشَ بْنِ قَيْنانَ بْنِ شِيثَ بْنِ آدَمَ وكانَ عَلى ما ذَكَرَهُ المُؤَرِّخُونَ قَبْلَ نُوحٍ، وفي المُسْتَدْرَكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ بَيْنَهُ وبَيْنَ نُوحٍ ألْفَ سَنَةٍ، وعَنْ وهْبٍ: أنَّهُ جَدُّ نُوحٍ، أشْكَلَ الأمْرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلا هَدَيْنا ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ ويُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى وإلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وإسْماعِيلَ واليَسَعَ ويُونُسَ ولُوطًا وكُلا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ﴾، لِأنَّ ضَمِيرَ”ذريته“ إمّا أنْ يَكُونَ لِإبْراهِيمَ، لِأنَّ الكَلامَ فِيهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ لِنُوحٍ لِأنَّهُ أقْرَبُ، ولِأنَّ يُونُسَ ولُوطًا لَيْسا مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا يَتَسَنّى نَظْمُ إلْياسَ المُرادِ بِهِ إدْرِيسُ الَّذِي هو قَبْلَ نُوحٍ عَلى ما سَمِعْتَ في عِدادِ الذُّرِّيَّةِ، ويَرُدُّ عَلى القَوْلِ بِالِاتِّحادِ مُطْلَقًا أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ فَلا تَغْفُلْ.

وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُما، والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ”وإنَّ الياسَ“ بِوَصْلِ الهَمْزَةِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ قَدْ وصَلَ هَمْزَةَ القَطْعِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمُهُ يَأْسًا، ودَخَلَتْ عَلَيْهِ ألْ كَما قِيلَ في اليَسَعَ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ومُصْحَفِهِ، و”أنْ إيلِيسَ“ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها ياءٌ أيْضًا ساكِنَةٌ آخِرُ الحُرُوفِ بَعْدَها لامٌ مَكْسُورَةٌ بَعْدَها ياءٌ أيْضًا ساكِنَةٌ وسِينٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ.

37:124Page 450

إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ أَلَا تَتَّقُونَ ١٢٤

When he said to his people, "Will you not fear Allāh?

﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ وهم عَلى المَشْهُورِ في إلْياسَ سِبْطٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، أسْكَنَهم يُوشَعُ لَمّا فَتَحَ الشّامَ المَدِينَةَ المَعْرُوفَةَ اليَوْمَ بِبَعْلَبَكَّ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها كانَتْ تُسَمّى بَكَّةَ، وقِيلَ: بَكْ بَلاها. ثُمَّ سُمِّيَتْ بِما عُرِفَ عَلى طَرِيقِ التَّرْكِيبِ المَزْجِيِّ، وإذ عِنْدَ جَمْعٍ مَفْعُولُ اذْكُرْ، مَحْذُوفًا أيِ اذْكُرْ وقْتَ قَوْلِهِ لِقَوْمِهِ: ﴿ألا تَتَّقُونَ﴾ عَذابَ اللَّهِ تَعالى، ونِقْمَتَهُ بِامْتِثالِ أوامِرِهِ واجْتِنابِ نَواهِيهِ.

37:125Page 450

أَتَدۡعُونَ بَعۡلٗا وَتَذَرُونَ أَحۡسَنَ ٱلۡخَٰلِقِينَ ١٢٥

Do you call upon Baʿl1 and leave the best of creators -

﴿أتَدْعُونَ بَعْلا﴾ أيْ أتَعْبُدُونَهُ، أوْ تَطْلُبُونَ حاجَتَكم مِنهُ، وهو اسْمُ صَنَمٍ لَهم كَما قالَ الضَّحّاكُ والحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ، وفي بَعْضِ نُسَخِ القامُوسِ: أنَّهُ لِقَوْمِ يُونُسَ، ولا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ لَهُما، أوْ ذَلِكَ تَحْرِيفٌ. قِيلَ: وكانَ مِن ذَهَبٍ طُولُهُ عِشْرُونَ ذِراعًا، ولَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، فُتِنُوا بِهِ، وعَظَّمُوهُ حَتّى

صفحة 140

أخْدَمُوهُ أرْبَعَمِائَةِ سادِنٍ، وجَعَلُوهم أنْبِياءَهُ فَكانَ الشَّيْطانُ يَدْخُلُ في جَوْفِهِ، ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ، والسَّدَنَةُ يَحْفَظُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ، وقِيلَ: هو اسْمُ امْرَأةٍ أتَتْهم بِضَلالَةٍ فاتَّبَعُوها، واسْتُؤْنِسَ لَهُ بِقِراءَةِ بَعْضِهِمْ، (بَعْلاءَ) بِالمَدِّ عَلى وزْنِ حَمْراءَ، وظاهِرُ صَرْفِهِ أنَّهُ عَرَبِيٌّ عَلى القَوْلَيْنِ، فَلا تَغْفُلْ.

وقالَ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ: البَعْلُ الرَّبُّ بِلُغَةِ اليَمَنِ: وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ قَتادَةَ بِلُغَةِ أزْدِ شَنُوءَةَ وأسْتامِ ابْنِ عَبّاسٍ: ناقَةُ رَجُلٍ مِن حِمْيَرَ، فَقالَ لَهُ: أنْتَ صاحِبُها؟ قالَ: بَعْلُها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أتَدْعُونَ بَعْلًا: أتَدْعُونَ رَبًّا مِمَّنْ أنْتَ؟ قالَ: مِن حِمْيَرَ، والمُرادُ عَلَيْهِ: أتَدْعُونَ بَعْضَ البُعُولِ أيِ الأرْبابِ، والمُرادُ بِها الأصْنامُ أوِ المَعْبُوداتُ الباطِلَةُ، فالتَّنْكِيرُ لِلتَّبْعِيضِ، فَيَرْجِعُ لِما قِيلَ قَبْلَهُ، ﴿وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ أيْ وتَتْرُكُونَ عِبادَتَهُ تَعالى، أوْ طَلَبَ جَمِيعِ حاجِكم مِنهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِتَرْكِهِمْ إيّاهُ سُبْحانَهُ تَرْكُهم عِبادَتَهُ - عَزَّ وجَلَّ - والمُرادُ بِالخالِقِ مَن يُطْلَقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، ولَهُ بِهَذا الِاعْتِبارِ إفْرادٌ، وإنِ اخْتَلَفَتْ جِهَةُ الإطْلاقِ فِيها فَلا إشْكالَ في إضافَةِ أفْعَلَ إلى ما بَعْدَهُ، وها هُنا سُؤالٌ مَشْهُورٌ وهو ما وجْهُ العُدُولِ عَنْ (تَدَعُونَ) بِفَتْحِ التّاءِ والدّالِ مُضارِعِ ودَعَ، بِمَعْنى تَرَكَ إلى ”تذرون“ مَعَ مُناسَبَتِهِ ومُجانَسَتِهِ لِتَدْعُونَ قَبْلَهُ دُونَ تَذَرُونَ؟ وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأجْوِبَةٍ: الأوَّلُ أنَّ في ذَلِكَ نَوْعَ تَكَلُّفٍ والجِناسُ المُتَكَلَّفُ غَيْرُ مَمْدُوحٍ عِنْدَ البُلَغاءِ، ولا يُمْدَحُ عِنْدَهم ما لَمْ يَجِئْ عَفْوًا بِطَرِيقِ الِاقْتِضاءِ، ولِذا ذَمُّوا مُتَكَلِّفَهُ فَقِيلَ فِيهِ:

طَبْعُ المُجَنِّسِ فِيهِ نَوْعُ قِيادَةٍ أوَما تَرى تَأْلِيفَهُ لِلْأحْرُفِ

قالَهُ الخَفاجِيُّ، وفي كَوْنِ هَذا البَيْتِ في خُصُوصِ المُتَكَلِّفِ نَظَرٌ وبُعْدٌ فِيهِ ما فِيهِ، الثّانِي: أنَّ في (تَدَعُونَ) إلْباسًا عَلى مَن يَقْرَأُ مِنَ المُصْحَفِ دُونَ حِفْظٍ مِنَ العَوامِّ بِأنْ يَقْرَأهُ كَتَدْعُونَ الأوَّلِ، ويَظُنَّ أنَّ المُرادَ إنْكارٌ بَيْنَ دُعاءِ بَعْلٍ ودُعاءِ أحْسَنِ الخالِقِينَ، ولَيْسَ بِالوَجْهِ، إذْ لَيْسَ مِن سُنَّةِ الكُتّابِ تَرْكُ ما يُلْبِسُ عَلى العَوامِّ كَما لا يَخْفى عَلى الخَواصِّ.

والصَّحابَةُ أيْضًا لَمْ يُراعُوهُمْ، وإلّا لَما كَتَبُوا المُصْحَفَ غَيْرَ مَنقُوطٍ، ولا ذا شَكْلٍ كَما هو المَعْرُوفُ اليَوْمَ، وفي بَقاءِ الرَّسْمِ العُثْمانِيِّ مُعْتَبَرًا إلى انْقِضاءِ الصَّحابَةِ ما يُؤَيِّدُ ما قُلْنا، الثّالِثُ: أنَّ التَّجْنِيسَ تَحْسِينٌ وإنَّما يُسْتَعْمَلُ في مَقامِ الرِّضا والإحْسانِ لا في مَقامِ الغَضَبِ والتَّهْوِيلِ، وفِيهِ بِأنَّهُ وقَعَ فِيما نَفاهُ قالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾، وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأبْصارِ﴾، وفِيهِما الجِناسُ التّامُّ ولا يَخْفى حالُ المَقامِ، الرّابِعُ: ما نُقِلَ عَنِ الإمامِ فَإنَّهُ سُئِلَ عَنْ سَبَبِ تَرْكِ (تَدَعُونَ) إلى ”تذرون“ فَقالَ: تُرِكَ لِأنَّهُمُ اتَّخَذُوا الأصْنامَ آلِهَةً وتَرَكُوا اللَّهَ تَعالى بَعْدَ ما عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ رَبُّهم ورَبُّ آبائِهِمُ الأوَّلِينَ اسْتِكْبارًا واسْتِنْكارًا فَلِذَلِكَ قِيلَ: ﴿وتَذَرُونَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: وتَدَعُونَ، وفِيهِ القَوْلُ بِأنَّ دَعْ أمْرٌ بِالتَّرْكِ قَبْلَ العِلْمِ، وذَرْ أمْرٌ بِالتَّرْكِ بَعْدَهُ، ولا تُساعِدُهُ اللُّغَةُ والِاشْتِقاقُ، الخامِسُ: أنَّ لِإنْكارِ كُلٍّ مِن فِعْلَيْ دُعاءِ بَعْلٍ وتَرْكِ أحْسَنِ الخالِقِينَ عِلَّةً غَيْرُ عِلَّةِ إنْكارِ الآخَرِ فَتُرِكَ التَّجْنِيسُ رَمْزًا إلى شِدَّةِ المُغايَرَةِ بَيْنَ الفِعْلَيْنِ، السّادِسُ: أنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ مُجانَسَةٌ بَيْنَ المَفْعُولَيْنِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ تُرِكَ التَّجْنِيسُ في الفِعْلَيْنِ المُتَعَلِّقَيْنِ بِهِما، وإنْ كانَتِ المُجانَسَةُ المَنفِيَّةُ بَيْنَ المَفْعُولَيْنِ شَيْئًا والمُجانَسَةُ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها بَيْنَ الفِعْلَيْنِ شَيْئًا آخَرَ، وكِلا الجَوابَيْنِ كَما تَرى، السّابِعُ: أنَّ يَدَعَ إنَّما اسْتَعْمَلَتْهُ العَرَبُ في التَّرْكِ الَّذِي لا يُذَمُّ مُرْتَكِبُهُ، لِأنَّهُ مِنَ الدَّعَةِ بِمَعْنى الرّاحَةِ، ويَذَرُ بِخِلافِهِ، لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ إهانَةً وعَدَمَ اعْتِدادٍ، لِأنَّهُ مِنَ الوَذَرِ قِطْعَةِ اللَّحْمِ الحَقِيرَةِ الَّتِي لا يُعْتَدُّ بِها. واعْتُرِضَ بِأنَّ المُتَبادِرَ مِن قَوْلِهِ: بِخِلافِهِ أنَّ يَذَرُ إنَّما اسْتَعْمَلَتْهُ العَرَبُ في التَّرْكِ الَّذِي

صفحة 141

يُذَمُّ مُرْتَكِبُهُ، فَيَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى -:”فذرهم وما يفترون“، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وفِيهِ تَأمُّلٌ. الثّامِنُ: أنَّ يَدَعُ أخَصُّ مِن يَذَرُ، لِأنَّهُ بِمَعْنى تَرْكِ الشَّيْءِ مَعَ اعْتِناءٍ بِهِ بِشَهادَةِ الِاشْتِقاقِ نَحْوَ الإيداعِ، فَإنَّهُ تَرْكُ الوَدِيعَةِ مَعَ الِاعْتِناءِ بِحالِها، ولِهَذا يُخْتارُ لَها مَن هو مُؤْتَمَنٌ، ونَحْوُهُ مُوادَعَةُ الأحْبابِ، وأمّا يَذَرُ فَمَعْناهُ التَّرْكُ مُطْلَقًا، أوْ مَعَ الإعْراضِ والرَّفْضِ الكُلِّيِّ، قالَ الرّاغِبُ: يُقالُ: فُلانٌ يَذَرُ الشَّيْءَ أيْ يَقْذِفُهُ لِقِلَّةِ الِاعْتِدادِ بِهِ، ومِنهُ الوَذَرُ وهو ما سَمِعْتَ آنِفًا، ولا شَكَّ أنَّ السِّياقَ إنَّما يُناسِبُ هَذا دُونَ الأوَّلِ، إذِ المُرادُ تَبْشِيعُ حالِهِمْ في الإعْراضِ عَنْ رَبِّهِمْ، وهو قَرِيبٌ مِن سابِقِهِ، لَكِنَّهُ سالِمٌ عَنْ بَعْضِ ما فِيهِ، التّاسِعُ: أنَّ في تَدَعُونَ، بِفَتْحِ التّاءِ والدّالِ ثِقَلًا ما لا يَخْفى عَلى ذِي الذَّوْقِ السَّلِيمِ والطَّبْعِ المُسْتَقِيمِ، وتَذَرُونَ سالِمٌ عَنْهُ، فَلِذا اخْتِيرَ عَلَيْهِ، فَتَأمَّلْ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، وقَدْ أشارَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِقَوْلِهِ: ﴿أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ إلى المُقْتَضِي لِلْإنْكارِ المَعْنِيِّ بِالهَمْزِ، وصُرِّحَ بِهِ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ في قَوْلِهِ تَعالى:

37:126Page 450

ٱللَّهَ رَبَّكُمۡ وَرَبَّ ءَابَآئِكُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٢٦

Allāh, your Lord and the Lord of your first forefathers?"

﴿اللَّهَ رَبَّكم ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن ﴿أحْسَنَ الخالِقِينَ)،﴾ قالَ أبُو حَيّانَ: ويَجُوزُ كَوْنُ ذاكَ عَطْفَ بَيانٍ إنْ قُلْنا: إنَّ إضافَةَ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ مَحْضَةٌ، وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ الِاسْمَ الجَلِيلَ مُبْتَدَأٌ، (ورَبُّكُمْ) خَبَرُهُ، أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، (ورَبُّكُمْ) عَطْفُ بَيانٍ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، ورُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ أنَّهُ إذا وُصِلَ نُصِبَ وإذا وُقِفَ رُفِعَ، والتَّعَرُّضُ لِذِكْرِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لِآبائِهِمُ الأوَّلِينَ لِتَأْكِيدِ إنْكارِ تَرْكِهِمْ إيّاهُ تَعالى، والإشْعارِ بِبُطْلانِ آراءِ آبائِهِمْ أيْضًا.

37:127–128Page 451

فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمۡ لَمُحۡضَرُونَ ١٢٧

And they denied him, so indeed, they will be brought [for punishment],

إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ١٢٨

Except the chosen servants of Allāh.

﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ فِيما تَضَمَّنَهُ كَلامُهُ مِن إيجابِ اللَّهِ تَعالى التَّوْحِيدَ وتَحْرِيمِهِ سُبْحانَهُ الإشْراكَ وتَعْذِيبِهِ تَعالى عَلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَكْذِيبُهم راجِعًا إلى ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: (اللَّهُ رَبُّكم ﴿فَإنَّهُمْ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ في العَذابِ، وإنَّما أطْلَقَهُ اكْتِفاءً بِالقَرِينَةِ، أوْ لِأنَّ الإحْضارَ المُطْلَقَ مَخْصُوصٌ بِالشَّرِّ في العُرْفِ العامِّ، أوْ حَيْثُ اسْتُعْمِلَ في القُرْآنِ لِإشْعارِهِ بِالجَبْرِ، ﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِنَ الواوِ في (كَذَّبُوهُ) فَيَدُلُّ عَلى أنَّ مِن قَوْمِهِ مُخْلِصِينَ لَمْ يُكَذِّبُوهُ، ومُنِعَ كَوْنُهُ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا مِن ضَمِيرِ (مُحْضَرُونَ) لِأنَّهُ لِلْمُكَذِّبِينَ، فَإذا اسْتُثْنِيَ مِنهُ اقْتَضى أنَّهم كَذَّبُوهُ، ولَمْ يَحْضُرُوا، وفَسادُهُ ظاهِرٌ، وقِيلَ: لِأنَّهُ إذا لَمْ يَسْتَثْنِ مِن ضَمِيرِ (كَذَّبُوا) كانُوا كُلُّهم مُكَذِّبِينَ، فَلَيْسَ فِيهِمْ مُخْلِصٌ فَضْلًا عَنْ مُخْلِصِينَ، ومَآلُهُ ما ذُكِرَ، لَكِنِ اعْتَرَضَهُ ابْنُ كَمالٍ بِأنَّهُ لا فَسادَ فِيهِ، لِأنَّ اسْتِثْناءَهم مِنَ القَوْمِ المُحْضَرِينَ لِعَدَمِ تَكْذِيبِهِمْ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ التَّوْصِيفُ بِالمُخْلِصِينَ، لا مِنَ المُكَذِّبِينَ، فَمَآلُ المَعْنى واحِدٌ.

ورُدَّ بِأنَّ ضَمِيرَ (مُحْضَرِينَ) لِلْقَوْمِ كَضَمِيرِ (كَذَّبُوا). وقالَ الخَفاجِيُّ: لا يَخْفى أنَّ اخْتِصاصَ الإحْضارِ بِالعَذابِ كَما صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ يُعَيِّنُ كَوْنَ ضَمِيرِ (مُحْضَرِينَ) لِلْمُكَذِّبِينَ، لا لِمُطْلَقِ القَوْمِ، فَإنْ لَمْ يُسَلِّمْهُ فَهو أمْرٌ آخَرُ، وفي البَحْرِ: ولا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا إذْ يَصِيرُ المَعْنى: لَكِنَّ عِبادَ اللَّهِ المُخْلِصِينَ مِن غَيْرِ قَوْمِهِ لا يَحْضُرُونَ في العَذابِ وفِيهِ بَحْثٌ.

37:129–132Page 451

وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ١٢٩

And We left for him [favorable mention] among later generations:

سَلَٰمٌ عَلَىٰٓ إِلۡ يَاسِينَ ١٣٠

"Peace upon Elias."1

إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٣١

Indeed, We thus reward the doers of good.

إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٣٢

Indeed, he was of Our believing servants.

﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ الكَلامُ فِيهِ كَما في نَظِيرِهِ، بَيْدَ أنَّهُ يُقالُ ها هُنا: إنَّ إلْ ياسِينَ لُغَةٌ في إلْياسَ، وكَثِيرًا ما يَتَصَرَّفُونَ في الأسْماءِ الغَيْرِ العَرَبِيَّةِ. وفي الكَشّافِ: لَعَلَّ لِزِيادَةِ الياءِ والنُّونِ مَعْنًى في اللُّغَةِ السُّرْيانِيَّةِ، ومِن هَذا البابِ سَيْناءُ وسِينِينُ، واخْتارَ هَذِهِ اللُّغَةَ هُنا رِعايَةً لِلْفَواصِلِ، وقِيلَ: هو جَمْعُ إلْياسَ، عَلى طَرِيقِ التَّغْلِيبِ بِإطْلاقِهِ عَلى قَوْمِهِ وأتْباعِهِ كالمُهَلَّبِينَ لِلْمُهَلَّبِ وقَوْمِهِ.

وضُعِّفَ بِما ذَكَرَهُ النُّحاةُ مِن أنَّ العَلَمَ إذا جُمِعَ أوْ ثُنِّيَ وجَبَ تَعْرِيفُهُ بِاللّامِ جَبْرًا لِما فاتَهُ مِنَ العَلَمِيَّةِ، ولا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ ما فِيهِ تَغْلِيبٌ وبَيْنَ غَيْرِهِ، كَما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الحاجِبِ في شَرْحِ المُفَصَّلِ، لَكِنَّ هَذا غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، قالَ ابْنُ يَعِيشَ

صفحة 142

فِي شَرْحِ المُفَصَّلِ: يَجُوزُ اسْتِعْمالُهُ نَكِرَةً بَعْدَ التَّثْنِيَةِ والجَمْعِ نَحْوَ: زَيْدانِ كَرِيمانِ، وزَيْدُونَ كَرِيمُونَ، وهو مُخْتارُ الشَّيْخِ عَبْدِ القاهِرِ، وقَدْ أشْبَعُوا الكَلامَ عَلى ذَلِكَ في مُفَصَّلاتِ كُتُبِ النَّحْوِ، ثُمَّ إنَّ هَذا البَحْثَ إنَّما يَتَأتّى مَعَ مَن لَمْ يَجْعَلْ لامَ إلْياسَ لِلتَّعْرِيفِ، أمّا مَن جَعَلَها لَهُ فَلا يَتَأتّى البَحْثُ مَعَهُ، وقِيلَ: هو جَمْعُ إلْياسِيٍّ بِياءِ النِّسْبَةِ فَخُفِّفَ لِاجْتِماعِ الياءاتِ في الجَرِّ والنَّصْبِ، كَما قِيلَ: أعْجَمِينَ في أعْجَمِيِّينَ وأشْعَرِينَ في أشْعَرِيِّينَ، والمُرادُ بِالياسِينِ قَوْمُ إلْياسَ المُخْلِصُونَ، فَإنَّهُمُ الأحِقّاءُ بِأنْ يُنْسَبُوا إلَيْهِ، وضُعِّفَ بِقِلَّةِ ذَلِكَ، وإلْباسِهِ بِإلْياسَ، إذا جُمِعَ، وإنْ قِيلَ: حَذْفُ لامِ إلْياسَ مُزِيلٌ لِلْإلْباسِ، وأيْضًا هو غَيْرُ مُناسِبٍ لِلسِّياقِ والسِّباقِ، إذْ لَمْ يُذْكَرْ آلُ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ”آلَ ياسِينَ“ بِالإضافَةِ، وكُتِبَ في المُصْحَفِ العُثْمانِيِّ مُنْفَصِلًا، فَفِيهِ نَوْعُ تَأْيِيدٍ لِهَذِهِ القِراءَةِ، وخَرَجَتْ عَنْ أنَّ ياسِينَ اسْمُ أبِي إلْياسَ، ويُحْمَلُ الآلُ عَلى إلْياسَ، وفي الكِنايَةِ عَنْهُ تَفْخِيمٌ لَهُ، كَما في آلِ إبْراهِيمَ عَنْ نَبِيِّنا ﷺ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الآلُ مُقْحَمًا عَلى أنَّ ياسِينَ هو إلْياسُ نَفْسُهُ.

وقِيلَ: ياسِينُ فِيها اسْمٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَآلُ ياسِينَ آلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في ”سَلامٌ عَلى آلِ ياسِينَ“ نَحْنُ آلَ مُحَمَّدٍ آلُ ياسِينَ.

وهُوَ ظاهِرٌ في جَعْلِ ياسِينَ اسْمًا لَهُ ﷺ، وقِيلَ: هو اسْمٌ لِلسُّورَةِ المَعْرُوفَةِ، وقِيلَ: اسْمٌ لِلْقُرْآنِ، فَآلُ ياسِينَ هَذِهِ الأُمَّةُ المُحَمَّدِيَّةُ أوْ خَواصُّها.

وقِيلَ: اسْمٌ لِغَيْرِ القُرْآنِ مِنَ الكُتُبِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ السِّياقَ والسِّباقَ يَأْبَيانِ أكْثَرَ هَذِهِ الأقْوالِ.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ ”عَلى الياسِينَ“ بِوَصْلِ الهَمْزَةِ وتَخْرِيجِها يُعْلَمُ مِمّا مَرَّ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَن قَرَأ مَعَهُ فِيما سَبَقَ إدْرِيسَ ”سَلامٌ عَلى ادْراسِينَ“، وعَنْ قَتادَةَ ”وأنَّ إدْرِيسَ“، وقَرَأ ”عَلى إدْرِيسِينَ“، وقَرَأ أُبَيٌّ ”عَلى إيلِيسَ“، كَما قَرَأ: ”وإنَّ إيلِيسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ“.

37:133–138Page 451

وَإِنَّ لُوطٗا لَّمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٣٣

And indeed, Lot was among the messengers.

إِذۡ نَجَّيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥٓ أَجۡمَعِينَ ١٣٤

[So mention] when We saved him and his family, all,

إِلَّا عَجُوزٗا فِي ٱلۡغَٰبِرِينَ ١٣٥

Except an old woman [i.e., his wife] among those who remained [with the evildoers].

ثُمَّ دَمَّرۡنَا ٱلۡأٓخَرِينَ ١٣٦

Then We destroyed the others.

وَإِنَّكُمۡ لَتَمُرُّونَ عَلَيۡهِم مُّصۡبِحِينَ ١٣٧

And indeed, you pass by them in the morning

وَبِٱلَّيۡلِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٣٨

And at night. Then will you not use reason?

﴿وإنَّ لُوطًا لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ نَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عَجُوزًا في الغابرين﴾ ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ سَبَقَ بَيانُهُ في الشُّعَراءِ، ﴿وإنَّكُمْ﴾ يا أهْلَ مَكَّةَ ﴿لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ﴾ عَلى مَنازِلِهِمْ في مَتاجِرِكم إلى الشّامِ، فَإنَّ سَذُومَ في طَرِيقِهِ ﴿مُصْبِحِينَ﴾ داخِلِينَ في الصَّباحِ ﴿وبِاللَّيْلِ﴾ قِيلَ: أيْ ومَساءً بِأنْ يُرادَ بِاللَّيْلِ أوَّلُهُ، لِأنَّهُ زَمانُ السَّيْرِ، ولِوُقُوعِهِ مُقابِلَ الصَّباحِ، وقِيلَ: أيْ نَهارًا ولَيْلًا، وهو تَأْوِيلٌ قَبْلَ الحاجَةِ، ولِذا اخْتِيرَ الأوَّلُ، ووَجْهُ التَّخْصِيصِ عَلَيْهِ، بِأنَّهُ لَعَلَّ سَدُومَ وقَعَتْ قَرِيبَ مَنزِلٍ يَمُرُّ بِها المُرْتَحِلُ عَنْهُ صَباحًا والقاصِدُ مَساءً، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: لَوْ أُبْقِيَ عَلى ظاهِرِهِ، لِأنَّ دِيارَ العَرَبِ لِحَرِّها يُسافَرُ فِيها في اللَّيْلِ إلى الصَّباحِ، خَلا عَنِ التَّكَلُّفِ في تَوْجِيهِ المُقابَلَةِ، ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أتُشاهِدُونَ ذَلِكَ فَلا تَعْقِلُونَ حَتّى تَعْتَبِرُوا بِهِ، وتَخافُوا أنْ يُصِيبَكم مِثْلَ ما أصابَهُمْ، فَإنَّ مَنشَأ ذَلِكَ مُخالَفَتُهم رَسُولَهُمْ، ومُخالَفَةُ الرَّسُولِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَكم.

37:139Page 451

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٣٩

And indeed, Jonah was among the messengers.

﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ يُرْوى عَلى ما في البَحْرِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - نُبِّئَ وهو ابْنُ ثَمانٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وحُكِيَ في البَحْرِ: أنَّهُ كانَ في زَمَنِ مُلُوكِ الطَّوائِفِ مِنَ الفُرْسِ، وهو ابْنُ مَتّى بِفَتْحِ المِيمِ وتَشْدِيدِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ مَقْصُورٌ، وهَلْ هَذا اسْمُ أُمِّهِ، أوْ أبِيهِ؟ فِيهِ خِلافٌ، فَقِيلَ: اسْمُ أُمِّهِ، وهو المَذْكُورُ في تَفْسِيرِ عَبْدِ الرَّزّاقِ، وقِيلَ:

صفحة 143

اسْمُ أبِيهِ، وهَذا - كَما قالَ ابْنُ حَجَرٍ - أصَحُّ، وبَعْضُ أهْلِ الكِتابِ يُسَمِّيهِ يُونانَ بْنَ مائِيٍّ، وبَعْضُهم يُسَمِّيهِ يُونَهْ بْنَ امْتَيايَ، ولَمْ نَقِفْ في شَيْءٍ مِنَ الأخْبارِ عَلى اتِّصالِ نَسَبِهِ، وفي اسْمِهِ عِنْدَ العَرَبِ سِتُّ لُغاتٍ تَثْلِيثُ النُّونِ مَعَ الواوِ والياءِ والهَمْزَةِ، والقِراءَةُ المَشْهُورَةُ بِضَمِّ النُّونِ مَعَ الواوِ. وقَرَأ أبُو طَلْحَةَ بْنُ مُصَرِّفٍ بِكَسْرِ النُّونِ قِيلَ: أرادَ أنْ يَجْعَلَهُ عَرَبِيًّا مُشْتَقًّا مِن أنِسَ، وهو كَما تَرى،

37:140Page 451

إِذۡ أَبَقَ إِلَى ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ ١٤٠

[Mention] when he ran away to the laden ship.

﴿إذْ أبَقَ﴾ هَرَبَ، وأصْلُهُ الهَرَبُ مِنَ السَّيِّدِ، لَكِنْ لَمّا كانَ هَرَبُهُ مِن قَوْمِهِ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ كَما هو الأنْسَبُ بِحالِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - حَسُنَ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ، فَهو إمّا اسْتِعارَةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ مِنَ اسْتِعْمالِ المُقَيَّدِ في المُطْلَقِ، والأوَّلُ أبْلَغُ، وقالَ بَعْضُ الكُمَّلِ: الإباقُ الفِرارُ مِنَ السَّيِّدِ بِحَيْثُ لا يَهْتَدِي إلَيْهِ طالِبٌ أيْ بِهَذا القَصْدِ، وكانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَرَبَ مِن قَوْمِهِ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ سُبْحانَهُ إلى حَيْثُ طَلَبُوهُ، فَلَمْ يَجِدُوهُ فاسْتُعِيرَ الإباقُ لِهَرَبِهِ بِاعْتِبارِ هَذا القَيْدِ لا بِاعْتِبارِ القَيْدِ الأوَّلِ، وفِيهِ بَعْدَ تَسْلِيمٍ اعْتِبارُ هَذا القَيْدِ عَلى ما ذَكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّهُ لا مانِعَ مِنَ اعْتِبارِ ذَلِكَ القَيْدِ، فَلا اعْتِبارَ بِنَفْيِ اعْتِبارِهِ، ﴿إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾، المَمْلُوءِ.

37:141Page 451

فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُدۡحَضِينَ ١٤١

And he drew lots1 and was among the losers.

﴿فَساهَمَ﴾ فَقارَعَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَن في الفُلْكِ، واسْتَدَلَّ بِهِ مَن قالَ بِمَشْرُوعِيَّةِ القُرْعَةِ.

﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ فَصارَ مِنَ المَغْلُوبِينَ بِالقُرْعَةِ، وأصْلُهُ المَزْلَقُ اسْمُ مَفْعُولٍ عَنْ مَقامِ الظَّفَرِ.

يُرْوى أنَّهُ وعَدَ قَوْمَهُ العَذابَ وأخْبَرَهم أنَّهُ يَأْتِيهِمْ إلى ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَلَمّا كانَ اليَوْمُ الثّالِثُ خَرَجَ يُونُسُ قَبْلَ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ تَعالى لَهُ، فَفَقَدَهُ قَوْمُهُ، فَخَرَجُوا بِالكَبِيرِ والصَّغِيرِ والدَّوابِّ، وفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ والِدَةٍ ووَلَدِها، فَشارَفَ نُزُولُ العَذابِ بِهِمْ، فَعَجُّوا إلى اللَّهِ تَعالى وأنابُوا، واسْتَقالُوا، فَأقالَهُمُ اللَّهُ تَعالى وصَرَفَ عَنْهُمُ العَذابَ، فَلَمّا لَمْ يَرَ يُونُسُ نُزُولَ العَذابِ اسْتَحى أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ، وقالَ: لا أرْجِعُ إلَيْهِمْ كَذّابًا أبَدًا، ومَضى عَلى وجْهِهِ، فَأتى سَفِينَةً، فَرَكِبَها، فَلَمّا وصَلَتِ اللُّجَّةَ وقَفَتْ، فَلَمْ تَسِرْ، فَقالَ صاحِبُها: ما يَمْنَعُها أنْ تَسِيرَ إلّا أنَّ فِيكم رَجُلًا مَشْؤُومًا، فاقْتَرَعُوا لِيُلْقُوا مَن وقَعَتْ عَلَيْهِ القُرْعَةُ في الماءِ، فَوَقَعَتْ عَلى يُونُسَ، ثُمَّ أعادُوا، فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ أعادُوا، فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ رَمى بِنَفْسِهِ في الماءِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском